|
عيد الغدير في الإسلام
كتاب في حلقات
العلامة الشيخ الاميني
الحلقة السابعة
قال : قلت : فما ينبغي لنا أن نعمل في ذلك اليوم ؟ قال : هو يوم عبادة
وصلاة وشكر لله وحمد له وسرور لما من الله به عليكم من ولايتنا ، فإني
أحب لكم أن تصوموه و الكافي لثقة الإسلام الكليني 1 : 303 عن علي بن
إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن بن راشد ، عن
أبي عبد الله ( عليه السلام ) . قال : قلت : جعلت فداك للمسلمين عيد
غير العيدين ؟ قال : نعم يا حسن ، أعظمهما وأشرفهما . قلت : وأي يوم هو
؟ قال : يوم نصب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) علما للناس.
قلت : جعلت فداك ، وما ينبغي لنا أن نصنع فيه ؟ قال : تصوم يا حسن ،
وتكثر الصلاة على محمد وآله ، وتبرأ إلى الله ممن ظلمهم ، فإن الأنبياء
صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء اليوم الذي كان يقام فيه الوصي
أن يتخذ عيدا . قال : قلت : فما لمن صامه ؟ قال صيام ستين شهرا وفي
الكافي أيضا 1 : 204 عن سهل بن زياد ، عن عبد الرحمن ابن سالم ، عن
أبيه قال : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) هل للمسلمين عيد غير يوم
الجمعة والأضحى والفطر ؟ قال : نعم أعظمها حرمة . قلت : وأي عيد هو
جعلت فداك ؟ قال : اليوم الذي نصب فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) أمير المؤمنين وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه . قلت : وأي يوم هو ؟
قال : وما تصنع باليوم ، إن السنة تدور ، ولكنه يوم ثمانية عشر من ذي
الحجة . فقلت : ما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم ؟ قال : تذكرون الله
عز ذكره فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد ، فإن رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) أوصى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يتخذوا
ذلك اليوم عيدا ، وكذلك كانت الأنبياء تفعل ، كانوا يوصون أوصياءهم
بذلك فيتخذونه عيدا وبإسناده عن الحسين بن الحسن الحسيني ، عن محمد بن
موسى الهمداني ، عن علي بن حسان الواسطي ، عن علي بن الحسين العبدي قال
: سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : صيام يوم غدير خم يعدل عند
الله في كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات ، وهو عيد الله
الأكبر . . . الحديث وفي الخصال لشيخنا الصدوق ، بإسناده عن المفضل بن
عمر قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : كم للمسلمين من عيد ؟
فقال : أربعة أعياد . قال : قلت : قد عرفت العيدين والجمعة . فقال لي :
أعظمها وأشرفها يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو اليوم الذي أقام فيه
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ونصبه
للناس علما . قال : قلت : ما يجب علينا في ذلك اليوم ؟ قال : يجب عليكم
صيامه شكرا لله وحمدا له ، مع أنه أهل أن يشكر كل ساعة ، كذلك أمرت
الأنبياء أوصياءها أن يصوموا اليوم الذي يقام فيه الوصي ويتخذونه عيدا
. . . الحديث وفي المصباح لشيخ الطائفة الطوسي : 513 عن داود الرقي ،
عن أبي هارون عمار بن حريز العبدي قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه
السلام ) في اليوم الثامن عشر من ذي
الحجة فوجدته صائما ، فقال لي : هذا يوم عظيم ،
عظم الله حرمته على المؤمنين ، وأكمل لهم فيه الدين ، وتمم عليهم
النعمة ، وجدد لهم ما أخذ عليهم من العهد والميثاق . فقيل له : ما ثواب
صوم هذا اليوم ؟ قال : إنه يوم عيد وفرح وسرور ، ويوم صوم شكرا لله ،
وإن صومه يعدل ستين شهرا من أشهر الحرم . . . الحديث وروى عبد الله بن
جعفر الحميري ، عن هارون بن مسلم ، عن أبي الحسن الليثي ، عن أبي عبد
الله ( عليه السلام ) : أنه قال لمن حضره من مواليه وشيعته : أتعرفون
يوما شيد الله به الإسلام ، وأظهر به منار الدين، وجعله عيدا لنا
ولموالينا وشيعتنا ؟ فقالوا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، أيوم
الفطر هو يا سيدنا ؟ قال : لا . قالوا : أفيوم الأضحى هو ؟ قال : لا ،
وهذان يومان جليلان شريفان ، ويوم منار الدين
أشرف منهما ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وأن رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) لما انصرف من حجة الوداع وصار بغدير خم . . . الحديث.
وفي حديث الحميري بعد ذكر صلاة الشكر يوم الغدير وتقول في سجودك :
اللهم إنا نفرج وجوهنا في يوم عيدنا الذي شرفتنا فيه بولاية مولانا
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلى الله عليه وقال الفياض بن محمد بن
عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومائتين وقد بلغ التسعين : إنه شهد أبا
الحسن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في يوم الغدير وبحضرته جماعة
من خاصته قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدم إلى منازلهم الطعام والبر
والصلات والكسوة حتى الخواتيم والنعال ، وقد غير من أحوالهم وأحوال
حاشيته وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه ،
وهو يذكر فضل اليوم وفي مختصر بصائر الدرجات ، بالإسناد عن محمد بن
العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن جريح البغدادي ، قالا في حديث :
قصدنا جميعا أحمد بن إسحاق القمي صاحب الإمام أبي محمد العسكري المتوفى
260 بمدينة قم ، وقرعنا عليه الباب ، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية
، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغول بعيده فإنه يوم عيد ، فقلنا : سبحان
الله أعياد الشيعة أربعة : الأضحى والفطر والغدير والجمعة . . .
الحديث.
أهم أغراض القصة في القرآن
سيد قطب
1- كان من أغراض القصة إثبات الوحي
والرسالة. فمحمد _ صلى الله عليه وسلم _ لم يكن كاتباً ولا قارئاً، ولا
عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود والنصارى؛ ثم جاءت هذه القصص في
القرآن _ وبعضها جاء في دقة وإسهاب كقصص إبراهيم ويوسف وموسى وعيسى.
فورودها في القرآن اتخذ دليلاً على وحي يوحى... والقرآن ينص على هذا
الغرض نصَّاً في مقدمات القصص أو في أعقابها.
جاءت في أول سورة "يوسف": "إنا أنزلناه قرآنا عربيَّاً لعلكم تعقلون.
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنتَ من قبله
لمن الغافلين”.
وجاء في سورة القصص" قبل عرض قصة موسى: "نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون
بالحق لقوم يؤمنون". وبعد انتهائها "وما كنتَ بجانب الغرْبيّ إذ قضينا
إلى موسى الأمرَ، وما كنتَ من الشاهدين، ولكنا أنشأنا قروناً فتطاوَلَ
عليهمُ العمرُ، وما كنت ثاوياً في أهل مَدْيَنَ تتلو عليهم آياتنا،
ولكنا كنا مرسلين. وما كنت بجانب الطور إذ نادينا, ولكنْ رحمةً من ربك،
لتنذرَ قوماً ما أتاهم من نذير منْ قبلكَ لعلهم يتذكرون”.
وجاء في سورة "آل عمران" في مبدأ عرضه لقصة مريم: "ذلك من أنباء الغيب
نوحيه إليك، وما كنتَ لديْهم إذ يُلقون أقلامَهم أيهم يكفلُ مريم، وما
كنت لديهم إذ يختصمون”.
وجاء في سورة "ص" قبل عرض قصة آدم: "قل هو نَبأ عظيمُ. أنتم عنه
معرضون. ما كان ليَ منْ علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون. إنْ يُوحى إليَّ
إلا إنَّما أنا نذير مبين. إذ قال ربك للملائكة: إذ خالقٌ بَشراً من
طين...”.
وجاء في سورة "هود" بعد قصة نوح: "تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك،ما
كنتَ تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا”.
2- وكان من أغراض القصة: بيان أن
الدين كله من عند الله، من عهد نوح إلى عهد محمد. وأن المؤمنين كلهم
أمة واحدة، والله الواحد رب الجميع، وكثيراً ما وردت قصص عدد من
الأنبياء مجتمعة في صورة واحدة، معروضة بطريقة خاصة، لتؤيد هذه
الحقيقة. ولما كان هذا غرضاً أساسياً في الدعوة، وفي بناء التصور
الإسلامي فقد تكرر مجيء هذه القصص، على هذا النحو، مع اختلاف في
التعبير، لتثبيت هذه الحقيقة وتوكيدها في النفوس.
نضرب لذلك مثلاً ما جاء في سورة "الأنبياء”:
”ولقد
آتينا موسى وهارونَ الفُرقان وضياء وذكراً للمتقين، الذين يخشوْن ربهم
بالغيب، وهم من الساعةُ مشفقون. وهذا ذكرٌ مبارَك أنزلناه أفأنتم له
منكرون؟
”ولقد
آتينا إبراهيمَ رُشْدَه من قبلُ، وكنا به عالمين. إذ قال لأبيه وقومه:
ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفون؟ قالوا: وجدْنا آباءنا لها
عابدين" إلى قوله: "وأرادوا به كيْداً فجعلناهم الأخسرين، وَنجيَّناه
ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. ووهبنا له إسحاق ويعقوبَ
نافلةً وكلاً جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمةً يَهدوُن بأمرنا، وأوحينا
إليهم فعلَ الخيرات، وإقامَ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا عابدين.
3- وكان من أغراض القصة بيان أن الدين
كله موحد الأساس _ فضلاً على أنه كله من عند إله واحد _ وتبعاً لهذا
كانت ترد قصصَ كثير من الأنبياء مجتمعة كذلك. مكررة فيها العقيدة
الأساسية، وهي الأيمان بالله الواحد على نحو ما جاء في سورة "الأعراف”:
”لقد
أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا اللهَ ما لَكم من إله
غيره... إلخ”.
”وإلى
عاد أخاهم هوداً" يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره... إلخ”
فهذا التوحيد لأساس العقيدة، يشترك فيه جميع الأنبياء في جميع الأديان،
وترد قصصهم مجتمعة في هذا السياق. لتأكيد ذلك الغرض الخاص.
4- وكان من أغراض القصة بيان أن وسائل
الأنبياء في الدعوة موحدة؛ وأن استقبال قومهم لهم متشابه _ فضلاً على
أن الدين من عند إله واحد، وأنه قائم على أساس واحد _ وتبعاً لهذا كانت
ترد قصص كثير من الأنبياء مجتمعة أيضاً، مكررة فيها طريقة الدعوة. على
نحو ما جاء في سورة "هود”.
”ولقد
أرسلنا نوحاً إلى قومه: إني لكم نذير مبين. ألا تعبدوا إلا الله. إني
أخاف عليكم عذابَ يوم أليم. فقال الملأ الذين كفروا من قومه، ما نَراك
إلا بَشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذُلنا باديَ الرأي،
وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين"... إلى أن يقول: "ويا قوم
لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله، وإلى أن يقولوا له: " يا
نوحُ قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، فائتنا بما تعدُنا إن كنت من
الصادقين"... إلخ.
”وإلى
ثمودَ أخاهم صالحاً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو
أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا إليه. إن ربيً
قريبٌ مجيب. قالوا: يا صالحُ، قد كنتَ فينا مَرْجُواً قبل هذا. أتنهانا
أن نعبد ما يعبد آباؤنا، وإننا لفي شكّ مما تدعونا إليه مريب"... إلخ.
5- وكان من أغراض القصة بيان الأصل
المشترك بين دين محمد ودين إبراهيم بصفة خاصة، ثم أديان بني إسرائيل
بصفة عامة؛ وإبراز أن هذا الاتصال أشد من الاتصال العام بين جميع
الأديان. فتكررت الإشارة إلى هذا في قصص إبراهيم وموسى وعيسى:
”إن
هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى". "أم لم يُنبأ بما في صحف
موسى وإبراهيم الذي وفي. ألا تَزرُ وازرةٌ وزْرَ أخرى". "إن أوْلى
الناس بابراهيمَ للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا". "ملةَ أبيكم
إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل". "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم
مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين..." إلى أن يقول:
"وأنزلنا إليك الكتابَ بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومُهيمناً
عليه”.
6- وكان من أغراض القصة بيان أن الله
ينصر أنبياءه في النهاية ويهلك المكذبين، وذلك تثبيتاً لمحمد، وتأثيراً
في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان : "وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما
نثبت به فؤادَك. وجاءك في هذه الحق وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين". وتبعاً
لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء مجتمعة، مختومة بمصارع من كذبوهم.
ويتكرر بهذا عرض القصص كما جاء في سورة "العنكبوت”:
”ولقد
أرسلنا نوحاً إلى قومه فَلبثَ فيهم ألفَ سنة _ إلا خمسين عاماً _
فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فأنجيناه وأصحابَ السفينة، وجعلناها آية
للعالمين”.
وإبراهيمَ إذ قال لقومه: اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم
تعلمون..." إلى أن يقول: "فما كان جوابَ قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو
حرّقوه. فأنجاه الله من النار. إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"... إلخ.
”فكلاً
أخذْنا بذنبه. فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحةُ،
ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ليظلمهم، ولكن
كانوا أنفسهم يَظلمون". وتلك هي النهاية الواحدة للمكذبين.
7- وكان من أغراض القصة تصديق التبشير
والتحذير، وعرض نموذج واقع من هذا التصديق، كالذي جاء في سورة "الحجر”:
”نَبئ
عبادي أني أنا الغفورُ الرحيمُ، وأن عذابي هو العذاب الأليم..."
فتصديقاً لهذا وذلك، جاءت القصص على النحو التالي:
”ونبَئهم
عن ضيف إبراهيم، إذ دخلوا عليه، فقالوا: سلاماً. قال: إنَّا منكن
وجلون. قالوا: لا توْجَلْ. إنا نبشرك بغلام عليم"... إلخ. وفي هذه
القصة تبدو "الرحمة”.
ثم: "فلما جاء ألَ لوط المرسلون. قال إنكم قومٌ منكرون. قالوا: بل
جئناك بما كانوا فيه يَمترون، وأتيناك بالحق وإنا لَصادقون. فأسرِ
بأهلك بقطع من الليل، واتبّعْ أدبارهم، ولا يلتفتْ منكم أحدٌ، وامضوا
حيث تُؤمرون. وقضينا إليه ذلك الأمرَ: أن دابرَ هؤلاء مقطوعٌ
مٌصبْحين..." وفي هذه القصة تبدو "الرحمة" في جانب لوط، ويبدو "العذاب
الأليم" في جانب قومه المهلكين.
8- وكان من أغراض القصة بيان نعمة
الله على أنبيائه وأصفيائه، كقصص سليمان وداود وأيوب وإبراهيم ومريم
وعيسى وزكريا ويونس وموسى، فكانت ترد حلقات من قصص هؤلاء الأنبياء تبرز
فيها النعمة في مواقف شتى، ويكون إبرازها هو الغرض الأول، وما سواه
يأتي في هذا الموضع عرضاً.
9- وكان من أغراض القصة، تنبيه أبناء
أدم إلى غواية الشيطان، وإبراز العداوة الخالدة بينه وبينهم منذ أبيهم
آدم، وإبراز هذه العداوة عن طريق القصة أروع وأقوى، وأدعى إلى الحذر
الشديد من كل هاجسة في النفس تدعو إلى الشر، وإسنادها إلى هذا العدو
الذي لا يريد بالناس الخير!
ولما كان هذا موضوعاً خالداً، فقد تكررت قصة آدم في مواضع شتى.
10- وكان للقصة أغراض أخرى متفرقة:
منها:
بيان قدرة الله على الخوارق: كقصة خلق آدم، وقصة مولد عيسى. وقصة
إبراهيم والطير الذي آبَ إليه بعد أن جعل على كل جبل منه جزءاً. وقصة
"الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها". وقد أحياه الله بعد موته
مائة عام.
وبيان عاقبة الطيبة والصلاح، وعاقبة الشر والإفساد. كقصة ابني آدم.
وقصة صاحب الجنتين. وقصص بني إسرائيل بعد عصيانهم. وقصة صد مأرب. وقصة
أصحاب الأخدود.
وبيان الفارق بين الحكمة الإنسانية القريبة العاجلة، والحكمة الإلهية
البعيدة الغيبة. كقصة موسى مع "عبد من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا
وعلمناه من لدُنا علماً" وسنعرضها بالتفصيل في مناسبة أخرى. إلى آخر
هذه الأغراض التي كانت تساق لها القصص فتفي بمغزاها.
فلسفة التأثير التكويني للذنوب
اسرة البلاغ
ترتبط معرفتنا لفلسفة التأثير التكويني للذنوب بعدة مرتكزات، أشير إلى
بعضها وأتحدث عن الأخرى بشيء من التفصيل. والمرتكزات هي:
1- الإيمان بأن الخالق للنفس
الإنسانية وما يعاصرها من أكوان وأحوال، وكذا الخالق لخصائص كل منهما،
هو الله سبحانه وتعالى.
2- الاعتقاد بنظام خاضع لقوانين بالغة
الدقة، معلومة أو لا تزال مجهولة ترتبط بعضها ببعض ومرتبطة بها كل
حادثة، بحيث لم تعلم أسبابها اعتقد العلماء بأن لها سببا مجهولا لا
يتعين على من أراد معرفته أن يبحث عنه. وأن هذا النظام وقوانينه
الكونية الطبيعية شامل لجميع مفردات الكون دون استثناء. وليس للصدفة
مجال ولا مصداق في خلق الأكوان وما يحدث من تركيب جزئياتها أو تحليلها
إلى عناصرها وأصولها قياسا إلى خالقها تعالى، وهو العالم بكل شيء ولكل
تغيير في الأشياء دون استثناء لشيء أو لحالة من أحواله.
3- الاعتقاد بأنه تعالى حكيم لم يخلق
من خلق وما خلق عبثا دون غاية.
4- الاعتقاد بأنه سبحانه لم يخلق
الخلق لحاجة منه إليه، لأنه الغني المطلق حتى عن قيد الاتصاف والتقييد
بصفة، وإنما نصفه بما نصفه به من حكمة وغنى وغيرهما نسبة إلى إدراكنا
ومعرفتنا التي نتحدث في إطارها. وعليه فلا تكون الغاية من الخلق إلا من
أجل الخلق، ولا يحتاج هو سبحانه إلى الخلق كي تكون الغاية عائدة إليه
تعالى عن هذا علوا كبيرا.
5- إن الإنسان- روحا وجسما- هو تعين
من تعينات هذا الكون وتجل من تجليات قدرة خالقة، وهو فيما نسميه
بالحياة الدنيا مركب من روح وبدن، وما موته حينما يموت إلا تحليل هذين
العنصرين وافتراقهما بعد اجتماع، وإطلاق كل منهما عن التقييد بالآخر،
مثلما يتحلل الماء المركب من عنصرين، ليتحرر كل منهما عن الآخر ويصبحان
طليقين في الفضاء ليمتد وجودهما بعد هذا الافتراق المسمى بالموت.
6- Åä ÇáÑæÍ (ÇáäÝÓ ÇáÅäÓÇäíÉ)
ÈÚÏ ÊÌÑÏåÇ Úä ÇáÈÏä áåÇ ãä ÇáÔÚæÑ ÈÇáÓÚÇÏÉ Ãæ ÇáÔÞÇæÉ ÇáãØáÞÊíä Ãæ
ÇáãÍÏæÏÊíä¡ ãËáãÇ áåÇ Ýí ÇáÍíÇÉ ÇáÏäíÇ ãä åÐå ÇáÍíËíÉ. æáßá ãä
ÓÚÇÏÊåÇ æÔÞÇÆåÇ ÃÓÈÇÈ ÞÏ ÎÝíÊ Úä ÇáÅäÓÇä Ýí ÇáÏäíÇ ÝÖáÇ Úä ÇáÂÎÑÉ
ÅáÇ ÈÊÚÑÝ ãä ÚÑÝå Çááå ÈÐáß.
هذه مجموعة مرتكزات يفترض فيمن كتب لهم هذا الكتاب أنهم آمنوا بها
وتجاوزوا مرحلة الاستدلال عليها.
واستنادا إليها، وتفريعا على الثالث والرابع منها، ينبثق السؤال
التالي: ما هي الغاية- بالتحديد- من خلق الله عزوجل للإنسان؟
ومما لا ريب فيه أن خالق الشيء أعرف بغايته من خلقه، وقد أعرب- سبحانه-
عنها بقوله تعالى:
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون*
مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة
المتين). ولا شأن لنا فيما تعرضت له الآية من أمر الجن والغاية من
خلقهم وكيفية عبادتهم، وإنما نريد استظهار ما تعرضت له الآية الشريفة
من بيان الغرض من خلق الإنسان موضوع البحث.
فالعبادة وردت في الآية الأولى بعد لام التعليل مما يفيد أن العلة
الغائية لما قبل اللام- وهو خلق الإنس- هي عبادتهم لله سبحانه، بل يفيد
الحصر بـ- ما وإلا- في الآية: أن خلقهم ليست له غاية إلا عبادتهم لله.
ومن المرتكز الرابع نفهم أن الغاية تعود للعباد لا لخالقهم الغني عنهم،
ولذا عبرت الآية بـ: ليعبدون، ولم تعبر بـ: لأعبد. فالغاية أن يعبدوا
الله لا أن يعبد الله. ويعزز هذا المعنى ما بعد الآية الأولى من
الأيتين النافيتين لاستفادة الله من عباده، لأنه الرزاق ذو القوة
المتين.
والعبادة هي طاعة الإنسان لربه، وهي بهذا المعنى أعم من العبادة
بالمصطلح الفقهي فهي تشمل كل طاعة تقرب من الله تعالى.
وإذا ما علمنا أن الدين هو الطاعة، علمنا أن الصلاة عمود الطاعات، لما
روي عن أبي جعفر (ع) قال:
(الصلاة
عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود ثبتت الأوتاد
والأطناب، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب).
ومن هنا ينبثق سؤال آخر هو:
هل إن الغاية من خلق الإنسان هي الصلاة وما دونها من طاعات؟
ظاهر الآية ذلك، ولكن يبدو من ملاحظة نصوص أخرى أن الدين كله من عموده
إلى أوتاده وأطنابه إنما هو وسيلة وسبب إلى الغاية القصوى لخلق الإنسان
وتشريع الدين له، تلك الغاية هي معرفة الرب وتوحيده، إن لم نقل إنما
الدين هو التوحيد كما هو معناه لغة أيضا.
ذلك لما روي عن الإمام الرضا (ع) قوله:
(إن
علة الصلاة إنما إقرار بالربوبية لله عزوجل وخلع الأنداد وقيام بين يدي
الجبار- جل جلاله- بالذل والمسكنة والخضوع والاعتراف والطلب للإقالة من
سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض كل يوم إعظاما لله عزوجل، وان يكون
ذاكرا غير ناس، ولا بطر، ويكون خاشعا متذللا طالبا للزيادة في الدين
والدنيا، مع ما فيه من الإيجاب والمداومة على ذكر الله عزوجل بالليل
والنهار، لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى، ويكون في
ذكره لربه وقيامه بين يديه زاجرا له عن المعاصي، ومانعا له عن أنواع
الفساد.
وفي خبر آخر عنه (ع) قال: (إنما أمروا بالصلاة، لأن في الصلاة الإقرار
بالربوبية، وهو صلاح عام، لأن فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي
الجبار).
فإذا كانت الصلاة- وهي عمود الدين- إنما وجبت من أجل القيام بالربوبية
وخلع الأنداد والمداومة على ذكر الله تعالى وتطهير النفس عن الفحشاء
والمنكر، فهي إذن وسيلة لهذه الغاية وليست غاية لخلق الإنسان. وإنما
الغاية القصوى وغاية الغايات هي المعرفة ومستلزماتها من تطهير النفس
والإقرار بعبوديتها وتوحيد الرب وعدم الغفلة عنه |