|
أفق القصيدة: في غنائيات محمود درويش
محمد بنيس
ذلك الأفقُ، الذي أراده محمود درويش لقصيدته، لم يكن محفوظاً في صندوق
الأجداد. نفيٌ به تبدأ القصيدة قصيدتُه كي لا تنتهي. كان الأفق، عبر
حياة من القصيدة، شيئاً فشيئاً يتشكل، في صيرورة هي وحدها التي اكتشف
فيها ما ستكون عليه قصيدته. بطيئاً كان ينصت إلى الزمن في قصيدته،
وصبوراً كان في كل خريف على موعد معها. شيءٌ من الحُمّى أو الجنون، في
رحيل تعددت مساراته واختلفت. وبتؤدة كان يشطب على الكامل، المكتمل، في
القصيدة والحياة، حماية لما لا ينتهي من أي ثقة بان القصيدة انتهت حتى
قبل كتابتها.
مغامرة فاتنة. ونحن كلما أعدْنا قراءة أعمال محمود درويش اتضحت لنا
طبيعة العقد الذي كان بينه وبين قصيدته. أسميه عقداً سرياً، فيه وبه
كانت القصيدة على الدوام تنفي اكتمالها. وفي إعادة القراءة ننصت من
جديد إلى تلك الصيحة المباركة التي كانت لدرويش الجرأة على تحريرها من
جوف صدره، معلناً عن رفضه للحب القاسي، عندما أصبح القارئ العربي، لما
بعد يونيو 1967، يطوق به عنق القصيدة الفلسطينية، التي كان لها اسم
'شعر المقاومة'. آنذاك، وفي غمرة الاحتفال بانتصار القصيدة على واقع
الهزيمة، أدرك محمود أن في حب كهذا ما يحكم على القصيدة بألا تكون،
لأنها، في منظور ساذج كالذي احتفى بها، تؤدي إلى إلغاء القصيدة، بكل
بساطة. كل كلام كان قصيدة لمجرد أن يختار كلمات هي مفتتح الانتصار على
الهزيمة في واقع الهزيمة.
تلك الصيحة هي التي رافقته على امتداد حياة أفردها للقصيدة وحدها
وانفرد بها. وربما كان هذا أعلى درجات اللقاء بالقصيدة بعد رحيل
صاحبها، حيث تصبح طائرة في فضاء الشعر، جنباً إلى جنب مع ديوان الشعر
العربي والإنساني، صوتاً ينزل في صدورنا موشوشاً أو جموحاً. لا تنس
شيئاً مما سأكون، تقول القصيدة لقارئها في صمته، وهي في نهر الكلمة
البشرية تسعى ذلك ما تعودتُ عليه وأنا اقرأ قصائد ودواوين محمود درويش،
منذ 1968، فيما كنت، أنا الآخر، أبحث في صمت فاس عن قصيدتي. كنت، في
قصائده ودواوينه، أسمع شيئاً ما لم يكن واضحاً بعد في صوت قصيدته. كانت
تلك القصيدة غنائية، تنظر في كل وقت إلى شعر نزار قباني، بما هو الطريق
الذي للقصيدة أن تسير عليه. وحتى ما كان يتعلمه من ترجمات الشعر
العالمي إلى العبرية، لم يكن يضاهي غنائية نزار قباني. لكن القلق سيد
قصيدة محمود درويش. وهو ما قربني أكثر منه ومن تجربته. كنت، كغيري،
أقرأه أو أنصت إليه في إلقائه الشعري، بما تطالبني به القراءة الجماعية
من الانحياز لهذه القصيدة. هي قصيدة تأتي من عذابات منفى الشعب
الفلسطيني. ولكني، في الوقت نفسه، كنت أقرأ قصيدة ذات حساسية شعرية
مختلفة، تعلمتها من مدرسة الشعر العربي الحديث ومن حركة الشعر الغربي
الحديث منذ القرن التاسع عشر.
كانت قصائد ديوان 'العصافير تموت في الجليل'، و'حبيبتي تنهض من نومها'،
تتبع الغنائية التلقائية، ثم أصبح القلق يتضح، لاحقاً، في 'أحبك أو لا
أحبك' أو 'تلك صورتها وهذا انتحار العاشق'. ضرب من الجنون يهدم أوليات
اليقين بنمط غنائي تستريح إليه القصيدة عندما تنسى أنها قصيدة. وفي
'أحمد الزعتر' أو 'مديح الظل العالي' أو 'قصيدة بيروت' كان ما ينشأ في
القصيدة، من حيث الارتفاع بالغنائية إلى فضاء ملحمي. مع هذه القصائد
أخذت ملامح التكوين الشعري الجديد تظهر، وأصبح السؤال الشعري يعبر
إليها من أمكنة معرفية وجمالية عمل الشاعر على الرحيل إليها:
لم أسمع دمي من قبلُ ينطق باسم عاشقة تنام على دمي... وتنامُ..
من مطرٍ على البحر اكتشفنا الإسمَ، من طعْم الخريف وبرتقال القادمين من
الجنوبِ، كأننا أسلافُنا نأتي إلى بيروت كي نأتي إلى بيروتَ.
من مطرٍ بنيْـنا كوخنا، والريحُ لا تجري فلا نجري، كأن الريحَ مسمارٌ
على الصلصال، تحفر قبْونا فننام مثلَ النمل في القبو الصغير
كأننا كنا نُغـني خلسة:
بيروت خيمتنا
بيروت نجمتنا' (قصيدة بيروت)
هذا الصوت الجديد، الذي أخذ يتردد على البيت الشعري، كان يعني ثقافة
شعرية أعطت للقصيدة وعداً بأفق مختلف. وهو ما لم يتأخر عن البروز في
ديوان 'ورد أقل'، الذي أرى فيه صدمة لذائقة شعرية كانت لا تأخذ من
القصيدة سوى ما كان يأتيها من خارج القصيدة. فمع 'ورد أقل' أصبحت
القصيدة تبني رؤية لزمن شعري أوسع من الزمن الواقعي الذي كان لا يزال
يرن فوق بلاط الإيديولوجيا. في هذا الديوان نشيد لقصيدة النقصان، لما
لا يكتمل في القصيدة ولا ينتهي، ولما لا يريد له درويش أن ينتهي فيها.
ولم أتفاجأ بعبور القصيدة إلى أفق آخر مع 'أرى ما أريد'. ذلك ما كنت
أنتظره منها:
فلمَ اندفعتََََََََ الآن في السفر الكبير وأنتَ توراةُ الجذورْ
أنتَ الذي ملأ الجرارَ بأول الزيْتِ المقدّس، وابتكرتَ من الصخورْ
كرْماً. وأنتَ القائلُ الأبديّ: لا ترحلْ إلى صيدا وصورْ
أنا قادمٌ حيّاً وميْتاً، يا أبي، توّاً.. أتغفرُ لي جنوني
بطيور أسئلتي عن المعنى؟ أتغفر لي حنيني
هذا الشتاءَ إلى انتحار باذخٍ؟ شاهدتُ قلبيَ يا أبي
وأضعتُ قلبكَ يا أبي، خبّأتُه عني طويلاً، فالتجأتُ إلى القمرْ
قلْ لي: أحبكَ، قبلَ أنْ تغفو.. فينهمرُ المطرْ (رب الأيائل يا أبي)
هنا الشعري يحمل التاريخي إلى مكان السؤال والجنون. وهنا الأبدي يصبح
عادياً في حياة لم تمتلئ تماماً، كما تطالب القراءة العادية للتاريخ.
ينتقل الغنائي، في رؤية شعرية كهذه، إلى أفق ملحمي هو أفق الشعري
بامتياز، أفق لم تعد فيه فلسطين ثابتة عند مدرّج وقائع اليومي في عهد
الاحتلال الجديد، بل الزمن أزمنة والأب يذهب عبرها ويعود، لا لكي يتذكر
أو يبكي، ولكن لكي يبدأ البحث عن المعنى الذي هو اسم فلسطين.
لنقل إنها القصيدة التي أصبح أفقها يمتد في الأسطورة والحكاية. أفق بلا
نهاية. أو نهايته هي اللانهاية. وفي ذلك نقد لإيديولوجية الدولة
العبرية، التي تنفي الأسطورة كما تنفي الحكاية، حتى لا يبقى لديها إلا
بدايةٌ كتَبها متخيلٌ مريض عن التوراة، لا تنفذ إليه قطرة من حياة شعب
كان هنا ويكون هنا، في المكان الذي له البداية المتعددة المتكررة
اللانهائية لزهرة اسمها فلسطين، بداية تعددت في الماضي لكي تتكرر في
مستقبل مفتوح على سموق الزهرة في أغنية شاعر لا يغيب عن الأرض.
في هذا الأفق بالذات تبدل سؤال القصيدة كما كتب محمود درويش: ' لم تعد
تسأل ماذا أكتب؟ بل كيف أكتب؟ تستدعي حلماً فيفر من الصورة، وتناشد
معنى فيضيق به الإيقاع. وفي ظنك أنك قد تخطيت العتبة الفاصلة بين الأفق
والهاوية، وتدربت على فتح الاستعارة لغياب يحضر وحضور يغيب بتلقائية
تبدو مطيعة.' قصيدة يتفيأ فيها الشعر ظل النثر. 'لكنها، كما يكتب محمود
دائماً، في حاجة إلى فكر يقودها وتقوده في مناخ الإمكانيات المفتوحة،
وإلى أرض تحملها وإلى قلق وجودي وإلى تاريخ وأسطورة' (في حضرة الغياب،
ص. 99). هي ذي قصيدة أخرى، بمنظور ما يأتي لا بما كان، وبرؤية المصاحب
للقصيدة في لا نهايتها، حيث يلتقي كل شيء كما كل شيء يعيد التكوين.
فكرٌ قبل القصيدة يصبح آخر في القصيدة، وأرض لها أفق القلق الوجودي،
مثلما فيها التاريخ والأسطورة يتآخيان. بذلك تنشأ حقيقة مختلفة عن كل
حقيقة نافية للمتعدد فيها والمتكرر، قادماً من البدايات، التي كلُّ
قوْلٍ بجمودها، في نقطة بداية واحدة، هو النقيض لما هي عليه، واقعاً في
التاريخ والأسطورة في آن.
ولا ننفصل عن هذا الأفق الأبعد دائماً، والمستحيل دائماً. في الديوان
الأخير، هناك ما يفصح عن هذا الأفق في القصيدة ذاتها التي هي 'لا أريد
لهذي القصيدة أن تنتهي'. هل هي شهادة أم اعتراف؟ لا إنها استراتيجية
القصيدة التي كانت لها رغبة الكشف في صيرورتها عن أفق لا ينتهي
بالقصيدة وفي القصيدة:
لا أريد لهذي القصيدة أنْ تنتهي أبدَا
لا أريد لهَا هدفاً واضحاً
لا أريد لها أنْ تكونَ خريطةَ منفى
ولا بلدَا
لا أريدُ لهذي القصيدة أن تنتهي
بالختامِ السعيد ولا بالرّدَى
أريد لهَا أنْ تكونَ كما تشتهي أنْ
تكونَ:
قصيدةَ غيري. قصيدةَ ضدّي. قصيدةَ
نِدّي..
أريد لهَا أن تكونَ صلاةَ أخي وعدُوّي
كأنّ المُخاطَبَ فيها أنا المتكلّمُ الغائبُ فيها
كأن الصدَى جسدي. وكأني أنَا
أنتِ، أو غيْرُنا. وكأني أنا آخَري
بين اللاإرادة والإرادة يلتقي الأقصيان، ما ليست القصيدة وما تكون، في
حياة كان فيها محمود درويش لا يتوقف عن الإنصات إلى الزمن في القصيدة
والحياة معاً. نفيُ الانتهاء هو، من جهة، قبول برغبة القصيدة ذاتها،
حيث كتابتها تتبع منعرجات الشهوة. والإثبات، من جهة أخرى، إعلان عن
المتواري من الذات خلف الذات، حيث المتكلم هو نفسه الغائب، وحيث الأنا
هي آخر، كما كتب رامبو. قصيدة بين مجهول ومجهول، فيه وحده يتكاثر
الأفق، لا من مرحلة إلى مرحلة، بل من غنائية إلى أخرى. هناك جربت
القصيدة غموضها الذي يريد له الشاعر أن يكون عنوان القصيدة. غموضها
وغموض هدفها. فيها هي ذاتها كل ما ينشأ ويتبدل، سعياً إلى أفق هو أفق
القصيدة كل قصيدة، عندما تدرك أنها من الزمن أتتْ وفيه تسافر، عبر رحلة
لا ينتهي فيها المعنى عند معلوم، كما تسعد بذلك غنائية الخطابة.
ولمحمود درويش غنائية أخرى، قادمة من مجهول القصيدة، حتى لا أفق غير
هذا الذي لا ينتهي، في القصيدة، مع كل خريف يتهيأ كي يكون خريفا قادماً
على الدوام، أبداً، لا ينتهي لقصيدة هي ذاتها، لا تنتهيي.
طائري الذي في عنقي خلق المعنى المغاير
شوقي كريم حسن
راسم قاسم.. اسم قصصي قد لا يعرفه الكثير، لانه ظل يتواجد داخل ثقافة
الرفض محاولا تدوين توارخ الاحتجاج دون الاعلان عن ذلك مستمدا تواجده
من خلال متابعات دقيقة للمتغيرات الثقافية والتي جعلت منه مبدعا حذرا
حتى بعد سقوط الصنم الثقافي، لكنه ما لبث ان تجاوز حذره ليقدم مجموعته
القصصية الاولى" الطائر الذي في عنقي.
والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة، وتضم المجموعة اربع عشرة قصة
بينها القصة التي حملت العنوان الرئيسي والذي ينتمي الى الخطاب الشعري
المتكيف مع مشاعر القاص الذاتية تبدأ القصص بقصة" التجليات الاخيرة
للحلاج " وهي قصة تعتمد لغة شعرية صوفية حيث تغيب الثيمة الاساس في خضم
ازمة المفردة الباحثة عن تميز خيالي، لكنها خالفت بهذا وظيفة النثر
الذي يتطلب موضوعية شعورية قادرة على شد المتلقي دون اثارته بأنساق
عاطفية ولقد تناسى القاص ان الشعر يتطلب مخيلة اكبر مما يتطلبه القص
كما يتطلب النثر القصصي ترتيبا عقليا اكبر ما يعتمده الشعر، ولكي يتخلص
القاص من ضغوط النثر اعتمد تقطيعا انتمى الى ما يشبه الصور القصصية
لكنها غير متوافرة على متانة القص وشروطه، فيما تعتمد قصة" مقهى في
الذاكرة " موضوعة واقعية تركز على الاستذكار الذي يمنح القاص فرصة لا
بأس بها في الكشف عن مجموعة من المحطات الحياتية فالشخصية الرئيسية
تحاول فرز عوالمها فرزا تراتبيا رافضة الانغماس فيما هو غير واقعي وغير
مؤثر والغريب ان القص في هذه القصة آثر الابتعاد عن المؤثر اللغوي الذي
اعتمده في قصته الاولى فظهرت القصة وكأنها خطاب سردي غائم لم يعط القصة
عمقها النفسي فظلت تسعى وراء نوع من الاستفسارات غير المتشابهة
والخالية من لمسات الوضوح وفي باب الطلسم يعود القاص الى توكيد نزعته
الشعرية محاولا الامساك بالنفس والتي ظلت حتى النهاية عصية على
الاستسلام تعالج القصة موضوعة فكرية تتوافر على قدر عال من الجرأة فثمة
انسان يريد العودة الى مدينته لكنه يكتشف ان الكثير من الحواجز والتي
تجعله ينتظر طويلا مزاحا باتجاه عقله الباطن والذي صور له اخيلة غريبة
كاشفة عن تطور غير انساني لا يتفق والواقع المائج بالمشاعر الواضحة
حاول القاص في المدخل الثاني اعتماد استدلالات تعبيرية متقنة لكنها
اوقعته بشرك المباشرة وسط لغة عاجزة عن توصيل الفكرة النثرية، وتهيم"
مدينة في ذاكرة الحرب " وسط خطاب ايقظ مشاعر المتلقي فجعله يبحث عن
القناعات الحقيقية وراء اختيار موضوع دقيق وحساس كالحرب ولم يكتف القاص
بالحرب بل اراد النبش في ذاكرتها عن مدينة كاملة بوعيها الجمعي
ومشروعية وجودها وظلت القصة مشاهد على اعتبارات انسانية عامة كالخير
والشر بوصفهما مصدر العواطف القاص ـ السارد والذي بواسطته تمكن المتلقي
من رؤية الاشياء وسط عتمة فكرية وقد نسي السارد ان ليس ثمة داع لقصة
خالية من الادهاش والمتعة والفطنة السردية المستعرضة لصور واقعية او
متخيلة وتمكنت قصة" طائري الذي في عنقي " من فك سؤال فلسفي اطلقته
الصوفية العربية" منك واليك نمضي ونعود، نمتزج في ذرات الخلود تنفيأ
ظلال الحقيقة ولا ندرك ما نكون او ما سنكون ـ ص 87 " بهذا السؤال
المعرفي المثير لقيم الفلسفة والتاريخ وعلم اللاهوت والادب، انسحبت
القصة الى خطاب الشعر محاولة اضفاء شيء من النقاوة على الشخصية الرئيسة
والتي خلت من اية تجربة حقيقية بل حاولت فقط توكيد ملامحها المعرفية،
والباحثة عن افكار روحية تخاطب روح الابد" ولسوف اظل شاخصا بعيني نحوه
لارى المرارة والتعاسة والحيرة بادية عليه. ص 91 "" يا سيدي: رحمتك
ظلال وارفة، ورحابتك جنان لا حدود له ـ ص 90 "" رحماك يا سيدي.. لقد
نطقت بحكمك ـ ص 92 "" انظر اليه يا سيدي فأنت وحدك يمكنك ان تميز
الاصيل من غيره ـ ص 92 " ونحن نتعرف على السارد وهو يخاطب الروح بوجد
عرفاني يبدو احيانا متعثرا ولا يستند الى اية تجربة حقيقية وفي" ربيع
الخريف " يبحث السارد عن اجابة لسؤال حائر" كيف يبدد السأم الذي لفه
منذ ولوجه باب غرفة مكتبه " يسيطر السأم على واقع مهزوم لا تترابط فيه
الحكايات، ولا تملك تتابعا منطقيا ولعل الامر اعطى للقاص فسحة مؤكدة ما
كان يردده شكسبير " ان الحياة هي من دون معنى ـ وانها تجلب ايضا موقفا
معقدا وعادلا ليؤثر بتلك الحقيقة، وانها تنجز من خلال دلالة دقتها ضمن
قوة تأثير المغزى وتعمل قصة" الفرق في الظلال " على تحويل المشاعر الى
مجموعة من الدلالات ذات تأثير عاطفي على المتلقي الذي ما يلبث ان يسقط
في مصدرية السارد اللغوية والتي تكمن وارءها احاسيس متراكبة تفشل
بالابقاء على مغزى القص كاملا ان ثمة تغييرا مستمرا في المغازي، وهذا
التغيير يزيد المشكلة تعقيدا امام المتلقي وتسعى القصة الى لملمة
واقعيتها بقوة موحية لكن اللغة الحسية ما تلبث ان تسيطر لتقدم مجردات
لا تستحوذ على اهتمام المتلقي وتظل قصة" اعلان عن موت مسبق " وهي اخر
قصص المجموعة وافضلها، واحدة من الابداعات المهمة اذ تقدم وبأتقان نسيج
حكائي يتوافر على قدر مدهش من الصور التي تشكل واقعا مرعبا عارضة
عالمنا من خلال شخصية" حامل الرحال " الذي اراد من خلال اعلان موته كشف
حقيقة العالم الذي يرفضه بهدوء محاولا الامساك بحياته الداخلية وقد
قدمت القصة كشفا واقعيا لموضوع تناولته القصة العالمية كوجه من وجوه
العبث وكمحاولة الاجابات كان الفكر الوجودي قد اطلقها فثمة خيار لكل
شيء حتى وان بدت هذه الخيارات مجرد وهم رمزي، وبرغم هذه الملاحظات تظل
قصص راسم قاسم، معلما متميزا ولسوف تأخذ طريقها الى المتلقي لما فيها
من اختلاف واستخدام جميل للصور القصصية والتي نسعى جميعا الى ترسيخها
في ذهنية القارئ العراقي الباحث عما هو جديد ومتميز.
قصة قصيرة
طائر في غيبوبة
ابراهيم سبتي
في الساعة الوحيدة الباقية على نصف اليوم .. دوى انفجار مروع هز
المدينة من اقصاها الى اقصاها..
قال الخبر: ان رئيس الطهاة اشرف بنفسه على تحضير وجبة الغذاء لستة
غواصين قدموا الى المدينة بعد رحلة مضنية سالكين الانهر والترع
والمستنقعات ليحلوا ضيوفا على حارس الزقورة ولياخذوا معهم في رحلة
العودة صناديق مليئة بالاجر والرقم والمسلات والتراب والاختام ،
لدراستها وقد يفككوا الزقورات والنصب المصنوعة من احجار.
ويضعوها في صناديقهم المصممة خصيصا لهذا الغرض .. انتهى.
الانفجار المروع هز الشوارع والبيوت واحرق البشر والطير واذاب الاسفلت
وصهر الحديد واقتلعت الحدائق القريبة ولم تنفع الحواجز والمتاريس من
حدوثه الرصيف المقابل كان مرتعا لبيع العقاقير المخدرة وادوات الموت
واقراص مخادع الليل .. وعلق اعلانا كبيرا يظهر فيه شابا منغوليا كتب
فوق صورته : فقدان شخص. وبجواره بقايا خرقة مكتوب فيها : سفرة ترويحية
لاطفال مدرسة الصم والبكم وبجانبها صورة ممزقزة يظهر فيها طائر صغير
ارجله الى الاعلى ويبدو انه في غيبوبة.. قال الخبر: ان القوات استخدمت
خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريق الغاضبين الذين قذفوا
بقايا البناية المنكوبة بالحجارة واشعلوا الاطارات احتجاجا على تعكير
الامن في المدينة..وان رئيس الطهاة ابلغ ضيوفه الغواصين بأن مهمة البحث
عن اللقى والرقم والمسلات تحتاج الى وقت ليس بالقصير وان عليهم تسليمه
قائمة بالاطعمة التي يرغبون بتناولها قبل حلول الظلام .. انتهى
بعد الانفجار بيومين ، ظهر رجل يبدو انه مصاب بالجرب فتقرح جلده ونتنت
رائحته وملابسه صارت اسمالا ينفض غبارا كثيفا .. صاح رجل مسن : هذا
الناجي الوحيد خرج توا من مدفنه.. الغواصين الستة جاؤوا يلقون نظرات
الدهشة فيما قام الغاضبون بطردهم والهجوم على سيارتهم المحملة بادوات
الغوص ، نهبوها واحرقوها عن اخرها ، هرع الغواصون نحو النهر القريب
وتواروا عن الانظار.. في اليوم الثالث: مازالت الاوصال مبعثرة في
الشارع المفجوع .. في السماء سحابة سوداء ضخمة.. النهار ضحى داكن ..
الناس يفترشون الارصفة التي قلب وجهها وصار سافلها .. بعضهم راح يرمي
بسنارات الصيد الى عرض الشارع المزدحم بالاشلاء المتناثرة والاجساد
المهشمة .. ينظرون بوجوه ساكنة جامدة الى حوض الشارع الذي لامسته قطرات
المطر النازلة ببطئ.. بعد فترة ، لاذ الجميع بالفرار سوى اصحاب
السنارات .. لاذ الجميع من الريح العاوية والمطرالذي صار غزيرا يتساقط
مروعا خلف اسيجة المنازل .. غرق الشارع وتوارت الاشلاء ولم يعد
الصيادون ياملون بصيد ما ، تركوا امكنتهم وسناراتهم تلعب بها الريح
وتوارت تماما.. في اليوم الرابع: نهار غارق في انقاض واشلاء وبقايا مطر
عنيف .. ظهر الغواصون بملابسهم السود الملتصقة باجسامهم قادمين من
النهر .. لا احد ينظر اليهم.. الكل منهمك بتنظيف الشارع .. رئيس الطهاة
بقلنسوته البيضاء ، خفيف الظل مع ضيوفه ، يحاول ايصال ابتساماته
واشاراته وحركاته كأنه في سيرك.. الضيوف تركوا الموقع المضروب متجهين
نحو النهر تلاحقهم نظرات الناس المريبة.. اليوم الخامس: ضيوف رئيس
الطهاة يحملون حقائب سود .. حارس الزقورة لم يظهر معهم في الصورة
المنشورة في صحف الصباح ، الطاهي السمين يقف الى الخلف غاضبا .. لم
يظهروا في موقع الخرائب بملابس الغوص.. الناس يلملمون جراح الشارع الذي
بدا مختلفا.. لا اثر للاوصال المبعثرة.. لا انقاض .. لا سنارات صيد في
عرض الشارع.. لا اعلانات عن فقدان اشخاص منغوليين.. فجأة شقت سكون
الشارع سيارة سوداء تحمل ستة اشخاص ترجلوا متوجهين الى مكان الانفجار
مصوبين عليه الات التصوير.. من بعيد كان رئيس الطهاة السمين ينادي
عليهم بالاسراع الى مائدة الطعام المعدة خصيصا لهم.. حارس الزقورة شوهد
يقود جماعة من الغاضبين وانهالوا بالاحجار على الرجال الستة الذين
هربوا تاركين الطاهي تتقاذفه ايدي الهائجين الذين اشبعوه ضربا فسقط
مغشيا عليه اسفل صورة الطائر تحديدا.. قال الخبر: ان رئيس الطهاة مات
متأثرا بجراحه بعد ضربه حتى اخر رمق.. حارس الزقورة سيطر مع جماعته على
حقائب الغواصين وافرغوها حتى اخرها ولم تعد تحمل شيئا.. تم وضع اليد
على جميع الصناديق ولم تفتح الا بحضور الناس الذين فجعوا بانفجار
الساعة الحادية عشر
نصوص شعرية
صباح العزاوي
حياتي التي أحياها
طريقان ممتدان بينهما القتل
حياتي التي أحياها
ضوءان متعامدان بينهما المطلق
هو ما خلفه الشعر
عني وعن أمريكا
بحرية الغنغرينا
سأمتص لحم قوانينك
سأضيء سرّ بلادي
أو أضيء الطين
أضيء أمماً فيَّ اعتصمت
نشيدا من الماس
وانشر عارك على شفاه الشيوخ
فقط أعلمك
عن حكمة الموسيقى وأبدية الهندي الأحمر
ففضتك معتمة
وعويلك يتكرر
يضحك الأطفال عليك
ما بالك
تجندين الموت
تعبدين المسخ
أيتها الوقحة
***
أنا اعرف
إن نيويورك
مذابح
تعقبها مذابح
لكن لا مذبوح هنا سوى الحقيقة
***
لن تتغير نظرتي لبغداد
بكل ما جئت به
لن أصير واقعيا
حتى لو ذبحت نفسك أمامي
أيتها المخادعة
أتربص بشمس ظهيرتي
بطيورك اللاعنة
ولن يكون لدي صباح جديد
تبزغ آلام البغداديين فوق عيادتين شعبيتين
فيختفي الشك
فوق ما تبقى للغزالي حياة
لن يجد جندي من كاليفورنيا كيمياء هنا
عن السعادة
قتلة زهور من هناك
مذ رأيتكم في الأسواق
تذكرت سجونا أخرى
تذكرت موتي مع الزنادقة
تذكرت جلدكم للأفكار
تذكرت ظهر ابن حنبل وهو يساقط
تذكرت ابن رشد وهو يحرق العقل مذ رأيتكم في الأسواق
رحت اقرأ كيف قتلتم التاريخ
رحت اقرأ كرهكم للنور والذهب
كرهكم للزهور
كرهكم لصِباح الوجوه
كرهكم للحب
لكل زمان دراكولاه
انتم فعلا دراكولا هذه الأمة
ما خطه التيه للمجد
المجد لي
أنا تكملة الأصدقاء
حارس شوارعنا من الفراغ
المجد لي
أنا متذكر السياب كل صباح
المجد لي
أنا ناشر الطمأنينة في وجوه النساء المعذبات
المجد لي
أنا موئل موتنا اليومي لأسرار جديدة
المجد لي
أنا مشرد عصر الإرهاب المجد لي
أنا الابن المشتت بفكرة بغداد أخرى
المجد لي
أنا الذي رضعت من ثدي ارض
يسمونها iraq |