|
متون متجاورة متساكنة
الشعر من السماع والقراءة إلى التفاعل
باقر جاسم محمد
لقد أنجز الشعر، عبر تأريخه الطويل، بناء جملة من الأسس المهمة في
التلقي والاستقبال، وحقق لنفسه، في هذا المجال، سياقاً يعتمد أصلاً على
الطبيعة الخطية للغة، سواء حين يكون التلقي سماعاً من خلال إنشاد
الشاعر لنصه الشعري، أم حين يكون التلقي قراءة عبر الوسيط التدويني
الورقي. وقد استقر السياق الخطي حتى صار عرفاً مسلماً بين الشاعر
وقارئه مدعوماً من استمرار النتاج الشعري على وتيرة واحدة هي الارتباط
الوثيق بالوسيط الكلامي في الإنشاد/ السماع، والتدويني الورقي في
الكتابة/ القراءة، حتى صار هذا العرف الموغل في القدم من أهم عوائق أي
محاولة لكسر الأداء الخطي للغة واستحداث طرق بث لسانية شبكية ومتفرعة
لا تقوم على البث اللساني الخطي، ذلك البث الذي أفرز بدوره آلية خطية
في الفهم والاستيعاب جعلت تلقي النصوص غير الخطية غاية في الصعوبة.
ومن هنا كان ظهور القصيدة التفاعلية قد ارتبط بجملة من التطورات
العلمية والتقنية في مجال الحاسوب والانترنت. وهذا الارتباط لم يكن
تضايفياً، أعني أنه ليس نتاج إضافة بعض ممكنات الحاسوب والانترنت إلى
الكتابة التقليدية، وإنما هو ارتباط وظيفي أتاح لنا الكشف ليس فقط عن
أهمية البث غير الخطي للنص الشبكي الشعري، وإنما أيضاً عن الممكنات
الهائلة التي ينطوي عليها هذا الضرب الحديث من الإنشاء الشعري. وهي
ممكنات تومئ إلى تشكل جديد للشعر يتجاوز كل ما هو مألوف أو سائد من
ضروب الكتابة والإنشاء الشعري إلى الحد الذي قد يمكننا من القول بأننا
على أبواب ولادة جنس أدبي/ فني جديد هو الشعر التفاعلي. فاختلاف الوسيط
من الورق إلى الشاشة الزرقاء وجهاز الحاسوب والانترنت لم يمدَّ القصيدة
بوسائل تقنية شكلية فحسب، وإنما أثر في طبيعة البث الشعري ونقله من
الخطية إلى الشبكية، وأثر في طبيعة الإنشاء الشعري من حيث أنها لم تعد
محض فن كلامي فحسب، إنما اقترنت بجملة من الفنون البصرية كالرسم والنحت
والتصوير السينمائي، والفنون السمعية: الموسيقى والغناء، وبذلك لم يعد
لدينا فن قولي واحد يتمثل في النص الشعري، وإنما صارت لدينا حزمة من
الفنون القولية والأدائية والبصرية والسمعية، وهذه الحزمة تعمل بوصفها
متوناً متجاورة ومتضافرة في إنتاج الأثر الكلي للمشهد السمعي البصري
الجديد. وغدت وظيفة الشاعر أكثر تعقيداً، لأنها لم تعد تقتصر على
التأليف التدويني المعروف، وإنما صارت مهمته تتضمن التـأليف والتوليف،
فضلاً عن انفتاح عمليتي التأليف والتوليف على ممكنات أخرى لإسهام
المتلقي في صوغ النص وإجراء تعديلات وإضافات عليه، حتى ليمكن القول بأن
النص الشعري التفاعلي ليس نصاً بعين، إنما نص متحول وفي حالة صيرورة
دائمة.
تقدم القصيدة التفاعلية نفسها بوصفها جنساً أدبياً جديداً وإن كان ذا
صلة لم تنقطع بالشعر. فهي شعر من حيث الانتماء والفعل؛ لكنها تخرج على
كثير من ضوابط الشعرية العربية، أو غير العربية، وسماتها التقليدية أو
الحداثية. وهي تقدم نفسها أيضاً بوصفها محاولة للخروج على كثير من
خصائص النص الشعري الورقي وأطره المألوفة والمستقرة، وذلك لكونها
تتعامل مع وسيط مختلف تماماً هو الحاسوب والشاشة الرقمية، ومع ما يمكن
أن يقدمه هذا الوسيط من ممكنات فنية وتقنية تؤثر في طبيعة الإنشاء
الشعري نفسها وفي عملية التلقي في آن واحد. ومن الناحية التداولية،
كانت الوسائل التقليدية في التوصيل الشعري تتسم بكونها تعتمد اللغة
الشفاهية أو المقروءة. وفي كلتا الحالتين كانت لغة تلقي النص الشعري
خطية على الدوام. فحين كان الشعر يلقى شفاهاً، كنا نستمع له، وكان
السماع خطياً، أعني أننا ننصت لبداية تقود إلى نهاية. وحين كان الشعر
يكتب في ورق أو يطبع، كنا نقرؤه، وكانت القراءة خطية أيضاً. أما حين
يؤلف شاعر أو منشئ القصيدة التفاعلية ويصمم مجموعة متونه الصوتية
والصورية والتدوينية، فإننا نقوم بمشاهدة العرض الشعري، ولا نقرأ نصاً
لسانياً فقط، فنسمع موسيقى ومؤثرات صوتية، ونشاهد لوحات فنية وأشكالاً
هندسية وإيقونات، وفي الوقت نفسه نقرأ نصاً لسانياً مدوناً، وسيكون
ممكناً لنا أن نسهم في كتابة النص أو نضيف إليه أو نحور فيه، فضلاً عما
يقدمه لنا النص اللساني في القصيدة التفاعلية من الاحتمالات والمسارب
المتداخلة والمتعامدة مع بعضها أو المتفرعة عن بعضها، ومن خلال وسائل
تقنية تكنولوجية متنوعة، فتنتفي الحالة الخطية للتلقي بشكل نهائي، إذ
لا تعود هناك بداية ولا نهاية محددتان للنص، ومسار واحد لتشكل مادة
النص بين البداية والنهاية اللتين نختارهما نحن. وسيكون ممكناً أن ينمو
النص الشعري في أية لحظة باتجاهات مختلفة قد تكون رأسية أو عمقية أو
تراجعية أو متفرعة. وإذا كانت الخطية تشير إلى خصيصة زمنية في الإنصات
للشعر، وخصيصة مكانية في قراءة الشعر المدون، فإن للقصيدة التفاعلية
مزية مهمة هي أنها ذات بعد زماني يتعلق بما تتضمنه من الموسيقى
والمؤثرات الصوتية، التي هي جزء أساسي من القصيدة التفاعلية الرقمية.
ونحن نعلم أن الموسيقى والمؤثرات الصوتية توصف عادة بأنها من الفنون
الزمانية، فضلاً عن اللوحات الفنية التي تعد من الفنون المكانية. وبهذا
تكون القصيدة التفاعلية قد امتلكت خصيصة مكانية ذات أبعاد رباعية
زمانية ومكانية، وليست خطية، من خلال الصور الفنية والتشكيلات الهندسية
المجسمة والموسيقى والغناء(1). وحتى النص أو المتن اللساني المدون نفسه
سيكون مؤلفاً من طبقات تلغي الكينونة الخطية ويجري إنتاجها من خلال
الأيقونات لتشكل نمواً وتفرعاً عرضياً للنص، مما يجعله في حالة تحول
وتغير ويقبل أن نبدأ قراءته من مواضع مختلفة جداً. فالقصيدة الرقمية
التفاعلية ليست نصاً لسانياً أضيفت له لوحات فنية وأرفق بموسيقى عالمية
أو محلية، وإنما هي نص معقد من كل هذه المكونات بوصفها متوناً متجاورة
وتحظى بالأهمية نفسها، ولم يعد النص اللساني سوى عنصر تكويني واحد من
عناصر أخرى. ويتطلب هذا النوع الصعب من الأداء، المفضي إلى إحداث
تأثير جمالي وفكري متميز، ذائقة جمالية مختلفة, وهو يستفيد من
التكنولوجيا ويدمجها في صلب عملية الإنشاء والتلقي، دون أن يغيب عنه
الهدف الجمالي في نهاية المطاف. وتتسم موارد التأثير هذه بالتنوع في
مداخلها إلى النفس، لأنها تتلقى النص من خلال حاستي البصر والسمع، وليس
البصر فقط، فضلاً عن الحركات الحسية لليدين أثناء إسهام المتلقي في
عملية إنشاء النص، فضلاً عن سعة ممكناته التأويلية، والخصوبة والجدة
اللتين تتحققان في لحظة التفاعل والمشاركة في توجيه بناء النص وإدخال
تغييرات جوهرية في شكله ومحتواه. وهي لحظة تتجاوز كثيراً طرائق التلقي
السابقة، مما يسوغ إطلاق صفة التفاعلية على هذا النمط من القصائد(2).
والحقيقة أن خصائص النص الشعري التقليدية التي عصفت بها القصيدة
التفاعلية، وغيرتها على نحو جوهري، تتوزع كالآتي:
1-وحدة مادة النص وثباتها: إن وحدة مادة النص سمة قارة في النصوص
الأدبية كافة، بصرف النظر عن الجنس الأدبي الذي تنتسب إليه. وأعني
بوحدة النص أننا يمكن أن نقرأ نقدياً قصيدة "أنشودة المطر" للسياب،
مثلاً، وأن نتدارسها وتظل القصيدة مرقومة بعدد محدد من الكلمات والجمل
والعبارات الشعرية. وقد رسمت أو طبعت على نحو يراعي خصائص شعر
التفعيلة، وفيها صياغات لسانية شاخصة لها طابع موضوعي. ويمكن لنا أن
نصف ما فيها من وزن أو أوزان شعرية وما تنطوي عليه من مظاهر بلاغية
وأسلوبية وصور شعرية, وأن نحصي ذلك بدقة وشمول، فلا يعود بالإمكان أن
يضاف إلى ما أحصيناه شيء. وهذا ما يمثل المظهر الموضوعي للنص الأدبي،
لأنه مكتمل وذو وجود فيزيائي محسوس. وترتبط وحدة مادة النص اللسانية
بالحفظ الشفاهي من جهة، وبالتدوين الكتابي التقليدي من جهة أخرى. ولعل
مسألة الانتحال في الشعر الجاهلي قد استندت أساساً إلى فكرة القدرة
الخارقة على حفظ النصوص، كما هي، وبدون أي تغيير، شفاهياً، لأن الشعر
الجاهلي لم يدون. ونعتقد بأن القرآن الكريم وحده هو ما حافظ على صورته
ومادته اللغوية دون تغيير أو تحوير أو زيادة أو نقصان. أما ما سوى
القرآن الكريم فهو كله عرضة لشتى أنماط التغيير في الرواية. ويمكن لنا
أن نستثمر هذا المعيار، مثلاً، عند قراءة رواية "موسم الهجرة إلى
الشمال" للطيب صالح، وقصة "تاج لطيبوثة" لمحمد خضير، وقصيدة "المقصورة"
للجواهري، ونص مسرحية "هاملت" لشكسبير، أو أي نص آخر. فنقول بوحدة هذه
النصوص وثباتها. والمتغير الوحيد في هذه الحالة هو القراءة والتأويل.
لكن القراءة والتأويل من مسؤولية القارئ، وهما يمثلان احتمالية مفتوحة
لعدد لا نهائي من القراءات والتأويلات، من الناحية النظرية في الأقل.
وتطيح القصيدة التفاعلية بهذا المبدأ لأنها تقوم على أساس إمكان زيادة
حجم المتن اللساني أو نقصانه أو تحويره. والأهم من هذا أن المتلقي مدعو
بصدق إلى الإسهام بفاعلية في مثل هذه التحويلات على النص الأصلي. أما
ثبات مادة النص، وأعني به أن النص التقليدي يتخذ سمة الثبات حين ينتهي
منه المؤلف، ولا يعود بالإمكان أن نضيف إليه شيئاً أو نحذف منه شيئاً.
وحين يضيف أحدنا شيئاً إلى النص أو يحذف منه، فإن عمله هذا يعد تحريفاً
للنص قد يتطلب الإدانة، لارتباط شكل النص بإرادة المؤلف التاريخي الذي
منح النص هذا الشكل لغاية معينة ترتبط بوحدة الرؤية التي يتبناها
المؤلف. وحتى حين يعمد مؤلف النص نفسه إلى إعادة كتابة نصه مرة أخرى
فإن ذلك سيؤدي إلى إنتاج نص مختلف وجديد تماماً. فالنص الشعري التقليدي
لا ينمو ولا يتحول، لأنه صيغة ثابتة ومستقرة. وحين أعاد أدونيس كتابة
بعض قصائده واصفاً ذلك بأنه "صياغة نهائية" فإنه قد أنتج، في الواقع،
نصوصاً جديدة، لأن أي تغيير أو زيادة في المبنى تؤدي لا محالة إلى
تغيير في المعنى. إذن فقد صار لدينا لكل نص أعيدت كتابته من نصوص
أدونيس نصاً رديفاً له، أو متناصاً معه. ويمكن في النظرية الأدبية أن
يتناص الكاتب والشاعر مع نفسه(2). ويمكن لنا أن نستثمر هذه الخصيصة.
أما القصيدة التفاعلية فإنها تحرض القارئ على أن يتدخل المتلقي في النص
في حالتين: الأولى إذا كانت القصيدة التفاعلية مبثوثة على الانترنت ضمن
برنامج يقبل دخول المتصفح/ المشاهد عليه وإجراء ما يراه من تغيير.
والثانية أن تكون القصيدة التفاعلية مرقومة في قرص
CD
وفي هذه الحالة يكون بإمكان المشاهد أن يغير في النص من خلال عملية
الانتقاء والتوجيه لمسار التلقي ومن خلال إحداث نوع من النمو الكمي عبر
التكرار، ويسمح البرنامج المستعمل في رقمنة النص للمتلقي أن يضيف للنص
ما يراه من تحوير أو زيادة.
2-وحدة الرؤى في النص: فإذا كان النص الأدبي ينتج رؤى محددة للعالم لها
صلة على نحو ما بالرؤية الاجتماعية وبقصدية المؤلف وموقعه الطبقي، كما
يقول لوكاتش، فإن الرؤية التي يمكن أن نجدها في قصيدة أبي العلاء
المعري:
غيرُ مجد ٍ في ملتي واعتقادي
نوح ُ باك ٍ ولا ترنمُ شادي
قد تتغير في عملية القراءة ثم التأويل، ولكن هذا التغيير لن يكون إلا
على نحو محدود؛ فلا يمكن الزعم، مثلاً، أن هذه القصيدة تطرح رؤية
مبتهجة بالوجود، أو أنها تمتدح أميراً ما، أو أنها تتغزل بامرأة. وحتى
إذا ما زعم أحد أن هذا ممكن فإن ذلك يقع في باب التأويل للنص وليس في
باب قصدية النص أو المؤلف. ولسوف يطاح بهذه الخصيصة في حال تعدد
المؤلفين، وكذلك في حال تمكن القارئ/ المشاهد من أن يتدخل في إنشاء
النص وتوجيه صيرورته أثناء القراءة أو الإضافة إلى متنه اللساني أو
الصوري المصاحب. وهذا مما يحدث في القصيدة التفاعلية.
واجـــب نــقــد الـــشـــعـــر
صبحي حديدي
لعلّ الأمريكية هيلين فندلر هي اليوم أفضل مَنْ يمارس نقد الشعر في
الولايات المتحدة، وربما في العالم الأنغلو - ساكسوني بأسره، إذا أخذ
المرء بعين الإعتبار حقيقة أنّ الناقد المخضرم هارولد بلوم ينأى بنفسه
عن دراسة الشعر الجديد أو المعاصر، ويغرق أكثر فأكثر في النصوص
الكلاسيكية أو في تحرير الأعمال ذات الوظائف الأكاديمية والمدرسية.
إنها، بين حفنة أسماء أخرى قليلة، تؤمن أنّ الشعر ينبغي أن يكون في
متناول الناس على النطاق الأوسع، ليس بمعنى تبسيط القصيدة أو تقريبها
من الذائقة الشعبية أو الشعبوية، بل في بذل كلّ جهد ممكن لتقريب الشعر
العظيم ـ أياً كانت صعوبات قراءته، ومشاقّ تذوّقه ـ من القارئ العادي،
الذي يتوجب أن يتنبّه، كما ينبغي تنبيهه، إلى ما يخسره من متعة فريدة
جرّاء ترك الشعر للنخبة.
وثمة مصداقية إضافية يكتسبها هذا الرأي، تنبثق من حقيقة أنّ فندلر لم
تختصّ بالأدب في المراحل الأولى من تعليمها الجامعي، إذْ درست
الكيمياء، ثم حصلت على منحة للتخصص في الرياضيات، قبل أن تقرّر
الإلتحاق بجامعة هارفارد لتقديم أطروحة في الأدب الإنكليزي والأمريكي.
وهي سيّدة عالية الإيمان بتقليد معرفي، عريق وضروري، اسمه "المراجعة
النقدية" للإصدارات الشعرية، بوصفها جسراً حيوياً ـ بين جسور أخرى، لا
ريب ـ لربط النتاج الشعري بالقارئ. ولأنّ هذا التقليد آخذ في الانحسار
منذ عقود طويلة، فإن فندلر تعمل على إحيائه ما وسعتها الوسيلة: من
منبرها التدريسي في جامعة هارفارد، وعلى صفحات مطبوعات مختلفة تتفاوت
شرائح قرّائها، ومن الإذاعة والتلفزة، وعبر الندوات هنا وهناك.
كتبت هندلر عن المراسلات الكاملة بين إليزابيث بيشوب وروبرت لويل،
ومجموعة جديدة للشاعرة جوري غراهام، وقصيدة جديدة مطوّلة للشاعر شارلز
رايت، وخاضت في سجالات حول موضوعات شعرية شتى... كذلك تولّت سلسلة
:محاضرات ميللون" الشهيرة التي يرعاها الرواق الوطني للفنّ في واشنطن،
حيث ألقت ستّ محاضرات في موضوعة مشتركة بعنوان "آخر النظرات، آخر
الكتب: شعر الموت في منظاره الثنائي"، تناولت أشعار والاس ستيفنز،
سيلفيا بلاث، روبرت لويل، إليزابيث بيشوب، وجيمس ميريل.
بيد أنّ هاجس فندلر الأكبر، هذه الأيام وطيلة 15 سنة خلت، يظلّ الموضوع
الغنائي في القصيدة الحديثة، وتشهد على ديمومة هذا الهاجس تسعة أعشار
ما كتبت من محاضرات ومؤلفات، آخرها كتاب "نظامنا السرّي: ييتس والشكل
الغنائي"، 2007؛ وكتاب "مستمعون لامرئيون: الحميمية الغنائية عند
هربرت، ويتمان، وآشبيري"، 2005. ومنذ كتابها الشهير "تقول الروح"،
1995، تحدثت فندلر عن تجربتها القرائية الشخصية في هذا الصدد، وأوضحت
أنّ نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب
إلى "صوت الروح نفسها"، ويسمح لنا بالتماهي التامّ مع ضمير المتكلم.
وحين كانت في مقتبل العمر، متلهفة على معرفة المزيد عن العالم، شعرت
أنه "إذا كان الشاعر منتبَذاً، فهي منتبَذة أيضاً. وإذا تحسّر على
وطنه، تحسرت هي بدورها على وطن سوف تفقده، وإذا كتب أودن عن درع آخيل،
شعرت هي أن هوميروس مِلْك يدها مثلما هو ملك أودن. لقد عرفت الكثير عن
الإمكانات المستقبلية في حياتي الداخلية من خلال الشعر الذي يبدأ من
غنائية العالم.
خلال السنة ذاتها، 1995، أصدرت فندلر "المعطى والمصنوع"، فوسّعت موقفها
من الغنائية، واعتبرت أنها "نصّ يُكتب لكي يقوم القارئ بأدائه. وحالما
يتوغل هذا القارئ في الغنائية، فإنه بذلك يكفّ عن دوره كقارئ، ويصبح
الناطق بالقصيدة، المردّد لكلماتها، الصانع للمزيد من مشاعرها
ومعانيها". وفي تطبيقات نقدية بارعة، تتناول فندلر هذه الغنائية في
الشعر الأمريكي من خلال جيلين: جيل ما بعد الحرب، وفيه روبرت لويل وجون
بيريمان؛ والجيل الحالي، الذي يضمّ الشاعرتين ريتا دوف وجوري غراهام.
وفي حدود ما أعلم، لم تُترجم أعمال فندلر إلى العربية، والأرجح أنّ دار
نشر خاصة لن تتحمس لنشرها حتى إذا شاء أن يجترح المبادرة مترجم عليم
بالوظيفة الفائقة التي يمكن لتلك الأعمال أن تؤديها في تفعيل حال
الركود التي يعيشها نقد الشعر في العالم العربي اليوم. مهمة ينبغي أن
تُحال، مثل العشرات على منوالها، إلى مؤسسات كبرى معنية بالترجمة خارج،
أو قبل، معادلات الربح والخسارة، من طراز مشروع "كلمة" ومؤسسة محمد بن
راشد في الإمارات، و"المشروع القومي للترجمة" في مصر.
قصة قصيرة
حـــالـــة
عاطف عواد
همس يقول: هناك. ومنذ وقع وارتطم، كان لا يزال ببقعته إيّاها، غير قادر
على إدراك شيءٍ بها ومنها، أو أن يعرف من أمره شيئاً: متى سقط ووقع؟
وكيف ارتطم وتبدد؟.
تلاشت يقينياته منذئذٍ. كما وتبددت الثوابت التي كانت به وله قبل أن
يهوي ويسقط من قطار القرية، وحين أن كان القطار في سرعته الجنونية
والعبثية. فما استطاع أن يعرف بأي أرض وقع، وعلى هذا النحو المزري
والمبدد.
وهناك، حيث سقط ووقع، ما كانت له القدرة على التخلص من حالته تلك، ولا
أن يتملَّص قيد أنملة. فبقي سجيناً حبيساً مقطوعاً بالمرة عما خارجه
وحوله.
فقط فيما تُحدِّث له نفسه به، فكان يحدثها، وكانا يتحدثان، هناك حيث
كان، وبما كانت تبديه له نفسه، كبرقٍ صاعقٍ، وطيفٍ مارقٍ، ومما ترهقه
به منها. فكان الهمس بينهما، وحديث الشك والتوهم.
فيسأل كذلك نفسه: أكنا في كوكب كابوسيٍّ، شيطاني، ولم يزل في فكرة ما
قبل البدء والتكوين، ولترهق وتروع وللإرهاب المخيف، ما زلنا في رحم تلك
الفكرة، وما هو قبل بدء الأكوان والأشياء؟.
وكان هناك، سجين تلك الحالة والتي سكنته وسكنها منذ ألقى به السائق ذات
ليلةٍ مظلمة سوداءٍ.
تماماً مثلما اتفقنا، أنا وسائق القطار، وكما عقدنا العهد والحلف معاً،
وفي الخفاء بعيداً عن عيون وأسماع أهل قريتنا.
الناس في قريتنا طيبون. وبالبسطاء المسالمين لا تكف قريتنا عن إملاء
وإشباع الأمكنة بهم، وجيلاً من بعد جيل، وبالفلاحين، والبنائين،
والصيادين، وبمن على بوابات النهر الأبنوسي، يحرسونها ويحرسون القرية:
مطمع اللصوص وقطاع الطرق أبداً، وممن من أهل القرية يريدون بقطارها
شراً، وبالركاب المسافرين إلى محطة الولادات المباركة، فيقودونهم وبذلك
يطمعون. لأجل ذلك، من القرية مَنْ يستعين ويستقوي بالغرباء الأعداء
لقريتنا، فيجدون الحراس بالقرية لهم يواجهونهم أيضاً.
ولكن حراس قريتنا أيضاً طيبون، وبسطاء مثل أهل قريتنا أجمعين.
قاطعته هامسةً: ولماذا أنت هناك وبعيداً عنّي يا زوجي؟
كانت زوجته حسناء طاغية الأنوثة والخصوبة، وقد اختارته لها خليلاً
وزوجاً من دون فتية القرية وشبابها أجمعين، ولما عاهدها عليه والتزم،
فوثقت به، منذ كانا في القرية بمقتبل العمر.
كان زوجها بعيداً، هناك، حيث كان خصمه وعدوه اللدود، كما كان، ومن حيث
كان، يجيبها همساً، ويصف لها أمر خصمه، في بقعته، وعما رآه بنفسه كأنه
من زوجته وتسأله سبب هجرها.
واصل الزوج همسه لخليلته الزوجة، من هناك، من نفس بقعة عدوه. ولكي
يشهد فناءه، ولشفاء غليله، وقع معه من قطار القرية. ومن هناك واصل
بنفسه همسه، ومجيباً، كما ظن، زوجته التي سمعها من نفسه، ولنفسه، وسيلة
الوصل وتواصلهما، كما رأى بظنه. راح يواصل قوله هامساً.
ولأن الناس بقريتنا طيبون، مسالمون، ولأن العهد مع من سوف يخلِّصني من
عدوي الجار اللدود، يستلزم أن يقنع الناس به فيختارونه السائق لقطار
القرية، ولن يكون له ذلك، فيتمكن حينها من وفائه لي، إلاّ إن رفض الناس
سائق قطارنا الذي بقي لعقدين تقريباً.
وعلى ذلك عملنا، في القرية وبين الناس، وبأن السائق الذي نريده خلفاً
لقطارنا ليس مغامراً مقامراً، فيقود ركاب القرية وأهلها من حادثة إلى
كارثة ونكسة وديون وفقر مدقع. وبذلك صدقونا نحن الحلف الذي كان لكل منا
في سائقنا الجديد مصلحته الخاصة، والعهد السري، وللسائق نفسه كذلك
المصلحة والحلف مع الغرباء المترصدين بالقرية دائماً.
متحف السلام في هيروشيما
باسم فرات
حينَ تَدخلُ عليكَ أنْ تَحذرَ الارتطام بالأنينِ
أو أن تُحرّكَ دَمعةَ طفلةٍ بارتِباكِكَ
إضغطْ على الزرّ وأنصتْ لِحِكاياتٍ صامتة ٍ
حكايات ٍ توغلتْ القسوةُ فيها والألَمُ
خلفَ الزجاجِ ثمةَ حِدادٌ زادَهُ الزمنُ نضارة ً
ثَمّةَ بَقايا رَمادِ الضحايا، أشباهُ ساعاتٍ تُشيرُ إلى الثامِنَةِ
والربعِ صَباحاً
دمى عليها آثارُ أصابعَ احترقتْ
قلائدُ صَدِئة، ما بقيَ من طفولةٍ ابتلعَتها الجحيمُ
في الأقفاصِ الزجاجيةِ قافلةُ أحلامٍ تَجمّدتْ
وكثيرٌ من حماقاتٍ وخيالاتِ مرضى أثقلتْ أكتافَهُمْ النياشينُ
على الحافاتِ نَسيَ الوقتُ نهاراتِهِ
وهو ينصتُ للأراجيحِ التي تكدّسَتْ في الغيومِ
رَوائحُ المَراراتِ تَخنقُ المرورَ عِبرَ الطوابق ِ
هَواجِسُكَ سَوفَ تَستبيحُ كلَّ شَيءٍ
إنها المِحنة ُ تَدخُلُ أوكارَها البرية َ
الضبابُ يُجفّفُ الساحِلَ من البَهجةِ
والصخرةُ التي طالما أثقلتْ كاهلَ سيزيفَ هاهُنا تَجِدُها وقدْ تلاشتْ
ضَجيجُ المدينة ِمُختزلاً بِحَشْرَجَةٍ مُعلّبةٍ على هيئةِ بضْع
ِكَلِمات
الفردوسُ وهمٌ نطلقُهُ لتنويمِ الفجيعةِ
وآبُ لم يكنْ لَهّاباً فقطْ، إنّها السماءُ فَتَحَتْ أفواه َجَحيمِها
فَراغاتٌ تَنْمو كَالعَدوى، والكَراهية ُ فِطْرٌ نَبَتَ في كلِّ مَكانٍ
وَبالظلامِ كلُّ شَيْءٍ اكتَسى
لكنْ حَياةُ الراهبِ مَلساءُ تغوي حِكْمَتُهُ قاربينِ بالجنوحِ إلى
السرمَدية
لا سامورايَ هُنا
وَكُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى الندَم |