الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (904) الخميس 15 ذي الحجة 1430 هـ/3 كانون الاول 2009

دراسات

محطات

السعادة في خطوات

نبيل حاجي نائف

 يرى البعض أنه من الصعب تعريف السعادة بشكل دقيق، فهي تشمل أمور ‏وأوضاع كثيرة ومتنوعة ومتشابكة، ومتناقضة أحياناً. فالألم والمعاناة تصنف ‏غالباً بأنها من الأوضاع غير السعيدة، ولكنها في بعض الحالات تكون ‏مترافقة مع سعادة، فالأم تعاني وتتعب في تربية أولادها والعناية بهم ولكنها ‏غالباً تحصل على السعادة ولا تهتم بما عانت وتعبت.. والمنتصر في الملاكمة ‏يكون في أشد حالات الألم ولكن يشعر بسعادة الفوز التي تتغلب على آلامه. ‏وفي الكثير من الأوضاع التي تستدعي التدريب والتعلم الطويل والمجهد كما ‏في التدريبات الرياضية والتعلم في المدارس، نجد أنه عندما يتحقق النجاح أو ‏الفوز تتحقق السعادة وتطغى على كل الآلام والمعاناة التي حصلت، وهناك ‏لذة الإيثار والعطاء والتضحية، فالمهم هو الإنجاز الذي يتحقق ويحقق الرضا.. ‏وكيفية أو طرق تحقيق السعادة كان هدف غالبية العقائد والأديان والفلسفات، ‏فالفلسفة الأبيقورية تعتمد البحث عن السعادة الذاتية وتحقيقها، ومذهب ‏‏"النفعية"أو "الذرائعية" يعتمد البحث عن السعادة لأكبر عدد من الناس. والآن ‏هو محط اهتمام متزايد من قبل علماء الاجتماع وعلماء النفس والقادة ‏والسياسيين، ويرى بعضهم أن أهم عناصر السعادة هي: الحصول على لذّات ومتع الحياة بالاستمتاع باللذات الجسمية الطعام ‏والشراب والجنس.. يحقق السعادة وهو يؤمن لنا الصحة والحياة.. الانشغال ‏بأمر باستخدام القدرات وتحقق الإنجازات، مثال على ذلك عندما تستغرق في ‏عمل أو هواية يمكن أن لا تشعر بالسعادة، ولكن فيما بعد سيتملكك إحساس ‏عميق بالرضى لما أنجزته من نجاح، ولزمن طويل. الإحساس بمعنى أن ‏تكون جزء من شيء أعظم منك مثال على ذلك كافة أشكال الانتماءات الدينية ‏والعقائدية والاجتماعية. الوقوع في الحب أو ولادة طفل يحقق السعادة . ربح ‏المال أو اليانصيب. البقاء في أحضان الطبيعة.. في الولايات المتحدة وحسب المسح الاجتماعي مصادر السعادة الرئيسية ‏هي: العلاقات الأسرية، المال، العمل، العلاقات الاجتماعية، الصحة، القيم ‏الشخصية والحرية.‏. إن السعادة الآن موضع دراسة موسعة من قبل قاعدة البيانات العالمية ‏للسعادة. أسعد الشعوب حسب قاعدة البيانات العالمية هم الدنماركيون ‏فالمالطيون فالسويسريون فالإيرلنديون فالكنديون، وأشقى الشعوب العراقيون ‏والصوماليون. ‏

تعريف السعادة : شكل ونوع وطبيعة السعادة ، مقدارها وشدتها ، حسية أو جسمية ، نفسية ، ‏فكرية أو روحية.‏. إن السعادة في أساسها شعور وأحاسيس ، فهي تابعة لوعينا وأحاسيسنا ‏وبغياب وعينا ينتهي كل شيء. فالسعادة في أساسها تعتمد على تحقيق ‏أحاسيس اللذات والمتع الجسمية والفكرية، وتحاشي الألم والمعاناة أو تخفيفهم ‏أو التكيف معهم وتحملهم ريثما ينتهوا. ‏في الأساس لم تكن للكائنات الحية أحاسيس، فقد كانت لديها أجهزة إعلام ‏وإنذار توجه الكائن الحي وتساعده في تأمين مستلزمات حياته واستمرارها، ‏فكانت توجهه لما يفيده وتحاشي ما يضره ، وبعد ذلك نشأت الأحاسيس ‏المقيمة باللذة والألم ، وصار توجيه تصرفات الكائن الحي تابع أيضاً لشعور ‏بهذه الأحاسيس اللذيذة أو المؤلمة.وصارت أهمية ومدى تأثيرها على ‏تصرفات الكائن الحي تابع لمجال وقوة شعور الكائن الحي بهذه الأحاسيس، ‏وبالنسبة لنا نحن البشر فإننا نملك شعور ووعي متطور وواسع جداً وهذا ‏جعل تأثير أحاسيس اللذة والألم هو المقرر الأقوى لتصرفاتنا الواعية. ‏فالسعادة هي بمثابة مكافأة على استجابة أو تلبية دافع أو تصرف مفيد "أو ‏يعتبر مفيد" تم القيام به وإنجازه، والألم هو بمثابة عقوبة لتصرف أو استجابة ‏أو فعل ضار "أو يعتبر ضار" تم القيام به. وليس كل إحساس لذيذ يمكن أن ‏يولد السعادة فالمخدرات والمسكرات هما مصدرا لذة وسعادة ولكنهما ضارين ‏بالجسم والشخص ، لذلك يتم تحاشيهما ولا يعتبرا مصدرا للسعادة. ‏إننا مدفوعون لتحقيق الكثير من الدوافع ، كما أنه تنشأ لدينا وبشكل مستمر ‏دوافع جديدة، ونحن نشعر بالسعادة عند تحقيق دوافعنا ونشعر بالألم والإحباط ‏عند عدم تحقيقها. والقضية الأساسية التي تسبب الفشل والإحباط وبالتالي الألم ‏والمعاناة هي محاولة تحقيق مجموعة دوافع أو أهداف في نفس الوقت مع أن ‏هذا شبه مستحيل، لأن بعض هذه الدوافع متضارب ومتناقض مع بعضها ولا ‏يمكن تحقيقها جميعاً في نفس الوقت، ونحن لا نتبين أو ندرك ذلك لأنه غير ‏واضح لدينا. وكذلك اختيار أهداف يصعب تحقيقها أو أن احتمال تحقيقها ‏منخفض نظراً لإمكانياتنا أو ظروفنا يمكن أن يسبب لنا الألم والمعاناة ، لذلك ‏يكون من المهم تنظيم الدوافع والأهداف ، وتوقيت تحقيقها، لكي نتمكن من ‏خفض نسبة الفشل والإحباط إلى أقل حد ممكن، وبالإضافة إلى ذلك الاهتمام ‏بتحقيق أكبر قدر من دوافعنا الأساسية والهامة.

 

 

موقف الاسلام من العنف الأسري

السيد محمد حسين فضل الله

في واقعنا الأسري القائم في مجتمعاتنا وأعرافنا التقليدية تتحكم بعض الأساليب التي أصبحت واقعاً حياتياً معيشياً يحكم أسلوب التعامل بين الرجل والمرأة، أو بين الأبوين والأبناء، ويطبع العلاقة بينهما بطابعه.. فنلاحظ مثلاً تحكّم أسلوب العنف الذي تطبّع به المجتمع العائلي فغداً يمثل عرفاً حتى غداً طبيعياً نحاول إعطاءه تبريراً منطقياً حين نمارسه بدعوى كونه نهجاً تربوياً يعمل على تطبيع المرأة وأسلوبها بما يتناسب مع تطلعاتنا للبيت الزوجي، أو تطبيع الأبناء بطابع حياتي معين لتحقيق حالة الاستقرار داخل الإطار الأسرة من خلال الالتزام بمنهج تعاملي مطلوب، والتناهي عن ممارسة أساليب حياتية اجتماعية أو فردية مخصوصة.. فنلجأ ـ مثلاً ـ من أجل فرض واقع انضباط المرأة ـ تجاه زوجها ـ لتنضبط عملياً بشكل حاسم في تحقيق رغباته ومختلف حاجاته ومطالبه، إلى التعامل معها بأسلوب العنف المتمثل بالسب والشتم والإعراض والطرد والضرب وما إلى ذلك من وسائل الضغط التي يملكها الرجل. كما نلجأ لمثل هذا الأسلوب في التعامل مع الأبناء في مثل هذه الحالات؛ بل أصبحنا نلحظ تحكّم هذا الأسلوب في واقع هذا العلاقة لدى بعض من يدّعي الالتزام بالإسلام كمنهج وخط، وهذا يعطي الموضوع بعداً سلبياً آخر.. وهنا نتساءل ما هو نصيب هذا الأسلوب من الواقعية والمنهجية؟ أو ما هو الأسلوب الذي يفرضه الواقع التربوي المطلوب اعتماده لتحقيق سلامة الحياة المنزلية، وضبط النهج الحياتي العائلي؟ بل ما هي طريقة الإسلام التربوية لتحقيق الهدف الحياتي الذي تفرضه المصلحة العائلية؟ لو حاولنا استكشاف المنهج الإسلامي هذا الواقع لرأينا أن الإسلام حين قوَّم الواقع العائلي وشرّع له، نظر إليه من جانَبين: 1- إنسانية كل واحد من أفراد الأسرة دون استثناء. 2- أخلاقية التعامل بين هؤلاء الأفراد، سواءً في إطار نظرة ربّ البيت لمن يعول، أو في إطار نظرة هؤلاء نحوه، وطريقة تعاملهم معه، فحاول أن يرسم خطوطاً للتعامل تراعي إنسانية الإنسان فيهم وأخلاقية العلاقة التي تقوم بينهم عاطفياً وسلوكياً، من جهة أخرى.. ولابد لتحقيق هذا التعايش بالمعروف من التزام منهج العمل باحترام إنسانية كل واحد من هؤلاء واعتماد أسلوب التراحم ورعاية المشاعر والأحاسيس، وبناء روح المحبة والتعاطف، وحمل ما تفرضه المسؤولية الخلقية والشرعية من التزامات مادية ومعنوية وروحية؛ مضافاً إلى الشعور بالمسؤولية التربوية تجاههم بتصحيح مسيرتهم في الحياة بمختلف جوانبها من خلال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة. فمهمة القوامة أو الولاية ترتب على القيّم والولي مسؤولية التنظيم والتوجيه للحياة الأسرية للحفاظ على سلامة الأسرة، مما يلزمه في المقابل انضباط هؤلاء مع توجهاته، حين لا تتنافى مع واقع العدالة وسلامة الفكرة والقرار وحين لا يتم التجاوب مع الولي والقيّم، فله فرض حالة الانتظام بالأسلوب المنتج الفاعل.

منطق الحكمة أولاً

لعلنا لو لاحظنا واقع الحياة العائلية لرأينا أنها بحاجة ماسة لهذا النوع من التعامل كي تنطلق بحيوية وقوة لتعطي نتاجها المتوخّى المتمثل ببناء البيت السليم، والإنسان السوي مادياً وروحياً وخلقياً. لذا من المفترض في القيِّم.. أن يركز القواعد والأسس من خلال دوره التوجيهي على النهج الفكري والسلوكي السليم الثابت ولتحقيق هذا الدور لابد من التحرك بمنطق اللين والحكمة واللطف في البداية، دون منطق العنف والقوة، الذي لا مجال لاعتماده، إلاّ حين ينحصر به العلاج، ويكون آخر الدواء.

في الإطار الزوجي

في حالة العلاقة الزوجية التي تربط الفرد بمن تعاقد معه بعقد الزوجية لابد من النظر إلى الواقع من وجهة نظر شرعية من جهة، وإنسانيةٍ من جهة أخرى؛ ففي الجانب الإنساني لابد من النظر للموضوع من نقطة أنه يتعاقد مع إنسانٍ مثله، يشترك معه في كونه جسداً وروحاً وعاطفةً ومشاعر وحاجات. وكسجدٍ يحتاج لكل ما يتوقف عليه تكوينه ووجوده، ويتأثر بما يتأثر به من إيجابيات وسلبيات. كما أنه كروح ومشاعر بحاجة لكل غذاء روحي وعاطفي يساعد في النمو والتركيز والامتداد.. فلابد إذاً من استيعاب أن المرأة قبل أن تكون زوجة تمثل وجوداً إنسانياً، يتساوى في الملامح العامة مع أي وجود بشري آخر سواءً في إطار الفكر والذهنية، أم التطلعات والعواطف والحاجات والمتطلبات المادية الجسدية، والمعنوية والروحية وما إلى ذلك، رغم وجود بعض الخصائص والميزات التي تطبع كل واحدٍ من هذه الوجودات بطابع خاص يختلف من خلاله عن الموجودات الأخرى.

نظرة شرعية إسلامية

وفي الجانب الشرعي التكليفي، لا يفرض التشريع الإسلامي في الإطار العام على المرأة تجاه الرجل سوى ضرورة التجاوب معه في مجال الخصوصيات الزوجية المحددة، وحفظ أمانة الواقع المادي الحياتي، والتزام الضوابط في مجال مغادرة المنزل الزوجي، أما في ما عدا ذلك.. من أمثال الخدمات التي جرت طريقة العرف على أدائها لها، والالتزام بكل الأوامر الصادرة عن الزوج ـ مهما كانت ـ فهو مما لا يفرضه عليها التشريع، بل يترك أمره لمشيئتها بالذات، ولإرادتها الحرة دون أن يسمح بفرض ذلك قسراً عليها لتمثل دور الخادمة المستأجرة؛ كما جاء في إجابة الإمام الخوئي (قده) في أن كون ذلك مرتكزاً عرفياً لدى مجتمعاتنا، لا يجعله شرطاً ضمنياً عليها حين الزواج، كي يفترض فيها الالتزام به "لأن المتعارف إنما هو قيام الزوجة بهذه الأمور عن طوع ورغبة، من دون إلزام والتزام فلا يكون إذاً شرطاً ضمنياً مبنياً عليه العقد" [منية السائل/ ص 109]. وما ذلك إلاّ لأن الإسلام أراد للحياة الزوجية أن تتحول إلى حياة حب وتضحية وحين يشعر الزوج بأهمية تلك التضحيات فإنه يبادلها بالشكر واللطف والمحبة.. وانطلاقاً من هذا، فإن بعض الممارسات القائمة لدى بعض الناس في مجتمعاتنا يتنافى كثيراً مع الأسلوب الإنساني والشرعي الذي يفترض بنا التزامه.. فلا مجال عندها للتعامل مع الزوجة بأسلوب العنف الذي يمارس بطريقة الشتم والتحدي وصولاً إلى أسلوب الضرب، الذي يتحركون به كواقع طبيعي عادي لا مجال لتوجيه اللوم عليه وإنكاره. ومن الطبيعي أن هذا الأسلوب يمثل ظلماً يرفضه الإسلام مهما كانت صورته، إلاّ في حالات خاصة نادرة؛ فقد ورد عن رسول الله (ص) كما في [البحار/103/ص249]: "إني أتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها" وقوله (ص) كما في [البحار/ج76/ص366]: "ألا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضرّ بامرأته حتى تختلع منه”.

وفي إطار الأبناء

حمّلنا الإسلام مسؤولية هامة في هذا المجال هي رعاية واقع أطفالنا لإخراجهم للحياة عناصر سليمة صالحة، تخدم الحياة وتبنيها بناءً ثابتاً متيناً لا يتزلزل أمام أي عاصفة وطارئ. وهذا يدعونا للتفكير بجدية في طريقة التعامل معهم منذ بداية تحركهم في هذه الحياة فنتعهدهم بالرعاية الكافية لتحويلهم إلى عناصر تبني الحياة، وتتقدم بها نحو الأفضل بالأسلوب الذي أراده الله سبحانه. فنحن إذاً نتحمّل مسؤولية صياغة شخصيتهم مستقبلياً، ليتحولوا إلى قوة فاعلة في مجال الإعمار.. لابد من اعتماد منهج تربوي مركز لتحقيق هذا الهدف. ولا مجال لالتزام منهج إعطاء الأوامر والتعليمات الَملَكية لتوجيههم. فذلك وحده لا يعطي أثره الطبيعي المطلوب، ولا سيما حين يصل الطفل إلى مرحلة من الوعي والتفتح الذهني، لأن الأب ليس هو العامل الوحيد الذي يؤثر في الطفل، ويصوغ شخصيته ونفسيته ومسلكه، بل هناك عوامل أخرى متعددة، من غرائزه وشهواته ومتطلباته التي تتحكم بواقعه وإرادته وتكوين أهدافه، وكذلك الكلمات والأفكار التي يأخذها عن والديه وعن الناس، وكذلك الزملاء الذين يختلفون في تربيتهم وفكرهم ومزاجهم وما اكتسبوه من عادات وتقاليد وأعراف، ومن المدرسة والشارع والمجتمع، إلى غير ذلك مما يعمل في طبع عقلية الطفل وعاداته.. لذلك لابد للولي من اعتماد منهج متوازن يبدأ من إعطائه المثل الصالح، بتركيزه من خلال النهج الذي يعتمده الولي في الحياة.

 

 

الغدير.. والإمامة

جعفر مرتضى العاملي

إن من المناسب قبل أن ندخل في الموضوع الذي هو محط النظر - أن نشير إلى تفسير تاريخي مقتضب لمصطلح شائع ومعروف هو مصطلح: (حديث الغدير) فنقول: إن كلمة (حديث الغدير) تتضمن إشارة إلى حادثة تاريخية وقعت في السنة الأخيرة من حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله). وبالذات في الأشهر الأخيرة منها.. حيث إنه (صلى الله عليه وآله) قد حج حجته المعروفة بـ(حجة الوداع) فلما قضى مناسكه، انصرف راجعا إلى المدينة، ومعه جموع غفيرة تعد بعشرات الألوف من المسلمين، فلما بلغ موضعا يقال له: (غدير خم).. في منطقة الجحفة، التي هي بمثابة مفترق طرق، تتشعب منها طرق المصريين والمدنيين والعراقيين.. نزل جبرائيل عليه في ذلك الموضع، في يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة بقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)، حيث أمره الله سبحانه أن يقيم عليا إماما لأمة، ويبلغهم أمر الله سبحانه فيه.. فما كان من الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا أن أمر برد من تقدم من الناس، وحبس من تأخر منهم. ثم صلى بهم الظهر، وبعدها قام بهم خطيبا على أقتاب الإبل وذلك في حر الهاجرة. وأعلن، وهو آخذ بضبع على(عليه السلام) : أن عليا أمير المؤمنين، ووليهم، كولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم. حيث قال: من كنت مولاه فعلى مولاه (قاله ثلاث أو أربع مرات) اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.. فنزلت الآية الكريمة: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا).. ثم طفق القوم من الصحابة يهنئون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفي مقدمتهم الشيخان: أبو بكر وعمر وغيرهما من المعروفين من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(1).هذه صورة موجزة عن هذه القضية ذكرناها توطئة، وتمهيدا للبحث الذي هو محط نظرنا، فإلى ما يلي من مطالب وصفحات.. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل، فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين) نزلت هذه الآية في حجة الوداع، لتؤكد على لزوم تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) ما أمر به من أمر الإمامة. وولاية علي (عليه السلام) على الناس. كما ذكرته المصادر الكثيرة. والروايات الموثوقة ولسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك.. وقد يرى البعض: أن هذه الآية قد تضمنت تهديدا للرسول نفسه، بالعذاب والعقاب إن لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وفي بعض الروايات: أنه (صلى الله عليه وآله) قد ذكر ذلك في خطبته للناس يوم الغدير، وستأتي بعض تلك الروايات إن شاء الله تعالى.. ولكننا نقول: إن التهديد الحقيقي موجه لفئات من الناس كان يخشاها الرسول، كما صرح هو نفسه (صلى الله عليه وآله) بذلك ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) ممتنعا عن الإبلاغ. ولكنه كان ممنوعا منه، فالتهديد له – إن كان- فإنما هو من باب: (إياك أعني، واسمعي يا جارة).. وهذا بالذات، ما نريد توضيحه في هذا البحث، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، والوقت فنقول: إن من يراجع كتب الحديث والتاريخ، يجدها طافحة بالنصوص والآثار الثابتة، والصحيحة، الدالة على إمامة علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، ولسوف يجد أيضاً: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يأل جهدا، ولم يدخر وسعا في تأكيد هذا الأمر، وتثبيته، وقطع دابر مختلف التعللات والمعاذير فيه، في كل زمان ومكان، وفي مختلف الظروف والأحوال، على مر العصور والدهور.. وقد استخدم في سبيل تحقيق هذا الهدف مختلف الطرق والأساليب التعبيرية وشتى المضامين: فعلا وقولا، تصريحا، وتلويحا، إثباتا ونفيا، وترغيبا وترهيبا، إلى غير ذلك مما يكاد لا يمكن حصره، في تنوعه، وفي مناسباته.. وقد توجت جميع تلك الجهود المضنية، والمتواصلة باحتفال جماهيري عام نصب فيه رسميا على (عليه السلام) في آخر حجة حجها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأخذت البيعة له فعلا من عشرات الألوف من المسلمين، الذين يرون نبيهم للمرة الأخيرة.. وكان ذلك في منطقة يقال لها (غدير خم) واشتهرت هذه الحادثة باسم هذا المكان. وهي أشهر من أن تذكر . وقد المحنا إلى ذلك في أول هذا البحث.. ولسنا هنا في صدد البحث عن وقائع ما جرى، واستعراض جزئياته، ولا نريد توثيقه بالمصادر والأسانيد، ولا البحث في دلالاته ومراميه المختلفة. فقد كفانا مؤونة ذلك العلماء الأبرار،جزاهم الله خير جزاء وأوفاه.. وإنما هدفنا هو الإلماح إلى حدث سبقه بفترة وجيزة، وهو ما حصل ـ تحديدا ـ في حجة الوداع، التي نصب فيها النبي (صلى الله عليه وآله) عليا إماما لأمة، وهو في طريق عودته منها إلى المدينة.. وذلك لأن التعرف على هذا الحدث الذي سبق قضية الغدير لسوف يمكننا من أن نستوضح جانبا من المغزى العميق الذي يكمن في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس).. ولكننا قبل ذلك، لا بد لنا من إثارة بقض النقاط المفيدة في هذا المجال فنقول: الحدث الخالد.. أن من طبيعة الزمن في حركته نحو المستقبل، وابتعاده عن قضايا الماضي، وهو أن يؤثر في التقليل من أهمية الأحداث الكبيرة، التي يمر بها، وتمر به، ويساهم في أفولها شيئا فشيئا، حتى تصبح على حد الشبح البعيد البعيد، ثم قد ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي عن مسرح الذكر والذاكرة، حتى كأن شيئا لم يكن.. ولا تحتاج كبريات الحوادث في قطعها لشوط كبير في هذا الاتجاه إلى أكثر من بضعة عقود من الزمن، مشحونة بالتغيرات والمفاجآت.. وحتى لو احتفظت بعض معالمها - لسبب أو لآخر - بشئ من الوضوح، ونالت قسطا من الاهتمام، فلا يرجع ذلك إلى أن لها دورا يذكر في حياة الإنسان وفي حركته، وإنما لأنها أصبحت تاريخا مجيدا يبعث الزهو والخيلاء لدى بعض الناس، الذين يرون في ذلك شيئا يشبه القيمة، أو يعطيهم بعضا من الاعتبار والمجد بنظرهم.. ولكن قضية الغدير، رغم مرور الدهور والأحقاب، وبعد ألف وأربع مئة سنة زاخرة بالتقلبات العجيبة، وبالقضايا الغريبة، ومشحونة بالحروب والكوراث، بالعجيب من القضايا والحوادث.. ورغم المحاولات الجادة، والمتتابعة للتعتيم علنها، وإرهاقها بالتعليلات غير المعقولة، باردة كانت أو ساخنة، بهدف حرفها عن خطها القويم، وعن الاتجاه الصحيح والسليم.. وكذلك رغم ما عاناه ويعانيه المهتمون بها من اضطهاد وغربة، وتشريد ومحنة، وما يصب على رؤوسهم من بلايا ومصائب، وكوارث ونوائب.. نعم رغم ذلك كله وسواه، فإن هذه الحادثة بما تمثله من قضية كبرى للإيمان وللإنسان، قد بقيت ولسوف تبقى القضية الأكثر حساسية وأهمية، لأنها الأكثر صلة بالإيمان وبالإنسان، ولأنها الأعنق تأثيرا في حياة هذا الكائن، وفي بنية شخصيته من الداخل، وعلى علاقاته بكل من وما يحيط به، أو يمت إليه بأدنى صلة أو رابطة من الخارج.. وهي كذلك القضية الأكثر مساسا وارتباطا بمستقبل هذا الإنسان، وبمصيره، إن في الدنيا، وإن في الآخرة.. وهذا بالذات هو السر في احتفاظ هذه القضية بكل حيويتها، وحساسيتها بالنسبة إليه، على مر الدهور، وتعاقب العصور، ولسوف تبقى كذلك كما سيتضح فيما يأتي.. وإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجال لما قد يثيره البعض، من أنه: سواء أكان الحق في ذلك لعلي (عليه السلام)، وقد اغتصب منه، وأقصي عن منصب هو له، أم لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، وأصبحت تاريخا يحكيه البعض، وينساه آخرون، كأي حدث تاريخي آخر.. فلم يعد الوقوف عندها والاهتمام بها مجديا، ولا خفياً، إن لم نقل: إن فيه ما يوجب الفرقة، ويرسخ التباعد، بما يثيره من كوامن وضغائن.. لا ليس ثمة مجال لهذا القول، فإن قضية الغدير، لا تزال ولسوف تبقى هي القضية الأساسية والرئيسة بالنسبة للمسلمين جميعا، بل وحتى بالنسبة لغيرهم أيضا.. وهي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحل المشاكل المستعصية الكبرى، وبعث وبناء الإسلام وقوته وحيويته.. وبدون ذلك، فإن على الجميع أن يستعدوا للمزيد من المصائب، وأن يقبلوا- شاؤا أم أبوا - باستمرار حالة الضعف والتقهقر، بل وانهيار بناء الإسلام الشامخ.. وذلك لأن القضية لا تقتصر على أن تكون مجرد قضية خلافة وحكم، أي قضية: أن يحكم هذا، أو يحكم ذاك، لسنوات معدودة، وينتهي الأمر - وربما يقال إن الذين تصدوا للحكم، واستأثروا به لأنفسهم قد قصدوا ذلك، ولكننا نجد شواهد كثيرة قد لا تساعد على هذا الفهم الساذج للأمور.. لا..لا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما هو يتجاوزه لما هو أهم وأخطر، حيث قد عمل الحكام الأمويون على تكريس مفهوم الإمامة والخلافة الإلهية في كل شخصية تصدت للحكم .. وذلك في نطاق تقديم العديد من الضوابط والمعايير، المستندة إلى مبررات ذات طابع عقائدي في ظاهره يتم على أساسها اضطهاد الفكر والاعتقاد المخالف، والتخلص من رجالاته بطريقة أو بأخرى.. وقد سرت تلك المفاهيم المخترعة في الناس، وأصبحت أمرا واقعا، لا مفر منه ولا مهرب، ولا ملجأ منه ولا منجى، وتفرقت الفرق، وتحزبت الأحزاب، رغم أن غير الشيعة من أرباب الفرق والمذاهب الإسلامية يعتقدون بالخلفاء أكثر مما يعتقدن الشيعة في أئمتهم ويمارسون ذلك عملا، ولكنهم ينكرون ذلك، ولا يعترفون به، كما أنهم ينكرون على الشيعة اعتقادهم في أئمتهم ما هو أخف من ذلك وأيسر.. وليس من الغريب القول بأن قضية الإمامة والموقف منها هو الذي يحدد مسار الإنسان واتجاهه في هذه الحياة وعلى أساس هذا التحديد، والمعرفة والاعتراف يتحدد مصيره، ويرسم مستقبله، وبذلك تقوم حياته، فيكون سعيد أو شقيا، في خط الإسلام وهداه، أو في متاهات الجاهلية وظلماتها كما أشير إليه في الحديث الشريف: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) أو ما بمعناه.. فعلى أساس الاعتقاد بالإمامة يجسد الإنسان على صعيد الواقع، والعمل، مفهوم الأسوة والقدوة، الذي هو حالة طبيعية، يقوم عليها - من حيث يشعر أو لا يشعر - بناء وجوده وتكوين شخصيته، منذ طفولته.. وعلى أساس هذا الاعتقاد، وذلك الموقف – أيضا - يختار أهدافه، ويختار السبل التي يرى أنها توصلة إليها.. كما أن لذلك تأثيره الكبير في تكوينه النفسي، والروحي، والتربوي، وفي حصوله على خصائصه الإنسانية وفي حفاظه على ما لديه منها.. والإمامة هي التي تبين له الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والضار من النافع.. وعلى أساس الالتزام بخطها يرتبط بهذا الإنسان أو بذاك، ويتعاون معه، ويتكامل، أو لا يفعل ذلك.. كما أنها هي التي تقدم للإنسان المعايير والنظم، والمنطلقات التي لا بد أن يلتزم بها، وينطلق منها، ويتعامل ويتخذ المواقف - إحجاما أو إقداما - على أساسها.. أضف إلى ذلك أنها تتدخل في حياته الخاصة، وفي ثقافته، وفي أسلوبه وفي كيفية تفكيره.. ومن الإمام يأخذ معالم الدين وتفسير القرآن، وخصائص العقائد ودقائق المعارف. وهذا بالذات هو السر في أننا نجد إنسانا يأخذ معالم دينه من شخص دون آخر، ويجعل هذا أسوته وقدوته دون ذاك.. إذن .. فموضوع الغدير، ونصب الإمام للناس، وتعريفهم به، لا يمكن أن يكون على حد تنصيب خليفة، أو حاكم، أو ما إلى ذلك، بل الأمر أكبر وأخطر من ذلك كما أنه ليس حدثا عابرا فرضته بعض الظروف، لا يلبث أن ينتهي ويتلاشى تبعا لتلاشي وانتهاء الظروف التي فرضته أو أوجدته، وليصبح في جملة ما يحتضنه التاريخ من أحداث كبيرة، وصغيرة، لا يختلف عنها في شيء، ولا أثر له في الحياة الحاضرة.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق