|
فدك في التاريخ
الحلقة التاسعة والعشرين
الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر
مسألة النحلة
الناحية الثانية : المناقشة التي قامت بين الخيلفة والصديقة حول نحلة
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك ، فقد ادعت الصديقة
النحلة وشهد بذلك قرينها وام أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها.
1-والنقطة
الاولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة مع أن
خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير ( 1 ) .
ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس ، لأن المناقشة على
هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر
الأساسي لدنيا السياسة في الأسلام ، وهي عملية لها حساب طويل
.
2-والملاحظة
الثانية في الموضوع هي أن فدك إذا كانت في حيازة الزهرا عليها السلا م
فلا حاة لها إلى البينة وفي هذه الملاحظة أمران
:
(أولا
) من هو الذي كانت فدك في حيازته ؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا ؟ قد
يمكن أن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين في رسالته الخالدة إلى عثمان بن
حنيف : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء . فشحت عليها
نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين
فإن المفهوم من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت وقد نصت على
ذلك روايات الشيعة . وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام بفدك
يدل على أنها كانت في حياز ة علي وزوجه خاصة ، ويمنع عن تفسير العبارة
بأن فدك كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن
حيازته حيازة أهل البيت ، لأننا نعلم
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده أشياء اخرى غير فدك
من مختصاته وأملاكه
.
(وثانيا
) هل الحيازة دليل على الملكية ؟ والجواب الأيجابي عن هذه المسألة مما
أجمع عليه المسلمون ، ولو لا اعتبارها كذلك لاختل النظام الاجتماعي
للحياة الأنسانية
وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد الزهراء بأنها لم تحتج بذلك ،
ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة والاستدلال بآيات الميراث ،
وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا الاعتراض لأنها تنقل احتجاج
أهل البيت بذلك على الخليفة ، غير أننا لا نريد دراسة المسألة على ضوء
شئ منها . ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا مترامية الأطراف وليس
شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي تتضح حيازة
مالكها لها بأدنى ملاحظة
.
فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة يتعهدها وكيلها الذي يقوم
بزراعتها ، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل ؟ ! ونحن نعلم أن
فدك لم تكن قريبة من المدينة ليسلع أهلها على شؤونها ، ويعرفوا من
يتولاها ، فقد كانت تبعد عنها بأيام ، كما أنها قرية
يهودية
، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين جماعة
المسلمين . فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف
يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على
النحلة ما دام
-
في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة
طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشئ ؟ وكان من السهل في ذلك اليوم أن
تبتلع
الحوت وكيل فاطمة على فدك أو أي شخص له اطلاع على
حقيقة الأمر كما ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يرو النحلة
.
وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين ، أو أن تقتله الجن كما
قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق، أو أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن
تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون
لتسليمها له
3-ولنترك هذه المناقشة لنصل إلى
المسألة الأساسية وهي : أن الخليفة هل كان يعتقد بعصمة الزهراء ويؤمن
بآية التطهير نفت الرجس عن جماعة منهم فاطمة أو لا ؟ ! ونحن لا نريد أن
نتوسع في الكلام على العصمة وإثباتها للصديقة بآية
التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة .
ولا نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت
تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها ، وقد صرحت بذلك صحاح
الشيعة والسنة
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر بعد نزول
الاية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، وقد استمر على هذا ستة أشهر
وإذن فلماذ طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها ؟ وهل تحتاج الدعوى
المعلوم صدقها إلى بينة ؟ قال المعترضون على أبي بكر : إن البينة إنما
تراد ليغلب في الظن صدق المدعي ، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم
للمدعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم
بصدقه .
والاحظ أن في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين
البينة وعلم الحاكم ، بالأضافة إلى صلب الواقع ، وإنما لوحظ مدى تأثير
كل منهما في نفس الحاكم ، وكانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البينة
لأن اليقين أشد من الظن
وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا
ا لأخذ بها في كل مخاصمة . ولا يفضل علم
الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة ، لأن الحاكم قد يخطأ كما
أن البينة قد تخطأ ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل
والاشتباه .
ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضا ، وهو أن ما يعلمه الخليفة
من صدق الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة ، لأن سبب علمه بصدقها ليس من
الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا ، وإنما هو قرآن كريم دل
على عصمة
المدعية
.
وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء ، يمكننا أن
نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم على
طبقه . فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة
المدعي ، وصدقة أولى
بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية . وعلى اسلوب آخر من البيان
نقول : إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك وصدقها
في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردد
لمحكمة من محاكم
القرآن . ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة النص على النحلة ،
لأن المعصوم لا يكذب ، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك . ولا فرق
بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا ، سوى أن
ملكية الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني ، والمعنى المفهوم من
النص
الأول عن طريق مفهومه الحرفي
.
4-ونقول
من ناحية اخرى : إن أحدا من المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها
بالافتراء على أبيها ، وإنما قام النزاع بين المتنازعين في أن العلم
بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على وفقها أو لا ؟ فلندع آية التطهير
ونفترض أن
الخليفة كان كأحد هؤلاء المسلمين ، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا
على الامتياز الذي أشرنا إليه في النقطة السابقة ، بل هو علم في مصاف
سائر الاعتقادات التي تحصل بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه ، ولا يدل
حينئذ جعل البينة دليلا على مشاركته لها في تلك الخاصية ، لأنه ليس
أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا . ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن
يحكم على وفق علمه ، كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البينة بدليل
ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك ، إذ قال
الله تعالى في سورة النساء : ( وإذا حكمتم بين
االناس أن تحكموا بالعدل ) ، وقال في سورة الأعراف : ( وممن خلقنا امة
يهدون بالحق وبه يعدلون ) أي يحكمون.
المسجد النبوي..انطلاقة الخير وينبوع البركة
أسرة البلاغ
بعد ثلاثة عشر عاماً من البعثة النبويّة المباركة، قضاها رسول الله(ص)
في مكّة المكرّمة، داعياً إلى الله تعالى، في ذلك الواقع المتحجِّر في
طريق الدعوة الإلهيّة، أمره الله عزّوجلّ بالهجرة إلى مدينة يثرب التي
تقع شمال مكّة على بُعد بضع مئات من الكيلومترات... بعد أن توفّرت
الظروف الموضوعية لتلك الهجرة المباركة.
وكانت أوّل المؤسّسات التي أقامها رسول الله (ص)، فاستجدت في هذه
البلاد هي: (المسجد) النبوي المبارك، الذي اختار الله بقعته الشريفة
لتكون منطلقاً لذكر الله تعالى، وإعلاء كلمته في الأرض، وليكون المنار
الثاني للهدى في الأرض، بعد بيت الله الحرام في مكّة المكرّمة من حيث
الشرف، والمكانة، والطهر، والتجرّد لله ربّ العالمين..
وقد شيّد هذا المسجد المبارك على التقوى، والإخلاص لله عزّ وجلّ:
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن
تَقُومَ فِيهِ) (التّوبة/108).
وقد أقيم مسجد رسول الله (ص) على أرض طولها خمسة وثلاثون متراً وعرضها
ثلاثون متراً، حيث كان مجموع مساحته يوم تشييده ألفاً وخمسين متر، وكان
أساسه قد بني بالحجارة، وجدره أقيمت باللِّبِن ـ وهو الآجر قبل فخره
بالنار ـ وكانت أعمدته من جذوع النخيل، وسقفه من جريدها...
لقد استغرقت عمليّة بناء هذا المسجد الشريف شهرين وكان رسول الله (ص)
يقيم أثناءها في ضيافة أبي أيّوب الأنصاري في الطابق الأرضي من داره،
وكان أبو أيّوب يقيم في الطابق الأعلى من الدار...
لقد تعاون أكثر الصحابة، من المهاجرين والأنصار، في إقامة هذا المشروع
الربّاني، وكان رسول الله (ص) بنفسه قد شارك في العمل أسوة بأصحابه
وكانت جموع العاملين تردِّد:
أللّهمّ لا عيش إلاّ عيش الآخره
فاغفر اللّهم للأنصار والمهاجره
لقد كان بناء المسجد النبوي بسيطاً، لا تكلّف فيه ولا إثارة، لكي
يتناسب مع بساطة الإسلام الحنيف، في مفاهيمه، ووضوحه واستقامة مبادئه،
ويسرها...
ولقد كان المسلمون الأُوَل على اطّلاع على معابد أهل الديانات السابقة
على الإسلام من كنائس، وبيع، وديّارات، سواء ما كان منها في داخل
المدينة المنوّرة حيث يتواجد اليهود بكثرة، ولهم حصونهم، ومعابدهم،
ومساكنهم، وتجمّعاتهم التاريخيّة، كذلك الحال بالنسبة للنصارى الذين
يتواجدون هنا وهناك في الجزيرة العربية، أو على تخوم بلاد الشام
القريبة من المدينة المنوّرة...
إنّ معايشة المسلمين لأهل الكتاب، واطّلاعهم على كيفيّة إقامة معابدهم
من حيث الزخرفة، والتأنّق في البناء، ومظاهر الأبهة وما إلى ذلك، لم
يحمل المسلمين على التفاخر أو التقليد أو إظهار العظمة في الهيكلية،
والقشور، والمظاهر أبداً.. وإنّما التزموا البساطة، واليسر في عملية
بناء أوّل مسجد لهم، تمسّكاً بيسر الإسلام الحنيف، وعظمته الواقعية
والذاتية.
ومن متابعة للتاريخ الإسلامي، وسيرة المصطفى (ص) وأهل بيته وأصحابه،
نجد انّ ذلك المشروع الربّاني الخالد كانت عمليات توسعته تتناسب مع
اتِّساع مساحة المسلمين، وعددهم.. وكانت أوّل توسعة للمسجد النبوي
الشريف قد جرت في عهد رسول الله (ص) حين أضاف لمساحته عشرة أذرع عرضاً،
وعشرين ذراعاً طولاً، وقد ذكر المؤرِّخون انّ آخر توسعة للمسجد النبوي
الشريف قد بلغت بمساحته في أواخر أيّام الرسول(ص) 5670 ذراعاً مربّعاً،
وهي ما تعادل (86 و3280 متراً مربعاً) أي أنّ مساحة المسجد النبوي قد
تضاعفت ـ في حياته الشريفة ـ مرّتين على مساحته الأولى..
وحول تطوّرات بناء المسجد النبوي الشريف في عهد رسول الله (ص) حسب
مقتضيات الحاجة، والضرورة، وتطوّرات أوضاع المسلمين يحدِّثنا الإمام
أبو عبدالله الصادق بهذا الحديث التاريخي الدال: (إنّ رسول الله (ص)
بنى مسجده بالسّميط، ثمّ إنّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو
أمرتَ بالمسجد فزيدَ فيه، فقال: نعم. فزيد فيه وبناهُ بالسعيدة، ثمّ
إنّ المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله، لو أمرتَ بالمسجد فزيدَ فيه،
فقال: نعم. فأمر به فزيدَ فيه، وبنى جداره بالاُنثى والذكر، ثمّ اشتدّ
عليهم الحرّ، فقالوا: يا رسول الله، لو أمرتَ بالمسجد فظلِّل، فقال:
نعم. فأمرَ به فاُقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثمّ طُرحت عليه
العوارض والخصف والأذخر، فعاشوا فيه حتّى أصابتهم الأمطار، فجعل المسجد
يكفّ عليهم، فقالوا: يا رسول الله، لو أمرتَ بالمسجد فطُيِّن، فقال لهم
رسول الله (ص): لا، عريش كعريش موسى (ع).. فلم يزل كذلك حتّى قُبضَ (ص)
وكان جداره قبل أن يظلّل قامة، وكان إذا كان الفيء ذراعاً وهو قدر مربض
عنز صلّى الظّهر فإذا كان ضعف ذلك صلّى العصر).
هذا ومن الجدير بالذِّكر انّ الصلاة لدى أمّة محمّد (ص)، وإن لم تقيّد
بمكان، وموضع معيّن، لأنّ الأرض كلّها في المفهوم الإسلامي الذي بشّر
به خاتم الأنبياء (ص) جعلها الله للمسلمين مسجداً، وطهوراً، إلا ما كان
منها مغصوباً أو نجساً.
فقد ورد عن رسول الله (ص) الحديث الصحيح التالي: (اُعطيت خمساً لم
يُعطَها أحد قبلي: جُعِلَتْ لي الأرض مسجداً، وطهوراً، ونُصرت
بالرُّعب، واُحِلَّ لي المغنم، واُعطيت جوامع الكَلِم، واُعطيت
الشفاعة)، ويقول المصطفى (ص) أيضاً: (جُعلت لي الأرض مسجداً، وترابها
طهوراً، أينما أدركتني الصلاة صلّيتُ).
أقول: رغم انّ الصلاة لم تقيّد بموضع معيّن إلا أنّ إقامة المساجد في
الأرض، والحض على ارتيادها، والصلاة فيها، تهدف إلى تحقيق غايات
ثقافية، واجتماعية، وحضارية لصالح الأمّة الإسلامية المجيدة.
إنّ المهام العظيمة التي نهض بها المسجد النبوي الشريف في المدينة
المنوّرة في عهد رسول الله (ص)، وعلى مدى عقد من الزمان يمكن أن تشكِّل
الصورة المناسبة للمهمّات الحضارية التي ينهض بها المسجد في حياة
المسلمين، على مدى الأزمان، وإن تغيّرت تفاصيل النشاطات والفعاليات
التي يؤدِّيها المسجد عبرَ الأجيال والأزمان، حيث تتغيّر الوسائل،
والأدوات، والإمكانات المستجدة في حياة الناس، حسب التطوّرات الحاصلة
في الزمان، والمكان، ويمكننا أن نعطي صورة أوّلية عن الفعاليات التي
كانت تؤدِّيها مؤسّسة المسجد النبوي في عصر رسول الله (ص).
يقول الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب): (المسجد
مركز الحياة الحقيقي عند العرب).
ويمضي غوستاف لوبون قائلاً: (... فالعرب يتّخذون من المسجد محلا ً
للاجتماع، والعبادة، والتعليم، والسكن عند الاقتضاء، وملاجئ للغرباء،
ومراجع للمرضى، لا للعبادة فقط كبيَع النصارى... ومن توابع المساجد على
العموم: حمامات، وفنادق، وأصابل، ومشاف، ومدارس، وهكذا يتجلّى اختلاط
الحياة الدينيّة بالحياة المدنية عند المسلمين)...
لقد كان مسجد رسول الله (ص) النموذج الأمثل لمهمّة المسجد في حياة
الجماعة المسلمة، وفقاً لظروف المسلمين في تلك الحقبة الزمنية من
حياتهم.
وهذه بعض الفعاليات والمهام التي كان المسجد ينهض بها في آن واحد
1- كان مسجد النبيّ (ص) موضعاً لإقامة
الصلاة الخاشعة لله ربّ العالمين في أوقاتها المعلومة، إضافة إلى
النوافل، وصلاة العيدين وصلاة الآيات، وما إلى ذلك من عبادات.
وكانت الصلوات اليومية تقام جماعة بإمامة رسول الله (ص)، وكانت صلوات
الجمعة أكثر الصلوات اهتماماً من قِبَل المسلمين، لأهمّيتها السياسية
والاجتماعية في آن واحد، إضافة إلى عبادة الإعتكاف في المناسبات
الخاصّة.
2- وكان المسجد النبوي معهد المسلمين
لتعلّم القرآن الكريم، وتلاوته وتعلّم أحكام الشريعة الإسلامية،
ومفاهيمها، إذ كان بذلك معهد الأجيال وجامعتها العلمية التي خرّجت
أئمّة الدِّين، والصّحابة الملتزمين، وحفظة الشرع المقدّس.
3- وفي المسجد النبوي يجري الحوار مع
الخصوم الفكريين، والدينيّين من أصحاب الديانات السابقة، وأصحاب
الآراء، والاجتهادات المخالفة للاسلام كلاً أو جزءاً، كما تجري دعوة
هؤلاء، وأولئك إلى اتِّباع الهدى، والتمسّك بالإسلام الحنيف.
4- وفي المسجد النبوي الشريف تدار
شؤون الدولة الإسلامية، حيث يشكِّل المسجد يومذاك (دار الحكومة)، فيه
يعيِّن قضاة المناطق، وموظّفو الدولة، وجباة الأموال، وقادة الفرق
العسكرية التي تضطلع بشؤون الجهاد في سبيل الله تعالى، وما إلى ذلك من
شؤون.
5- وفي المسجد توزع الأموال،
والمرتبات على الناس، حسب قواعد التسوية في العطاء التي وضعها الإسلام
الحنيف، ونفّذها رسول الله (ص)، فكان المسجد النبوي بيت المال، للدولة
الإسلامية.
6- ومن المسجد النبوي الشريف تعلن
الدعوات للجهاد، وصدّ العدوان، ويبلغ الناس عن نتائج الحرب، نصراً أو
إخفاقاً.
7- وفي المسجد النبوي جناح لإيواء
المستضعفين الغرباء عن المدينة المنوّرة، وكان ذلك الجناح يسمّى
(الصفة) حيث ضمّ الكثير من فقراء الصحابة، ومساكينهم، حتّى صارت الصفة
سكناً، ومعهداً لتخريج المحدِّثين، وحفّاظ القرآن الكريم، والعُبّاد،
والزُّهّاد.
8- وفي هذا المسجد المقدّس كانت تجري
اللقاءات بالوفود الرسمية من القبائل، والدول المعاصرة لدولة رسول الله
(ص) كوفود النجاشي، وقياصرة الروم، وحكّام اليمن، وقبائل العرب
المختلفة.. كما كانت تبرم الاتفاقيات، والمواثيق، والعهود مع القبائل،
والأقوام المحيطة بالمدينة المقدّسة.. كما يجري إرسال الوفود إلى
الآفاق من هذا المسجد المبارك.
9- وفي هذا المسجد المقدّس كانت تجري
عمليات تكريم أصحاب الفعاليات الإيجابية المميّزة (العمل الصالح،
والإيثار، والتضحية المميّزة) حيث يثني عليهم القرآن في آي منه، أو
يثني عليهم الرسول (ص) في أحاديثه وكلماته، حيث يُمثِّل ذلك أوسمة على
صدورهم، ويحضّ الرسول (ص) المسلمين على التزام خطِّهم، وترسم أعمالهم،
كذلك الحال بالنسبة للمسيئين، المخربين من الناس الذين ينافقون أو
يضرّون عباد الله عزّوجلّ، أو يضعون العقبات في طريق خلاص الناس، من
الظلم، والضلال، والتخبّط في التيه، حيث يلعنون أو يكشفون أو تكشف
خططهم التخريبية، وما إلى ذلك.
10- هذا ومن الجدير ذكره انّ مسجد
رسول الله (ص) كان دكّة للقضاء العادل، وإنصاف المظلومين من ظالميهم
حيث يشكل السلطة القضائية، ومحكمة العدل الإلهي بين الناس، ولكنّ
الحدود لا تقام فيه عادة احتراماً لمكانته!
11- وفي هذا المسجد الشريف كذلك تجري
عمليات التشاور بين المسلمين وقيادتهم الكريمة، أو بين المسلمين أنفسهم
لإبرام أمر، واقامة حق، واشاعة معروف، أو ابطال باطل، أو تخطيط
لمستقبل، وهو بذلك دار الشورى، ومجلس البرلمان.
وهكذا تجتمع في هذه المؤسّسة الربّانية المباركة فعاليات الخير والبركة
جميعاً، وتتعانق فيها النشاطات الاُخرويّة والدنيوية معاً، وتختلط فيها
أشواق الروح العليا، والحاجات المادية الضرورية لمسيرة الانسان،
والنهضة والتنمية!!
إنّها تحمل روح العبادة، ومضمونها في نظر الإسلام الحنيف، فكل شيء يطاع
الله فيه فهو عبادة في معنى من المعاني، فالصلاة عبادة، والاجتماع
لاستماع توجيهات الشريعة، وأوامرها عبادة، وتعلّم قراءة القرآن الكريم
وتدارس العلم عبادة، والفصل في الخصومات عبادة، وإطعام المساكين
والمحتاجين عبادة، وإقامة المعروف والنهي عن المنكر عبادة، والحضّ على
الجهاد ونشر الاسلام عبادة.
فكرة العقوبة في الفقه الاسلامي
عبد
العظيم نصر
أساس فكرة العقوبة في الفقه الاسلامي نابعة من مصالح الناس العامة
والخاصة, التي لا تحفظ الا بدفع المفاسد الاخلاقية, والتجاوزات
القانونية, ولكن النهي عن الفعل او الامر باتيانه لا يكفي وحده لحمل
الناس على اتيان الفعل او الانتهاء عنه, ولولا العقاب لكانت الاوامر
والنواهي اموراً وضرباً من العبث, فالعقاب هو الذي يجعل للامر والنهي
معنى مفهوماً, ولا شك ان بعض الناس يفعلون الفعل لانه مأمور به,
وينتهون عنه لانه منهي عه شرعاً وعقلاً, نصاً واجماعاً, لا حذراً من
العقوبة, ولا خوفاً من النكال, ولكن حياء وخجلاً أن يكونوا عاصين,
ومبادرة للطاعة لله سبحانه وتعالى, وتطبيقاً لاوامره والانتهاء عن
نواهيه, وتحقيقاً لمصلحة الجماعة, ولكن أمثال هؤلاء قليلون جداً,
والاحكام تشرع للكثرة الغالبة, لا لمثل هذه القلة النادرة.
ان الشريعة الاسلامية اعتبرت بعض الافعال جرائم وعاقبت عليها, لحفظ
مصالح الناس, ولصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة, ولضمان بقاء
الجماعة قوية متضامنة متخلفة بالاخلاق الفاضلة, والله الذي شرع هذه
الاحكام وأمر بها, لا تضره معصية عاص ولو عصاه أهل الارض جميعاً, ولا
تنفعه طاعة من اطاعه ولو أطاعه اهل الارض جميعاً, ولكنه كتب على نفسه
الرحمة لعباده, ولم يرسل الرسل الا رحمة للعالمين, لاستنقاذهم من
الجهالة, وارشادهم من الضلالة, ولفهم عن المعاصي, وبعثهم على الطاعة.
ثمة ملاحظة بين العقوبة والعقاب, فالفقهاء في متونهم الفقهية فرقوا
بين: تعريف العقوبة, والعقاب في الفقه الاسلامي.
فالعقوبة هي الشيء الذي يقع على الانسان في حال الحياة الدنيوية, بسبب
مخالفة شرعية, أو قانونية, مثل الذي يرتكب جريمة الزنى واللواط,
والمساحقة, والقذف, والسحر, والسب (أي سب المعصومين كالأنبياء
والمرسلين عليهم السلام) والقتل, فيرتكب بحقه اذا تحققت بالادلة
الشرعية (القصاص, والحدود, والتعزيرات).
اما العقاب, فهو: ما يلحق الانسان في الاخرة, نتيجة لارتكابه بعض
الجرائم الشرعية, اذا لم يحد في الدنيا بطرق شرعية على يد الحاكم
الشرعي, أو بعض الاخلاقيات المنهي عنها شرعاً وعقلاً وثبتت بنص صحيح,
وحكي عليه الاجماع عند الفقهاء. |