|
سؤال شوقي كريم ولوازم سبك أردية القول
متابعة: اسماعيل ابراهيم عبد
في قصته سؤال والتي لا تحمل أية أسئلة مباشرة ، بل ، جعل السؤال أو
التساؤل يفوه به القاريء ( لماذا يحدث كل هذا ) فيها يحاول القاص شوقي
كريم حسن أن يبث لنا محمول ذاكرته الواقعة بين مرحلتين ، وليقرّب
مفاهيمه الأنسانية والاخلاقية من فهمنا لفنية القص ، وقد سوغ هذا ضمن
شرعة مسبوكات متضامنة أتخذت الخطوات التالية:
أ- لوازم السبك : هي لازمات عبورية تناغم تصييغ النسج المشهدي بأيجاد
مشادة صغيرة ، والأنطلاق منها الى أخرى أكبر منها ، حدثاً ونسجاً ، وفق
مثولات تعاضدية ، وأخرى نديّة ، وأخرى قرائنية ، تلبس المعنى ضروب
المثول الكياني للكتابة ، وعندما نلاحق هذه الضروب نجدها متشابكة فيما
بينها مكونة تعبيراً قصصياً يبدأ من أصغر النوى حتى أكبر ، وآخر تلك
النويات القصصية..
1-لوازم السبك التعاضدية : هي مؤثثات
للحركية الاحداثية ، تبدأ بالمشهد المصغّر الأول للحادثة الصغيرة ، كأن
تكون أشارة من حركة وصفية لها فعل أحداث تجميع بين شتيتين أو أكثر
لايجاد حالة : مثالها : ( بحركة رشيقة ، وبطرف أصبعه الشبيه بناي ،
تلمس الخط النازل من على الجبين ) فالشتيتان الأصبع والخط النازل
جمعتها القصيصة السابقة لتكون منطلقاً منطقياً لأستحضار الحالة الأكبر
( عبر لازمة تكميلية هي : وهو يحدّق في المكان)..
الحالة الأخرى الأكبر هي / ( ما كان ليطمئن لولا تلك الاقدام المفزوعة
والمهرولة محاولة سد الأبواب النازفة غباراً). فهذه القصصية أكبر وأوسع
حدثياً ونسيجياً من الحادثة السابقة والتي ستعبر أيضاً وفق لازمة أخرى
هي ( تنفسّ أرتياحه ) ثم لندفق الحالة التالية:
(ابتسم حين طالع الوجوه ، التي تبحث
عن الاسترخاء ، قال لنفسه ، يالها من وجوه ملساء ، تأمل الصمت الذي ران
فجأة فوجد من يرنوا إليه ) في هذه الحالة تضخمت نوية الحدث ، وأخذ
البطل يوسع فاعليته حيث أخذ يبتسم بمقابل وجوه تبحث عن الاسترخاء ، وأن
شتيتي القص هما البطل ، والوجوه ، وهما كل يبحث عن سبب مثوله ... هذا
البحث مررّ الحدث ، والصورة المشهدية الى النوى الاخرى عبر لازمة
(مستفهماً ... ببطء رفع يده محيياً). ولسوف تتوسع مركزية الاحداث بمثل
هذه التوليدية التعاضدية حتى تغدو ، فيما بعد ، شبه عائمة في ثنايا
النسيج ، ولكن ليست فوضوية ، فهي تتضافر لترسوا بالمهاد القولي جهتي
الاتمام والايصال ( رغم ) تغيّر أرادية القص المَثَلي ، التماثلي..
2-لوازم السبك الِنديّة : هي متقابلات
متضادة قد تبدأ على شكل حادثة نفسية أو ذهنية أو ذهالية أو ذاكراتية ،
لكنها تتبنى النقائض لأتمام نقائص الانسجام الافتراضي في القص .
مثالها:
* حادثة نفسية ( ببطء رفع يده محيياً
، فانسابت المسبحة باتجاه الأرض ، مثل أفعى ، أصدرت أنيناً مكتوماَ ،
نهضت وجوه ، رفعت الأكف المرتجفة مثل أشجار معصوفة).
يلاحظ أن حادثة أنسياب المسبحة كان لها ما يتقدمها من الفعل النفسي (
حيث رفع يده محييا ببطء ) وهي حركة لم تكن واضحة أو مبررة سلوكياً ضمن
حركية الفعل التحديثي ، لذا يرجح أنها تصور في دخيلة نفسية مركبة
تصورات متناقضة جعل النسيج القصصي يتحرك بتوجيهها ، وبنفس القيمة
الاعتبارية ستكون حركة الأكف ، وصورة الافعى ، ورؤى الأشجار ! فهم
جميعاً جزء لمستوى تفكير نفس مسكونة (بالوهم). وهناك أيضاً حالة شبيهة
بذلك لكنها ذهنية : ( ثمة مزيج من العطور ومواد التطبيب وزنخ الاجساد ،
لا يدري من أين جاءت ) ولا كيف فهي تركيبة نقائضية من تصورات ذهنية
تنزع الى التجريد أساساً.
وهناك حالة ذهالية أخرى تأخذ ذات المنحى ( - متى أراها أو تراها تعرفني
، لو رأتني اليوم). ثم حالة تناقض ذاكراتية / مثالها / ( تلك قضيته
تعودها منذ زمن طويل ، فليس سهلاً أن يحدث الأنسان نفسه ) فالذاكرة هنا
أحضرت له ما يناقض ظرفه الجديد ( الأمل في حياة رضية متحكمة).
3-لوازم السبك القرائنية : وفي محاولة
لشد الانتباه الى النسج الحكائي فيعمد القاص الى لوازم قرائنية تكاد
تغطي قدراً كبيراً من النسيج سنحاول أجمال بعض الامثلة النصية عنها.
*بطرف أصبعه الشبيه بناي ، تلمس الخط
النازل من أعلى الجبين ... تقاربها ((ما كان ليطمئن لولا تلك الأقدام
المفزوعة)). فقرين الأصبع هو الناي ، وقرين الأقدام المفزوعة الخط
النازل أما اللازمة الممكنة فهي (( يحدق بالمكان المملوء بأشياء مثيرة
للدهشة)).
*أنسابت المسبحة باتجاه الأرض ، مثل
أفعى ، مصدرة أنيناً مكتوماً ، شهقت الوجوه المرتجفة مثل أشجار
معصوفة...
تقاربها (( لم يفكر يوماً أبداً من أن يصل الى هذا المكان . ولحظة سمع
همساً ، فتح عينيه بسرعة)).
فقرين حركة المسبحة هو المكان ... وقرين شهقة الوجوه هو فتح عينيه ،
وقرين الانين المكتوم ، عدم التفكير ، وقرين لحظة الهمس هو أرتجاف
الوجوه ... وقرين سرعة فتح العين هو فزع الاشجار المعصوفة!.
أما الازمة الممكنة فهي (( تنفس عبق المكان بشهية من لم يذق طعم
الراحة))..
تتوالى مثل هذه الصياغات بشبه تنظيم قصدي توليفي حتى نهاية القصة ب -
لوازم التأطير : وفي هذه الخطوة يضع القاص مستلزماً آخر من التشييدات
التفاضلية والتي تتمحور حول.
1-لازمة الاغماض والصمت : والتي بها
غلّف المحيط العام ( جو القص ) بنوعين من التداخلات المشهدية ، التي
تتناغم معاً لتغيّر مسار السرد ... وفي كل مرة من الاغماض أو الصمت
تتغير طبيعة العودة الاسترجاعية ( بين حركة وسكون ، أو صمت واغماض.
2-لازمة الاغماض : والتي غلف بها
المشاهد بالاغماض فقط كما في..
*كان المحقق يأمره بأن لا يفتحهما
أبداً ، فيظل محدقاً في ظلمة أوهامه ... ولحظة سمع همساً فتحها بسرعة (
الاغماض الأول)).
كرر لعبته المفضلة ، أغمض عينيه فساد جو من الهدوء الحذر ، كان يتمنى
لو أخذ من الذئب كل عاداته ، فرَّ بعيداً بحثاً عن ذئب صغير ليربيه ،
لكنه أحتضن أبن آوى ( الاغماض الثاني)..
بمثل هذا التمثّيل يصيغ لوازم التأطير ليدلل على أهمية محتوى خارج
الحكاية
ج- توزيع لوازم مستويات الهيكل التشابكي:
مثل هذا التوزيع للصائغات الأدائية يجعل تشابك لوازم التسجيل السردي
واحدة من أعقد مستويات النجاح الفني ، ولكن القاص في نصه ( سؤال )
يعطينا نموذجاً من صياغات الدربة الموجهة نحو كلية أداء النص وليست
جزئية الصياغة الفنية فقط..
سنلاحق ثلاثة مستويات منها:
1-مستوى التكوين الأول : يتجه هذا
المستوى الى أجلاء صورة البطل وتركيم وتركيز صفاته بالموافير التالية (
المعزول ، المضطهد ، المغمض العينين ، المراقب لنفسه ، الغائص في
صمته).
2-مستوى التكوين الثاني : ( سيكون
الرجل حامل مسئوليات الآخرين المحاط بحاشيته الخاصة ، السمّاع
للمنافقين والسرّاق).
3-مستوى التكوين الثالث : ( البطل
القوي ، الباحث عن لذائذه ، الحامل توسلات المرأة ، المستحضر للمرأة
موظفة ، المستهجن ذكرياته عن المرأة).
د - لوازم التقنين : هي لوازم حاول من خلالها أسباغ نوع من المنهجية
الفكرية والفنية على طبيعة نسج وحركية القص ، وقد شملت ، من الناحية
الفكرية كلاً من هيمنة التفاضل الحركي التصوري ، والمثول السياسي ،
الأسترجاعي والاستباقي.. وقد منهجها تظافرياً كالأتي:
1-استخدام جزئيات أعضاء الجسم :
والتي أستثمر فيها جزيئات الجسد دون حجمه أو فعله الكلي وبالتسميات
التالية ( أصبع ، جبين ، عين ، تجاعيد ، أقدام ، يد ، أكف ، وجوه).
2-أستثمار كليات و أجزاء من الطبيعة
غير العاقلة : وهو أستثمار لأسماء مأخوذة من المكونات اللا عاقلة على
الأرض أو التي من فئة البضائع : مثل ( مكان ، أفعى ، أشياء ، أبواب ،
أرض ، ناي ، خط ، أشجار ، عطور ، مواد تطبيب ، غرف تحقيق ، أوراق ،
هاتف)..
وقد مازج هذه الكائنات فيما بينها ليجعل منها حاملاً دالاً على ثبوتية
حالات حوادث القص ، كجزء من ( وهم ) البطل ، وأيهام القاريء ، وقد أزال
عن هذه الملموسات الشيئية أرتباطها النفسي والأيقوني بالبطل ليبقيها في
وظيفتي الترميز والاختزال بهدف تكثيف الدلالة النسقية للنص.
3-لازمة التجسيد اللا شكلي : هي لبنة
أوجدها القاص ليصيغ هيكلاً وسطياً بين حركية الذهال الذهني لصور
المخزون الذاكراتي وبين أحداث التغيّر السياسي (زمنياً وأجتماعياً )
والتي تعد مكملاً شبه حكائي للمتن الفكري ، والذي به يجعل النص يقترب
من موضوعة (( القص المفتوح )) ، خاصة وأن قمة التشكيل البؤري ، في النص
، تضمرها الضربة الأخيرة ، والتي تمازج طبيعتي المخزون الذهني والحكائي
السياسي في الختام التالي: (فليس ثمة في خارج القاعة ما يمكن أن يسرق
سوى الانتظار).
وكيل وزارة الثقافة يفتتح اعمال ندوة
التنوع الثقافي في البصرة
بغداد/ الدعوة
قال وكيل وزارة الثقافة طاهر الحمود ان التنوع هو ضرورة املتها الطبيعة
من خلال التنوع المدهش للكائنات الحية وهو ضرورة اجتماعية وثقافية
لتوفر امكانيات مفتوحة للابداع الانساني.
واضاف الحمود عند افتتاحه فعاليات ندوة التنوع الثقافي في البصرة الذي
يستمر للفترة من 7-9 /12 /2009 ان العراق هو رمزا ونموذجا عالميا
للتنوع الثقافي عموديا وتاريخيا والعراق هو مهدا لكبرى ثقافات العالم
بدءا من الثقافة السومرية والبابلية والاشورية ومرورا بالثقافة
الاسلامية الزاخرة وما قدمته بغداد والمحافظات في هذا المجال كالبصرة
والكوفة وبعض المدن الاخرى في العراق التي هي نموذجا لهذا التنوع.
واكد ان احد ابرز دوافع الوزارة لاختيار المدن عواصم للثقافة العراقية
هو لتسليط الضوء او توجيه الانظار الى موضوع التنوع الثقافي والى دور
التنوع الثقافي في النسيج الاجتماعي الذي يخلق هوية ثقافية وطنية
موحدة.
بعدها بدأت اعمال الطاولة المستديرة عن التنوع الثقافي العراقي بحضور
خبراء ومثقفين عراقيين مقيمين داخل وخارج العراق ومسؤولين من وزارة
الثقافة والحكومة المحلية وممثلين من البرلمان العراقي اكدوا على تكوين
العراق وتراثه الثقافي المنوع كعامل ايجابي في اطار اعادة بناء البلد
بعد سلسلة من الصعوبات والصراعات الاقتصادية.
وسعت الطاولة المستديرة تحت ادارة واشراف عضو البرلمان ورئيس اللجنة
البرلمانية للثقافة والاعلام مفيد الجزائري لبيان رؤيتهم في ترجمة
التنوع الثقافي للبلد الى ادارة للتطور والحوار وبناء السلام والالتحام
والوحدة الاجتماعية.
كما بينت ممثلة مكتب اليونسكو في العراق وجهات نظر المنظمة مؤكدة الصلة
بين تقبل واقعي لخلفية البلد العرقية والدينية والثقافية المتنوعة وبين
العملية الديمقراطية وبينت كذلك ان التنوع مصدر قوة ووحدة ويوسع مجالات
الحوار للجميع كأحد جذور التطور.
ونجحت الطاولة المستديرة في اجماع الاراء حول اعلان البصرة عن التنوع
الثقافي في البصرة الذي تألف من عدد من التوصيات الرئيسة الهادفة
لتأييد ومناصرة التنوع الثقافي العراقي وخرجت الطاولة بعدد من التوصيات
التي اكدت على احترام حق الاخر في التعبير الثقافي واهمية التنوع في
تمتين اواصر الوحدة الوطنية واشاعة قيم التسامح ونبذ العنف واحترام
الثقافات المحلية. هذا وحضر الندوة عدد كبير من الادباء والمثقفين
والاعلاميين.
ذي قار تستكمل استعداداتها لانطلاق
مهرجان الحبوبي الرابع
عباس محمد
أعلن اتحاد شعراء وكتاب ذي قار، اكتمال استعداداته لانطلاق مهرجان
الحبوبي الرابع المقرر اقامته على مدى يومين بقاعة بهو الإدارة المحلية
ابتداء من الخميس المقبل وبمشاركة متميزة من قبل المثقفين والفنانين،
بحسب الناطق الإعلامي باسم المهرجان.
وقال الأديب علي الزيدي ان الاتحاد “اكمل استعداداته لانطلاق مهرجان
الحبوبي الرابع وتحت شعار( طريق الإبداع تصنعه الخطى ) دورة الشاعر
الشيخ جميل حيدر احد ابرز الشعراء الذين أنجبتهم المحافظة، مشيرا ان
المهرجان سيقام “للفترة من 10- 12 كانون الاول الجاري على قاعة بهو
الإدارة المحلية بالناصرية وبحضور 40 شخصية أدبية وثقافية وفنية من
مختلف محافظات العراق وسيتضمن محاور وبحوث في المسرح والسينما والشعر
والسرد تحت عنوان الابداع بعد 2003.
وأضاف ان “فرقة الناصرية التراثية ستقدم في حفل الافتتاح اوبريت يحمل
عنوان ( سفينة الطوفان ) تأليف علي شبيب ورد والحان علي عبد عيد وجاسم
خضير تليها كلمة اتحاد الأدباء والكتاب في العراق حميد المختار و كذلك
إلقاء قصائد شعرية لعدد من شعراء العراق كما سينظم معرض للصور
الفوتوغرافية على قاعة بهو الإدارة المحلية يضم نحو أربعين صورة
فوتوغرافية عن المحافظة”، مشيرا الى ان “فرقة منير بشير ستقدم حفلة
غنائية تقام على قاعة فندق الجنوب السياحي ضمن الجلسة المسائية تتضمن
عددا من المقطوعات الموسيقية تتحدث عن التراث وكذلك ستفتتح معرض للوحات
الفنية للفنان المغترب حيدر القسام تضم لوحات فنية مختلفة وتنظيم عرضين
سينمائيين للمخرج حسين السلمان وعرض مسرحي للفرقة القومية للتمثيل تحت
عنوان (تحت الصفر).
ويذكر ان مهرجان الحبوبي الإبداعي أقيم لاول مرة عام 2004 ، ومحمد سعيد
الحبوبي فقيه وأديب وشاعر ولد في مدينة النجف الأشرف عام 1849م ،
وافتى بالجهاد ضد الانكليز عند دخولهم للعراق بداية القرن الماضي ،
توفى في الناصرية عام 1915م ودفن في النجف.
قصة قصيرة
القصة القصيرة جدا وغواية الومضة
ايناس البدران
إبتداء القصة القصيرة جدا فن أدبي فرض نفسه رغم انه من أكثر أنواع
الأدب القصصي صعوبة لذا فان الكثير من الكتاب المتمكنين من حيث الصنعة
الفنية ينأون عنها لصعوبة تكنيكها وللقيود الخاصة بها، لكنها تظل نصا
فنيا جميلا يعتمد اللفظة الفنية المكثفة وتحرك أذهان المتلقين بعد أن
تجتاز كل المسافات لتدخل دائرة الإبداع.
و قيل أنها محبكة الإتقان، ذلك أن عملية إبداع هذا النص تتطلب صيغة من
نوع راق إضافة الي قابلية الابتكار. كما أنها اقرب الأنواع الأدبية الي
الطبيعة غير المتكلفة، فهي إبلاغ موجز متناغم مع لغة شعرية عالية فيها
يمنح القاص قصصه بعدا شعريا انتقائيا لاستخدامه اللمحة الشعرية السريعة
التي تحمل خلاصة موجزة للفكرة بلمحة ثاقبة لحدث شائك.
منهم من شبهها بالشعر و بعضهم من لم يعترف بها كجنس أدبي، لكنها ظلت
فارضة نفسها بفضل كتابها الذين لم ينقطعوا عنها رغم إهمال اغلب النقاد
لها. وتعد الفرنسية ناتالي سوروت 1937 من أوائل من كتب القصة القصيرة
جدا في مجموعتها التي ترجمت الي العربية أوائل السبعينات والمعنونة (
انفعالات ) التي بدا أبطالها وكأنهم ينبعون من كل مكان وينضحون من
الجدران والحدائق والميادين. وفي ذات الفترة كتب الامريكي آرسكين
كالدويل ما يصح تصنيفه بالقصص القصيرة جدا، اطلق عليها حينها ( الومضة
القصصية ) أو ( الضربة الخاطفة غير القابلة للتأجيل ) أو ( أقصوصة
الحلم والدعابة).
وفي العراق بدأ الاهتمام بها في العقود الأخيرة من القرن الماضي حينما
ظهرت بعض المحاولات الكتابية التي تحمل سمات متأثرة - ربما - ببعض
التجارب العالمية التي سبقتها في هذا المجال.
ويعد ظهور هذا النوع من الفن القصصي تجديدا للعلاقة ما بين القصة
القصيرة جدا والواقع بحكم عوامل تاريخية وحضارية اعتمدت التكيف
والإيجاز والتقاط الذروة الدرامية، وخلاصة اللحظة المكتظة بالحياة
الإنسانية بما ينسجم و إيقاع الحياة العصرية والتقدم التكنولوجي وميل
الناس الي الإيجاز والبساطة وحالة التوتر والتأزم الملازمة لواقع تقدمت
فيه العلوم الحديثة وتشعبت الرؤي الإبداعية. اخذ هذا اللون القصصي يغوي
عددا متزايدا من كتاب قصيدة النثر، لما بين الاثنين من تنافذ اجناسي
وتكثيف كما أن هناك مقصا للكثير من الزوائد والمفردات المكررة إضافة
الي أن الترابط بين الثيمات يعمل علي صناعة نص مبني بحرفية ورصانة
دونما إسفاف أو ترهل، فالقاص هنا هو الشاعر الذي يبتكر الأشياء الجديدة
والفكرة هي ثيمة القصة ونقطة ارتكازها، فالزمن غير محسوب إذ انه محرك
خفي لمحور بناء القصة القصيرة جدا، ولأنه لا مساحة بائنة فيها
للزمانية، فيمكن عدها ومضة يقتنصها من يشتغل عليها ليمنحها المتلقي
الحذر الذي لا يتسع وقته إلا لها لكنها تظل تقبل التأويل.
إن قصة من هذا النوع تطرح في الغالب تجربة على نار ملتهبة فيها مزاوجة
ما بين الحلم والواقع علي شكل هندسي محدد الأبعاد يعرض جانبا مهما من
جوانب الواقع.
والقصة القصيرة جدا لاتتعدي بضعة اسطر غالبا و أحيانا تختزل الي بضعة
كلمات، لذا فهي تمثل حدثا واحدا وتتناول شخصية مفردة، فكاتبها لايهتم
بالجزئيات، وطريقة المعالجة لديه ترتبط بالموضوع والفكرة دونما اهتمام
بالسرد.
ومن ابرز مميزاتها الخروج من الأبعاد الإغريقية الثلاث التي تتجسد في
وحدة الزمان والمكان والحدث، ذلك إن الزمن فيها غير محسوس بل هو محرك
خفي لمحور بناء القصة.
و أكثر كتابها إما شعراء أو روائيون، والقاص فيها هو الشاعر الذي يبتكر
الأشياء الجديدة.
إن اسلوب القصة القصيرة جدا يقترب من الشعر في ومضته المشحونة بالخيال
والموسيقي لكنه مختلف عنه في الحدث وعنصر الفعل والمحيط مع إضاءة سريعة
للحظة المكانية المكتفية بذاتها المستغنية عن التفاصيل التي تفسرها أو
تبعدها عن هدفها.
كــائـن الـخـرابـة
عصام القدسي
إنه وقت الظهيرة . وقد بدا مطعم الشواء المتواضع في المحلة الصغيرة ،
مزدحما بالزبائن من أصحاب المحلات والدكاكين في سوق الخضار القريبة منه
، وعمال ورش النجارة والحدادة التي تقع بالجوار، جاءوا ليتناولوا وجبة
غداءهم فيه . والمروحة الكهربائية القديمة المتداعية تنفخ في قلب نار
المنقلة المصفوفة عليها أسياخ "الكباب" فيندفع منها إلى الطريق دخان
كثيف مفعم برائحة اللحم المشوي. وينتشر فيملأ الجو بنكهة، يسيل لها
لعاب المارة ، وينطلق إلى مديات أبعد من بيوت الزقاق..دخان الشواء هذا
وكما وصفه أحد الزبائن الظرفاء وهو يقف أمام المنقلة متأملا شلاله بأنه
"طائر ابيض" فهو يرحل في الفضاء بجناحين ويحط في أماكن لا يتصورها
المرء. تلك الساعة من ظهيرة ذلك اليوم ، نبهت رائحة الدخان خيشوم كائن
بوهيمي بدا بهيئة رجل مسخ . كان كث اللحية تعلو الأوساخ وجهه وملابسه
،أشعث الشعر متورم الأجفان والشفاه كما لو حرقتهما النار،يسكن أرضا
مهجورة لمكب للنفايات في طرف بعيد عن حركة الناس،ولا يغادرها إلا حين
يجوع . فتنبه وأزاح عنه ما علق به من قاذورات،واخذ يتشمم الهواء مثل
كلب صيد يتفحص رائحة فريسة، سقطت بإطلاقة صياد في مكان ما من الحقل
جاءت بها النسمات ، ليتأكد من وجهتها ..نظر بين قدميه ،فرأى سترة خفيفة
بنية اللون ونظارة سوداء رمى بهما ليلة البارحة ـ وهو يهذي ـ أحد
الاشخاص الذين مروا بمحاذاة المكب.تناول السترة وارتداها فوق قميصه
الممزق ووضع النظارة على عينيه المتورمتين، وتطلع إلى حذائه الفاغر
الفم والتقط عصا ثقيلة،وانطلق بخطى متلاحقة،فقادته الرائحة إلى المطعم
. توقف عند عتبة بابه لحظات . كان الزبد يخرج من زاوية فمه . حين رآه
الزبائن حسبوه بادئ الأمر شحاذا قبيحا لا يلبث أن ينصرف ،وحينما شاهدوا
الشر في وجهه رأوا فيه شيطانا قبيحا . لقد قرأ في نظراتهم شعورا
بالاحتقار وحين تهامسوا حوله اندفع كالريح إلى داخل المطعم مباغتا
زبائنه المنشغلين بالثرثرة والأكل وصاحبه البدين،الذي يقف على مقربة
منهم يتفقد مجرى العمل ويراقب بعض عماله الذين انهمكوا بإعداد
الصحون،وصفها على حاجز معدني يفصل بينهم وبين الموائد ومن ثم توزيعها
على الزبائن الجدد.باغتهم وهو يطلق صرخة وقد رفع العصا في الهواء..
شده الجميع وارتسم الخوف على الوجوه ووقف أحدهم متحديا ،ثم تراجع خائفا
بعدما شاهد قسوة المقتحم ،ولمس إصراره على جريمة ما . تقدم الرجل المسخ
مهوما بعصاه فوق أثاث المطعم ،وزجاج نوافذه وتقاطعت صرخاته وتهويماته
مع صرخة استغاثة .وحاول صاحب المطعم أن يتدبر أمرا،ولكنه أدرك أن من
الأفضل الاستسلام،فظل جامدا في مكانه..
فقال زبون بصوت غير مسموع:
-هذا ابتزاز..
وبهت عجوز وتهالك فوق كرسيه ولم يجرؤ على مد يده إلى الصحن الذي أمامه
على المائدة ..وتلفت الكائن الغريب يمينا وشمالا ثم خطى بحذر صوب
الصحون وبلمح البصر اختطف صحنا ورغيفين ولوح بوجه صاحب المطعم بعصاه
وغادر المطعم..حين خرج اصطدم بصره بسيارة للشرطة تقف قريبا من المطعم
فأطلق ساقيه للريح باتجاه مغاير مهرولا كحصان نافر ،عبر طرقات جاء
منها،عائدا إلى مستقره، متواريا عن الانظار .حين وصل المكب ودخله أحس
بالأمان. جلس على الأرض لاهثا وقطرات العرق تنحدر من وجهه تحوطه
النفايات والأنقاض والأشياء المهملة. وضع الصحن أمامه على التراب وخلع
سترته بإهمال فتكورت ،ورمى بها على مقربة منه وطوح بالنظارة ومضى يتأمل
الطعام ثم انفجر ضاحكا ضحكا ممزوجا بنشيج يشبه البكاء،وراح يأكل بعنف
ويدمدم ،فيسمع صوت يحاكي هدير عربة ثقيلة تسير على الإسفلت. في هذا
الوقت كانت صفارة سيارة الشرطة، تدّوم في فضاء متثائب كسول. |