|
مستويات الأداء السردي للقصة القصيرة
جداً
متابعة : اسماعيل ابراهيم عبد
القصة القصيرة جدا ، هي قصة الحدس والذروة واللحظة ، وهي كالنثيرة لا
زمان لها و لا مكان الا في ذهن تخميني وذكاء مفرط البرمجة ، لا يهم
فيها عدد الشخوص او انتقاؤهم ، ولا يهم وجود احتدام درامي او تسلسل او
عقدة او استهلال! ليسس هذا مما يفرغ المحتوى .. و لكنها هي كل ذلك في
صياغة تختزل ، وتوجه ، وتواجه ، وتفاعل الاطراف و المضمونات ، ومن ثم
تمزج الخمائر و الثيمات فتعطي قصا فاعلا ، صعبا ،.. مكثفا ، يعمل
بالذبذبة الذهنية او الذهانية احيانا ، والتنبوئية دائما. يقول تودوروف
(( ففي الادب لا نواجه احداثا او امورا في شكلها الخام ، و انما نواجه
احداثا معروضة بطريقة ما ، و تتحدد مظاهر أي شيء بالرؤية التي تقدم عنه
يقول عباس عبد جاسم (( القصة القصيرة جدا خلاصة شكل قصصي مكثف بتركيز و
اختزال ، وهي تعتمد على الفكرة المنقّاة ، المراقِبة الموجزة ، الضربة
المفاجئة ، المفارقة الساخنة ، النمو السريع ، كما و هي نمط فني يختزل
الحدث الحسي او النفسي بصورة خاطفة ، او محاولة اقتناص لقطة عابرة ))..
ومن الواضح ان هذا الفهم للقصة القصيرة يحتاج الى توضيح على مستوى
التشخيص و الانطباع القرائي .. اجد من الضروري ضم هذا الفن الى المآوى
القصصية التشييدية لكي نفهم اليات و مباغي القصة القصيرة جدا!!
لنتخيل قصة قصيرة جدا لاتتعدى السطر الواحد: كانت اصابعه نحيفه ضعيفه ،
قام متكئا عليها ، انكسرت يده ، جلس مغميا عليه ، يحلم!!
فاي عنصر افتقدته المقطوعة السابقة ؟ هي ذات طبيعة درامية ، وفيها
اطياف زمنية ، ويمكن تحديد الواقعة مكانيا ( بالتخمين ) ويمكن وصف
مادتها بالسردية ، و ان صاحب الاصابع هو شخصية القص الوحيدة ، وطبيعة
الاصابع هي مادة الوصف .. وان فعل الحركة هو ( قام ، انكسرت ، جلس ،
يحلم..
فبوجود عناصر القص الرئيسية هذه هل اكتملت القصة ؟ وما الشكل الذي
تصوغه سردية اللقطة القصصية القصيرة جدا هذه ؟ لنجيء الى اللغة ... هي
لغة مكثفة حقا لدرجة اداء مقنعة فلا توجد زوائد جملية او كلمية مطلقا و
لا ينقص التعبير عن الحدث ، وقواعدها متجه لخدمة مضمونها ، وخالية من
الغموض و الفرائض الاحتمالية ، خالية من الاحالات المستقبلية .. فهي
اذن تقليدية الاداء . فهل تفتقر الى الامتاع ؟
لنعد الى السرد: لقد تحققت قوى السرد بالزمان والمكان والارتباط
الهيكلي ضمن النسيج ... وبقي الكثير الذي يجب أن يظهر مثل توفر الراوي
ووجود الرواية , ودرجة التماثل الدلالي , وفعالية النسيج .. أذن فالسرد
غير مكتمل رغم فعالية قواه , وهنا يمكن القول أن القصة القصيرة جداً قد
توفرت على تكثيف مناسب لعناصر السرد ولم ((تلغِها)).. وللسرد هيكل
نسيجي , نلاحظ أن القصة أي كانت تضم باطراف نسيجها هيكل السرد فهناك
الامتدادات الحدثية بين الاستهلال والعقدة والحل , وهنالك الظهور
الشكلي والاضمار الدلالي , وعلاقات التبادل و التداور بين جزيئات
النسيج الحكائية , ثم أن توفر ذروة الحدث ضمن مركز نسيج القص عند منتصف
البؤرة الكبرى سيكون ضربة قصصية مجسدة لهيكل القص تماماً .. وهذا أهم
ما يميز القصة القصيرة جداً ((سردياً)) عن بقية الأنماط السردية
الأخرى..
إذن فهل القصة القصيرة جدا هي قصة الضربة المركزية للعقدة؟
بقيت لدينا مسألة ((نمذجة فلسفة القص لهذا النوع )) أي هدفية فن القص
(ثيمته) .. فهل ياترى سترقى القصة القصيرة جداً درجة فوق المحمولات
الفكرية الفنية للأنماط السردية الأخرى ؟ كونها إختمار لجهد الفنان , و
إبانته , ونشره , إضافة إلى دهشة المتلقي من الناحية الفنية والهدفية
وحيثما توجه القصد الفلسفي للعمل حيث هو أكثر ضروب القصة القصيرة جدا ً
, وضوحاً وجمالية.
إذن على ما أدرجناه فان عناصر القص بمعظمها متوفرة في القصة القصيرة
جداً..
و اذا كان هذا النوع من القص سيسترعي ويستفز آلية الكتابة والكتُاّب
لصالحهِ .. فهو فن مستقبلي سيتطور وسيفرز لذاته قرّاءاً و اذواقنا ..
وكذلك سيستهدي الى قيم جديدة من الناحية اللغوية والفنية .. ربما
ستساهم في تطوير فن القص بمجمله.
واذن سيكون للذكاء والفطرة وللرسم الشكلي أهمية خاصة في تمييزه عن غيره
من الفنون..
وحتماً سيحافظ على لمعان المعنى والمبغى الجمالي وفق شرط توماس كرا?ن :
الفن هو أن يحتوي على معان يمكن التثبت منها والمشاركة فيها , والتمتع
بها من قبل جمهور واسع ذكي.
ولكي نحاكم هذا الاثير ( فن القصة القصيرة جداً) ذوقياً فعلينا إدراك
أن آلياته ستخدم افتراضات تودي به الى فضاءات تأويلية تزيده قدرة على
التثبت وقدرة على إحتلال مرتبته الجمالية..
ويمكن اعتبار الاداء وفق منظور ( السيمياء , والرمز , والكولاج )
موقفاً فنياً يصلح أن يجذر هذا الفن بما في ذلك وضع تكنيك هذا الفن
موضع الوضوح والمقايسة .. ثم يمكننا بعد هذا التوضيح من اللجوء الى
قرائن استخدامية على مستوى اداء النثرية الشعرية القصصية ومستوى اداء
التناص الصوري.
طبعاً بعد إجتياز عقبات استخدامية قبلية مثل التقنية الشكلية والدلالية
والجمالية والتحفيزية والتشفيرية..
سنوضحها ضمن أمثلة منتقاة لهذا الغرض.
مر القطار..قصيدة الحداثة الرائدة
فوزي كريم
قد ينشغلُ مؤرخو الشعر بشأن الريادة في الانتقالة من وحدة البيت إلى
وحدة التفعيلة، وبشأن الريادة بين السياب ونازك، أو بينهما وبين آخرين
سبقوهما في محاولات فريدة ومعزولة. قارئ الشعر قد يجد الريادةَ تنحسر
إلى مجرى أبعد من الشكل الظاهر، لأنها ترتبط بمعنى الحداثة، التي أعطت
للشعر مهمة أكثر تعقيداً. وهذه المهمة معقدة لأنها تُعنى بالدلالات
الغامضة في النفس، وفي المشاعر وفي الأفكار. نازك الملائكة، وهي بعد في
مطلع العشرينيات من عمرها، تنتبه لذلك في مقدمة ديوانها "شظايا ورماد"،
وتعترف لنفسها بأن لغتها العربية "لم تكتسب بعد قوة الايحاء، لأن
كتابها وشعراءها لم يعتادوا استغلال القوى الكامنة وراء الألفاظ
استغلالاً تاماً، إلا حديثاً.."، فتحاول هي معالجة "حالات تتعلق بالذات
الباطنية أحياناً، وباللاشعور أحياناً"، وتكتب عدداً من القصائد
الحديثة والجديدة تماماً، وتنشرها في مجموعتها الأولى.
إن الجيل الذي أنتمي إليه قد لا يشعر بالجانب المدهش في قصيدة «مر
القطار»، التي كتبتها نازك عام 1948، لأنه ألفَ محاولاتِ التركيب في
الرؤى الشعرية، وغرق في التجريب، حتى أصبحا على عهده كياناتٍ شكلية،
مستقلة عن الشعر، الذي يُفترض أنه كامن وراءهما. نازك الملائكة، وهي في
الثانية والعشرين، لم تكن تألف ذلك، فهي نضجت مع الحداثة الغربية
والعربية في مطلع القرن العشرين، وقطفت شيئاً من ثمارها. وحين تفجرت
علينا سيول ما بعد الحداثة الغربية، كانت نازك ضائعة تماماً في بحران
معتركها الداخلي، الذي توزع في متاهات الإيمان والتصوف. فهي مصونة،
إذن، عن إغواء اللعب الشكلي. تحسن قراءة الموروث بحب، وتحسن الإنكليزية
وتحب أدبها، وتحسن العزف على آلة العود وتحب الموسيقى الكلاسيكية.
في قصيدة "مر القطار" ما من شيء شكلي، في بناء البيت أو المقطع أو
الفراغ. وكل كلمة تأخذ مكانها، وكذلك الصورة، لا في المجرى السائب
المطواع، بل في البناء البصري المحدد في إطار، الذي تتشكل به الرؤيا
الشعرية. قصائد نازك الأخرى في هذه المرحلة تأخذ الكلمات والصور مكانها
في المجرى السائب المطواع، لأنها قصائد غنائية ورومانتيكية. على أنها
هنا تبدو ثابتة، متجاوبة أو متقاطعة مع بعضها، لأنها كلمات وصور تريد
أن تشكل لوحة، تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة بصورة جميلة تماماً.
لنقرأ القصيدة كما تلتقطها حواسنا البصرية والسمعية: ليلٌ ساكن، تقطعه
أصواتٌ رتيبة لحمامة حيرى، ونباح كلب، وتكّات ساعة، ثم صوت قطار في جهة
مجهولة سرعان ما يتلاشى في سكون الليل. هذا المشهد يرد على لسان
الشاعرة، التي تبدأ في تخيّل عرباتِ القطار، والصفِّ الطويل من
الساهرين والمتعبين، الذين سئمت عيونهم، وقد أثقلها الليل، النظر إلى
وجوه الراكبين المتكررة، وهي تلوح باهتة تحت ضوء مصباح القطار، كما
تتخيل الضجرَ المرير في النفوس التي ملّت وأتعبها الانتظار، هي
والحقائب والغبار. نراها تغفو دقائق من تعب ثم يوقظها صوت القطار أو
حركته. وهنا يطل رأس بعض الراكبين متثائباً، نعسان، من إحدى النوافذ،
ليحدق في القفار، ثم يرجع ليتأمل وجوه الآخرين الغرباء حتى يجهد ويكاد
يغفو. إلا أن صوتاً يغمغم يوقظه من غفوته: "هذي العقارب لا تسير!/ كم
مرَّ من هذا المساء؟ متى الوصول؟». وتدقّ الساعة، ويرتفع صفير القطار،
ويلوح عبر الظلام ضوءُ محطة وقوف. وهنا يُتيح لنا المشهد، بسبب وقوف
القطار، أن نتبيّنَ فتىً داخل إحدى العربات، منطوياً، ساهراً، يتنهد،
ويتأمل النجوم. في عينيه برودةٌ بفعل الوجوم الطويل، وفي ملامح وجهه
لونٌ غريب مُشرّب بحمرة أملتها حرارةُ الأحلام، وفي شفتيه فتور، وفي
عينيه نصفُ إطباقة "وكأنها تخشى فرارَ أشعةٍ خلفَ الجفون". وهنا
يُقرّبُ مشهدُ "الفتى الضجر الحزين" أكثر:
عبثاً يحاول أن يرى في الآخرين
شيئاً سوى اللغز القديمْ
والقصةَ الكبرى التي سئم الوجودْ
أبطالَها وفصولَها ومضى يراقب في برودْ
تكرارها البالي السقيم
هذا الفتى
ثم يُقطع المشهد فجأة على صوت ورؤية أقدام الخفير، وعلى وجهه العابس
الذي يطل خلف النافذة من خارج العربة. يرفع السراج فتلوح على ضوئه:
الوجوه المتعبة، النائمون، الأعين المترقبة. بعدها تختفي مع انسحاب
الخفير ومصباحه في الظلام الراكد.
مرّ القطارُ وضاع في قلب القفارْ
وبقيت وحدي أسأل الليلَ الشرودْ
عن شاعري ومتى يعود؟
ومتى يجيء به القطار؟
أتراه مرّ به الخفيرْ
ورآه لم يعبأ به.. كالآخرينْ
ومضى يسيرْ
هو والسراج ويفحصان الراكبينْ
وأنا هنا مازلت أرقبُ في انتظارْ
وأود لو جاء القطار
صوت الشاعرة في هذه الخاتمة يذكر صراحةً ما لمّح له تلميحاً في أول
القصيدة. هنا تسأل عن شاعرها متى يعود. وفي مطلع القصيدة تلمّح:
"عجلاته غزلت رجاءً بتُّ انتظرُ النهار/من أجله..". فهي تعوّل على عودة
القطار (أي قطار؟) في عودة شاعرها. ثم نستعيد مشهد "الفتى الضجر
الحزين"، في منتصف القصيدة، داخل إطار نافذة القطار، ونراه يتداخل مع
ذكر الشاعر والتلميح له. هذا التداخل تُقبل أطرافه من أزمنة وأمكنة
مختلفة. ولكنها لا تتقاطع هنا، بل تتداخل. خاصة وأن الشاعرة تلح
بالتذكير، إذ تتساءل: "أتراه مرّ به الخفير/ورآه لم يعبأ به..
دقاتُ الساعة البلهاء تلتهمُ الدقائق، وكلُّ دقيقة مقبلة هي غد. ولكنها
بعد حين، داخل مشهد القطار، عقارب لا تسير. زمنان يتقاطعان هنا، كما
تتقاطع الأمكنة: الشاعرة في غرفتها تحلم بمجيء شاعرها، والشاعر الضجر
الحزين في عربة القطار. ثم مشهد الراكبين في عزلة الليل وصمته. ثم يضاف
مشهدُ الخفير بوجهه العابس وهو يطل خلف الزجاج، "ويهزّ في يده السراج
/فيرى الوجوهَ المتعبة /والنائمين وهم جلوسٌ في القطارْ /والأعينَ
المترقبة/في كلّ جفنٍ صرخةٌ باسم النهارْ"، حتى ليأخذ الخفيرُ ومصباحه
معنى أبعدَ من الواقع، معنى ميتافيزيقياً!
ولكن ألا يبدو القطار كذلك؟ والراكبون المتعبون أيضاً؟
ألا تذهب القصيدة، بفعل بعض التلميحات، هذا المذهب الرمزي منذ القراءة
الأولى؟
إن جملة ".. وكلب ينبحُ النجمَ البعيد" تشي بذلك، وكذلك جملة: "وهناك
في بعضِ الجهاتْ /مر القطار.."، وجملة: "ويطل بعض الراكبينْ /متثائباً،
نعسانَ، في كسل يحدق في القفارْ.."، وكذلك رؤية الفتى الضجر الحزين
للغز القديم وللقصة الكبرى "التي سئم الوجود أبطالها وفصولها..
أذكر أنني اعتدتُ قراءة هذه القصيدة كلما وقعتْ عيني على مجموعة نازك
الملائكة الكاملة، ودائماً أشعر أنها قصيدة رائدة حقاً لحداثتها
الشعرية، دون أن أقلل من شأن الانتقالة من وحدة البيت إلى وحدة
التفعيلة.
والشاعرة نازك الملائكة لم تغفل الجديدَ في قصيدتها هذه. في مقدمتها لـ
(شظايا ورماد) حاولت أن تنبه قارئها على جديدها، كما تراه، أو على
الجديد الذي يتاح لقارئ تلك الأيام أن يراه. ولذلك كانت تكتفي، وهي
متواضعة في ذلك، بالقليل من الاستجابة للدلالات الكثيرة في القصيدة.
تكتب في مقدمتها: ولنْ يعثر القارئ على شيء مثير في قصيدة (مر القطار)
إن هو توقع أن يجد فيها وصفاً لقطار أو لرحلة في القطار. فقد كان غرضي
الأساسي من كتابتها أن أعبر عن الشعور الغامض الذي يحسه المسافر ليلاً
بالدرجة الثالثة من القطار. فهناك حالة التعب الكلي التي يجد فيها
المرء نفسه مشوبة بلون من الكسل والارتخاء. وهناك صوت عجلات القطار
الرتيب الذي لا يتغير، ولون الغبار المتراكم على كل شيء، على الحقائب،
وعلى الوجوه والثياب. ثم هناك منظر المسافرين الغرباء وقد جمعتهم عربة
القطار صفوفاً. والقطار يصفر بين حين وحين فيثير إحساساً غريباً في
النفس. كل ذلك والسكوت يغمر العربة، التي نام أغلب الموجودين فيها وهم
جالسون على مقاعدهم. وبين فترة وأخرى، يصدف أن يتثاءب مسافر غريب لا
نعرفه ويهتف بملل وبرود "كم الساعة الآن؟" أو "متى نصل؟" أو "أين نحن؟"
أو مثل ذلك من العبارات. فإذا أحس قارئ "مر القطار" ببعض هذا الجو كان
ذلك حسبي.
قصة قصيرة
دويّ على ايقاع متّزن..
راسم قاسم
الشارع يمتد على مدى زواياه المتداخلة ويتراقص امام عينيه مثل سراب
عائم. انفاس المدينة المكتومة تهمس في أذنه تعاويذ سحرية.
خطواته مثقلة بعدم الرغبة في الاستمرار ,,وهو يعلم أن هذه العادة التي
لازمته منذ اكثر من اربعين عاما اوشكت على الموت فكل شيء يتغير ولم
يبق من رواسخ العادات شيئا.
طفل عار يعدو خلف سرب فراشات , او يعتلي قصبة ويطلق اصواتا حادة تشبه
نباح الكلاب.
التقليد الاول الذي لازمه منذ ان اصبح بمقدوره ولوج المقهى , ومجالسة
الاصدقاء ومنذ أن احسّ بدفق رجولته وتنسم عبيرها الذي يدأ ينفث اريجا
محببا , واستمرت تلازمه حتى بعد ان اصبح محملا بمسؤوليات اثقلت كاهله .
كان وما زال يواظب على مزاولته مثل طقس دينيّ ,, عندما يغادر عمله
اليومي لا يتوجه مثل الاخرين لبيته , انما يتوجه الى المقهى , ويجلس
في ركنه المعتاد , يرتشف قدح شاي ويلقي باعباء العمل ومنغصاته ,
تعاوده رغبة خفيّة في حب النزق والطيش والميل للمرح..
يتبادل الاحاديث مع النادل وبعض الجالسين , ثم يغادر المقهى متوجها الى
منزله ,,كل حياته سارت بهذه الرتابة تقريبا , بنفس الايقاع اليومي مثل
رتابة الكون , او مثل ايقاعات قصيدة عمودية..
ويعاود عصرا الكرّة ثانية ,, يعود الى المقهى بعد ان يأخذ قسطا من
الراحة والطعام ليهرب هذه المرة من البيت ومتاعبه , ليلقي من راسه
صداع الحيرة وثقل الايام والليالي ويتجشأ السأم العالق في كيانه ,,يطول
به الوقت هذه المرة , ينتظر وجوها اصبحت من لوازم ديمومته ومكملّة
لكيانه .. توافد الاصدقاء وامتداد المساء والبحث عن دفء العواطف
والحنان مثل معطف شتوي ,, تحتضنه العيون وتتشابك الاصوات , ينفثون في
وجهه دخان السكائر , يتلقى كلامهم القاسي وضحكاتهم المؤلمة . يلقي كل
زعانفه العالقة وقشوره الصلبة , يتحرر من وعث النهار ومن هواجس ثقيلة
مرعبة...
الشارع العريق نفسه والانحناءات نفسها ,لمح ولأول مرّة ان الشارع بدا
يشيخ , ظهرت عليه معالم القدم , بعد ان كان يبرز مفاتنه مثل أمراة
جميلة تفتخر بشبابها..
رفع نظره الى الاعلى تتبع الشبابيك المغلقة الكابية اللون وأسيجة
الشرفات المتآكلة التي فقدت الكثير من عزّها القديم ,, وياتت تحكي لنا
من زوايا وبقع مازالت تحتفظ ببعض من رونق الماضي حكاية شبابها الذي
ولّى وتريد من خلال سكونها المطبق أن تذكرنا بأيام مجدها , يوم كانت
تعج بالساكنين وحركتهم النابضة بالشباب.
والحيوية وجموع الحسان اللواتي طالما أتكأّن على حافّاتها ليبرزن
صدورهن ونحورهن للمارّة لم يكن يفكر يوما بالنظر الى الاعلى , كان
يكفيه النظر الى الامام والجوانب اما اعالي البنايات فكانت لاتهمه منذ
ان غادرتها الحسان واصبحت مرتعا لرجال يأمونها من المحافظات.
باب المقهى بدأ بلوح من بعيد يكشف عن وجه نصفيّ لهيكلته ,,قدماه
تسمرتا في الارض لم يكن بمقدوره الاستمرار , ولم يكن بمقدوره العودة
,, فلقد قطع مشوارا بعيدا اصبح من المستحيل الغاءه والعودة من حيث
اتى.
,, لم تكن ريادة المقهى هي الهدف مثل
كل المرّات أنما هناك شيء اكبر .. بل شيئان ,, اولهما ..هو تحديه لذلك
الشخص الذي حاول قبل ايام تكذيبه واستصغاره بعد أن كان يتحدث مزهوا
وهو يشاهد علامات الدهشة مرتسمة على وجوه مجالسيه وهويحدثهم عن حفظه
لكل الاوامر الادارية الرسمية التي صدرت بحقه منذ تعيينه ولحد أحالته
على التقاعد في ملف خاص مازال يحتفظ به حتى بعد احالته على التقاعد
منذ اكثر من عشر سنين.. وهو اليوم جاء يحمل ذلك الملف الثمين بنظره ,,
والذي لم يغادرالمنزل ابدا ,, ذلك الملف الذي يحمل كل مفردات حياته
الوظيفية لم يكن يفكر يوما بحمله خارج الدار لولا ذلك المتعجرف الذي
انبرى بصفاقة يتكذيبه متهما اياه بالمبالغة والتهويل متحديا أياه
باستحالة الايقاء على اوراق بالية كل هذه السنين..
وثانيهما هو شعوره بالاهمال والتهميش من قبل زوجته واولاده , ومحاولته
اثبات ذاته التي أصابها العطب جراء تغير كل شيء نحو الاسوا .. المدينة
المزروعة بالخوف والضجر والاسرة التي اصايها التصدع والتفكك والعوز
الذي بات يحاصر كل شيء..
الفوضى حالت دون استمراره على ايقاع حياته المعتاد أضافت معاناة اخرى
لمجمل معاناته فهو مجبر ان يقضي جلّ وقته في البيت ويتعرض لاهانات
زوجته المتعمدة وعقوق اولاده الذين يعانون الحرمان والبطالة فلم يجدوا
سواه ليفرغوا اسقاطاتهم عليه..
الناس الذين يتقاطعون بسيرهم معه يجد في وجوههم وقسماتهم بعض العزاء
, ينظره أحدهم ثم يتخطاه ليغرز نظره بغيره قد يعرف بعضهم أو لا
, لكنه يجد فيهم احتواء اسريا يغمره..
خطواته المتعبة والشارع الذي بدأ غريبا ,, المقهى وصور من الماضي
البعيد وحالة البؤس التي باتت تخيم على كل شي كان يساءل نفسه دائما
..هل هو الذي ابتعد ؟ ام أن الحياة هي التي بدات تتنكر له ؟.. أم أنها
سنّة الطبيعة تسري عليه وعلى غيره..
الرؤى تتداخل .. مظاهرات غاضبة تملأ الشارع هذا ,, تعلو وتهبط وعيون
غاضبة واشداق تطلق أصواتا عالية ,, رجال بكل عنفوانهم يطلقون هتافات
معادية للحكومة..
أحتفالات صباحية رجال يرفعون أذرعهم ويطلقون صيحات تملا افواههم . وجوه
مشرّبة بالفرح والسرور تهتف مدحا للحكومة..
رصاص قتلى .. اكداس قمامة تتراكم في مداخل الشارع ,دخان الحرائق , خوف
لم يشهده الشارع من قبل.
أمرأة تخرج من أحد الازقة مذعورة تمرق عابرة الشارع وهي تلّف جسدها
بعباءة سوداء , تدلف مختفية في الزقاق المقابل..
ينبهه احد الواقفين بجانب عمود من اعمدة الشارع ان يتوقف!!
لم يفهم قصده اول الامر لكنه بعد أن اشار برأسه نحو الجانب الآخر ..
التفت وتوقف.
اشار له الجندي الذي يقف خلف المدفع الرشاش في المدرعّة الامريكية
الهمر أن يتقدم نحوه.
تسمرّت عيناه بوجه الجندي الذي تغطي القبعة نصف وجهه وتختفي عيناه خلف
نظارة سوداء . لم يكن ابيضا ولم يكن طويلا كما هو المعهود , بل كان
اسمرا ميالا للصفرة , أدرك انه من عروق آسيوية أو امريكية لاتينية..
اشار اليه بيد يغطيها قفاز اسود ايضا .. أن يتقدم نحوّه , لم يدرك أول
وهلة أنه يقصده بالاشارة , التفت الى جانبيه وعندما لم يشاهد احدا
سواه حتى الرجل الذي نبهه اختفى.
راوده هاجس من أن الجندي الامريكي قد ساوره شك من الكيس الاسود الذي
يحمله.
ملف عمره , حركته فوق هذه البقعة التي لم يغادرها طيلة حياته , فهو لا
يعرف ولا يهضم ترك الانسان موطنه ومفارقته حتى لمحافظة اخرى ,, لذا
فهو استمرّ بالحركة في نطاق هذه المدينة التي يعشقها كل ّالعشق.. وكان
الملف هو توثيق لمجمل حركته على مدى عقود طويلة.
كان يحمله بحرص شديد ,, وكل الأخرين بنظره الذين لم يوثقوا مسيرتهم
كما فعل هو , قد اضاعوا اعمارهم سدى!
أشار الجندي الامريكي اليه بحركة من راسه أن يتقدم أكثر,, وجّه
المدفع الرشاش نحوه ومن خلف المدفع لوّح له بالتوقف.
احتار بأمره .. ماذا يريد منه هذا الغريب ؟ توقف بعد أن خطا عدّة
خطوات , تملكه رعب شديد وهو يرى فوهة المدفع الرشاش مصوبة نحوه ,,
هذا يعني أن اطلاقة حتى وان كانت بطريق الخطأ كفيلة بأنهائه دون ان
يثير أي ردة فعل ,, فهؤلاء لديهم كلّ الحق بقتل من يريدون قتله دون أي
مساءلة!
حدق مليا في زجاج المدرعة المضلل لمح خيال جنود في الداخل..
أمره الجندي أن يضع الكيس الذي يحمله على الارض .. لم يفهم ما اراد
الجندي , اصابته الحيرة من صياح الجندي وهو يرطن بلغة لم يفهمها ..
اشار الجندي بعصبية الى الكيس آمرا أياه أن يضعه على الارض..
توزعت نظراته بين الكيس الذي يحوي ملف عمره وبين الجندي الغاضب .. قدح
فكره وذهب الى هناك وسط الشلة التي تصور انها تنتظره في المقهى , وان
صديقه المتحذلق الذي يجلس الان متوثبا كالقط بانتظاره .. كيف له ان
يثأر منه وهو بهذا الموقف وامراته التي ضاقت ذرعا بهذا الملف , كيف
له بعد اليوم ان يغيضها باعتنائه به وحفظه بعناية..
وهو الذي لم يجازف يوما باخراجه من الدار لاي سبب كان.
ظل ّ مشتت التفكير بين الخوف الذي شلّ حركته وبين هاجس ضياع كنزه الذي
يحمله.
وضع الكيس على الارض ,, ورفع يديه كمن يتبرأ من ذنب اقترفه وتراجع الى
الخلف ..ظلت عيناه مسمرتان على الكيس الملقى وسط الشارع ..تقدمت
المدرعة الهمر مثل عنكبوت حذر .. اطلقت اجهزة استشعارها اقتربت من
الكيس حتى اصبح تحت عجلاتها الثقيلة تناثرت الاوراق البيضاء المصفرة
وتمزقت مع دوي هائل مرعب.
تســـــاؤل
فليحة حسن
ولماذا لا اكتب عني ؟
وأنا
منذ وجودي محبوس في قمقم رأسي
أفكر
أن أصلح هذي الهوة
بين الوجه وبين الناس
فيقذفني المنفى
للمنفى
والحرب الأولى
للأخرى
وأعود أيمم وجهي
شطر المرآة
مرآتي:
هل يوجد في هذي الأرض
أكثر حزنا مني ؟
فتهز الرأس
بان (لا)
و لماذا لا اكتب عني ؟؛
وأنا
افقد كل صباح
قلب
في الأمس الأول
مرّ الصاروخ
وضيع وهج طفولتنا
ميس
ون
لا يوجد مسام في روحي
ابعد منك
والأمس
تلوت حروف صلاتي
فوجدت الاسم الأبهى
مذبوحاً
وكنت أراه (اليسعى)
ما بين صداقتنا ولا (يستدرك)
(احمد آدم) :- اعلم انك تكره أن توجد
نقطة ليل في عينيك ؛ ولماذا لا اكتب عني؟؛
وأنا اسحب رأسي
من بين صراخي قسراً
كي أركض في مدن الأخر
لاادري أيّ دروب تفضي إلي
ولماذا لااكتب عني ؟؛
وأنا يمكن تلخيصي:
في السادسة
اهيء نفسي للهم القسري
وحين تتم الواحدة الظهر
لااكف إذا -جاز القول -عن الدوران
ولماذا لااكتب عني ؟؛
وأنا حين أفكر أن ابتسم
عليّ
أن اجتاز الطرق المفضية إليهم دون سؤال
لماذا أتوا؟
ومتى
ستفارقنا رائحة( البسطال)؟
وان
أنسى الأسلاك الحمراء
ولماذا لا اكتب عني؟
وأنا
إذ يرسلني بريد الشوق
نحو دروبك
مغمضة الروح
ترجعني نقاط التفتيش
فأعود
خالية
إلا من همي
وإذاً
هل يوجد
من يسأل
لماذا لا اكتب عني؟ |