الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (904) الخميس 15 ذي الحجة 1430 هـ/3 كانون الاول 2009

الثقافية

الخزف السردي في منحوتة (الثمرة)

اسماعيل ابراهيم عبد

يمتاز الخزاف السردي بقدرته على جعل السحق والسخونة طريقا الى الفعل الفني بمستوييه ، التشكيل والتلوين . ومن مفارقات العمل هذا ان يتحلى صاحبه بالصبر والمراقبة والدقة والذائقة السليمة والدربة الفائقة على النحت والتهشيم أي ان التشكيل يقتضي البناء الافنائي.. هذا الفعل يهيء القاص لينتج مخطوطة نصية تتجدد فيها القيمة السردية (خزفا ونحتا ) ومثالها قصة (( الثمرة )) التي تضمنتها مجموعة (( وردة لهذا الفطور )) للقاص حنون مجيد .. وهي قصة تستجيب لمرقاب ومثقاب وسخونة حركية السرد الخزفي النحتي ، انها تنتمي الى (( القص الموجز )) تحديدا ، وهو يتطلب مواصفات تقارب مواصفات العمل الزخرفي (( الحر )) ، وهذه القصة استحررت قوانينها الخاصة من المواصفات التالية:

أ‌. الانفتاح الطولي : كل معروضة نصية لها حدود ، من حيث الماهية ومساحة العرض ولكن هذه الخزفية ( الثمرة ) تنفتح اطوالها على الجهات كلها دون التقيد بالحدود ، فهي تتمدد بأنفتاحات علائقية شبه مطلقة ... وهي بهذا تقترب من مصاغة الصحيفة الخزفية الصماء التي تلين وتتمدد وتنفتح اطوالها الى الخارج وفي التنصيص التالي ما يماهي الانفتاح الطولي الذي يتأول دلاليا بالمطلق الحدوثي) يعرف هو قبل غيره ، كم عانى في البحث عنها ، كم امضي من زمن وكم قطع من مسافات - وردة لهذا الفطور ص19- ) .

النص يمدد الزمان والمكان الى لاحدود لانفتاحهما ليعتبر الحدث الصغير والمعرفة والبحث ، حدثا ممتدا ومتطاولا ازاحيا وتأويليا في نظم من الاحداث ، السابقة واللاحقة ، كأنما ليضفي على طبيعة الحادثة حدوثات مكملة مهملة لكي لا تزاحم المظهور القولي .. وبمثل هذا الامتداد تصبح الاطوال منفتحة نحو حدوثات القيمة السردية بما يشابه مبغيات المطلق الاسطوري.

(كانت تبدو له مثل سراب لا يريد ان يصدقه ، غير انها الان امامه بكل اكتنازها وتوهجها .. ثمرة تلوح على قمة شجرتها مثل كرة شفافة ممتلئة بسائل اصفر كثيف كالعسل يشع لونه من خلال جدارها الرقيق فيحيطها بهالة صفراء بلون الذهب النقي ) " ص19 النص الثاني يتخذ التمدد الطولي تجديرا عميقا ، اتصالا من الحدث ، المعنى نحو الشعيرات القنواتية ، وصولا الى مكنوز الاثر .. حيث: ((السراب + الاكتناز والتوهج + قمة الشجرة + العسل المشع + هالة صفراء )) = الشعيرات الخمسة الموصلة الى عمقي الفعلين الموصفين للكنه الاثيري ، عبر العمق التمددي لدلالة المعنى المصيغة لشعيرات التوصيل ، والفعلان الحديثان.

(الحالة السرابية ، وحالة التوهج ) لهما كذلك فعل الالحام الترصيفي للباطن القولي بما يعيد تنشيط فاعلية الحادثة السردية .. كما ان للشعيرات الخمس فعل التبرير الوجودي للحوادث الضمرية في النص الاول ، وللحوادث اللاحقة بالنص اعلاه ، فكأنما السرد قائم باللم الثنائي بين كل جزئين واخرين ، بفاعلية قوى النسيج الباطني للقص.

ب‌. الانفراش الزخرفي : والقصة ( النص ) اذ تضع نفسها في مستنسخ مظهري فهي تعرض قيمتها الفنية ، لانه لا يوجد فن دون مظهر نصي . ان الفنان ( صائغ ) النص قد وضع هذه المعروضة بطبيعة امتداد فوق الساحة العرضية لشاشة النص ، هذه المرة ، ليحيل العرض مناسبة عن منحوتات زخرفية عاليها كتل النحت ، بموشورات الخزف للمنتج المظهري التالي: (تقدم منها حتى صار تحتها .. رفع رأسه نحوها فتراءت له قريبة في متناول يده . انها ملكه الان ، وما عليه الا ان يمد يده ليتناولها ، وها هي بثقلها الرصين ناضجة حان اوان قطافها ) ص20  فالزخرفة اللفظية ، للنص اعلاه هي فراش نسيجي يلمع بالتضليعات المخاتلة الشفافة ، تلك التي تبرز وجود الخطوط والتجاويف ، ضمن ساحة الفرش الخزفي .. حيث تفترش خطوطها البارزة المنمنمات الخيطية التالية ( خطوط التضليع)..

(صار تحتها ، رفع رأسه نحوها ، يمد يده لتناولها ) اما تجاويف التبطين الزخرفي لهذه المفروشة الخزفية فتعتد بالتجاويف التالية (( تراءت له قريبة ، ها هي بثقلها ، ناضجة حان اوان قطافها )) ومما يلاحظ على هذه التمظهرات والتجاويف بأنها ثلاثة مظاهر للتخزيف خطي الزخرفة .. واربعة تجاويف للمملئات التبطينية ، مما يعني ان القاص يميل الى النحت التلغيزي..

لنتابع معروضة اخرى ، ص20 ؛ والتي تحتفي برامج التخزيف المبطن والمظهر في آنية واحدة ( وقف على اطراف اصابعه ورفع ذراعه في محاولة لقطفها ) يلاحظ هذا الادماج القصدي بين لحظة السقوط والارتفاع والقلق والاصرار.

 اضافة الى عمق التلاحم ما بين المظهر الفعلي الحركي ، والباطن المعنوي الدفين ممثلا في اللا استقرار للاطراف والذراع التي اندمجت في ((لايقينية )) محاولة القطف.

ثم ليتم هذا التلاحم (( الزخرفي )) في المخزوفة التالية..

(ان اصابعه تكاد لا تمسك بأدنى غصن منها . اذن ليس عليه الا القفز بما يملك من قوة ، بما تبقى له من قوة . ص20 ) فاللااستقرار صار لحظة تحول سردي من حادثة المحاولة الى تصور حادثة الامساك .. والقوة تحولت الى ((مابقي من القوة)) . وهذا التنميط السردي لقيمة السرد يستبدل الفعل بقيمة ((التصور الذهني للفعل )) .. وهو ارتفاع فني يقترب من وجدانية الانعتاق والانغمار في ذهالية الفعل الفني ، وينسجم مع حالة البطل الذي يماهي بين ((فعلية المحاولة ، وفعلية صورة الفعال.

بين العجز والقوة)) ثم سيتضح الشكل الثالث للانفراش الزخرفي لهذه الخزفية الموشاة بأثرية نفسية ((انسا - طبيعة )) (كانت قفزته الاولى تفتقر الى الاتساق فوقع على الارض.

وشيء من الم يغزو ظهره وقدميه ، بل انه شمل رأسه ايضا .. وقفز ثانية وثالثة ) ص20 .     لقد استوعب التزخرف كامل المفروشة الخزفية عندما ارجع كل شيء انهى كل شيء بالقفزات الثلاث .. ولن يبقى سوى الحركة الاخيرة ، لذهالية التخزيف الزخرفي السردي تلك هي:

-ج. المخمن الدرامي : انه الحدثي والموقفي والجمالي الذي يأخذ صفة التصاعد التخميني ، زيادة في موضعة الاعتبار الوجداني لحكمة وجوده وجدوى القول الوجودي لنتابع.

(لابد اذن ... ان يسقط على الارض وتتلوث ملابسه وتعترض اصابعه اغصان رقيقة وحادة ، ويدمى باطن يده ... كان عليه ان يفعل ذلك ، ومع كل مرة يتولد عزم جديد ، ان يحلق نحوها ليمسكها - ان امسكها - بيدين رقيقتين لا تمزقان - من شره - جدارها الرقيق ، ولا تدعانها تسقط فيسيح سائلها الثمين على الارض . - ص20 - )

القاص ، اذن ، قد اجج دراما الحدث في ( انه سيمسكها ويحافظ عليها من ( شره ) ولوعة الحصول عليها ، ويحافظ عليها من السقوط وسيحيان عسلها الذهبي .. وبهذا التأزم والتناور والتناقص يبوح القاص بمخمنات عدة للتصادم والتلائم الموقفي والحدثي والفلسفي.

فيما من جانب اخر .. يؤكد القاص .. في مجمل اقصوصته ((الثمرة)) على صبره واناه في عمله .. الذي يحيلنا الى نتائج عملية في فن القص وهي:

ان القول الوجداني الصادق غير المبهرج سيصيغ لنفسه زخرفة خزفته لها بهاء النحت الملغز الاثيري.

ان الصبر لاجل اختمار السرد ضرورة فنية قيمية للسرد بأنواعه.

ان زخرفة الصغائر في القول القصصي قد ترضي الجوع الفني الى خزف نحتي عالي الجودة.

ان شفرة الثمرة هي حكمة القول الانساني في كل ما يخص البحث عن الثمار العالية الغالية سواء حصل عليها ام لا ، لانها ثمرة البوح بالهم السياسي والاجتماعي والوجداني والقيمي تعادل فضائل ( الخير والعقل والسلام ) ترى اهي كناية عن التمرة العراقية ام القضية العراقية؟.

 

 

الـغـنـدور

عصام القدسي

حين غادرت المقهى،كانت الظهيرة قد اقتربت .ألقيت نظرة نحو الأفق الملبد بالغيوم وسرت ..ولم أخطو كثيرا، حتى شعرت بيد تشد طرف سترتي ، التفت فالتقت عيناي بعينيه ، طفل في الخامسة من العمر، شاحب الوجه ،شعر رأسه قد طال فانسدل على جبينه وخلف أذنيه. كان نحيف البنية ،يرتدي بنطلونا عتيقا من الجينـز وبلوزة بنفسجية اللون بكمين طويلين، ملابسه ملطخة ببقع من الزيت ،كان يشبه طائر الغندور الذي سقط في الوحل فاتسخ ريشه الجميل، في نظرته شيء من التوسل.مددت يدي في جيبي وأخرجت بعض النقود،أعطيتها له فرفض أخذها وقال بإباء: -لست شحاذا .؟ ـ ما الذي تريده إذن .؟ قال بأسى:- خرجت مع أمي إلى السوق ، واضعتها.- بحثت عنها.؟..

مازلت ابحث عنها،حتى تهت.

قلت: وأين يقع بيتكم .؟ أشار بيده الصغيرة إلى البعيد وقال: هناك.. قلت أطمئنه: تعال معي، فطريقنا واحد.. سار الصبي إلى جانبي صامتا شارد الذهن يقلب عينيه السوداوين اللامعتين بما حوله بدهشة، بينما رحت القي عليه نظراتي من زاوية عيني دون أن يشعر.. قطعنا مسافة ونحن صامتين ،كنت انتظره أن يتكلم وكدت أبتدئه بالكلام حين قال لي متسائلا : ماذا تشتغل .؟ قلت مبتسما:- موظفا ثم سألته مداعبا: -وأنت.؟ ..في المدرسة.؟ قال بحماسة كبيرة: -نعم ،أنا في الصف الخامس.

ضحكت وقلت:

-ولكنك لم تزل صغيرا.

قال بفخر:- أبى سجلني..

وفكر لحظة ثم قال:

-أبي قوي وشجاع . بل أقوى وأشجع رجل في الدنيا..

قلت أشجعه على مواصلة الكلام:

-وكيف ..؟ ـ انهار بيت جارنا..

-وبعد .؟

-أبي قام بنقل الجرحى بسيارته إلى المستشفى.

كنا نسير ببطيء وكان هو يلتصق بي بحميمية كما لو كنت أباه واحدا من أقاربه .كان يقطع حديثه أحيانا ويتلفت ، متأملا ما تعرضه المحلات المنتشرة صفا واحدا على امتداد الطريق،كانت دكاكين تبيع ملحقات القيافة العسكرية ، مطاعم شعبية ،محلات بيع السجائر بالجملة والمفرد،وغيرها أما سوق الخضار التي أضاع الصبي عندها أمه، كما يذكر،فهي في طريقنا إذ تحتل واجهة الشارع وتفصل بين صف المحلات الممتد على طول الطريق،وتتوغل لأمتار عدة إلى خلف الواجهة . كانت الغيوم تحتدم وتتحرك من فوقنا قلت للصبي:

-وماذا يشتغل أبوك .؟ ضغط أصابع كفه على صدره ،وبسط الكف الثانية وقد بانت الحيرة على وجهه الشاحب : ـ لا ادري..آه..انه لديه مسدس ،ويرتدي ملابس مزينة بنياشين ملونة.

-شرطيا.؟

-ربما..لا ادري..

فكر لحظة وقال " كمن يتذكر" ذات مرة شكوت له أختي التي تكبرني لأنها تضربني ولا تسمح لي باللعب معها، فوبخها ،وقال لي سأقتلها بهذا المسدس إن عادت إلى ضربك ثانية،ولكنه لم يفعل فما زالت تضربني وتمنعني من مس لعبها.وابتلع ريقه وواصل كلامه:

-حين يعود أبى متعبا ثملا وينام أرى أمي تسرق النقود من جيبه.

قلت له:

-تظن أن أمك مازالت تبحث عنك.

قال بصوت واهن:

-اجل .. فهي لن تعود إلى البيت بدوني.

ورأيته يتوقف أمام مطعم صغير،وقد تهدل رأسه إلى الوراء وراح يتأمل الأطعمة المعروضة خلف واجهته الزجاجية:

-جائع أنت .؟ هز رأسه بالإيجاب ، اشتريت له ( لفة همبركر) فانبسطت أساريره، وهو يتناولها مني بشيء من التردد ، وراح يقضمها بشهية قلت:

-ألم تفطر بعد .؟ ـ آ.. آ .. نعم ..اقصد كلا

واطرق برأسه إلى الأرض .سألته:

-لماذا..؟

-كنت نائما ،وخرجت أمي إلى السوق على عجل فلحقت بها.

كان يتطلع عبر الشارع ،وقد دب النشاط فيه بعدما انتهى من طعامه،ونزلت من السماء قطرات ماء قليلة على رأسي وكتفي ورأيت الغندور يبتعد عني خطوات ،ثم يعبر الشارع هتفت به:

-إلى أين .؟ لم يجبنِ وهو يلقي علي نظرة سريعة، كان على الرصيف الآخر ثمة أولاد يلعبون بكرة من المطاط فرأيته يندس بينهم بعنف ،ويتدافع بكتفيه ويديه مطاردا الكرة ثم يسددها إلى" المرمى " . وقفت أتفحصه من بعيد،وقد بدا لي كائنا يختلف عما كان عليه قبل قليل ، من هدوء وانضباط .انتظرته دقائق ثم تحركت على الطريق ، وأنا أتابعه بعيني ولم أخطو كثيرا حتى رأيته يسير بمحاذاتي ثانية قال لاهثا:

-رأيتني كيف ألعب..؟ قلت:

-شاطر..من أين تعلمت هذا .؟ قال بفخر:

-أبى علمني .. أبي لديه كرة كبيرة بهذا الحجم " وفتح ذراعيه في الهواء".. ذات مرة شاهدناه بالتلفزيون يلعب مع فريقنا ضد فريق أجنبي وسجل هدفا. قلت:

-حقا!!

-لا ادري ..أمي تقول هذا..ربما كان شخص يشبهه.

ووصلنا السوق ،كان يتلفت باحثا بعينيه الجميلتين ،ثم راح يشير إلى موضع داخلها وهو يصرخ فرحا:

-أمي..!! أمي!!..

والتفت إلي سريعا وهو يخاطبني:

-تلك هي أمي..وداعا.

وذهب يجري ،وسط السوق حتى اختفى في نهايتها. وجهت بصري بالاتجاه الذي أشار إليه،فاصطدمت بالفراغ. لم تكن ثمة امرأة هناك . كان بائعو الخضار في حالة كسل واسترخاء ،وقد توقفت الحركة ،وخلت السوق من المتسوقين، إلا من رجلين عجوزين كانا يتسكعان فيها وهما يتفحصان سلال الخضار ويتأملان الباعة الذين يقفون خلفها.فكرت لحظات وأنا في غاية الدهشة، ورحت أسائل نفسي:

-هل كان الأمر مجرد خدعة.؟

وحين لم أجد جوابا ، ضحكت في أعماقي وتحركت مواصلا سيري.وبدأ المطر ينزل،شيئا فشيئا حتى راح ينهمر ويبلل الشارع.

 

 

قصة قصيرة

ماذا تريد قصيدة النثر؟

جميل الشبيبي

اتساءل مع سوزان برنار وانا اقرأ الانتاج العراقي من قصيدة النثر (متى ستكف الصفحة الفلانية عن كونها نثرا، نثرا بحتا، ربما نثرا جميلا كي تُشحن بالشعر من ناحية وتستحق اسم قصيدة من ناحية ثانية...). لقد ولدت قصيدة النثر العربية، وهي ترفع راية التمرد على القصيدة العربية الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة، على اعتبار ان الشعر  في ولادته الجديدة سيتخطى المنجز الشعري السائد ويقيم لنفسه تخوما مفارقة سواء في الشكل او في المعنى والدلالة.. وهذا  ما حدث في بدايات انطلاق قصيدة التفعيلة وكذلك قصيدة النثر.

 تقول سوزان برنار (تريد قصيدة النثر الذهاب الى ما وراء اللغة وهي تستخدم اللغة، وتريد ان تحطم الاشكال وهي تخلق اشكالا، وتريد ان تهرب من الادب وها هي تصبح نوعا ادبيا مصنفا؟) ونحن نتساءل ماذا تريد قصيدة النثر العراقية بالتخصيص؟ وما هي اشكاليات هذه القصيدة وهموم شعرائها؟  نلاحظ بداية ان قصيدة التفعيلة  في العراق والوطن العربي منذ بداياتها الاولى قد ابتكرت شكلها الجديد من تقطيع اشلاء القصيدة العمودية والاكتفاء بمجزوءاتها كعناصر اساسية من عناصر تمردها عليها، وبذلك انتظمت ضمن سياقات القصيدة العربية وذائقتها، واستطاعت ان تحقق منجزها المتمثل بشعرائها الذين احتفلت الساحة الشعرية العربية بهم واضافت نتاجاتهم الى ديوان الشعر العربي.

اما قصيدة النثر فقد ظهرت ونمت على وفق  قطيعة كاملة للقصيدة العربية  في بنيتها الشكلية في موروثها  او في الذائقة. ولذا فان طبيعة الاسئلة والاشكاليات التي تثيرها قصيدة النثر، تحتاج الى قراءات مختلفة عن تلك الاسئلة التي طرحت عن قصيدة التفعيلة باعتبارها تطورا نوعيا وجديدا على القصيدة العربية، خصوصا ونحن نرى النتاجات الشعرية في العراق بشكل خاص تميل الى قصيدة النثر، وكأنها البديل الشرعي للشعر العربي. من هنا نتساءل عن جدية هذا الانجاز الشعري ومدى قدرته على التجاوز والتاسيس الجديد، وسط نتاجات شعرية متواضعة لا ترتقي الى كتابة قصيدة نثر كاملة بل مقاطع شعرية مضيئة في القصيدة.

 كما ان ما يطرح من قصائد ودواوين شعر كثيرة  مطبوعة على الحساب الخاص يضخم من هذه الظاهرة، ويضع قصيدة النثر العراقية في مفترق طريق اساسه جوهر الشعر وكيف يمكن اكتشافه والتبشير به وسط هذه الفوضى غير المنضبطة.

ان الشعر يدخل الى نفوسنا دون واسطة، وهو لا يحتاج الى تنظير او دعاية او نقد.

ولذا نتساءل هنا هل الازمة التي نعيشها  في الشعر ام الشاعر؟ و هل ان الشكل الجديد للقصيدة ينتج قصيدة جديدة؟ ان هذا التساؤل ينطلق من هذا العدد الهائل من الشعراء الذين يتزاحمون في فضاء خاص هو فضاء الشعر من دون ان يعرفوا شروطه الابداعية القاسية المنضبطة التي لا يعرفها الا الشعراء المبدعون.

 

 

مـلـهـاة

راسم قاسم

على رصيف محتضّر

أرى عطش  العيون

تدور الحيرة  في ألأرجل التائهة

الخوف  يرتدينا

نرسّم موتنا.. على كتل الأسمنت

نلوّنه بأصابعنا

نزرع وردا ميتا

ثمّ نختفي تتبعنا لعنة الغباء

أخرجنا من التاريخ ألعاب الدمار

وألفاظ البذاءة

وأردية ممزقة

من التاريخ الماكر الممهور بالأنين

نتجتّر أفتضاض الحسان

والغلمان المخلدين

نلبس التيجان الصدئة

نهيم في ( كان ) ورفع السا ق والبخور

رقصنا الوحشي المؤطر

مثل بقايا امرأة

عافها الرجال

ليلنا تميمة.. نعلقها فوق الأبواب

نسجد ,, نتمرغ بالوحل

نطاب عونا أو رغبة

نسقط في الظلّ

نستجدي حبا ممسوخا

ايها  الجالس  في عمق المسرّة

خلف أسوار من الحب

المطلسم

غادرنا الضوء

وألبستنا  الحيرة والضياع

 أيتها الزوايا , وأبعاد الرؤيا

أيتها الأكوان السحيقة

من  أنا؟؟

اتعبني البحث في لغة الفقراء

عن ثمن الشفقة  وفك الرقبة

 أتعبتني السنين , راكضة

مثل قطط سود.. بيض

مثل جيوش مهزومة

هناك في غابة أمزونبة

خبأت السرّ 

خبأت الأجوبة الممنوعة

يا  أنت .. يا كيف

وأين ؟ أظهر ..

كي أثمل في طوفان الحب

نلهو من  جديد

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق