|
عيد الغدير في الإسلام
كتاب في حلقات
العلامة الشيخ الاميني
الحلقة السادسة
عيد الغدير عند العترة الطاهرة
إن هذه التهنئة المشفوعة بأمر من مصدر النبوة ، والمصافقة بالبيعة
المذكورة مع ابتهاج النبي بها بقوله : الحمد لله الذي فضلنا على جميع
العالمين ، على ما عرفته من نزول الآية الكريمة في هذا اليوم المشهود ،
الناصة بإكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب فيما وقع فيه
.
وقد عرف ذلك طارق بن شهاب الكتابي الذي حضر مجلس عمر بن الخطاب ، فقال
: لو نزلت فينا هذه الآية لاتخذنا يوم نزولها عيدا ، ولم ينكرها عليه
أحد من الحضور ، وصدر من عمر ما يشبه التقرير لكلامه ، وذلك بعد نزول
آية التبليغ ، وفيها ما يشبه التهديد إن تأخر عن تبليغ ذلك النص الجلي
، حذار بوادر الدهماء من الأمة.
كل هذه لا محالة قد أكسب هذا اليوم منعة وبذخا ورفعة وشموخا ، سر
موقعها صاحب الرسالة الخاتمة وأئمة الهدى ومن اقتص أثرهم من المؤمنين ،
وهذا هو الذي نعنيه من التعيد به
.
وقد نوه به رسول الله فيما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في القرن
الثالث ، عن محمد بن ظهير ، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن أخرجه
الأئمة الخمسة : مسلم ومالك والبخاري والترمذي والنسائي ، كما في تيسير
الوصول 1 : 122 ، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار 3 : 196 ، والطبري في
تفسيره 6 : 46 ، وابن كثير في تفسيره 2 : 13 عن أحمد والبخاري ، ورواه
جمع آخر المؤلف ( قدس سره) الإمام الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه قال :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي ،
وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره بنصب أخي علي بن أبي طالب علما
لأمتي يهتدون به من بعدي ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم
على أمتي فيه النعمة ، ورضي لهم الإسلام دينا.
كما يعرب عنه قوله ( صلى الله عليه وآله ) في حديث أخرجه الحافظ
الخركوشي كما مر ص 274 : هنئوني هنئوني.
واقتفى أثر النبي الأعظم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام
) نفسه ، فاتخذه عيدا ، وخطب فيه سنة اتفق فيها الجمعة والغدير ، ومن
خطبته قوله : إن الله عز وجل جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين
عظيمين كبيرين ، ولا
يقوم أحدهما إلا بصاحبه ، ليكمل عندكم جميل صنعه ، ويقفكم على طريق
رشده ، ويقفو بكم آثار المستضيئين بنور هدايته ، ويسلككم منهاج قصده ،
ويوفر عليكم هنئ رفده ، فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه لتطهير ما كان قبله
، وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله إلى مثله ، وذكرى للمؤمنين ،
وتبيان خشية المتقين ، ووهب من ثواب الأعمال فيه أضعاف ما وهب لأهل
طاعته في الأيام قبله ، وجعله لا يتم إلا بالائتمار لما أمر به ،
والانتهاء عما نهى عنه ، والبخوع بطاعته فيما حث عليه وندب إليه ، فلا
يقبل توحيده إلا بالاعتراف لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) بنبوته ، ولا
يقبل دينا إلا بولاية من أمر بولايته ، ولا تنتظم أسباب طاعته إلا
بالتمسك بعصمه وعصم أهل ولايته ، فأنزل على نبيه ( صلى الله عليه وآله
) في يوم الدوح ما بين به عن إرادته في خلصائه وذوي اجتبائه ، وأمره
بالبلاغ وترك الحفل بأهل الزيغ والنفاق ، وضمن له عصمته منهم
إلى أن قال : عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم
، وبالبر بإخوانكم ، والشكر لله عز وجل على ما منحكم ، وأجمعوا يجمع
الله شملكم ، وتباروا يصل الله ألفتكم ، وتهادوا نعمة الله كما منكم
بالثواب فيه على أضعاف الأعياد قبله أو بعده إلا في مثله ، والبر فيه
يثمر المال ويزيد في العمر ، والتعاطف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه ،
وهيئوا لإخوانكم وعيالكم عن فضله بالجهد من وجودكم ، وبما تناله القدرة
من استطاعتكم ، وأظهروا البشر فيما بينكم والسرور في ملاقاتكم . . .
الخطبة وعرفه أئمة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم فسموه عيدا ،
وأمروا بذلك عامة المسلمين ، ونشروا فضل اليوم ومثوبة من عمل البر فيه
: ففي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي في سورة المائدة ، عن جعفر بن محمد
الأزدي ، عن محمد بن الحسين الصائغ ، عن الحسن بن علي الصيرفي ، عن
محمد البزاز ، عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) .
قال : قلت : جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم الجمعة
ويوم عرفة ؟ قال : فقال لي : نعم أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله
منزلة هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأنزل على نبيه محمد : (
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
قال قلت : وأي يوم هو ؟ قال : فقال لي : إن أنبياء بني إسرائيل كانوا
إذا أراد
أحدهم أن يعقد الوصية
والإمامة من بعده ففعل ذلك جعلوا ذلك اليوم عيدا ، وإنه اليوم الذي
نصب فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا للناس علما
وأنزل فيه ما أنزل ، وكمل فيه الدين ، وتمت فيه النعمة على المؤمنين .
قال : قلت : وأي يوم هو في السنة ؟ قال: فقال لي : إن الأيام تتقدم
وتتأخر ، وربما كان يوم السبت والأحد والاثنين إلى آخر الأيام السبعة.
القول بالصرفة في الإعجاز ورأي السيد
المرتضى
محمد هادي معرفة
هناك قول في وجه الإعجاز، لعله يخالف رأي الجمهور، هو: أن الآية
والمعجزة في القرآن إنما هي لجهة صرف الناس عن معارضته، صرفهم الله
تعالى أن يأتوا بحديث مثله، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمقابلته. ولولا
ذلك لاستطاعوا الإتيان بسورة مثله. وهذا التثبيط في نفسه إعجاز خارق
للعادة، وآية دالة على صدق نبوته (ص) وهذا المذهب ـ فضلاً عن مخالفته
لآراء جمهور العلماء ـ فإنه خطير في نفسه، قد يوجب طعناً في الدين
والتشنيع بمعجزة سيد المرسلين (ص) أن لا آية في جوهر القرآن ولا معجزة
في ذاته، وإنما هو لأمر خارج هو الجبر وسلب الاختيار، وهو ينافي
الاختيار الذي هو غاية التشريع والتكليف. وغير ذلك من التوالي الفاسدة.
المعروف من مذهب الشريف المرتضى (المتوفي سنة 436) في الإعجاز هو القول
بالصرفة، نسبه إليه كل من كتب في هذا الشأن، قولاً واحداً. وكذا شيخه
أبو عبدالله المفيد (المتوفي سنة 413) في أحد قوليه. وتلميذه أبو جعفر
الطوسي (المتوفي سنة 460) في كتابه (تمهيد الأصول) الذي وضعه شرحاً على
القسم النظري من رسالة (جمل العلم والعمل) تصنيف المرتضى. لكنه رجع عنه
في كتابه (الاقتصاد بتحقيق مباني الاعتقاد) كتبه متأخراً، واعتذر عن
تأييده للسيد في شرح الجمل باحتشام رأي شيخه عند شرح كلامه.
قال: كنت نصرت في شرح الجمل (تمهيد الأصول) القول بالصرفة، على ما كان
يذهب إليه المرتضى (ره) حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه.
وأما تلميذه الآخر، أبو الصلاح تقي الدين الحلبي (المتوفي سنة 447) فقد
سار على منهج الأستاذ وارتضاه وجعله الأوجه من وجوه إعجاز القرآن.
واستدل بما يكون تلخيصاً لدلائل السيد، ولم يزد عليه.
ويبدو من كلام السيد ـ فيما نقل عنه الشيخ في التمهيد ـ أنه أرد المعنى
الوسط من التفاسير المتقدمة عن صاحب الطراز. وهو: أن العرب سلبوا
العلوم التي يحتاج إليها في معارضة مثل القرآن، فخامةً وضخامةً، في
وجازة اللفظة وظرافته، في سمو معناه ورفعته ... من أين كانت العرب تأتي
بمثل معانيه، حتى ولو فرض قدرتها على صياغة مثل لفظه ولو يسيراً؟!
ومعنى السلب: عدم المنح، على ما سبق في تفسير الآية الكريمة: (ثم
انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) التوبة/ 127، وكذا قوله
تعالى: (ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض) الأعراف/ 146، أي أنهم
لفرط جهلهم وصمودهم في رفض الحق، حرموا من فيضه تعالى فلم يحظوا ببركات
رحمته: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) الصف/ 5، وذلك هو الخذلان
والحرمان المقيت.
قال الطبرسي: سلب قدرتهم على التكذيب، بمعنى توفير الدلائل والبراهين
القاطعة بحيث لا تدع مجالاً للشك فضلاً عن الرد وإمكان التكذيب، (ذلك
الكتاب لا ريب فيه) البقرة/ 2.
فقد توفرت المعاني الضخمة، وازدحمت المعارف الجليلة، بين أحضان القرآن
الكريم، بما بهر العقول وطار بالألباب ... الأمر الذي سلب قدرة
المعارضة عن أي معارض متى رامها، ولم يدع مجالاً للتفكير في مقابلته
لأي صنديد عنيد، ما دام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كل مستكبر
جبار عارض طريقه إلى الإمام!!
فلعل الشريف المرتضى أراد هذا المعنى، وأن اللفظ مهما جلّ نظمه وعزّ
سبكه، فإنه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه، والتحدي إنما وقع
بهذا الأهم الأشمل، قال: ((فإن قال: الصرف عماذا وقع؟ قلنا: عن أن
يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه، بأن سلب كل
من رام المعارضة، العلوم التي تتأتى بها من ذلك. فإن العلوم التي بها
يتمكن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة
...)).
تأمل هذه العبارة وأمعن النظر فيها، تجدها صريحة ـ تقريباً ـ في إرادة
القدرة العلمية، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده، ومن يؤتى
الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً. فهؤلاء حرموها مغبة لجاجهم وعنادهم مع
الحق.
وهكذا فهم الأستاذ الرافعي تفسير مذهب السيد في الصرفة، قال: وقال
المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أن اله سلبهم العلوم ... التي يحتاج
إليها في المعارضة ليجيؤوا بمثل القرآن ... فكأنه يقول: أنهم بلغاء
يقدرون على مثل النظم والأسلوب، ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته
ألفاظ القرآن من المعاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم.
ومن قبل قال التفتازاني: أو بسلب العلوم التي لابد منها في الإتيان
بمثل القرآن، بمعنى أنها لم تكن حاصلة لهم .. أو بمعنى أنها كانت حاصلة
فأزالها الله. قال: وهذا (سلب العلوم) هو المختار عند المرتضى
...
قلت: ظاهر قول المرتضى هو الشق الأول من المعنيين: (أنها لم تكن حاصلة
لهم).
وللأستاذ توفيق الفكيكي البغدادي محاولة مشكورة بشأن الدفاع عن موقف
السيد في مذهب الصرفة. إذ استبعد أن يأخذ مثل الشريف المرتضى وهو علم
الهدى موضعاً يبتعد عن موضع الشيعة الإمامية وإجماع محققيهم وهو رأسهم
وسيدهم، وكذا شيخه أبو عبدالله المفيد الذي هو أستاذ الكل ومفخر
المتكلمين.
قال: إن أقوال أئمة الإمامية المعتمدة المعتبرة، لا تختلف عن كلام أهل
التحقيق من أساطين العلم وزعماء البيان في حقيقة الإعجاز، حتى لقد
اشتهر قولهم: ((القول بالصدفة كالقول بالصرفة)) في الامتناع. كما نبّه
عليه العلامة الحجة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء. قال: فنسبة
القول بالصرفة ـ بمعناها الباطل ـ إلى العلامة الجليل (المفيد) وإلى
تلميذه (الشريف المرتضى) لا يحتملها النظر الصحيح بعد كون هذا الاحتمال
مخالفاً لعقيدة الشيعة الإمامية ولأصول مبانيها.
قال: والذي نحتمله بل ونعتقده أن الشيخ المفيد معروف بقوة الجدل
والتمرس بفنون المناظرة، وكان كسقراط يلقي على تلاميذه مسائل دقيقة
ويناقشهم فيها لاختبار عقولهم، ولا سيما شبهات المعتزلة كآراء النظّام
وأصحابه القائلين بالصرفة، وهي إحدى المسائل التي ناظر بها أقطاب
المعتزلة، فلعله وقع في نفوس البعض أنه يقول بها، وهو اشتباه لا يستند
إلى تحقيق.
وهكذا احتمل بشأن الشريف المرتضى ـ العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني
ـ أنه كان معروفاً بقوة الجدل والتحول في حوار المناظرين إلى هنا
وهناك، فلم يعلم كونها عقيدة له ونظرية ثابتاً عليها
...
وبعد ... فالإيفاء بأمانة البحث يستدعي نقل كلام المرتضى بكامله، حسبما
وصل إلينا عن طريق تلميذه الأكبر الطوسي وغيره من الأقطاب:
قال السيد ـ في كتابه (الجمل) في باب ما يجب اعتقاده في النبوة ـ :
((وقد دلّ الله تعالى على صدق رسوله محمد (ص) بالقرآن، لأن ظهوره معلوم
ضرورة، وتحديه العرب والعجم معلوم أيضاً ضرورة، وارتفاع معارضته أيضاً
بقريب من الضرورة، فإن ذلك التعذر معلوم بأدنى نظر، لأنه لولا التعذر
لعورض، فأما أن يكون القرآن من فعله تعالى على سبيل التصديق له، فيكون
هو العَلَم الدال على النبوة، وقد بينا في كتاب (الصرف) الصحيح من ذلك
وبسطناه)).
وقد أوضح السيد جانباً من مذهبه، في أجوبة المسائل الرسيّة، عندما تعرض
لسؤال القائل: أنكم تقولون أن وجه الإعجاز هو الصرفة، والعلم به مفتقر
إلى معرفة مراتب الفصاحة لكي يعرف الناظر عدم الفرق البائن بين المعجز
والممكن ... الأمر الذي يقتضي توقف إثبات النبوة على معرفة العربية
المتعذرة على عامة المكلفين، فيلزم على ذلك إبطال النبوة، لا سمح الله
..
فأجاب بأن هذه الشبهة إنما خطرت ببال مَن تصفح كتبي وقرأ كلامي في نصرة
القول بالصرفة، واعتمادي في نصرتها على أن أحداً لا يفرق بين مواضع من
القرآن وبين أفصح كلام للعرب في الفصاحة ... فإن كان يفرق ما بين أفصح
كلامهم وأدونه، فمحال أن يفرق بين المتقاربين...
حقوق الإنسان.. في شريعة حمورابي
هادي الربيعي
يعتبر إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 الصادر بموجب قرار
الأمم المتحدة تحت رقم 217 الف (د-3) في كانون الأول تتويجاً لجهود
الإنسان عبر العصور وهو يسعى من أجل الحصول على حقوقه في الحرية والعدل
والمساواة بما يليق بإنسانيته وكرامته وحقه في حياة حرة كريمة على أرض
الله الواسعة. وقد أوضح هذا الإعلان في مقدمته ضرورة الإعتراف بكرامة
البشر المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية، وأكد أيضاً على الحقوق
المتساوية لجميع البشر في الحرية والعدل والمساواة والسلام بغض النظر
عن الجنس والمعتقد والإعتبارات الأخرى.
ويحاول هذا البحث المتواضع أن يؤكد على ان حقوق الإنسان التي نالت
اهتمام عدد كبير من الباحثين والفلاسفة الأوربيين لها امتدادات وجذور
أصيلة في الفكر العراقي القديم عبر العصور المتلاحقة. وفي الوقت الذي
يشير فيه هذا البحث الى محطات مهمة اهتمت بحقوق الإنسان عبر تعاقب
العصور، فانه يركز على شريعة حمورابي باعتبارها من أقدم الشرائع التي
تناولت حقوق الإنسان ووضعت التشريعات اللازمة لها ضمن تلك المرحلة
الزمنية، وهدف هذا البحث هو الإشارة الى جهود جبارة على طريق تحقيق
حياة لائقة بالبشر على الأرض في الفكر العراقي القديم وهي جهود سبقت
جهود الباحثين الأوربيين بفترات زمنية طويلة.
أول سابقة قضائية في التاريخ:
يؤكد كريمر في كتابه (هنا بدأ التاريخ) ان أول سابقة قضائية في تاريخ
البشر وردت مسجلة في إحدى الوثائق السومرية تعود الى أواخر الألف
الثاني قبل الميلاد وتتحدث هذه الوثيقة عن ثلاثة رجال اشتركوا في جريمة
قتل ولسبب مجهول أخبروا زوجة القتيل بجريمتهم وكانت يد القانون قوية،
فتمّ إلقاء القبض على المجرمين وتمّ عرض قضيتهم أمام الملك أور-
نينورتا في العاصمة وقام الملك بدوره، فحوّل القضية إلى جمعية الشعب في
مدينة نُفَّر وموقعها الآن قريب من مدينة عفك، لكي تنظر الجمعية في هذه
الجريمة وتتخذ القرارات المناسبة لمعاقبة المجرمين، وتشير الوثيقة الى
أن سبعة رجال من الجمعية قاموا بمهمة الإدعاء العام وأعلنوا ان طائلة
العقاب يجب أن لا تطال المجرمين الثلاثة فقط وإنما تشمل زوجة القتيل
التي تسترت على الجريمة، وقد انبرى من هذه الجمعية رجلان قاما بمهمة
الدفاع عن الزوجة وأثبتا ان الزوجة بريئة من الجريمة وبالفعل صدر قرار
الحكم بإدانة المجرمين الثلاثة وتبرئة ساحة الزوجة.
هذه الواقعة تؤكد بما لا يقبل الجدل ان تطبيق العدالة التي تعتبر واحدة
من أهم حقوق الإنسان الأساسية قد تمّ تطبيقها بالفعل وبشكل متطور يكاد
يقترب مما يحصل في هذا العصر، حيث ان تقاليد هذه المحاكمة لا تكاد
تختلف عن تقاليد المحاكمات التي تحدث الآن رغم انها حدثت في زمن موغل
في القدم وهذه الواقعة نموذج واحد من نماذج تأريخية عديدة.
يؤكد الدكتور يوسف حبي في كتابه (الإنسان في أدب وادي الرافدين) ان
الشرائع العراقية القديمة تسبق أقدم ما هو معروف من شرائع وقوانين في
سائر المجتمعات والحضارات الأخرى بعشرات القرون، فلم تصلنا شريعة
متكاملة من وادي الرافدين تسبق القرن الخامس قبل الميلاد. أما القانون
اليوناني، فلا يتعدى تدوينه القرن السادس قبل الميلاد ويعود القانون
الروماني بتاريخه أيضاً ليقف عند حدود القرن الخامس قبل الميلاد،
وتعتبر إصلاحات أور كاجينا، التي تعود الى عام 2355 قبل الميلاد، من
أهم وأقدم الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية المعروفة في تاريخ البشر.
تعتبر وثيقة إصلاحات أور كاجينا من أهم الوثائق في التاريخ لأنها نادت
ولأول مرة بأهمية حقوق الإنسان وتأكيدها على حريته ورفضها لكل ما يضطهد
هذه الحرية كما ان مفردة (الحرية) التي هي أمل شعوب العالم أجمع، وردت
لأول مرة في التاريخ في هذه الوثيقة.
شرائع سبقت شريعة حمورابي:
سبقت شريعة حمورابي، التي تعتبر من أهم وأقدم الشرائع في التاريخ،
شرائع أخرى بالغة الأهمية فهي الممهدات الأولى التي ساعدت وسارعت
بالوصول الى شريعة بالغة الأهمية في التاريخ ونعني بها شريعة حمورابي،
وحقيقة الأمر ان حمورابي بذكائه وفطنته استفاد من جميع الشرائع التي
سبقته، فأخذ أهم ما فيها من تشريعات اضافة الى تشريعاته.
وأهم الشرائع التي سبقت شريعة حمورابي هي:
1- وثيقة إصلاحات أور كاجينا التي
أشرنا اليها وقد تمّ العثور على جميع نسخ هذه الوثيقة في تنقيبات
البعثات الفرنسية في مدينة (لكش) عام 1878 وترجمها لأول مرة العلامة
الفرنسي فرانسوا تورو دانجان ويشير الباحثون الى أن الملك السومري أور
كاجينا ترك كتابات مهمة وسن قوانين وفرت للشعب السومري الحرية والعدالة
الإجتماعية إلا ان هذه الكتابات لم تصل الينا، وقد يعثر المنقبون في
المستقبل على هذه الكتابات التي يمكن أن تضاف الى وثيقة الإصلاح
المعروفة لدينا.
2- شريعة أور نمو: تعتبر هذه الشريعة
من أقدم الشرائع المعروفة وأورنمو مؤسس سلالة أور الثالثة (2111-2003)
قبل الميلاد، ويعتقد الباحثون ان هناك شرائع أخرى سبقت شريعة أور نمو
قد يكشف المستقبل عنها بجهود الباحثين في هذا الميدان وقد احتوت شريعة
أور نمو على 31 مادة قانونية، كما ضمت هذه الشريعة ما يشبه أصول
القوانين الحديثة عن مبررات إصدار هذا التشريع).
3- شريعة لبت عشتار: تتألف شريعة لبت
عشتار من أربع كسر ٍٍ تمّ العثور عليها من قبل باحثين من جامعة
بنسلفانيا حيث عثروا على هذه الكسر في السنوات الأولى من بداية القرن
العشرين وقام بدراستها وترجمتها الباحث الأمريكي فرنسيس ستيل ونشرها
لأول مرة عام 1947، وبعد سنتين نشر فرنسيس اضافة لهذه الشريعة وجدها في
كسرة أثناء التنقيبات تعرف عليها كريمر وفيها تكملة لبعض القوانين في
هذه الشريعة.
ولبت عشتار هو خامس ملوك سلالة آيسن (2012 – 1794) قبل الميلاد ويعتقد
الباحثون ان قانون لبت عشتار كان مدوناً على مسلة كبيرة كانت مقامة في
مكان يتجمّع فيه أكبر عدد من الناس وهذه الحقيقة يمكن استنتاجها من
مقدمة القانون وخاتمته.
4- قانون اشنونا: تمّ العثور على
ألواح من قانون اشنونا من خلال التنقيبات التي قامت بها المؤسسة العامة
للآثار في العراق في موقع تل حرمل الواقع في بغداد وذلك سنة 1945. وفي
نفس العام أعلن الباحث العراقي المعروف طه باقر عن اكتشاف لوحين خلال
التنقيبات المذكورة مُدوّنين بشريعة كانت تعرف بقوانين أشنونا وتاريخ
هذه القوانين غير معروف على وجه الدقة والتحديد إلا انه وكما يؤكد
الباحثون يسبق شريعة حمورابي بنصف قرن أو أكثر. |