الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (900) الاحد 4 ذي الحجة 1430 هـ/22 تشرين الثاني 2009

دراسات

فدك في التاريخ

الحلقة الثامنة والعشرين

الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر

4- وعلى ذلك يتضح أن كلمة الأرث في الاية الكريمة قد اعطيت حقها من الاستعمال واريد بها إرث النبوة ، لأن الشئ إنما يصح أن يقع جوابا للدعاء فيما إذا كان ملازما للمطلوب ومتحققا عند وجوده دائما أو في أكثر الأحايين. 

ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرية إطلاقا ، بل قد لا تتفق في مئات الملايين من الأشخاص لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذة وكمال عظيم ، فلا يجوز أن توضع النبوة بجلالها الفريد جوابا لسؤال الله تعالى ذرية طيبة ، لأن النسبة بين الذرية الأنسانية وبين الجديرين بتحمل أعباء الرسالة السماوية هي النسبة بين الاحاد والملايين .

وأما وراثة المال فيمكن أن تكون جوابا لدعاء زكريا عليه السلام لأن الولد يبقى بعد أبيه عليه الأكثر فوراثته للمال مما يترتب على وجوده غالبا ، وأضف إلى ذلك أن زكريا نفسه لم يكن يرى النبوة ملازمة لذريته بل ولا ما دونها من المراتب الروحية ، ولذا سأل ربه بد ذلك بأن يجعل ولده رضيا .

 5 -ولنترك هذا لندرس كلمة الأرث في الاية على ضوء تقدير الفعل صفة لا جوابا للد عاء . وفي رأيي أن هذا التقدير لا يضطرنا إلى الخروج بنتيجة جديدة ، بل الأرث في كلمة ( يرثني ) هو إرث المال في ا لحاالين معا بلا ريب . والذي يعين هذا المعنى للكلمة على التقدير الجديد أمران :

 (الأول ) أن زكريا عليه السلام لو كان قد طلب من ربه ولدا وارثا لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضيا ، لأنه دخل في دعوته الاولى ما هو أرفع  من الرضا .

 (الثاني ) أن إغفال الأرث بالمرة في قصة زكريا الواردة في سورة آل عمران إن لم يد ل على أن الأرث خارج عن حدود الدعاء ، فهو في الأقل يوضح أن معنى الأرث في الموضع القرآني الاخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة ، لأن زكريا لو كان قد سأل ربه أمرين : أحدهما أن يكون ولده طيبا رضيا ، والاخر أن يرث نبوته ، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا عليه السلام فإنه ليس شيئا مذكورا بالأضافة إلى النبوة . ولكي تتفق معي على هذا لاحظنفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما فأعطيته الأمرين معا . ثم أردت أن تنقل القصة وتخص الدرهم بالذكر ، لا أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير التواضع . ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم الما دية هو دون امتياز النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية . وإذن فقصة زكريا التي جاءت في سورة آل عمران ، ولم يذكر فيها عن الأرث كثير أو قليل ، دليل على أن الأرث المذكور في الصورة الاخرى للقصة بمعنى إرث المال لا إ رث النبوة ، وإلا لكان من أبرز عناصر القصة التي لا يمكن إغفالها .

 )السادس ) ولاحظ بعض الباحثين في الاية الكريمة نقطتين تفسران الأرث فيها بإرث النبوة :

 (الاولى ) قول زكريا عاطفا على كلمة ( يرثني ) : - ( ويرث من آل يعقوب ) - فإن يحيى لا يرث أموال آل يعقوب ، وإنما يرث منهم النبوة والحكمة .

(الثانية ) ما قدمه النبي تمهيدا لدعائه من قوله : وإني خفت الموالي من روائي ، حيث أن خوفه إنما كان سبب الأشفاق على معالم الدين ، والرغبة في بقائها باستمرار النبوة ، لأن هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون الحرص على الأموال ، والخوف من وصولها إلى بعض الورثة.

واعترض أصحابنا على النقطة الاولى ، بأن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعا ، وإنما أراد أن يرث منها ، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم .

وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه ، لأن الخوف على ا لدين والعلم من أبناء العم لا معنى له ، لأن اللطف الألهي لا يترك الناس سدى بلا حجة بالغة . فمعالم الدين ، وكلمة السماء محفوظة بالرعاية الألهية ، والنبوة  مخوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو والنهب . وإذ فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا لو لم يمن عليه بيحيى ؟ أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه ؟ أعني بني عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الألهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف ؟ ! أو كان يرى أن الله تعالى يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجة عليه ؟ ليس هذا ولا ذاك مما يجوزه نبي ، وإنما خاف زكريا من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ولدا رضيا يرثها . ولا جناح عليه في ذلك ، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها ، وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر وإمارات السوء حتى قيل أنهم شرار  بني إسرائيل . وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصور وجها لخوف زكريا من الموالي على الدين من ناحيتين : -

(الاولى ) عن طريق اصول الشيعة ، فذكر أن دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبي غير مستقيم على مذهب الشيعة لأن المكلفين قد حرموا بغيبة الأمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهم يقولون في ذلك أن اللوم على الملكلفين لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلا جاز أن يخاف زكريا عليه السلام من تبديل لدين وتغييره وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله التبليغ بالرسول إلى المكلفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف . ولاسجل ملاحظتي على هذا الكلام ثم ننتقل بك إلى الناحية الثانية . فأقول : إن الخوف من انقطاع النبوة إنما يصح على اصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على نحو لا يستحقون معه ذلك ، كما هو الحال في زمان غيبة الأمام المنتظر صلوات الله عليه ، لا فيما إذا كان سببه الاطلاع على عدم لياقة جماعة خاصة للنبوة مع استحقاق الناس لها . فإن إرسال الرسول ، أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه  الصورة على الله تعالى لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده . وإذن فقصور أبناء العمومة عن نيل المنصب الألهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا إلى احتمال انقطاع النبوة وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الألهية . وإذا لم يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء أكان بنو العمومة صالحين أو لا ، وسواء من الله عليه بذرية أو بقى عقيما . والاية الكريمة تدل على أن الباعث إلى الخوف في نفس زكريا إنما هو فساد الموالي لا فسا د الناس . 

فالاية والرواية متعاكستان وكل ما عارض   الكتاب الكريم فهو ساقط . ولا يجوز أن تستثني زكريا خاصد من سائر الأنبياء ، لأن حديث الخليفة لا يقبل هذا ا لاستثناء وهذا التفريق بين زكريا عليه السلام وغيره . والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثو ن . ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا عليه السلام خاصية جعلته يورث دون سائر الأنبياء . وما هو ذنب زكريا عليه السلام ، أو ما هو فضله الذي يسجل له هذا الامتياز ؟

أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الانبياء الواردة في الحديث والخروج بها عما تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث كما أوضحناه سابقا ، فهو تفسير على كل حال ، فلماذا نفسر الحديث بأن تركة النبي لا تورث لنضطر إلى أن نقولبأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعني بالأنبياء غير زكريا عليه السلام ؟ بل لنأخذ بالتفسير الاخر ونفهم من الحديث أن الأ نبياء ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته ونعرف مما سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من المعاني ، لنا قضت القرآن الكريم ، ومصيرها الاهمال حينئذ . وليس في المسألة سبيل إلى اعتبار الحديث مدركا قانونيا في موضوع التوريث ، ولذا لم يتفطن الصديق إلى جواى يدفع به اعتراض خصمه عليه بالاية الانفة الذكر ، ولم يوفق اوحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه . وليس ذلك إلا لأنهم أحسوا بوضوح أن الحديث يناقض الاية بمعناه الذي يبرر موقف الحاكمين . ولا يمكن أن نعتذر عن الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصين المتناقين وتنفيذه كما يرتئيه جماعة من علماء الأسلام ، وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث ، وذلك لأن المعارض للقرآن باطل بلا ر يب لأنه الحق ، وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ ؟  ولم يكتف بشاهديها ، وطالبها بينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان.

 

 

تكريم الإنسان في الفكر الإسلامي

 شلتاغ عبود

تعد قضية تكريم الإنسان مركزية في الفكر الإسلامي. وهذا مستند إلى ما أعطاه الله للإنسان من مواهب وقدرات ومسؤولية جعلته مكرما عنده بحيث فاقت منزلته منازل كل ما خلق من كائنات حتى ملائكته المقربين. فلقد كرمه بهذه الإرادة التي لم يمنحها مخلوقا قبله “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان” [الأحزاب: 72]. رفضت هذه الكائنات أن تحمل أمانة المسؤولية وحلمها الإنسان بالقدرات التي ركبها الله فيه وأعده لها. وهذه المسؤولية هي التي جعلته يتبوأ مكانة الخلافة “في الأرض، وينوب عنه في أداء الوظائف التي أناطها به إزاء نفسه وإزاء بني البشر من جنسه، وإزاء الطبيعة وإعمارها، وإنها لوظيفة صعبة قد يحسن أداءها، وقد يخيب بما ركب من طاقات مهيئة للإصابة والإخفاق. وبهذا يكون للإرادة معنى ويكون على أساسها الجزاء.

ويترتب على مبدأ الخلافة هذه مفاهيم أساسية من الأمانة والإستقامة والعدل في المعاملات وإقامة النظم الإجتماعية والإقتصادية وشؤون الحياة كافة.

وهذه نتيجة خطيرة من النتائج تحمل المسؤولية والإستخلاف. فليس بعد هذه التكريم "ولقد كرمنا بني آدم" [الإسراء: 70]. إلا الطاعة والإستسلام والشكر والتنفيذ وفق التوجيه الرباني الحكيم الذي يريد لهذا الكون الإنسجام بين جماده وإنسانه، وبين إنسانه وإنسانه.

ولا معنى لهذا التكريم إذا عصا الإنسان، أو شذ، أوعق وزاغ من التوجيه. وفي تاريخ الإنسان محطات كثيرة استهدى فيها مرات بتوجيه خالقه، وعتا وضل واستكبر مرات.. وإنه لأمر غريب أن يعتو أو يستكبر العبد المستأجر، والوكيل المستخلف!! ولكن هكذا كان.. وهو ممكن مستكن في طابع الإرادة والمسؤولية التي تقبل هذه الإنشطار في الموقف والتلون في الأداء، وإلا كانت جبرا لا معنى للجزاء معه.

إن الإنسان- بناء على هذا التكريم والإستخلاف- سيد في الكون، ولكنه سيد خاضع لمن أعطاه هذه السيادة، ولكنه ليس سيد الكون كما تلحد إليه النظريات المادية (العلمانية التي ألهت هذا الإنسان، وألغت مبدأ الربانية والتوحيد والسيادة الإلهية يجعلت الإنسان يعاني الوحدة والإنشطار والضعف، وإن بدا قويا في سيطرته على ظاهر الطبيعة، وما هو بقوي على الله، ولكنه قوي على الشعوب الضعيفة التي استغلها وهضم حقوقها واستعبدها.

إن الإنسان الأوروبي اليوم محسن لنفسه (أناني)، ولكنه ظالم، بمعنى الظلم- الشرك، وظالم لغيره في المعنى الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، لأنه أخرج نفسه من دائرة التكريم الإلهي، وتصرف كما لو لم يكن إنسانا البتة.

وهذا يذكرنا بالأيام التي فاقت فيها خيرات المسلمين دنيا وعلما وسلوكا على العالم، وذلك من منطلق الإنسان المكرم الذي استهدى بتكريم الله فمنحه رشده وقوته وعلمه كيف يسعى ويسود. وهذا يقودنا إلى الحديث عن مبدأ (الأخلاقية).

الأخلاقية

وهذا مبدأ هام ينبثق من مبدأ التكريم الإلهي للإنسان وجعله محور هذا الكون ومركزه. فو خاضع للتوجيه الإلهي، وما الرسالات التي بعث الله بها أنبياءه إلا دساتير أخلاق ونظم في الإجتماع والحياة قائمة على مبادئ الأخلاق الربانية. فلله- تعالى- أخلاق مثلى "ولله المثل الأعلى" [النحل: 60].

لا ينبغي أن تكون أخلاق عباده محادة لها، أو في منأى عنها، بل مستهدية بها منتهلة من معينها.

لقد جعل الله- سبحانه- أخلاق المسلم قائمة على مبدأ (الأمر بالمعروف) وما المعروف إلا وجه من وجوه الفطرة التي فطر الله الناس عليها مما يستقيم معه أمر الحياة والإجتماع والعمران والأمن والصلاح. ومبدأ (النهي عن المنكر)، وهو كل ما لا يستقيم معه أمر الحياة، ما يعكر صفاءها وأمنها وعمرانها. كما جعل (العدل) أساس هذه الأخلاق. فهي أخلاق مقتصدة ليست جائرة عن سواء السبيل. ومن شأن الأخلاق العادلة أن لا تتطرف نحو الخروج عن مواصفات الإنسانية، ولا تشذ عن طبيعتها إلى المستوى الملائكي، وما هي ببالغة شأوهم لأنهم جبلوا من غير غرائز ولا نوازع مادية.

وحين قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) [آل عمران: 110]. لم يفهم الناس من هذا التوجيه أنه حديث عن أمة من الأمم باعتبار جنسها أو لونها، بل باعتبار أن أصحابها خير أصحاب دين وأخلاق وخير أصحاب مشروع يقود الإنسانية إلى الأعلى حيث السمو الأخلاقي، ولا يهبط بها نحو مدارج الحيوانية وشهواتها.

ولا تجد في كتاب الله الحكيم مدحا لأهل الترف، وأهل المنجزات المادية الخالية من الأخلاق، بل تجد لهم ذما دائما، وتقريعا مريرا، وهكذا كان نبي الله (هود) يؤنب قومه عادا كما جاء في قصته في القرآن الكريم: "كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله رب العالمين. أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون؟" [الشعراء: 123- 129]؟

بل إنه مدح أهل الخلق وأثنى عليهم "وإنك لعلى خلق عظيم" [القلمك 4]. وهكذا كانت أخلاق الأنبياء ومن سار على هداهم وخطاهم إلى يوم الدين. ولا نعني بذلك الخلق المجرد غير المرتبط بالحياة والواقع، بل نريد الخلق الذي يصنع ويبني الحياة بما في الحياة من مظاهر مادية واجتماعية على السواء، وبما فيها من كشف عن سنن الله الطبيعة والحياة.

وأين أخلاقية أوربا من هذا النموذج الذي أراده الله للإنسان المكرم؟ لقد اتجهت أوربا اتجاها لا أخلاقيا منذ عصرنا اليوناني، وحتى المسيحية كما فهمتها لم تغير من أخلاقها شيئا، بل طوعتها لجشعها وعدوانيتها وعنصريتها. أما في عصورها الحديثة التي أطلقت عليها عصور النهضة والحداثة والتنوير، فقد أبعدت الأخلاق كليا عن الحياة، فلا أخلاق في السياسة ولا أخلاق في الإقتصاد والإجتماع، ولا أخلاق في الفن.. فهم ورثة ميكافيلي وهوبز ونيتشه وماركس، كل واحد منهم ودعوته إلى السير على غير هدى الأخلاق.. بل قالوا: إن الأخلاق هي بضاعة الضعفاء!! في غمرة العتو الأوربي والنزعة الدموية العدوانية على العالم...

هذا خط عريض من الخطوط التي تترعرع في منهجية الثقافة، فتكون ثقافة مرتبطة بأخلاق الإنسان، أو ثقافة لا علاقة لها بأخلاق الإنسان. فهل تظن أن أوربا اليوم تحسب لغير الإنسان الأوروبي حسابا، أو تعير له اهتماما إلا إذا كان اهتماما باستغلاله وجعله وسيلة لنموها وأزدهارها، فهي ترقص على حثث الجوعي والقتلى بأسلحتها... وهذا جزء من حياتها وتصورها وثقافتها اللاأخلاقية..

وشتان ما بين المبدأ الأخلاقي القائم على العنصر التكريمي للإنسان، وهذا قائم بدوره على المبدأ التوحيدي الكبير، وبين المبدأ الذي ينفي الأخلاق.

 

 

هكذا تكون الأمهات

سمير احمد الشريف

آثر “فرّوخ” أن يستقر بعد أن صحب سيّده أمير خراسان في معاركه.. اشترى بيتاً وتزوّج مكتفياً بالعيش على ما بقي لديه من مال الغنائم، لكن حنينه إلى غبار المعارك ورايات النصر وصليل السيوف، لا يزال يداعب شغاف قلبه.

انتهز يوماً نداء خطيب المسجد النبوي، يحض الناس على الجهاد، أعلن عن عزيمته وودَّع زوجته التي بادرته: ولمن تتركنا يرحمك الله أنا وجنيني هنا؟

فقال: لله ورسوله. لديك ما جمعته من الغنائم، أنفقي منها حتى أعود أو أرزق الشهادة.

وضعت الزوجة مولودها، مليح الوجه وضَّاء الجبين، وسمّته <ربيعة>، بدت على مخايل الطفل علامات الذكاء فقررت الأم أن تسلم طفلها للمؤدبين، حفظ الفتى كتاب الله وأحاديث رسوله وكلما رأت الأم تفوّق ابنها أغدقت على المعلمين المال لكن الحسرة تشعل القلب وهي ترى الأيام تُباعد بينها وبين زوجها الذي طالت غربته، فقيل إنه أسير مرة، وشهيد أخرى، فاحتسبته عند الله·

يواصل <ربيعة> علمه، مقبلاً على حلقات العلم في مسجد مدينة رسول الله (ص)، ومازال الطالب يجتهد وذكره يرتفع حتى أصبحت له حلقة يُدرِّس فيها.

في ليلة صيف عليلة النسمات، دخل المدينة فارس يلملم بقايا عقده السادس، في عينيه تساؤل وفي نظراته بحث، يُحدِّث نفسه: هل بقيت داره قائمة بعد هذا الغياب؟ ماذا حلَّ بالزوجة! هل وضعت مولودها أم حدث لهم من أحداث الزمان حادث! ثلاثون عاماً كافية لتغيير الملامح والمشاعر والمعالم.

الوقت مازال مبكراً، بقايا المصلين من صلاة العشاء يغادرون المسجد النبوي وتزدحم بهم الطرقات، لماذا يمر الناس به ولا يلتفتون؟ هل نسيه الناس بهذه السرعة؟

يسير الشيخ، يجتر أفكاره، سارحاً مع خيالاته حتى وجد نفسه أمام داره.. دقّ قلبه شوقاً ورهبة من مفاجأة اللقاء. دخل من باب بيته الموارب، يدفعه شوق عارم لملاقاة الأهل.

عندما سمع صاحب البيت صرير الباب، أطلَّ من نافذته، هاله أن يرى غريباً يجوس في صحن الدار، ركبه الغضب وتقدم من الشيخ ممسكاً بتلابيبه.

- أتقتحم عليَّ منزلي يا عدوَّ الله؟

علا صياحهما، واجتمع الجيران.

- ما أنا بعدو الله، هوِّن عليك إنما هذا بيتي <استدار يحدِّث الناس من حوله> هذا بيتي يا قوم، اشتريته بمالي، ألا تعرفونني!! أنا <فرّوخ>هل نسيتم فروخاً.

استيقظت الأم، أطلت فرأت زوجها، أمعقول ما أُشاهد وأرى؟! هالتها المفاجأة، هل أنا في حلم؟

عقدت الدهشة لسانها وما لبثت أن نادت ابنها بصوت مرتجف.

دعه يا ربيعة، إنه أبوك يا ولدي وحذار يا عبدالرحمن أن تمسه بسوء، إن مَن يقف أمامك ابنك.

أقبل الولد على أبيه والوالد على ابنه يضم أحدهما الآخر ويقبّله ونزلت <أم ربيعة> تسلم على ما احتسبته عند الله شهيداً لانقطاع أخباره.

التمَّ شمل الأسرة، شمل الفرح الوالد والولد، ولم يشمل <أم ربيعة>، إذ كيف تفسر لزوجها ضياع أمواله وكيف تبرر له ذلك؟ هل يصدقها أم تهب به الظنون بعيداً؟!

قطع فروّخ على زوجته شرودها·

- جئتك بأربعة آلاف درهم، هات ما لديك حتى نضيف إليه هذا المبلغ ولنبحث لنا عن بستان نشتريه ونعتاش من غلته ما بقي لنا من عمر.

لكن الزوجة تشاغلت عن سؤال زوجها ولاذت بالصمت.

كرر <فرّوخ> طلبه·

- أين المال يا أم ربيعة! هاتيه نضمه لبعضه بعضاً.

ردت أم ربيعة بارتباك: في مكان آمن، سآتيك به بعد أيام إن شاء الله.

علا صوت المؤذن، نهض <فرّوخ> يتوضأ، سأل عن ابنه فأجيب سبقك إلى المسجد.

وصل <فرّوخ> إلى المسجد، وجد الصلاة انتهت، صلى المكتوبة وسلَّم على رسول الله (ص)، وبعض النوافل قبل أن يغادر المسجد.

استوقف <فرّوخ> في طريقه مجلساً للعلم في صحن المسجد لم ير له مثيلاً.

رأى الناس يتحلّقون حول الشيخ منصتين.

حاول أن يتعرف إلى صاحب الحلقة، فلم يستطع لبُعده عنه، وما لبث أن أنهى الشيخ درسه ونهض الناس يتدافعون من حوله، يوصلونه خارج المسجد، فما كان من <فرّوخ> إلا أن استوقف أحدهم يسأله:

- من الشيخ أيا الأخ؟!

ردّ الرجل مستغرباً: ألا تعرف صاحب الحلقة؟ ألست من أهل المدينة يا هذا؟

- بلى، من أهلها ولكني غادرتها من زمان بعيد.

- لابأس عليك إذاً، إنه أحد سادات التابعين، فقيه المدينة ومحدِّثها، ومن تلاميذه مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، و...

- لكنك لم تقل لي مَن يكون الشيخ.

- إنه ربيعة الرأي.

- ربيعة الرأي؟؟!!

- نعم، اسمه ربيعة، وكنّاه علماء المدينة بربيعة الرأي لسداد رأيه.

- انسبه لي يرحمك الله، فقد شوقتني.

- إنه ربيعة بن <فرّوخ> المكنّى بأبي عبدالرحمن، ولد بعد أن ذهب والده للجهاد وعمدت أمه تعليمه وتربيته.

فاضت عيون <فرّوخ> شكراً وفرحاً وتدحرجت دمعتان ساخنتان على خديه، ثم انطلق مسرعاً تجاه بيته لا يلوي...

استقبلته زوجته وبقايا الدموع مازالت عالقة في عينيه، تسأله مدهوشة:

- ما بك يا أبا عبدالرحمن، أحدث مكروه لا قدّر الله؟ خيراً؟!

- خيراً والحمد لله، لقد شاهدت ولدنا في مقام لم أحلم أن أراه به وهذه الدموع دموع فرح والحمد لله رب العالمين·

هنا أضاءت عيون أم ربيعة وقالت باسمة: أيهما أحب إليك يا أبا ربيعة: الدراهم، أما ما رأيت عليه ولدنا؟

ردّ فرّوخ بلا تردد: ما رأيت عليه ولدنا يعادل كل أموال الدنيا·

- لقد أنفقت المال على ما رأيت، فهل طابت نفسك؟

- نعم، والحمد لله على أن رزقني زوجة تحرص على العلم وتربي أولادها عليه، هكذا تكون الأمهات، وجزاك الله خيراً يا أمة الله.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق