الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد: 905 الاحد 18 ذي الحجة 1430 هـ/ 6 كانون الاول 2009

الثقافية

الأسلوب والعبقرية في خطاب الامام علي (ع)

جورج جرداق

بيانٌ لو نطَقَ بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا! ولو هدّد الفسادَ والمفسدين لتَفَجّرَ براكينَ لها أضواء وأصوات! ولو دَعَا إلى تأمُّلٍ لَرَافَقَ فيك مَنْشَأَ الحسّ وأَصْلَ التفكير فساقَك إلى ما يريده سوقاً وَوَصَلك بالكون وصلاً ويندمج الشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار والضوء بالشمس والهواء بالهواء، فما أنت إزاءَه إلاّ ما يكون المرءُ قبالةَ السيلِ إذ ينحدر والبحرِ إذ يتموّجُ والريحِ إذ تطوف أما إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود وجمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء ومن اللفظ ما له وميض البرق، وابتسامة السماء في ليالي الشتاء؛.

هذا من حيث المادة. أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء. والأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازمٌ فيه للمعنى، والصورة لا تقلّ في شيء عن المادة. وأيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأناً من شروط المادة!

وإن قسْط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لمَمّا يندر وجوده. وذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده. أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة والأصالة الذين يرون فيشعرون ويدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم وتنكشف عنه مداركهم انطلاقاً عفوياً. لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.

وما الصدق إلاّ ميزة الفن الأولى ومقياس الأسلوب الذي لا يخادع.

وإن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعلي بن أبي طالب. فإنشاؤه مثلٌ أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن. فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لِمَا بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع. وهو يرفق ويلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة. ويشتدّ ويعنف في غيرها من المواقف، ولاسيما ساعةَ يكون القول في المنافقين والمراوغين وطلاّب الدنيا على حساب الفقراء والمستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة. فأسلوب عليّ صريح كقلبه وذهنه، صادق كطويته، فلا عجب أن يكون نهجاً للبلاغة.

وقد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّاً تَرَفّع به حتى السجعُ عن الصنعة والتكلُّف. فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، وأقرب ما يكون من الطبع الزاخر.

فانظر إلى هذا الكلام المسجّع وإلى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: (يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النينان في البحار الغامرات، وتلاطُمَ الماء بالرياح العاصفات!) أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: (وكذلك السماء والهواء، والرياح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر، والنبات والشجر، والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتَفَجُّر هذه البحار، وكثرة الجبال، وطول هذه القلال، وتفرُّق هذه اللغات، والألسن المختلفات الخ...) وأوصيك خيراً بهذا السجع الجاري مع الطبع: (ثم زَيّنها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب وأجرى فيها سراجاً مستطيراً وقمراً منيراً، في فلك دائر، وسقف سائر الخ). فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعاً، بآخر غير مسجوع، لعرفتَ كيف يخبو إشراقها، ويبهت جمالها، ويفقد الذوق فيها أصالته ودقّته وهما الدليل والمقياس. فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجاً حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثرَ شعراً له أوزانٌ وأنغامٌ تُرْفِق المعنى بصوَرٍ لفظية من جوّها ومن طبيعتها.

ومن سجع الإمام آياتٌ تردّ النغمَ على النغم ردّاً جميلاً، وتُذيب الوقع في الوقع على قرارات لا أوْزَنَ منها على السمع ولا أحَبَّ ترجيعاً. ومثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذ حين، ثم هذه الكلمات الشهيات على الأذن والذوق جميعاً: (أنا يومٌ جديد، وأنا عليك شهيد. فأعملْ في خيراً، وقل خيرا!)

وإذا قلنا إن أسلوب عليّ تتوفّر فيه صراحة المعنى وبلاغة الأداء وسلامة الذوق، فإنما نشير إلى القارئ بالرجوع إلى (روائع نهج البلاغة) هذا ليرى كيف تتفجّر كلمات عليّ من ينابيعَ بعيدةِ القرار في مادّتها، وبأيّة حُلّةٍ فنيّةٍ رائعة الجمال تمورُ وتجري. وإليك هذه التعابير الحسان في قوله: (المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه)، وفي قوله: (الحلم عشيرة) أو في قوله: (مَن لان عوده كثفتْ أغصانه) أو في قوله: (كلّ وعاءٍ يضيق بما جُعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع) أو في قوله أيضاً: (لو أحبّني جبلٌ لتهافت). أو في هذه الأقوال الرائعة: (العلم يحرسك وأنت تحرس المال. رُبّ مفتون بحسن القول فيه. إذا أقبَلتِ الدنيا على أحدٍ أعارته محاسنَ غيره، وإذا أدبرتْ عنه سلبتْه محاسنَ نفسه. ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً فإنّ صغيره كبيرٌ وقليله كثير. هلك خُزّان المال وهم أحياء. ما مُتِّع غنيٌّ إلاّ بما جاع به فقير!).

ثمّ استمعْ إلى هذا التعبير البالغ قمّةَ الجمال الفنّي وقد أراد به أن يصف تَمَكّنَه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال: (ما هي إلاّ الكوفة أقبِضُها وأبسطُها..).

فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير والتعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورةٍ مطلقة ولا تفوته إلاّ إذا فاتتْه الشخصية الأدبية ذاتها.

ويبلغ أسلوب عليّ قمّة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، ويتّقد خياله فتعتلج فيه صوَرٌ حارّةٌ من أحداث الحياة التي تَمرّس بها. فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه وتتدفّق على لسانه تدفُّق البحار. ويتميّز أسلوبُه، في مثل هذه المواقف، بالتكرار بُغيةَ التقرير والتأثير، وباستعمال المترادفات وباختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين. وقد تتعاقب فيه ضروب التعبير من إخبار إلى استفهام إلى تعجّب إلى استنكار، وتكون مواطن الوقف فيه قويّة شافية للنفس. وفي ذلك ما فيه من معنى البلاغة وروح الفن. وإليك مثلاً على هذا خطبة الجهاد المشهورة، وقد خطب عليٌّ بها الناسَ لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق وقتل عاملَه عليها:

(هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار وقتل حسّان بن حسّان البكري وأزال خيلَكم عن مسالحها وقتل منكم رجالاً صالحين.

(وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينزع حِجْلَها، وقُلبها، ورِعاثَها، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلمٌ، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرئً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً، ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً.

(فيا عجباً! واللهِ يميتُ القلبَ ويجلب الهمَّ اجتماعُ هؤلاء على باطلهم وتفرُّقُكم عن حقكم. فقُبحاً لكم حين صرتم غرضاً يُرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزَون ولا تَغزُون، ويُعصى الله وترضون!).

فانظر إلى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة. فإنه تَدرَّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم إلى ما يصبو إليه. وسلك إلى ذلك طريقاً تتوفّر فيه بلاغة الأداء وقوة التأثير. فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبارَ، وفي ذلك ما فيه من عار يلحق بهم. ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عاملَ أمير المؤمنين في جملة ما قتل، وبأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحورٍ كثيرة من رجالهم وأهليهم.

وفي الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، إلى مثار العزيمة والنخوة من نفس كل عربي، وهو شرف المرأة. وعليّ يعلم أن مِن العرب مَن لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة وعلى شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاةُ حِماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلاً منهم طعنة ولا أريق لهم دم.

ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش وحيرة من أمر غريب: (فإنَّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، ويدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه ويفشلون عنه.

ومن الطبيعي أن يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحاً لكم حين صرتم غرضه يُرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزُون. ويُعصى الله وترضون!).

وقد تثور عاطفته وتتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضاً على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة: (ما ضعفتُ، ولا جبنْتُ، ولا خنْتُ، ولا وهنْتُ!) وقد تصطلي هذه العاطفة بألم ثائر يأتيه من قوم أراد لهم الخير وما أرادوه لأنفسهم لغفلة في مداركهم ووهَنٍ في عزائمهم، فيخطبهم بهذا القول الثائر الغاضب، قائلاً: (ما لي أراكم أيقاظاً نُوّماً، وشهوداً غُيّباً، وسامعةً صمّاء، وناطقةً بكماء... الخ).

والخطباء العرب كثيرون، والخطابة من الأشكال الأدبية التي عرفوها في الجاهلية والإسلام ولاسيّما في عصر النبي والخلفاء الراشدين لما كان لهم بها من حاجة. أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلافَ في ذلك. أمّا في العهد الراشدي، وفي ما تلاه من العصور العربية قاطبةً، فإنّ أحداً لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو. فالنطق السهل لدى عليٍّ كان منْ عناصر شخصيته وكذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع والصناعة جميعاً. ثم إنّ الله يسّر له العدّة الكاملة لمِا تقتضيه الخطابة من مقوّمات أخرى على ما مرّ بنا. فقد مَيّزَه الله بالفطرة السليمة، والذوق الرفيع، والبلاغة الآسرة، ثم بذخيرةٍ من العلم انفردَ بها عن أقرانه، وبحجّةٍ قائمة، وقوّة إقناع دامغة، وعبقريّة في الارتجال نادرة. أضفْ إلى ذلك صدقَه الذي لا حدود له وهو ضرورةٌ في كلِّ خطبةٍ ناجحة، وتجاربَه الكثيرة المرّة التي كشفتْ لعقله الجبّار عن طبائع الناس وأخلاقهم وصفات المجتمع ومحرِّكاته. ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها وذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، وبطهارة القلب وسلامة الوجدان وشرف الغاية.

وإنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ مَن اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيباً فذّاً، غير علي بن أبي طالب ونفَرٍ من الخلق قليل، وما عليك إلاّ استعراض هذه الشروط، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي والغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلوّ فيه.

وابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه وبعدْل القول. ثم إنه قويّ الفراسة سريع الإدراك يقف على دخائل الناس وأهواء النفوس وأعماق القلوب، زاخرٌ جنانُه بعواطف الحريّة والإنسانية والفضيلة، حتى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدركَ القومَ بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة والعواطف الخامدة.

أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفُهُ إلاّ بأنه أساسٌ في البلاغة العربية. يقول أبو الهلال العسكري صاحب (الصناعتين): ليس الشأن في إيراد المعاني - وحدها - وإنّما هو في جودة اللفظ، أيضاً، وصفاته وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلوّ من أود النظم والتأليف.

من الألفاظ ما هو فخمٌ كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفَةً وتيهاً. ومنها ما هو ذو قعقعةٍ كالجنود الزاحفة في الصفيح. ومنها ما هو كالسيف ذي الحدّين. ومنها ما هو كالنقاب الصفيق يُلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها ويخفّف من شدّتها. ومنها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء! من الكلام ما يفعل كالمقرعة، ومنه ما يجري كالنبع الصافي.

كل ذلك ينطبق على خطَب عليّ في مفرداتها وتعابيرها. هذا بالإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعتْ بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين؛ فكيف بها إذا كانت، كخطب ابن أبي طالب، تجمع روعةَ هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى وقوّته وجلاله!

نهجٌ للبلاغة آخذٌ من الفكر والخيال والعاطفة آياتٍ تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الإنسان وما بقي له خيالٌ وعاطفةٌ وفكر؛ مترابطٌ بآياته متساوق؛ متفجّر بالحسّ المشبوب والإدراك البعيد، متدفِّقٌ بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع؛ متآلفٌ يجمع بين جمال الموضوع وجمال الإخراج حتى ليَندمج التعبيرُ بالمدلول، أو الشكلُ بالمعنى، اندماجَ الحرارة بالنار والضوء بالشمس والهواء بالهواء؛ فما أنت إزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالةَ السيل إذ ينحدر والبحر إذ يتموّج والريح إذ تطوف. أو قبالةَ الحَدَثِ الطبيعي الذي لابدّ له أنْ يكون بالضرورة على ما هو كائنٌ عليه من الوحدة لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودَها وتجعلها إلى غير كَوْن!

بيانٌ لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضاً! ولو هدّد الفساد والمفسدين لتَفجّر براكينَ لها أضواءٌ وأصوات! ولو انبسط في منطقٍ لَخاطَبَ العقولَ والمشاعر فأقفلَ كلَّ بابٍ على كلّ حجّةٍ غير ما ينبسط فيه! ولو دعا إلى تأمّلٍ لَرافقَ فيك منشأ الحسّ وأصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سَوْقاً، ووصَلك بالكون وصْلاً، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً. وهو لو راعاك لأدركت حنانَ الأب ومنطق الأبوّة وصدْقَ الوفاء الإنساني وحرارَةَ المحبّة التي تبدأ ولا تنتهي! أمّا إذا تحدّثَ إليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمدادٍ من نجوم السماء!

بيانٌ هو بلاغةٌ من البلاغة، وتنزيلٌ من التنزيل. بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه وما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه أن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق!

وخطَب علي جميعاً تنضح بدلائل الشخصية حتى لَكأنّ معانيها وتعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، وأحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال. فإذا هو يرتجل الخطبة حسّاً دافقاً وشعوراً زاخراً وإخراجاً بالغاً غايةَ الجمال.

وكذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، وعمق الفكرة، وفنّية التعبير، حتى أنها ما نطقتْ بها شفتاه ذهبتْ مثلاً سائراً.

فمن روائعه المرتجلة قولهُ لرجلٍ أفرط في مدحه بلسانه وأفرط في اتّهامه بنفسه: (أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك).

 

 

الأدب الإســـلامي والالــتــزام

نجيب الكيلاني

 الالتزام ليس بدعاً في كثير من الآداب العالمية، قديمها وحديثها، حتى أولئك الذين يؤمنون "بنظرية الفن للفن" يعملون في نطاق التزام من نوع معين يرتبط بوجهة نظرهم في الفن، وكل مذهب من مذاهب الفن أو الأدب يتحرك في إطار تصور معين، ويلتزم شكلاً وموضوعاً بقيم خاصة، يحرص عليها أشد الحرص ويدافع عنها في استماتة، فالذين يزعمون أنهم يرفضون الالتزام لأنه قيد على حرية الأديب، ومنافٍ للقيم الفنية والجمالية، يلتزمون _ سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا، واعترفوا به أم لم يعترفوا _ بقواعد ومبادئ.

وهناك ما يمكن أن نسميه الالتزام الداخلي أو الذاتي، وهو الوجه الآخر للصدق، فالتعبير عن النفس وما يعتمل فيها، والفكر وما يتفاعل فيه، والخيال ما يضطرهم به، والروح وما ينبثق عنها، كلها أمور خاصة قد تميز أدبياً عن آخر، وتجعل من الإِبداعات _ شكلاً ومضموناً _ تجارب لها صفة الخصوصية، على الرغم من أنها تبدو في إطار النسق العام لهذا اللون الأدبي أو ذلك.

لكن يدور الجدل عادة حول ما يمكن تسميته "بالالتزام الخارجي" إن صح التعبير، ففي كل مجتمع قيود أو نطم تم وضعها لتستقيم الحياة، وتتسق العلاقات، وهي أمور قانونية أو اقتصادية أو أخلاقية، وكثيراً ما يثور حولها الجدل، فقد يرى بعضهم فيها، غمطا لحقوق الإنسان، أو كبتا للحريات، أو جموداً في مجال التطور، وهي على النقيض مما يتصوره واضعوها، والفنان يقف ازاء تلك النظم موقف التأييد، أو موقف الرفض، وقد نرى فريقاً ثالثاً يتحايل على التملص من هذه النظم بأسلوب أو آخر، لكن يظل الالتزام بها هو الموقف السائد أو الغالب، ويكون ذلك الالتزام أشد كلما تصلبت مواقف المصادرة أو المحاكمة أو التنكيل، وهذا أوضح في النظم الدكتاتورية بالذات، حيث يتحول الأديب _ برغم أنفه _ إلى بوق للسلطة التنفيذية، وترجمان لفلسفتها وقناعتها، وهنا تتضاءل حرية الأديب، ويصبح الالتزام ضرباً من الالزام، ولعل هذا هو السبب الذي حدا ببعض النقاد إلى القول بأن الالتزام ينبع من الداخل، والإِلزام يأتي من الخارج، ولكن الأمر يبدو صحيحاً في عمومه، وإن كنا لا نستطيع قبوله على إطلاقه،

لكن ماذا يعني الالتزام في الأدب الإسلامي؟

الالتزام بمعناه الإسلامي الواسع هو "الطاعة".

والطاعة الحقيقة قناعة إيمانية، وفرح في قلب المؤمن، وسلوك مطابق لحقيقة العقيدة وكل ما يتعلق بها، الالتزام إذن عمل، يبدأ بالنية الصادقة، والعزم الذي لا يتزعزع، وينطلق من ممارسات واقعية في مختلف جنبات الحياة، إنه وئام بين الإِنسان ونفسه، وبينه وبين الآخرين، وهو يضم تحت جناحيه قيم الحياة الإسلامية وقوانينها أو أحكامها، وتصورات المؤمن لما يحيط الدنيا بالآخرة، ومرجع ذلك كله هو كتاب الله وسنة نبيه (ص)، والنفس ليست قوة تائهة ضالة، وإن كانت مسرح جهاد دائم، وصراع مستمر، فالصعود دائماً ليس حركة سلبية، والتسامي لا يتحقق دون جهد.

فهل هذا الالتزام داخلي أم خارجي؟

إنه هذا وذاك، بل الأصح أن نقول: إن التصور الإِسلامي، يجعل من الاثنين شيئاً واحداً، إنه الكل في واحد، أو وحدة الصفاء والتآلف والتحاب، فما في نفس المؤمن أو قلبه، ينسكب حباً وعدلاً وهداية، ويضيء جنبات الحياة، وما في الوجود من صور وحياة وكائنات، يتحول عبر التأمل والنظر الفاحص ترجمة صادقة لنعم الله وإبداعه وحكمته، إن منافذ الحواس تتداخل مع بصيرة المؤمن، فتعطي للوجود كماله وروعته، وتؤكد معنى الإِيمان بالله.

والالتزام ليس نقيض الحرية بمعناها الأصيل، إن مفهوم الحرية يختلف من فلسفة إلى أخرى، فالحرية في الدول الشيوعية ترتبط بلقمة العيش، ولا مجال لرأي أو فكر يضاد الفلسفة الماركسية أو يخرج على نظام الدولة، والحرية في أوروبا الغربية وأمريكا وغيرها لها مفهومها في حرية رأس المال، وفي التعبير الفردي مهما أضر بالقيم، أو جانب الطبيعة الإِنسانية السوية، ويبقى الإِنسان مع ذلك مقهوراً تحت وطأة الحياة الآلية، والعزلة القاتلة، والتمزق الاجتماعي، والتسيب الخلقي، ولا بأس أن يتمرد أو يقتل أو ينتحر أو يغرق نفسه في خضم المخدرات والمسكرات والجنس.. فهذا حقه.. أعني حريته..

وفي الإسلام هناك ضوابط لم يخترعها فرد، وموازين لم ينصبها حاكم بمحض فكره وإرادته، إن تلك الضوابط والموازين من صنع الخالق جل وعلا، وهي أحكام ليست مجال تحيز أو افتئات أو نزوات، روعيت فيها طبيعة الإِنسان وإمكاناته وقدراته النفسية والعقلية والبدنية، أحكام لم تنبع من موقف آني سرعان ما يزول، أو ارتبطت بإنسان خاضع لسنة الموت والحياة، أو تصاعدت من رغبة طبقة دون أخرى، أو ارتبطت بقهر الإنسان وتطويعه وإهدار كرامته وإنسانيته، هذه الضوابط والموازين أو الأحكام هي من صنع الخالق الرحيم العادل الذي {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدورُ}(غافر: 19)، وهي في جملتها وحي {إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيّ يُوحَى}(النجم: 4)، والمسلم خاضع لحساب الدنيا _ وفق الحدود والعقوبات الشرعية _ ولحساب الآخرة عند من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

وحرية المسلم في هذا الإِطار، حق القوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والمالك والأجير، ولك مطلق الحرية في مالك بشرط أن تكتسبه من حلال، وتنفقه في حلال، وتعطي كل ذي حق حقه {... وآتُوهُم مِّن مِّالِ اللهِ الَّذِي آتاكُم}(النور: 33).

والمعاشرة الجنسية حق في إطار المشروع، والسلطة حق في نطاق العدل الإِلهي، ومراعاة حقوق العباد، والامتلاك حق دون اغتصاب أو استغلال أو جور، والاستمتاع والرفاهية حق دون رذيلة أو وزر أو فساد، وهكذا نستطيع أن نسرد الاحتياجات والطموحات الإنسانية، فنجدها حلالاً طالما لم تهدر حقوق الله أو العباد.

الالتزام في فكر المؤمن وقلبه ليس نقيضاً للحرية، فكيف يكون الالتزام الإِسلامي نقيضاً للحرية وهي جزء منه؟

والالتزام الإسلامي ليس جموداً وتحجراً.

وذلك لأنه التزام بالثوابت والأصول التي لا تتغير أبد الدهر، فالتوحيد عقيدة مستقرة لا تغيير فيها، والعبودية لله صدق وحق، وفروض العبادة لمن وهبك الحياة، وأنعم عليك بمالا يحصى من النعم لا جدال فيها، والشورى أصل من أصول الحكم، والعدل عماده، والصدق أمانة _ كما قال أبو بكر رضي الله عنه _ والكذب خيانة، وهكذا تبقى القيم الخالدة ما بقى الدهر، ويبقى الالتزام بها حفاظاً على الحياة، وحماية لها من الزيغ والفساد والانحراف والظلم والفتن.

الحرية تكون حقيقة عندما يتحرر الإنسان من قيود الخوف وشهوة المال والجسد، وعندما ينطلق من سجن المادة وبطش السلطة، وأطماع الحياة، وعندما ينتصر على الأنانية المريضة، ويفك عن روحه وفكره وجسده حبائل الشيطان.. تلك هي الحرية.

 

 

الاســـــلام والشـــعـــر

جودة عبد الله

 الاسلام دين ودولة، وهو دين الفطرة السليمة السوية، يقوم على أسس ومبادىء هدفها خير الانسان وهو بمبادئه القويمة الهادية وفضائله يساعد الانسان على أن يعيش في مجتمع فاضل متكافل حر كريم، تسوده العزة والرفاهية والكرامة والحب والخير، وهو يحبذ كل ما يساعد على تحقيق هذا الهدف، ويحارب كل ما يهدد هذا البناء الاجتماعي الانساني الفاضل، ولا يمكن أن يقف الاسلام _وهو دين الفطرة _ في وجه الشعر، ومقدرة التعبير الجميل لدى الانسان، اذ الشعر لون من التعبير الفني الذي لازم الانسان في مراحل تطوره، فهو نشاط انساني، لا يوأد ويقتل أو يجهض أو يكبت ولكن يقوم ويسدد ويوجه، ولما كان الانسان مزودا بمجموعة من الغرائز والدوافع التي تساعد على حفظ النوع الانساني، ولما كانت هذه الغرائز وتلك الدوافع معرضة للانحراف، وبالتالي انحراف الانسان عن طبعه السوي، وانحراف ما يصدر عنه من سلوك أو تعبير، لا يقف أثره عنده، بل يتعداه الى غيره _كان لابد للاسلام من أن يوجه ويهدي ويسدد الخطأ.

ولما كان الشعر فنا تعبيرياً جميلا مؤثراً، له دوره في الاقناع وفي الاقبال على الشيء عن طريق التصوير المؤثر، ولما كان له دوره الذي لا ينكر في تعبئة المشاعر وتحميس النفوس، واثارة العواطف وبالتالي تحريك الافراد والمجتمعات، ما كان للاسلام أن يتجاهله أو أن يغفل دوره، بل يوجهه ويرسم له الطريق السليم، القويم الواضح، مع التسليم بحاجة الانسان الى التعبير عما في نفسه والتسليم بطبيعة الانسان الذي حاول أن يوازن بين حقه، باعتباره فردا حراً، وبين واجبه، باعتباره جزءاً من جماعة لها أعباؤها ومسؤولياتها.

ومن هنا وجدنا الاسلام يحارب الشعر المنحرف، والذي يساعد على الانحراف ويشيع الفساد، ويعبر عن الطبائع غير السوية، ويدغدغ الشهوات، والشعر الذي يصد عن الحق والخير والشرف، وكذلك الذي يقطع الاوصال والارحام، ويفتت المجتمع المتماسك المؤمن ويريد للشعر بجانب ذلك أو قبل ذلك، أن يكون فنا كريما ملتزما بقضايا الانسان النبيل، فنا بناء في خدمة الحق والخير والعدل والمبادىء السامية، الشريفة والصادقة، لا ممتهنا ولا وسيلة كسب أو متاجرة، ويريد له أيضا أن يكون سلاحا في يد المؤمنين وأصحاب العقائد السامية، ويدافعون به، ويتقون كيد ألسنة الاعداء وطعان فصاحتهم، ويريد للشاعر أن يكون حرا مسؤولا، شريفا ومناضلا، عضوا في مجتمع الفضلاء والكرماء، ويريد له كذلك أن يكون مؤمنا صادقا يعيش ويفعل ما يقول، بحيث تكون مسؤوليته نابعة من قلبه ومن ضميره، وليست محض مجاراة باللسان والقلم، والاسلام بجانب هذا الذي أراده للشعر وللشاعر، من الالتزام بقضايا الحق والعدل والخير، لم ينس العواطف الذاتية الخالصة، والمشاعر الفردية الخاصة، وضرورة التعبير عنها، فالانسان كما هو ابن الجماعة يعبر عن مشاعرها، ويدافع عن كيانها وعقائدها هو _أيضاً _ ابن ذاته يعبر عن عواطفه، ويتغنى بمشاعره، بأفراحه وأحزانه بشرط ألا تكون تلك العواطف منحرفة تشيع الفساد والانحراف في المجتمع، بل لابد من أن تكون تعبيراً عن عواطف نبيلة، في صورة جميلة في غير خروج أو اسفاف.

 

 

في مدح أمير المؤمنين (ع)

ابو بتول الخطي

يد الإلـه منبع الكمــال

                وحبله المتين ذو الجمـال

باب العلوم صاحب الكرامـة

                وفي الوغى يصارع الصرامة

قطر الندى وآية الولايـــة

        ومنتهى الحكمة والهدايـــة

بلّ الصدى أمانةٌ ورحـمـة

                بحر التقى وقائدٌ للامـــة

عِدل الكتاب ساعِد الرسول

                وكاشف الهم عن البتول

مفتاح جنة الخلود اسمـه

                وفضله بالعرش كان رسمه

بل هو قـرآن ودرٌ ينـثر

                وذكره عبادةٌ لاتـنـكـر

فإنه نقـطة حـرف الـباءِ

                في الصبر والبر وّفي الإباءِ

قد أُكمل الدين على البريـة

                وتمت النعمة والعـطـية

بلّغ هنا ياأيها النذيــر

                رسالة السماء في الغديـر

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق