الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (910) الاحد 25 ذي الحجة 1429هـ/13 كانون الاول 2009م

الثقافية

قراءة في قصائد فوتوغرافية للشاعر شاكر لعيبي

د. سهام جبار

يعد عالم اللغة الفرنسي أميل بنفنست تصوير الواقع أهم سمة من سمات الإشارة عامة والإشارة اللغوية خاصة، الأمر الذي يجعلنا ننظر إلى إصدار شاكر لعيبي الشعري الجديد (جذور وأجنحة قصائد فوتوغرافية) على أنه سعي حازم وإصرار متحمس لتحقيق هذا المطلب العصيّ _تصوير الواقع_ أو هو محاولة مركبة لجعل هذا الواقع المصوّر مؤكداً بقوة الجمع بين الكلامي والصوري في إطار عمل شعري واحد. ولكن أي واقع مصور يستدعي كل هذا الحشد لقدرات نظامين إشاريين متجاورين غير واقع معاناة نفي طويل ترك أثره في التباس دلالي ثنائي مقابل لثنائية النظامين الإشاريين المستثمرين كما سنرى.

ولأن للشاعر انشغاله السيميائي الذي بثه في مناسبات عدة وعبر بحوث ومقالات منتشرة، نجد عمله الشعري الجديد هذا مبطناً بنيّات ينبغي استظهارها لا للبحث عن حقيقة واحدة أو معنى مقدس وإنما لتبيّن الأفق الذي تتحرك فيه معطيات هذا الكتاب الشعري الكلامي الفوتوغرافي.

يفسّر شاكر لعيبي العلاقة بين الصورة والنص عند تناوله النص المجاور للوحة الرسام ماغريت (هذا ليس غليوناً 1929) بأنه بمثابة تحفيز لإشغال المخيلة والفكر في وقت واحد، ويتم ذلك بنوع من مزحة يتحقق فيها قدر من اللعب على الكلام ومثل هذا اللعب أو الإزاحة فيه مؤدٍ وظيفة شعرية بحسب كوهين وعلى هذا الأساس يمكن فهم العلاقة التي أحكم عقدها لعيبي بين الصور والنصوص المترافقة في كتابه، أي في اتجاه توليد أنواع من التأويل والتفسيرات لا في اتجاه دور يسميه رولان بارت بـ (الإرساء) الذي يتم فيه دعم معنى واحد نهائي ضمن سياق مؤدلج ضيق؟

لنتأمل في القصائد الفوتوغرافية وصولاً إلى تأويل ممكن ضمن إمكانات لقراءة محكومة بظرفها ومعطياتها وإدراكاتها.

لا بد في الوقوف على العنوان الرئيس من الربط بين صيغتي المكان المحددتين بالثبات (جذور) وبالرحيل (أجنحة) يكون لحرف العطف الواو هنا مهمة ربط وتوحيد لا مجرد الجمع والضمّ. أما العنوان الفرعي فيشارك بثنائية مقابلة هو الآخر(قصائد فوتوغرافية) تضمر الرغبة في التواطؤ وإعلان الرسم المكاني الصوري المتشاكل، وهكذا تتتالى الثنائيات لتمارس فاعليتها الدلالية المؤسس لها.

ويبدأ ذلك بالقصيدة الأولى (نتلمس العالم) وكلتا اللفظتين محمّلة بالتجذير وبالحركية، ولو أجرينا مسحاً لغوياً للألفاظ الواردة منذ السطر الأول (خرجتُ إلى العالم بخطو واثق) لتبين الإضمار المكاني المنشطر كما قلنا بل إن هذا السطر يخفي مسكوتاً عنه يسبقه، فالخروج يعطي معنى من مرحلة قبلية متمثلة ببقاء عريق في الوطن وقِدم سابق للحدث الطارئ _الخروج إلى المنفى _ ويؤكد السطر الثاني هذا بالفاعلية نفسها (بينما كان النجم يتأرجح في الكوة المطلّة عليّ من العدم) أي بتعزيز مراقبة قادمة من مجهول (متحرك متجه إلى المستقبل) لماضٍ ثابت منغلق في زمانه ومكانه _الوطن_ ثم ترد وقفة أزعم أن لها دوراً ترسيخياً فالوقفة صمت دالّ على تكريس الحال هنا، بعدها يتم إرسال مشهد ثبوتي حركي آخر:

أنتِ هناك في صدَفَة المنزل

وأنا هنا في كوخ الحطّاب الذي يجمع الذهب

من فوق القش

تدرّج زمني لحقه تدرج مكاني.. وهذا ما يتتالى ليقول أن المكتوب اللغوي أدى دوره في إنشاء معنى مهيمن. لكن هل للصورة المجاورة أن تحقق الدور نفسَه وبالطريقة نفسها ؟ علينا أن لا ننسى هنا أن لا أولوية للصورة على القصيدة ولا العكس، كما أن الصورة المنتخبة خاضعة لنظام أشاري آخر، وهذا ما يؤكد أن فضاءً من معانٍ محتملة وتأويلات قابلة للصورة المرافقة ينأى عن التحديد اللغوي، ذلك أن انتماء كل نظام إلى مرجعية ممتلئة بالدلالات يمنع من قسرها على التوحد في معنى حصري.. ولكن لماذا يكون المعنى حصرياً؟ ربما لأن تجاور الصورة مع القصيدة لابد من أن يكون دالاً على ما هو مشترك.

في الصورة أجساد مبوبة داخل أطر لوحات أو صناديق، أجساد حزينة مراكمَة، مكدّسة، خاملة، صامتة لتعطي شعوراً بأن لكل جسد أو أكثر من جسد محبسه، ثمة انتظار لما يحطم هذا المحبس لكن الفضاء الأسود أعلى الصورة وفي خلفيتها يعطي امتداداً خانقاً بوجود قدر عصيّ لا فكاك منه. هل قال النص ذلك؟ هل تحدد في معناه؟ أم إن لكليهما فخاخاً من احتمالات معانٍ أخرى ممكنة؟ هذا ما هو راجح بالتأكيد.

(من اكتمال المروءة) هي القصيدة الثانية [وأنا أنتخب بعض قصائد الكتاب لا كلها]، الاكتمال هو التمام والانتهاء،و الثبوت والانغلاق والتجرد عما سواه، والاكتمال هو ما لا يُدرك إذ ثمة تقصير دائم دونه (يتجلى ذلك بالموت مثلاً إذ هو اكتمال قسري لا أفق بعده، لذلك غالباً ما يتنازل الأحياء عما نالهم ممن ماتوا إذ اكتمل أفق هؤلاء دون إمكان لهم لاحق).

ولأن الاكتمال ليتحقق يفرض اشتراطاته، يحدث الشاعر نفسه فارضاً أبوةً مفقودة على بنوّةٍ مقصرة وبين الدورين تتسع الثنائية لمعنى حكيم وعميق ومزلزل بالمضي والقدوم، بالإدراك وبفساد ذلك الإدراك:

أنتَ مديةٌ تخترق حواسَّكَ

أنتَ فتنةٌ لنفسك

أيها الفاسد

ثمة ثنائيات متضمَّنة أخرى لكنها منتمية إلى الانقسام المعلن نفسه بتواطئه منذ العنوان حتى تفصيلات المتن الداخلية. وتختتم القصيدة بتأكيد سافر : (إنني يا بنيّ أبني فيك عمارة الأرض البعيدة الطينية) ها هي الأبوة المعلاة برمزها الماضوي المتجذر في الأرض البعيدة الطينية القديمة، وهو _ بنيّ _ المفتقر الذي لا يمكن سدّ اكتماله بحكم احتياج أصيل ومديد فيه.

هل عليّ الآن أن أستحصل نتيجة موازية من الصورة الفوتوغرافية المرافقة للقصيدة؟ هل تبدو هيأة شاكر في الصورة دالة على المعنى المستحصل من المتن الكلامي؟ يبدو ليأن شاكر في الصورة يراقب شاكر في المعنى الممكن تفسير الصورة به. المراقبة تحظى بأولوية من خلال المنطق الصارم الذي ترتبت فيه موجودات الصورة وطريقة الجلوس وأشياء المعرض وآنية الأوراق الخضر في العمق، وخطوط النوافذ والهلال المستلقي، كل هذه الموجودات قد خضعت للمنطق المسبق في انضباطها لإنتاج الاكتمال، وهذا ما يقبض على الرائي ليوجه تفسيره، إن انضباطها دال على اكتمال متمنى شأن اشتراطات الاكتمال في النص اللغوي، إنه انضباط موصى به من أبوية متبناة إلى قارئ ينتمي إلى بنوة مستمرة لا تخرج عن نقصانها واحتياجها الوصول إلى المعنى.

ثنائية من ضحك وبكاء هي التي تقدمها (قراطيس العائد) وفي العنوان هذه المزحة الناتجة عن المفارقة، لذا الشاعر يقهقه في قصيدته، هذه القهقهة.. هذا الضحك المبطن بمعكوساته المطردة في أسطر القصيدة. المعكوسات تملأ الكتاب كله لا القصيدة وحدها. والضحك هنا نوع من تأبين النفس، يستخدم الشاعر إشارة موجهة في تأريخ كتابة القصيدة ومكانها: (خارج العراق _ الشهر الخامس من سنة 2003 الميلادية) خارج العراق غير محدد ببلد ما، كأن الكون انقسم إلى داخل العراق وخارجه، كما أن التاريخ يحمل بمفارقة تحرير البلاد واحتلالها، العراق قاسم للمكان وللزمان، هو الفاصل البرزخ بين الموت والولادة، العدم والوجود، الضحك والبكاء.

أما الصورة فمقسومة هي الأخرى بخط عازل طويل تنتشر بينه أشباح الشخوص الموجودة لتكون دالة على المفارقة هي الأخرى خارج المواضعات المعتادة لانوجاد الأشخاص ولترتيب أماكنهم المنطقي.

ربما تتفق دلالات الصور والشعر إلا أن التلقي إذا ما تغيرت مناخاته ومساحات تلقيه وظروفه لا بد من أن يوسع هذا الاتفاق أو يقلل من نطاقه.

في (هفوات الخطوة الأولى) يكون للصورة دور موجه لتلقي النص الكلامي فشكل الفم الأنثوي المبتسم هو شكل ورقة متطايرة من شجرة أكاسيا، يترجم هذا المعنى النص:

الأكاسيا تفوح

تحت عريش السيدات اللواتي أقمن الموائد

ولكن الترجمة ككل ترجمة ليست أمينة بالطبع

في قصيدة (العمى.. ماذا أبقيت للباصرة؟ محاولة لتعمير ذاكرة بصرية) يعلن المقصد الشعري عن نفسه بوضوح هنا في هذه القصيدة أكثر من القصائد الأخرى إن لم يكن الكتاب كله متجه إلى هذه الغاية. ثمة تثبيت مهووس للأمكنة ورصد لأسمائها وأوصافها وأبعادها التاريخية والتراثية والجغرافية والإنسانية، ثمة تأسيس نثري بمعنى النثرية مضاف إلى التثبيت الشعري، ثمة سعي للإمساك بالبلاد بأعلامها،  بمحطاتها، بمقاهيها، بجسورها، بشوارعها، بأسواقها، بقواربها، بشرائعها.. إنها مطاردة للجذور، مطاردة مستعينة بالصور وبتمائم نفسية (مثل الانتخاء بكل ما هو معروف في العراق في مدنه ونصوص أعلامه وأسمائهم وطقوس عراقية أخرى)، وبالرغم من كل هذه العدة والعتاد للتحصن بالمكان يبدو الباث عاجزاً مهدداً بفقدان ذاكرته، بأن يغزو العمى باصرته، بأن يموت شأن ماضيه بالرغم من تحركه ورحيله والآفاق الممتدة أمامه. هذه القصيدة محمّلة برثاء مزمن وبالفقدان وهي ناعية كل ما في الوجود مادام العراق مجسداً بكلية تتماهى معها كل فردية وتنتهي فيها.

لي رأي نقدي هنا أن النثرية المتضمنة في القصيدة لها وظيفة شعرية والتناوب بين الشعري والنثري أصلاً هو نوع من الوسائل لتعزيز قدرات القصيدة على الانزياح عما يريده الدافع الدلالي. فالنثرية مستثمرة لصالح سياق القصيدة وهي غير مقتطعة عن سعيها الدلالي وانزياحها عما هو معتاد قوله في النص الشعري.. وفي هذا اجتهاد شعري وتوغل في القصد.

في النهاية تعد تجربة (جذور وأجنحة) مميزة دلالياً وشعرياً بتوسيعها نطاق القول ونطاق الصورة واشتراكهما معاً وإعطائهما كليهما الحيوية والنفاذ باتفاقية مختلفة أو باختلاف اتفاقي تشغلان الفكر والمخيلة معاً، وقد عمّقت ذلك هذه المعكوسات أو الثنائيات المتقابلة شكلياً ودلالياً.

 

 

الشـعـر فـي حـيـاتنـــا

جابر عصفور

الشعر معرفة وبحث عن المعنى في اللامعنى، وتفسير للعالم، وكشف عن أسراره التي تظل في حاجة إلى كشف، وتعرية لمثالبه، ورفض لكل شروط الضرورة، واحتجاج على كل ما يحول بين الإنسان وحريته.

والشاعرُ هو الكائن ذو الألف وجه... وهو الصعلوك الهامشي الذي يعيش على الحافة أو في الأطراف، مستعداً لأن ينفجر كالبركان، أو ينقض كالصاعقة. وهو صانع المتناقضات والمفارقات، كأنه الموازي البشري للحياة التي تتقلَّب ما بين الموت والميلاد، العقل والجنون، الصمت الهادئ والصخب العنيف... ظل البشرُ يميزون الشاعرَ عن غيره، فجعلوه البطل الملهم الذي يقودهم إلى النجاة، وظلَّتْ هذه الصورة قائمةً إلى أن تحطم الحضورُ الطاغي لوهم البطل المفرد - الملهم، فانتقل الشاعر من مصاف الأبطال... وأصبح كائناً بشرياً يخاطب غيرَه من البشر لا يتميز عنهم إلا بقدرته الخيالية التي تصل ما لا يتصل، وتقارب بين ما يتباعد، صانعة أبنية مبتكرة، وعلاقات مبتدعة ترينا النظامَ في الفوضى، والجمال في النظام. وتزايد تواضع الشاعر، أو فُرِض عليه التواضع، فاختفى وراء قناع القنفذ الذي تحسبه المرأة حجراً تحكُّ به رجليها، أو يحسبه الأطفال كرةً يلهون بها، لكنه يظل مرهف الحواس، ماكر العينين. يخرج من قارته القديمة، متوحداً في تجواله، مندهشاً لأن الأرضَ فيها كل هذه الفتنة. وقد يمكر الشاعر في التخفي والتحول فيتحول إلى دُويبةٍ صغيرةٍ، كأنها الخازباذ، ذبابة لاسعة كالسخرية، لاذعة كالسؤال، تُعيد ترتيبَ الجهات، في شوارعٍ سماؤُها عمياء، ومدائنٍ بيوتها خراب.

وأياً كانت الصورة التي يتجلى بها الشاعر، أو القناع الذي يختفي وراءه، في تحولاته اللانهائية، فإنه يظل حضوراً إبداعياً خلاَّقاً في حياتنا، وضرورة تكتمل بها هذه الحياة، ويتزايد ثراؤها وعمق معناها، وذلك من قبل أن يقول أبو تمام:

وَلولاَ خِلالٌ سنَّها الشِّعرُ مَا دَرَى

بناةُ العُلا من أينَ تُؤْتَى المكارمُ

أو يقول العقاد:

والشعرُ من نفسِ الرَّحمنِ مُقْتَبسٌ

وَالشَّاعرُ الفذُّ بينَ الناسِ رحمنُ

أو يصف علي محمود طه تفرد الشاعر الذي:

هَبَطَ الأرضَ كالشُّعَاعِ السَّنِيّ

بعِصَا ساحرٍ وقَلْبِ نَبيّ

ولكن هذا الحضوَر المتفرد والمنفرد للشاعر لم يلبث أن تغير مع عصرنا الذي تغير فيه كلُّ شيء، وتبخرت فيه المُسلَّمات المطلقة، وتشظَّت السرديات الكبرى، في موازاة العلاقات التي ازدادت تعقداً في عصر ما بعد الصناعة الذي انقلب إلى عصر المعلومات، فأصبح الشاعر مواطناً في جمهورية الإبداع التي لم تعد تعرفُ التمييز بين مواطنيها، خصوصاً بعد أن أحلَّت علاقات التكافؤ محلَّ علاقات التراتب، متخلِّية عن النزعة الأحادية التي لم تكن تعرف سوى الواحد المطلق في كل شيء، ابتداءً من الحاكم الأوحد، والفن الأوحد، وانتهاءً بالشاعر الأوحد الذي لا مبدع يتربع على القمة سواه.

وكانت النتيجةُ تأصلَ معنى التنوع الخلاّق في الفنون والآداب التي أصبحت تتبادل التأثُّر والتأثير. هكذا، تعودنا على تأثير الرسم في الشعر، والشعر في الرسم، حتى من قبل أن يوصف الشعر بأنه رسم ناطق، والرسم بأنه شعر صامت، وعرفنا التبادلَ الإيقاعي بين الموسيقى والشعر الذي لا يزال جاذباً للنغم في الأغاني التي كتب عنها أبو الفرج الأصفهاني كتابه الأشهر. ولا تخلو القصيدة - أيةَ قصيدة - من عنصر درامي، هو مصدر المفارقة فيها. وأصبحنا نألف الحديث عن معمار القصيدة الذي يوازي فن العمارة، ويتبادل معه الملامح والسمات البنائية. ويؤكد ذلك كله تراسل الآداب والفنون، وتداخل الأنواع الأدبية، فيما أُطلق عليه الكتابةُ عبر النوعية، أو الكتابةُ المجاوزة للحدود المغلقة للنوع الواحد، فانتبهنا إلى شعرية الرواية بعد وقت طويل جداً من معرفة شعرية المسرح، فضلاً عن القصة القصيرة التي تتكاثر المتشابهات بينها والقصيدة. وأخيراً، لحقت صفةُ الشعرية بالسينما، كما لحقت بالمسرح والرواية قبلها، مقترنةً برهافة حركة الكاميرا وزاوية الرؤية التي تتجاوب والموسيقى وألوان المشهد وأوضاعه.

هكذا، انتقل وضع الشعر من كونه فنَ العربية الأوحد، وديوانها الأكبر، وأصبح أحد فنونها التي تتفاعل مع غيرها في مواجهة التحديات المتزايدة، والمخاطر المتصاعدة التي يواجهها الكوكبُ الأرضيّ، في زمن العولمة الوحشي. وهو وضع يفرض على الفنون والآداب - بوجه عام - إعادة مساءلة حضورها في الوجود، ودورها في الحياة، ويفرض على الشعر - بوجه خاص - مساءلة حضوره المتحول، وإعادة طرح الأسئلة الحيوية عن جدواه في عالم أخذ يفقد التوازن، وتتزايد فيه قوى الهيمنة، واستغلال الأقوى للأضعف، وينتشر فيه التعصب والتطرف والإرهاب كالوباء، وتتقلص هوامش الديموقراطية في مداره العربي المغلق، حيث تختنق حرية التعبير والإبداع، ويذهب الشعراء إلى المحاكم بدعوى الحسبة، أو الخروج على الثابت المعلوم من أمر الدين والسياسة، وتصبح القصيدة متهمة لكونها خارجةً على الأعراف الجامدة لواقع يتزايد تخلفاً وتزمتاً.

هل يبقى الشعر على حاله في حياتنا العربية التي فقدت محورها وبوصلتها؟ وماذا يمكن أن يفعله الشاعر العربي في زمن يُكَفِّر الإبداع، ويغرس سكيناً صدئة في رقبة نجيب محفوظ الذي دعا إلى عقد هذا الملتقى قبل أن يرحل عنا؟ وكيف يكون للشعر حضور مؤثر في حياتنا التي تتزايد فيها الأمية بكل أنواعها، وينحدر التعليم في كل مجالاته؟ وماذا يصنع الشاعرُ العربي في عالم يزورّ عنه، ويجهل قيمته؟ هل يبدأ من جديد سفر النشأة والتكوين؟ أو يبحث عن العهد الآتي؟ أو يكتفي بدور الشاهد الضحية كأنه مسافر ليل، لا يملك سوى كلماته في مواجهة قمع أقوى منه؟.

وكيف يحلُّ هذا الشاعر إشكالات علاقته بجمهوره الذي لا يكف عن سرقته هموم متزايدة، هل يبقى على نهجه الذي ألفه في تشكيل القصيدة، أم يبحث عن خرائط إبداعية جديدة، وتقنيات مغايرة، كي يستعيد حضوره التاريخي، ويضيف إليه ما يقتحم به آفاقاً مختلفة، تخرجه من أزمته الحالية؟ وأخيراً، هل يتجاهل الشاعر العربي الأزمة التي يواجهها الشعر في العالم كله، أم يواجه هذه الأزمة بجسارة ورؤى أكثر جذرية وتجدداً؟.

وليس الشاعر، وحدَه، هو المطالب بالإجابة عن مثل هذه الأسئلة، فهي مطروحة على كل المبدعين العرب في هذا الزمان الذي لا يعرف فيه مقتول مَنْ قاتله ومتى قتله، ولكنها أسئلة لها أولويتها القصوى في حالة الشعر، وذلك بحكم ميراثه الذي نفخر به، وحاضره الذي لا يزال - على رغم انحداره إلى المغيب - يزهو بإبداعاته التي لا تزال تقاوم بالكلمات تحول الحلم إلى كابوس، ساعية إلى الانتصار على الموت الذي يتطاير كالرماد، كي تتنشقه الكائنات، فينسل في الشرايين والأفئدة.

ولذلك كله، أتصور أن أقوَم سبيل للاحتفاء بالشعر في حياتنا العربية المضطربة هو إعادة طرح الأسئلة الجذرية عن ماهيته وأهميته وعلاقته بنفسه ومبدعه وقارئه وناشره وعالمه على السواء. يؤكد ذلك أننا لا نزال نميز الشعر في ثقافتنا التي لا يزال أثيراً فيها، عزيزاً عليها، وذلك من قبل أن يعلن نجيب محفوظ عن زمن الرواية التي أطلق عليها «شعر الدنيا الحديثة». وهي تسمية لها معناها في ثقافة لا تزال توسعُ مكانةً خاصة في وجدانها، وتحن إليه حنين الفروع والأغصان إلى أصل الشجرة.

 

 

مأوى الجن

صالح جبار

بقيت أراقبه لفترة طويلة يخرج من المنزل بعد صلاة الفجر , لاأحد يعرف سر أعتياده الصمت ، بدا ينفرد

عن العائلة , التغيير الذي حصل كان مفاجئاً للجميع . أدركت انه يحمل داخله هما لا يبوح به يتحاشى نظراتي حين يراني أدقق النظر بوجهه لأرى الابتسامة الرقيقة ، التي عودني عليها , يندحر بضعف تلتهمه التداعيات ,يتكأ على الوجع ليخفي صوت مهدود .. اقتربت منه قائلاً :- هل حصل ما لا اعلم به ؟

ظل مطرقاً والابتسامة لا تفارق شفتيه ، سمعت صوته الضعيف يخرج من بين أسنانه ,أربدت سحنته المطوية بهزال , تراجع الى الوراء ليقول :- نعم

-اخبرني يا أبي .. استدار بوجهه ليواجهني ، لمحت في عينيه بريق مخيف وقال:

-هل تكتم السر ؟

-ما هو عهدك بي ؟

-لا .. ان الأمر مختلف هذه المرة..

-غادرنا يلفنا الصمت بدثار يفاجئنا بوخزات معطوبة , في الافق الشمس تميل نحو الغروب , الهواء يتنفس غموض الحقول المترامية، في الطرف البعيد للقرية يقع بيتنا وعلى مسافة ميلين منه الطريق العام يبدو بأسفلته الأسود يتلوى مثل أفعى باتجاه الشمال..

-ظل والدي محافظاً على صمته ونحن نقطع المبازل الملحية ، لم اسمع سوى صوت أقدامنا تدوس الأرض الرخوة والمنتفخة بهشاشة ، بسبب سباخ الا رض الجرداء.

حتى نصل الشارع العام كان علينا ، صعود هضبة صغيرة تنحدر بهدوء ، لتشكل كتفاً للمبزل الذي جفت مياهه , على بعد خطوات من نهاية الهضبة توقفنا ماتت ابتسامته الغامضة , وهو يقول :- هنا..

-أشار بإصبعه نحو قطعة ارض صغيرة ، نبتت فيها أجمة لعشب بري وأثل صحراوي..

-ماذا يوجد هنا يا والدي العزيز ؟

هل تذكر الساعات التي اخرج فيها بعد صلاة الفجر ؟

-نعم..

-كنت المح ضوء ينبعث من هذا المكان..

-فكرت لابد أن مكروها حصل له ، فقد عهدته رجلاً ريفياً طيبا لم يكن يفكر إلا بمساعدة الآخرين والذهاب إلى المسجد لأداء الصلوات , ترى ما الذي حصل ؟! ليفكر بمثل هذا الأمر تابع قائلاً:

-كان الضياء عالياً انه يصل إلى السماء لم أدرك ما يرمي أليه ، كان يحدثني باضطراب يوخز ألما يحتك في خثرة دمي , شعرت انه قد أصيب بلوثة عقلية .. استمر..

هنا بالضبط في هذا المربع الصغير تختلف جميع الأشياء .. انظر حولك ، السباخ في كل مكان إلا هنا نبتت هذه الأعشاب

أدركت انه يتكلم عن يقين رسخ داخله ، لابد انه رأى أشياء لاتبدو للآخرين بمثل هذه السهولة اشعر انه يتكلم عن حلم راوده ، لكني أكتشفت في نبرات صوته انه يتحدث عن حقيقة مجردة تحط في سماء روحه .. راح يخط على الأرض الجرداء بعصاه حول الأجمة الجاثمة وسط السباخ المنتشر في الأرجاء , الخطوط الواهية تنحفر في التراب الهش ، رحت أراقبه ينصهر في وساوسه يحاول طمر وجعه..

حينما رجعنا إلى الدار كان ما يزال صامتا ، و بدا انه يغور بتفكير عميق .. تتغيرت أحواله عاف الزاد ولم يعد يهتم بالزراعة. شاهدته يتشاجر مع أمي ، كان يطلب منها أخراج النقود التي ادخرها لأجل الزراعة في الموسم القادم.

تابعته عند الأصيل يمضي نحو البقعة التي بقي يتردد عليها وجدته يرسم مربعا على الأرض .. حينما فوجئ بي قال..

سأبني هنا مقام..

لمن يا والدي ؟

-للعلويات..

-أية علويات ؟

رمقني بنظرة شعرت معها انه يظنني أبله .. أستمر بعمله في الأيام التالية , منهمكا بالذهاب إلى المدينة ، احضر معه عاملان من عمال البناء وجرار زراعي امتلأت عربته بمواد البناء ، في الموقع المحدد شرع بالبناء . خلال عدة أيام اكتمل بناء غرفة يحيط بها السباخ من كل جانب سوى طريق الجرار نحو الشارع العام..

كثر اللغط في القرية الوادعة ، وراح الفلاحين يسألونه عن سبب بناءه الغرفة ، بقي يسرد لهم حكايته عن النور الساطع الذي رآه ، بدا إنهم يصدقون روايته فقد اشتهر بينهم بالورع والعبادة ولتغلغل الطهارة في أعماقهم ,المطوية بضمير مدفون تحت سلة العطش .. كان البعض يحمل بعض أمتعة بيته ليفرشها على ارضية المقام بقى أبي مقيما في مقره الذي بناه .. بدأت اسمع الحكايا الغريبة لنساء وعجائز مريضات شفين بعد زيارتهن لمرقد ( العلويات ) الأمور تجري بشكل عجيب ، تغير سلوك والدي ، فبعد ان أطال لحيته واعتمر كوفية خضراء .. ازداد صرامة و تغيرت لهجته ، كان المريدين يتوافدون نحو المقام المطلي بلون أخضر داكن ارتفعت الأعلام المختلفة الألوان على البناية الصغيرة .. ولطخات الحناء تبدو واضحة حول زوايا الغرفة التي انتصب داخلها قبر وهمي مغطى بخرقه خضراء , ملأت الجو رائحة البخور وماء الورد ، الاشياء تنبئ بقدسية جليلة تبعث على القشعريرة..

كان يعيش في ملكوت خاص لا يمكن النفاذ أليه .الفناء يعج بالقرويات اللواتي يجلبن نذورهن لأبي الذي اعد مكاناً يخبئ به النذور .. يجلسن قبالته ,يسردن له تفاصيل مشاكلهن مع أزواجهن و إهمالهن من أزواجهن الذين يتزوجون عليهن من امرأة ثانية..

احتجت التكلم معه لكنه لايكترث لوجودي ,كان مشغولاً بالنسوة المحيطات به يمازح الشابات برغبة تنبض بعري مكتوم يطرز انيناً مكبوتاً.

يخلو المرقد فترة الظهيرة من الزائرين . دخلت وجدته متمددا على قفاه بمواجهة الباب ظل يحدق بي حتى جلست بمواجهته أستدارعلى جنبه الايمن قائلا:

-غدا سآخذ بعض الرجال ، ونذهب لخطبة امرأة..

-لمن الخطبة..

-وبصوت واضح وصريح سمعته يقول :- لي لك يا أبي ..؟

-نعم لي .. هل تعترض على ذلك ؟ قال ذلك بحزم ثم اعتدل بجلسته وأردف .. هل لديك مشكلة في ذلك..

-لكن يا والدي .. وبدون أن أكمل عبارتي صرخ في وجهي وهو يشتمني :- اخرس يا ابن..

في الأيام التالية كان يفكر في بناء دار له بجوار المرقد.

 

 

لون حياتي المتعب

موسى حسين القريشي

اليك اليك فقط

في قاع اسراري العميق

تنبثق ينابيع نورك

فيبهرني بهاؤك الغامر

فاستل ريشة القلب

لارسم في خيالي

تقلبات وجهك

وما انت الا انخطاف شهاب

ولجة تضرب شاطئي باصطخاب

فمن اين لي ان ارسم نورك المتسع

وورودك التي تفتحت في الصباح

وقد احال الزمن لون حياتي قتام

وعفت الرياح اثار اقدامنا

فلم يبق منا

سوى الاسرار والذكريات

تنام بمخدع اوهامنا

وقد غشيت ظلال الاسى

روحي..

فلربما نلتقي..

هنا او هناك

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق