الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (899) الخميس 30 ذي القعدة 1430 هـ/19 تشرين الثاني 2009

الثقافية

محنة القصة القصيرة جدا

ابراهيم سبتي

بعد صدور كتاب انفعالات لناتالي ساروت عام 1932. انتبه كتاب القصة الى فن جديد يشبه القصة القصيرة ، لكنه يختلف عنه في بنائهاوشكلها اطلق عليه القصة القصيرة جدا . ويعد (انفعالات) اول بادرة موثقة تؤرخ لبداية هذا الفن الجديد ، وكانت ترجمته الى العربية في السبعينيات قد نبه القصاصين الى هذا النوع من القص ، فبدات تظهر في الصحف والمجلات المتخصصة ، قصصا قصيرة جدا كان تاثير ساروت واضحا عليها. وبالرغم من ان مرحلة الرواد في القصة العراقية كانت تهتم بالنص لابشكله ، فقد ظل تطور النص الشغل الشاغل لقصاصي تلك المرحلة حتى صار من الصعب احداث أي تغيير في التكنيك العام للقصة فظل الاشتغال على النص وحده ، لكن بعض الخروقات قد حدثت في نمط كتابة القصة في ذلك الجيل ، كانت عبارة عن طفرات فنية اشرت مدى الحاجة الى تنويع الأساليب والدخول في تقنية القصة من باب الوعي بضرورة مواكبة تطور الأدب في العالم ..

فنشر في الأربعينيات المحامي يؤيل رسام قصصا قصيرة جدا كما يقول الناقد باسم عبد الحميد حمودي ،فعد ذلك بداية لظهور هذا الفن في العراق .. ثم تلاحقت التجارب حتى بلغت درجة كبيرة من النضج الفني في مرحلتي الستينيات والسبعينيات ، فنشرت بثينة الناصري في مجموعتها (حدوة حصان ) الصادرة عام 1974 قصة اسمتها ( قصة قصيرة جدا ) .. ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته ( القطار الليلي ) الصادرة عام 1975 ، ونشرها عبد الرحمن مجيد الربيعي في نفس الفترة وكذلك جمعة اللامي واحمد خلف وإبراهيم احمد.

ويبدو ان تطور وعي القاص واطلاعه على التجارب العربية والعالمية وتحليل النتائج المستخلصة ، أدى الى إنتاج نوع اخر من القصة يختلف كليا عن ما هو سائد أصلا ، مع إن بعض الدلائل تشير الى ان هذا الفن بدأ عراقيا في الأربعينيات ـ مقارنة بظهوره عربيا ـ لو استثنينا تجربة القاص اللبناني توفيق يوسف عواد الذي اصدر مجموعته القصصية ( العذارى ) عام 1944 واحتوت على قصص قصيرة جدا لكنه اسماها ( حكايات).

وكان لمواكبة مجريات العصر والتطور التقني الهائل دوره في ولادة هذا الفن مع عد أي تطور مادي ملموس في الحياة يصحبه تطورا في المجال الادبي حتما..

 وبذلك برزت القصة القصيرة جدا معبرة عن وقائع الحياة السريعة التي تتطلب الاختصار في كل شئ .. فهي ليست وليدة اللحظة إذا ، آو إنها فن سهل الكتابة كما يتصور بعضهم ، بل هي من الفنون الصعبة وعملية التحكم بها لا تقل أهمية وصعوبة عن ابداع أي نص قصصي اخر ، وماتحتويه عناصر القصة ذاتها من مقدمة ومتن وخاتمة وبالتالي فهي تحتاج تكنيك خاص في الشكل والبناء ومهارة في سبك اللغة واختزال الحدث المحكي والاختصار في حجم الكلمات المعبرة عن الموضوعة المطروحة.

من هنا كان التغيير في شكل القصة مهماً على الدوام كما تقول ناتالي ساروت ( ان مهمة الفن التجديد والتجدد والاستمرار ) في حين ان فن القصة القصيرة جدا سيصبح قديما بعد حين ، بعد ان يكون كتاب القصة قد ابتكروا شيئاً اخر في ضوء الحركة الدائمة للأشياء والمتغيرات السريعة للعصر..

يقول ابن قتيبة المتوفى عام 276 هجرية بهذا الصدد ( ان كل قديم كان محدثا في زمانه ، كما ان كل مايعد محدثا في زمن ما سيصير قديما بمرور الايام والسنين).

فظهور القصة القصيرة جدا ليس غريبا او مفاجئا ( رغم التأثر الواضح بساروت ) لاسيما ان الادب العربي شهد ظهور حركات تجديدية كثيرة وخاصة في الشعر ولكنها لم تؤثر في استمرار يته ولم تهدد وجوده..

ففي العصر العباسي الثاني ظهرت فنونا شعرية متعددة مثل القوما والدوبيت والكان كان ، وظهرت الموشحات في الاندلس وكانت حينها خروجا على اعاريض الخليل المعروفة ، وظلت محاولات التجديد مستمرة على شكل القصيدة حتى بدايات القرن العشرين حين ظهرت جماعة الديوان وابولو والمهجر ، وفي الاربعينيات ظهرت قصيدة التفعيلة وكانت بمثابة حركة تجديد كبيرة وثورة في مسيرة الشعر العربي التقليدي ولكنها جميعا لم تؤثر في القصيدة العربية وظلت بحور الخليل تمثل ديوان العرب في كل العصور.

ونؤكد ان فن القصة القصيرة جدا لا يمكن ان يكون بديلا عن القصة القصيرة القائمة بذاتها .. فكل حركة ابداع لابد ان تاخذ حيزها من الانتشار والانفتاح كي تؤسس لها كيانا مستقلا.

وفي مجال القصة القصيرة جدا ، يحتاج القاص تعاملا خاصا مع معطيات التطور الذي جعله يقتنص اللحظة السريعة ويحولها الى ممارسة فنية تحتوي مواصفات القصة القصيرة ولكن بشكل اخر.

ان لجوء كتاب القصة الى هذا الفن ليست لانها اقل طولا من القصة المعروفة .. بل لقيمتها الفنية أولا ومهارة كاتبها ثانيا ، ذلك ان القاص لابد ان يتعامل بمهارة بطريقة البناء واختزال الحدث والاشتغال على مساحة اقل لا تحتمل المناورة من المفردات التي تؤدي الى المعاني الكبيرة التي تختصر السرد ، والقدرة على صنع الضربة النهائية بنجاح.

فكان لابداع القاص عاملا كبيرا في نجاح هذا الفن وتاسيس جنس ادبي مشتق من القصة القصيرة قائم على الالتزام بالقيم الجمالية والوعي ونقل العوالم المادية المحسوسة عبر لغة مكثفة..

عالميا يمكن عد ناتالي ساروت لها فضل الريادة في هذا الميدان ومن ثم كتبها بورخس وكالفينو وقد اعتمدوا التجريب والغرائبية في اخراج الحدث ومعالجته فنيا مع استخدام اللحظة العابرة كاساس في عملية القص..

ان كاتب هذا النوع من القصة ، قد التزم بكل محددات فن كتاب القصةالقصيرة جدا واضافوا لها بعدا فنيا يستند الى ثقافة الوعي والسعي للمحافظة على جدية المصطلح .. ان الايقاع السريع للحياة وزيادة الخزين الثقافي للقاص اهلته للقيام بدوره في ابداع القصة القصيرة جدا التي تعتمد التكثيف والاختزال والضربة والمقدرة اللغوية والموضوعة المستندة من الواقع والتخيل وعلى اسس عصرية تقوم على تعقد وتشابك تفاصيل الحياة في ظل التقدم التقني وثورة المعلومات الهائلة..

وعندما كتبت ساروت قصصها في ( انفعالات ) كان تاثيره مهما في الساحة الادبية الفرنسية والعالمية على حد سواء .. فقد ظهر لون جديد من فنون النثر القصصي حفز الاخرين على الاسهام في ترسيخه وانجاح فنية المصطلح الجديد .. حتى ان ساروت في كتابها اسهمت وبشكل مؤثر ، في اظهار مجموعة جديدة من الادباء الفرنسيين اطلعت بمسؤولية الكتابة الجديدة والدفاع عنها امثال بيكت ـ ميشيل بوتور ـ سارويان ـ سولير .. استخدمت ساروت تقنية متفردة في اظهار الجوانب الغريبة في القصة القصيرة جدا التي يسميها نقاد الادب بالاقصوصة وتتلخص في التكثيف والايحاء والايجاز..

ومثلت هذه التقنية الانطلاقة الاكيدة لهذا الفن حسب رأي كثير من النقاد منهم توماس بيرنز الذي يقول ( ان سبب صعوبة الاقصوصة يترتب على ايجازها ان تكون العقدة يسيرة مباشرة ورسم الشخصيات موجزا محكما مقيدا بفحوى والعرض بليغا).

انتشر هذا اللون القصصي كونه فنا جديدا يستطيع القاص من خلاله اظهار ابداعه وبراعته ، عكس اعتقاد البعض من انه اسهل من القصة القصيرة ويمكن لاي كاتب ولو كان مبتدئا ان يتعامل معه..

وقد ضجت الصحف الثقافية خلال السنوات الماضية بهذا الفن الجديد ، فكتبه الكثير من القصاصين على اختلاف اعمارهم اضافة الى الكتاب الطارئين على القصة الذين حسبوا انهم وجدوا ضالتهم في القصة القصيرة جدا..

بعض الذين كتبوا هذا اللون ، اسهم فعلا وبجدارة في ترسيخه وتأسيس قاعدة متينة له من خلال نماذج استوفت شروط كتابته .. في حين توهم البعض الاخر بأن الاستسهال فيه سيضعهم في قائمة المتعاملين معه..

اعتمد النوع الاول من الكتاب في قصصهم القصيرة جدا على الوحدة الموضوعية والحكاية والتكثيف والايحاء والايجاز والمفارقة ، فجاءت نصوصهم ناضجة مستوفية اسباب نجاحها حتى ان بعضها ترك اثرا لقوتها ولكون كتابها يعون اسرار اللعبة التي تؤهلهم لدخول نادي القصة القصيرة جدا الذي اسسته ناتالي ساروت..

اما النوع الاخر من الكتاب فقد جاءت كتاباتهم بشكل خواطر فجة او اخبار او مقالة قصيرة سطحية عدوها قصصا قصيرة جدا متناسين ان هذا اللون يعتمد اساسا على الحدث المركز او المفارقة والايحاء وعلى العنوان الذي يعد اهم مفصل من مفاصلها..

يقول وولتر كامبيل في بحثه الموسوم الشكل في ا لقصة..

لدى محاولة كتابة الاقصوصة عليك ان تستعرض وتحلل العشرات منها وتتصفح مجلدات المجلات الادبية وتقرأ ماتجده من الاتجاهات الحديثة لهذا الشكل.

ويؤكد كاتب اخر ان انتاج اقصوصة صالحة للنشر يجب ان يكون التفكير فيها كثيرا وكتابتها ببطء وتأن.

وهذا مايؤكد صعوبة هذا الفن لا سيما ان كاتبه يجب ان يعي حقيقة عناصره ومقوماته ويدقق مايكتبه كما يقول باشلار ( المؤلف يجب ان يكون قارئا متيقظا الى اقصى حد).

نقديا لم يتم تناول تجارب القصة القصيرة جدا باهتمام يجعله يرصد تلك التجارب كاشفاالجوانب الفنية والتقنية فيها ، فكان تناول ما نشر من تجارب في هذا المجال لا يتعدى كونه مقالات متفرقة لا تدعو الى التركيز على هذا الفن كونه فنا جديدا وصعبا افرزته بعض الاسباب المتعلقة بالتطور السريع للحياة المعاصرة في جيع الاصعدة والوعي الذي وصل اليه كاتب القصة القصيرة الذي ثار على الانماط التقليدية مقتحما اساليب الحداثة المدعومة بالخطابات المعاصرة في تناول لغة القص وبناء النص وصياغة الحكاية..

فكانت بعض المحاولات النقدية تتناول القصة القصيرة جدا وكأنها خارج نطاق التنظير ولم يتسن لهم اعلان موقف حاسم منها..

لقد تحمل القاص ضرورات الوعي والتجديد في استنتاج خلاصة الابداع الادبي المعاصر فابصر نتاجه النور بعد محاولات وتردد خشية اقتحام الساحة القصصية الصعبة المرتكزة على مهارة الصنعة وقوانين الكتابة ، فكانت تلك المحاولات قد جاءت معبرة عن ضرورة ملحة في تاسيس جنس ادبي ينتمي الى فن القصة ولكنه يختلف بناء وصياغة..

وكان لابد من ان ينتبه الى هذه المحاولات وتأشيرها وعدها ضربا جديدا تضافرت عدة عوامل على اظهاره بهذا الشكل الذي نراه اليوم من الاهتمام باللغة المصاحبة للضربة النهائية ومختصرة الكثير من المراحل التي تحتاج لها القصة القصيرة..

فيكون القاص قد ادرك تماما ماذا بوسعه عمله لانتزاع اعجاب الاخر المتحفز لالتقاط مواضع الابهار في النص.

 وهذا مااكد عليه بعض النقاد الذين تعمقوا في دراسة النص كوحدة لها خصوصيتها ونجد رولان بارت في كتابه ـ درجة الصفر المئوي ـ يؤكد تلك الحقيقة بقوله ان النص الادبي هو وحدة مستقلة ومتكاملة..

ان النقد القصصي يمر بخمول نسبي قد يكون متأتيا من عزوف اكثر النقاد عن الكتابة وتاشير تجارب القصة القصيرة جدا تحديدا وتركها تدور حول نفسها اذ لم تجد مايكتب عنها . وليست المشكلة كما يراها البعض في قلة النصوص المنشورة ضمن هذا اللون ، وانما في مستويات الذائقة والرؤية الموضوعية والتقنية التي تقدما هذه النصوص..

وهكذا يكون النص القصصي القصير جدا قد ألب بعض النقاد عليه في حين صفق له نقاد اخرون وباركوه وعدوه وليدا قويا من رحم القصة القصيرة .. وبرأينا ان هذا الفن قد جسد وعي القاص وامكانية دخوله الى عوالم اخرى من التجدد والابتكار.

 

 

عـلـى حـــافـــة الـــحـــلم

محمد عطية محمود

تسللت الغفوة إلى عينيَّ المرهقتين، المداومتين على سهر تلك الليلة من كل عيد حتى الصباح. توسدت خلفية الكرسي. تلاحقت دقات على الباب. أسرعت بفتحه. حدّقت بعينيَّ متحققاً، مدهوشاً، حين وجدته. كان قد غادرني منذ فترة لم أعلم فيها أين ذهب، وكيف يعيش. وبمرور الأيام نسيت أن أسأل عنه.

داخلني إحساس بالرهبة، تداخلت معه رغبة في احتضانه بعنف. عبث بي الشك في أمره، حتى خُيّل إليَّ أني لا أعرفه. لكنني ضممته إلى صدري. تساءلت في نفسي: "كم مر منذ غادرني؟.

تلمست ملابسه البيضاء الناصعة. امتدت يدي تحتضن يده، تذوب فيها، تكاد تختفي. أحسست بمجرى دافئ يخترق صدري نحو عينيَّ، اللتين اغرورقتا بالدمع، ثم انهمر منهما على يديه الناصعتين. تذكرت أنه كان كثيف شعر اليدين..

سعت أناملي تتحسس وجهه النافث برائحة طيبة تعطر ما بيننا. تسرب الهدوء إلى داخلي. حفّ بدني الدفء، رغم صرير الرياح من خلال زجاج نافذتي المكسور. كان قد غادرني في ليلة عاصفة.

احتلت مخيلتي أشياءُ كثيرة. تقافزت في عقلي أسئلة دون إجابات. استراح إلى مقعده القديم. نظرت في عينيه الصافيتين، اللتين تحاشيتهما منذ رأيته، اقتربت منهما أكثر. "أين كنت!؟" اقترب السؤال من لساني. وضع يده على فمي. غشيني صمت ثقيل.

بالأمس رأيتني معه في أرجوحة خشبية قديمة، تدور في فضاء حجرة معتمة. دارت بنا عدة دورات، ثم انقلبت. وجدتني واقفاً عند باب الحجرة الذي انفتح على الطريق، بينما أطبقت الأرجوحة عليه. تراءت لي أشباح تعدو على حائط الحجرة. اتشح كل شيء بالسواد.

تنهدت بارتياح: لكنك لا تعلم عني شيئاً في... قاطعني: كل شيء ميسّرٌ لغاية.

ترددت لحظة، ثم صحبته عبر الردهة محتوياً كتفه بذراعي... تتخطى قامتي قامته بقليل. تمدد على حافة السرير. أعطاني مسبحته ناظراً إليّ في رضى. رنت ابتسامته، صحبها أريج تحسسته في قاع ذاكرتي.

كان ثمة بيت عنكبوت يحتل ركن السقف، لم يعد له وجود في تلك اللحظة. دوّت في نفسي فرحة ليلة العيد التي كان يصحبني فيها حتى الصباح. في استحياء خرجت كلماتي: لا تنسَ موعدنا مع الصلاة.

جفلت راضياً. هرعت أجهز أشيائي للصلاة، تغمرني فرحة صبيانية. استرحت إلى كرسيّ ممسكاً بالمسبحة، يشمل جسدي خدر يدغدغ حواسي. تعالت التكبيرات حتى ملأت ما حولي. حين داهمتني الشمس بأشعتها، أحسست بشيء يتسرب من بين يديّ، وقد تشنجتا عليه. أفقت ينازعني انقباض في صدري، بينما توزعت نظراتي على أشياء كثيرة، لكنها ما لبثت أن احتوت جلباب العيد الماضي، والمسبحة، المعلقين على المشجب المواجه.

 

 

مهرجان القدس عاصمة الثقافة العربية

صلاح النبراس

اقامت وزارة الثقافة مهرجان ايام الثقافة الفلسطينية بمناسبة اختيار القدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009 على قاعة المسرح الوطني للفترة من 17/ 11/ 2009 لغاية 19/ 11/ 2009. وتضمن كرنفال هذه الاحتفالية معارض لكتب وفعاليات موسيقية وعرضو مسرحية وقراءات شعرية، شاركت في هذا المهرجان دار الشون الثقافية العامة من خلال (معرض الكتاب) بعرض 500 عنوان في مجلاتها واصداراتها الحديثة بمختلف المجالات الثقافية والعلمية والدينية والاجتماعية والتي شاهدت اقبال منقطع النظير من قبل الجمهور في شراء اصداراتها المتميزة.

 

 

قصة قصيرة

رحيل اخر الشعراء الصعاليك

داود سلمان الكعبي

قلت له دعني التقط معك بعض الصور لأني أرى ان هذه أيامك الأخيرة ، فلم يمانع فأخذت معه  أكثر من صورة، انه الشاعر (صباح  العزاوي) الذي ودعنا في الخامس من تشرين الثاني بعد معاناة طويلة ومريرة مع المرض والذي لم يمنحه ساعة من الراحة الجسدية . العزاوي يُعتبر اخر الشعراء الصعاليك حيث عاش مشرداً يسكن الارصفة ويجلس في المقاهي ، ولا اذكر انه دخل مطعماً محترماً واكل ماتشتهيه نفسه من الأكلات الشهية الباهضة التكاليف ، والسبب ان جيبه دائماً تعصف فيه الرياح ، لكنه كان مدمناً على قراءة الكتب فلم أشاهده مرة او اجلس معه على طاولة واحدة الا و أجده يصطحب كتابا ادبيا او فكرياً يطالعه ، كان العزاوي نهماً وشغوفاً بقراءة كل ما يقع تحت يديه إضافة الى انه كان صاحب طرفة يهجو ويسخر من كثير من الشخصيات السياسية ، ويكتب اغلب قصائده في المقهى.

الشاعر قد عانى وذاق الامرين، في عهد النظام السابق سجن وعذب ويعد معارضاً سياسياً ، لأنه كان يهجو ذلك النظام ويسخر منه حتى حقن بحقنة أفقدته بعض عقله حيث كانت نية النظام ان يقتلوه ليتخلصوا من سلاطة لسانه وهجاءه لهم ، لكنه ظل يواصل مسيرة الابداع متحديا ً  المرض . دخل المشفى أكثر من مرة وخرج بوصايا الأطباء : ان ينتبه الى حالته الصحية ويتغذى وينام جيداً ويترك همومه جانباً وبعكسه سوف يموت ولم يستمر طويلاً كما أشار الأطباء ، لكن كيف للشاعر ان يوفر او تتوفر له هذه الأشياء من الراحة والأكل الجيد وبانتظام والنوم على سرير مريح تداعب عيونه أحلام المستقبل ، وأين هذا المستقبل ، انه كالسراب الذي يتصوره الظمأن ماءً.

في الزمن الحالي ظن الشاعر انه سوف يغادر الزمن المر وان حياته سوف تصبح وردية وأحلامه بنفسجية ومستقبلية زاهرة ، ظن الشاعر كل ذلك كما يظن سواه من المثقفين والمبدعين والكتاب ، لكن الوضع كان بعكس ما توقع الجميع لم تتلطف أي وزارة او جهة ثقافية من انتشال العزاوي من وضعه المرير وتعتني به او تصرف له مكافئة مالية يستعين بها على تقلبات دهره وسكاكين زمانه، او حتى تدخله إحدى المستشفيات لغرض العلاج وعودة صحته الى سالف عهدها ابداً لا هذا ولا ذاك ، بل ظل الشاعر يعاني ما يعانيه وحده الا الشعر والقراءة اللذين كانا سلوته اناء الليل وأطراف النهار.

كنت أراه صباح كل جمعة في شارع المتنبي  فاسلم عليه واحياناً يطلب مني حاجة فاقضيها له واحياناً اخرى انا الذي أبادره بالكلام وأسئلة هل يطلب شيئاً فيقول : لا.

واخيرا غادرنا الشاعر وكلمة عتاب مرسومة على محياه ، كأنه غاضبا علينا لأننا لم نقف بجانبه نواسيه ونشاطره محنته وآلامه ، لكننا هجرناه وأهملناه كما هملته المؤسسات الثقافية ، رحل والحسرة تملأ فؤاده ، رحل ولم يسمع منا كلمة ( الوداع).

 

 

أشياء أزهرت في الفكين

محمد الشيباني

تشبه كل شيء

ولا يشبهك شيء سواك

قرقعة مثل هذه

لا أظنها ستعرف بـ:

الحكيم وجذر الحكايات الضارب عميقاً

في الهاجس الناحل

البسيط مثل أحلام "الأيهم" والذين معه في الطفولة

الزاهد إلا من الحب

والماء غير المكسور

القليل المتكاثر في القول

الصعلوك هائشاً خمساً وستين سنة

بمزاج راع يتفشى فينا

مثل غيمات نيسان في القرى

فاتحو الكوى القديمة

هم أيضا فاتحوا "بوك" الأيام الحميم

وكلهم مثقل بضجة سؤال

تنقشه الرغبة مثل حناء

من أين ابتدأت الآهة البكر "أيها الولد"؟

هل من أزقة قرية معلقة على جبل "التعكر

حيث لم تزل الأمُّ ترعاك مثل طفل

ربما من "قاهرة" الرهائن

المقدودة من جبل أحمر

ومن قيدين صدئين حفرا كثيراً في عظام

ابن الثامنة

هي عند بعضهم

من صفحات الكتب الممنوعة

التي وصلت إلى المضاربة والخبوت

قبل قرن منصوف

وهي عند الشاعر

من طرقات الأصابع الخجلى للقصيدة

الأولى على باب غير مغلق في الضلوع

اسمه القلب

ومع كل ذلك لا بد للمغني أن

يتعالى بصوته المصفى

المغني بوجنتين يابستين

لأن نايات القصب المائي أزهرت

في الفكين الطريين

ولا بد للطائر أن يحضر برفيفه

بعينيه الحادتين

لأن كل ما هو معشش في الرأس

يقرأ  فضولنا من شاهق "أيها الولد

القريب من اللوعة

نفسه القريب من الفقد

فلا يستأنس الكائن

بما يمكن اعتباره مدخلا للألم

ولهذا السبب "أيها الولد

سنفصح عن مدوناتنا المخفية

التي كثيراً ما نؤجل إشهارها

لنكتشف لاحقاً أننا أسانا

تخزينها

مثل معلبات

منتهية الصلاحية

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق