|
منهجية النقد الادبي الحديث وطرق
التدريس
د. سهام جبار
وقد أثرت فيه كثيراً استراتيجيات مختلفة من تبادل الأدوار، أولاً الحد
من سلطة هذا الموقع عبر ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، وذلك منسجم في
الخروج على سلطة المؤلف بموته عند البنيويين وزعزعة المركزية التقليدية
حتى في تقصي المعنى عند أصحاب نظريات التأويل التي خرجت على تقليدها
القديم المتبع في تفسير الكتب المقدسة من حيث أن المعنى واحد، يعود إلى
الإله، أو أن المؤلف قد اكتسب صورة الإله الذي يقتضي استرداد قصده في
المعنى الذي أرسله وقد خرجت آليات القراءة عن هذا البعد الأحادي إلى
تعددية وشيوع قوّيا من مركز الطالب بوصفه قارئاً كذلك ما آل إليه تفكيك
المتن والبحث عن قيم الهامش والمختلف، وانتشار وسائل التوصيل والاتصال
واندثار الصورة التلقينية التي تحكم المعرفة، وهكذا تتوزع العلاقة بين
الطالب والأستاذ إلى عمليات شد وإرخاء،
أو جذب وطرد في أشكال جدلية متنوعة من الحب والنفرة ومن تجربتي في
التدريس في الجامعة أقول لابد من قيام آلية مواجهة تعتمد غزو الآخر
لاكتساب رضاه في الدخول بهذه العلاقة حيث يعد الانصراف عن الدرس شكلاً
من أشكال الرفض، وهكذا تعمل المحاضرات الأولى على كسب جولة في الإقناع
واتساع الصلة التي يمكن أن يستثمرها الطالب النجيب لاستمرار التفاعل،
وفي ذلك معنى من معاني التطويع والإخضاع بوسائل جذابة للمجهول، إذ أن
المعرفة تعد دائماً بمتعة غائبة لابد من اصطيادها بطعم. وفي التدريس
هنا شكل إغواء لكن لا إلى معرفة أحادية بل إلى معرفة متسعة.
يقيم روبرت شولز سلسلة تبادلية في تعليم الإنسانيات، تتضمن تبني
أدواراً اجتماعية بصدد النصوص، هي: المؤلف، والناقد، والمعلم، والطالب،
ليس لهذه السلسلة تراتبية وان كانت تدخل في وجوه القارئ المتعددة أو
أقنعته التي تقابل النص بنوع من التفاعل مختلف، وتفرض معها تقاليد
وأصولاً، يظهر أثرها في المعنى المبحوث فيه سيميائياً أو تأويلياً وثمة
التقاء وتفرع في الاتجاهات والجذور والاهتمام بالطالب غير مقتصر على
هذه السلسلة بل في توجيه الكتب نفسها. وإهداء شولز كتابه" أريد أن أهدي
هذا الكتاب إلى المعلمين الذين في صفوفهم بدأ اهتمامي بالشعرية
والسيمياء ولكل الآخرين الذين غالباً ما أعطوا في حالتي أفضل مما اخذوا
"، وهمه التعليمي حاضر في توجيه أفكاره أيضاً وانشغاله بالتوضيح والكشف
عما في المناهج الحديثة من صعوبات في التأسيس الفكري وآليات التطبيق
والمفاهيم المستثمرة، باشكاليتها الاصطلاحية أيضاً وبحسن التوظيف وفي
هذا تستدعى نماذج عديدة من اللغة النقدية المكتوبة تحت هاجس التعليم،
خاصة في مؤلفات نقادنا منذ بدايات تأسيس الجامعة فلغة طه حسين النقدية
مثال على طابع التكرار والإعادة وتقليب المسألة من جوانب مختلفة
للإيضاح، خاصة في المؤلفات التي اعتمدت في جمعها لتكون محاضرات وهي
كثيرة.
يصف رولان بارت نفسه أنه أقرب إلى مجلة تيل كيل منه إلى أن يكون
محتضناً من الكوليج دي فرانس، بأنه عنصر قلق، ذلك لما تقتضيه هذه الدار
من دقة وبحث منتظم في حين يتمثل طرحه بنوع من قهر صعوبة فكرية تجعله
يسوق تساؤلات حسب هواه، إلا أن إشارته إلى التقليد الذي يفترضه نظام
الكوليج والكتاب الذين يعلمون فيه الشعر بالخطورة فعلا فالتأسيس
الأكاديمي غير سهل بالمرة، وان كان يعطي طابع حرية، يعبر عنه بارت،
بأنه يشكل من بين المؤسسات أحد الأشكال الأخيرة لمكائد التاريخ.
في الحقيقة يصف بارت خصوصية الممارسة العلمية في المؤسسة الجامعية من
خلال السلطة، فثمة وضع جديد لتدريس الآداب بعد التمزق بين ضغوط
المتطلبات التكنوقراطية والرغبات الثورية للطلاب.
إن شكل التدريس إذن، هو الآخر قد اتخذ استراتيجيات مختلفة داخل الأطر،
ولم تعد العملية التدريسية فعلاً متواتراً، وإنما يخضع للتقويض الذي
خضعت له مظاهر السلطة المتعددة، منها اللغة نفسها التي تُعتمد في
التوجيه وإذا كانت الغايات التي ينبغي أن يحققها التدريس متعددة فان
الوصول بهذه الغايات إلى الشكل الذي يستوعب مهامه الأولى أمر غير يسير
أبداً.
فثمة ما يحول إلى تاريخ أدب من منطلق الضم إلى المعارف المعتادة من
الطرح النقدي الحديث المختبر في مفردات قد استثمر تقديمها العلمي إلى
الطلاب. وبتاريخ الأدب تخرج عملية التدريس من مراحل تغييرها إلى نقطة
ثبوت معدمة وقارة قابلة للتجاوز بعد استنفاد ما كان في جزء كبير منه
دوراً من أدوار الموضة.
في التدريس إلى جانب العمل الجاد نوع من اللعب يتضمن صياغة ما.. بها
سرعان ما يتحول الأستاذ إلى مؤرخ صارم في ثبوتية ترتيبه القيمي يكون
بذلك قد انغلق في مدار ضيق وأصبح من مأثورات المتحف المحاصر بالأزمنة
والحدود. إن هذا الحاجز يخلق نوعا من الانقطاع والغربة، وفي ذلك يمكن
تخيل صورة المعلم أمام تلاميذه بالوثن الذي يراقب نهراً جارياً مسرعاً
في تغيره، في حين ينكفئ هو في خلاصات قاتلة، تجعل منه صورة أخرى للإله
الذي انتهى البحث عن معناه الواحد، أو المؤلف الذي قتلته مرحلة التحديث
المنهجي الذي ينصرف إلى فسحة الإمكان المستمر إلى ما لا نهاية حيث
المجهول الذي تنفتح إليه كل المعاني.
مسرحية (الؤلؤ المفقود) في مهرجان تونس
عبد السلام الجلبي
تغادر الفرقة القومية للتمثيل للمشاركة في مهرجان نيايولس الدولي في
تونس مسرحية (حكاية الؤلؤ المفقود) اعداد واخراج الفنان حسين علي صالح
ويقوم في اداء الادوار كل من الفنانة الاء حسين والفنان قاسم السيد
والفنان المبدع قحطان زغير والفنان صادق عباس والفنان نبراس خضر
والفنان احمد محمد صالح.
وقد حصلت هذه المسرحية على ست جوائز في المهرجان الخامس لمسرح الطفل في
دائرة السينما والمسرح ويشارك في مهرجان تونس اكثر من (28) دولة عربية
واجنبية.
وتجسد المسرحية فكرة الصراع بين احلام الطفولة وبين الواقع الملتبس
والشائك ابتداءً من 21/ 12 لغاية 27/ 12/ 2009.
قصة قصيرة
صهيل الفزاعات
إسماعيل غزالي
حدث هذا في تمّوز من سنة مجهولة ، في منتصف تمّوز إن شئنا الدّقة
الوصيفة والأمانة الواصفة ، وتمّوز في تلك القرية المعدنيّة ، غير
تمّوز كل العالم ، تمّوز تلك القرية الرّصاصيّة ، مثل خزّاف تصير
الكائنات طينا تحت رحمة فرنه ، رابوزه ، دوّاسة مسماره الدّائر ، يده
وخياله ... تمّوز الشّقيّ هذا الّذي يومض فيه القمح بلون الذّهب ،
ربّما أقرب إلى لون هذه الجعة ، وما أحكيه هنا لاعلاقة له بتأثير شرب
ستّ منها ... عفوا .. سبع ، لحظة .. ثمان ..هست ... معك حق ، أجل نادرا
ما يكون معك حق .. إنّها عشر تماما كعدد الفزّاعات الّتي نبغ في صنعها
فلاّح الحكاية الغريبة الّتي لم أحكها بعد..
غرابة الحكاية ليست في زواج الفلاّح عشر مرّات ، مسلسلُ زواجٍ لم يتم
دفعة واحدة طبعا كما قد يقوّس أيّ شخصٍ حاجبه لسماع الرّقم الرنّان ...
لنقل أنّ شيئا غامضا ومفزعا في آن وراء الأمر ، إذ لم تسلم أيّ من
زوجاته من أذى الغياب ، من أذى الحتف بالأحرى ، فعدا زوجته الأولى
الّتي قضت نحبها أثناء مخاض ولادة قاسٍ أودى بها وجنينها فكلّ الزّوجات
المتعاقبات بعدها تعرّضن لحوادث مميتة ، لعنةٌ ما تقف وراء ذلك ،
والطّريف أن تقترح عليه كلّ زوجة إسم أخرى يقترن بها إن حدث وماتت قبله
، وهكذا أشارت إليه الأولى على الثّانية قبل المخاض ، الثّانية الّتي
لم يدم على نعمة ارتباطها به أكثر من ستّ سنوات ، لفظتْ أنفاسها بسبب
قرن ثور هائج غرزه في خصرها ، وقبل احتضارها أشارت له بالثّالثة ، هذه
الّتي لم تتجاوز ثلاث سنوات معه وأجهزت على روحها المنيّة بسبب لدغة
عقرب سوداء وكما السّابقات أشارت له بالرّابعة الّتي لم تعمّر أكثر من
سنتين وأُزهق روحها بسبب سقوط فاجع من على صهوة حصان مرقّط أجفلته لسعة
حشرة وضيعة ، وبدورها أشارت له بالخامسة ، ولم تبتهج أيّام هذه هي
الأخرى أكثر من سنة وتوفيت غرقا في بئر ثم السّادسة والسّابعة
والثّامنة والتّاسعة والعاشرة ولم يدم بريق ألفتهنّ معه إلا شهور
معدودة ... وكلّ واحدة منهنّ لم تكن نهايتها أقلّ فظاعة من سابقتها
وهكذا وسموه بالفلاّح الملعون وباتتْ تتطيّر منه نساء القرية وتتشاءم
من ذكر إسمه العزباوات وذاعتْ رائحة مأساته في كلّ الجهات المتاخمة
والقصيّة ... فظلّ لعقد من الزّمن بعد موت آخر زوجة ، سجين بيته وعزلته
وصمته ، زاهدا في كلّ شيء ، لايبارح مكانه إلاّ لزيارة مقبرة زوجاته
العشر على التلّة مساء كل يوم ، وهو ينفخ في نايٍ صنعه من قصب ، وأحدث
فيه عشرة ثقوب ... ما ينيف على عقْد من الزّمن وهو لايتكلّم ولايكترث
لحيواناته الّتي شرد بعضها وسرق أغلبها ولا لبقيّة الممتلكات الّتي
نهبتْ أمام مرأى عينيه ، وكلّ من كان قريبا منه انفضّ عنه مخافة أن
يدركه خطبٌ أو يلحق به وذريّته وزرعه كارثة محيقة..
وهو على هذه الحال ، إلى أن نبتتْ شجرةٌ غريبةٌ على التلّة ، كما لو
لتحرس وتظلّل بأغصانها الوارفة قبور زوجاته العشرة ، زوجاتٌ أحبّهنّ
كلّهنّ بكلّ ما أوتي من صدق وطيبوبة ونبل ، غير أن الموت الشّنيع اختار
أن يكون غريما له ولأسباب غير مفهومة ، انتزعهنّ منه كما تنتزع الأضراس
، و كما لو يتعلّق الأمر بانتقام ما أو تصفية حساب ، تربّص به الموت
وألحّ أن يسقط تلك الفراشات البريئات من على رؤوس أصابعه العشرة..
الشّجرة الغريبة الّتي ماهي بتينة ولا صفصافة ولا صنوبرة ولا أكالبتوس
ولاعرعر ولا سرو ولا أرز ولا درادارولاولاولا ...إلخ كانت تأتيها نهارا
عشر إناثِ بومٍ، وبالنّحيب يؤثّثن صمت التّلّة والضّاحية ، ولايقف صدى
شحاجهنّ عند حدود الوادي بل يتفاقم في سماء القرية أيضا ... وليلا
يتحوّلن إلى قناديل على غصون الشّجرة ذاتها ، وهو ما جعل بشر القرية
يجزعون ويتحاشونها مع نزول ندف السّخام من ظلام اللّيل، ويُرعبون بها
أطفالهم ليناموا قبل العشاء ، شجرة مسحورة أو تلّة مسكونة ، هكذا
وسموها وتضاعفت بذلك صورة الفزع والرّهبة من الفلاّح الّذي عاودته
الوسامة من جديد ، منذ أن نبتتْ الشّجرة العزلاء وصارت وارفة على حافة
أقدام نسائه العشر النّائمات في قبورهنّ المعشوشبة على التلّة ، عاوده
ألق الحياة أكثر حين أثمرتْ تلك الغصون عشر إناثِ بوم ٍ، تماما كعدد
زوجاته الجميلات ، وصار يطرب أيّما طربٍ لشجونهنّ ، كما لو يطرب لغناء
جميلاته على طول مفاصل النّهار ويأنس بضوء قناديلهنّ على طول مدارج
اللّيل ، وفي الوقت الّذي ألمّ بموسم القرية وسهوبها الجفاف ، سلم زرعه
هو وواديه والتلّة من آثار اليباب الكاسح ، وكأنّ المطر لم يخاصم حقله
الّذي دأب على حرثه وزرعه منذ أشرقت في المشهد الشّجرة الوارفة وإناث
بومها السّحريّات ، ولمّا صعدتْ شمس تمّوز وتناسلت في سماء القرية
وضواحيها العصافير والجنادب على حدّ سواء ، شطرتْ فكرةٌ مورقة رأسه و
قرّر أن يصنع عشر فزّاعات على مقاس نسائه الرّاحلات ، ولم يكتف بذلك
وألبس كلّ واحدة فستان كلّ زوجة بعينها ، فهو لم ينس أن يحتفظ بلباسهنّ
داخل صناديق خاصّة ، وفاء لذكراهنّ الطّيّبة ، والأكثر من هذا نقش ورسم
عيونهنّ في رأس اللّوح وزرعهنّ تباعا بالتّسلسل الّذي اقترن بهنّ في
الحقل ، على صدر التّلّة ، وهو ما جعل فزع أهل القرية يحتدّ إلى أقصاه
لمرأى تلك الفزّاعات اللاّبسات أفخر الفساتين ، ذوات العيون الواسعات ،
وليس العصافير والجنادب وحدها وهم لم يهضموا بعد كيف أن حقله وحده من
دون حقول البلدة ، اخضوضر وشعشع وازدهرّ ، ثمّ ها هو قد صار بلون
الذّهب ، بعد أن نضج وهو على مشارف حصاد مبهج ، أو على أهبة غلّة باذخة
، وهذا ما قضّ مضاجعهم ، فتغامزوا فيما بينهم لأيّام ، وقلّبوا في
الأمر من كل جهاته ، واتّفقوا في جمعٍ حقودٍ على أنّ الفلاّح الوسيم ،
ما هو إلا شؤم البلدة الوحيد، وهو السّبب الرّاجح بل الأكيد وراء كساد
العيش وتعاقب مواسم الجفاف والأمر ليس بهذه السّهولة والبراءة ، فلابدّ
أن يكون وهذا واضح عند الكبير والصغير ، عند الشّيخ والرضيع ، عن
القاصي والدّاني ، ساحرا ، وقد سخّر لفساد هذه القرية عصابة من
الشّياطين والجنّ ، وبناء على ذلك أجمعوا على إصدار فتوة بدعم من فقيه
جاهل ، تقضي بإحراق زرعه وبيته وإبعاده من البلدة إلى الأبد ، وإن رفض
يجلدونه على الشّجرة العزلاء في التلّة قريبا من زوجاته المضطجعات في
قبورهنّ العشرة ، وبعدها يطيحون بالشّجرة المسحورة و يضرموا النّار
فيها أيضا ، ثمّ ينقلوا جثّته و عظام نسوته للدّفن في أرض بعيدة
ومجهولة ، وهكذا حسموا في تنفيذ الحكم الطّائش والجائر وجنّدوا لذلك
كلّ شباب ورجال القرية وخرجوا في كوكبة غفيرة ، بظهيرة طاعنة في الجمر
، حيث رياح الشّركي جاثمة على منتصف تمّوز ، هذا الّذي يشبه خزّافا ،
والكائنات مثل طين تحت رحمة يده وخياله ورابوزه ودوّاسة مسماره الدّائر
وفرنه..
عند قدم التلّة وقفت الجمهرة الغفيرة هادرة وصاخبة تتوعّد الفلاّح
وزرعه وبيته ، على وشك أن تبدأ ثلّة منهم بما قرّروه ، وكان الفلاّح
الوسيم لحظتها يغسل حصانه المرقّط عند البئر ، فالتفتت الجمهرة إلغفيرة
إليه ، شارعة أفواهها ، غير مصدّقين عودة الحصان إلى صاحبه ، وحيواناته
الّتي شردتْ عنه أوسرقت منه ، وخطا إليهم ووقف بينهم وبين الحقل محدّقا
في عيونهم الشّزراء واحدا واحدا والهلع يلبسهم بالكامل ، وكأنّما
الصّخب الهادر الّذي كانوا يتماوجون به من قليل ، كان مجرّد صدى قديم ،
رحّب بهم بكلّ وداعة في أرضه وبيته وسألهم:
-مالخطب ؟ ران صمتٌ قصيرٌ ارتعشتْ فيه
حناجر واقشعرّت ألسنة وهي تحاول أن تجمع عقيق كلمات منفلتة في خيط
مفتول .. تمتم أحدهم وهو يخفي وجهه مثل نعامة في رمل الحشد وتجشّأ ثان
ونطق ثالث وأردفه رابع وزكّاه خامس ثم عاود الجمهرة الغفيرة صخبها
الهادر من جديد ، زعق شيخهم وأوكل للفقيه الجاهل تلاوة الفتوة وحين
أنهى هذا تهجّي الحكم المعتوه .. ركض الحصانُ وهو يهرق لهاثه بين
الفزّاعات نحو التّلّة وأعقبه صياح الدّيكة ونباح الكلب..
رسم الفلاّح ابتسامة أشّد انبلاجا من ذي قبل وهمس في الجمع:
كيف أبارح أرضي وبيتي ونسائي ، هنا مولدي وهنا قبري أيضا..
تداعى لوقع جملته الجمع بالصّياح والصّفير واعتمرتهم الضّجة وانقضّوا
عليه وربطوه بحبل وصعدوا به التّلّة وأوثقوه إلى الشّجرة الغريبة الّتي
غابت إناث بومها عن المشهد ، على غير العادة ، بينما لهاث الحصان وصياح
الدّيكة صاخب ما يزال ، وحين أمر شيخهم بشقّ قميصه عند صدره ليقتصّوا
منه بالجلد ، وقبل ذلك ، أشار باحراق الزّرع والبيت أمام مرأى عينيه
لعلّه يتراجع عن عناده ويقبل بقرار النّفي ، وحيث شرع أوّل المأمورين
بإضرام الحريق في الزّرع ، اندلع صهيل حادّ ليس منهم ولا من الحصان
اللاّهث قريبا منهم ، فوقفوا مشدوهين ومصعوقين ، التفتوا لمصدر الصهيل
العارم ، الهائل ، الزّاعق وكادتْ عيونهم تتساقط من محاجرهم وهم
يشاهدون الفزّاعات العشر راكضات باتّجاههم ، وأصواتهنّ الهادرة صهيلا ،
يتوعّدن الجمع بشرّ قتلٍ وهنّ يحملن المعاول والمذرّات والرّفوش
وفوقهنّ تحلّق إناثُ البوم شاحجات بنعيق حادّ ومخالبهنّ تومض ببرق مخيف
.. عندئد هرول الجمع ، بكل الإتّجاهات ، هارعين فيما وراء الحدود
والأفق ، تاركين منازلهم وقريتهم للرّيح والصّمت والخواء وكأنّ المكان
مهجور من زمن غائر في الأزل..
فتنة الرقمَنة
حاتم الصكر
المستجدات التي جاء بها العالم الرقمي وفضاءاته التفاعلية وإمكانات
الحاسب والمتاح من تقنياته أخذت تنعكس على الفنون والآداب بدافع
الإفادة والتعضيد لمضامين الإبداع وأشكاله وأساليبه من جهة ، ولضبط
إيقاع النصوص على وفق إيقاع المتلقي المتفاعل مع التقنيات الرقمية في
شتى مجالاتها من جهة ثانية.
ولكن استثمار التقارض والاستلاف من منتج علمي رياضي بحاجة إلى المعرفة
البرمجية ، والتصرف في متاحات الأجهزة- وفضاءات الوسائط المتعددة بخاصة
– وتكييف قوانينها ومبادئها وعناصرها لتلائم النصوص المنتجة في مناخ
التفاعلية والرقمية التي نخشى أن تغدو هبَّة وحماسة تزول أو تتوقف أو
تندرج في التكرارية والامتثال للنموذج بوهم الحداثة والعصرية.
لقد غدا الحديث عن الرقمنة يثير مخاوف البعض إلى مخاطر الرقميات على
الذوق الخاص والحميمية الإنسانية ،والروح المغيبة في تلك الأعمال
الفنية والأدبية ، كما حصل للخط العربي المستبدل بخطوط كومبيوترية لا
جمالية فيها ، فضلا عن أن بعضها يغفل الترقيم و الحركات الإعرابية
الداخلة في الدلالة والتركيب الجملي، كما يشكو بعض مستخدميه من سذاجة
قاموسه ومحدوديته، وكون واضعيه ليسوا متخصصين لغويا في الغالب.
ويتجسم الخطر في حال الرسم الإلكتروني حيث تنفذ اللوحة بتقنيات خارجية
تحد من المخيلة ، وفي القصيدة الرقمية التي دشن العراقي الشاب مشتاق
عباس معن نصوصها بديوانه (تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق) مستخدما
الوسائط التفاعلية في الأجهزة والبرامج الكومبيوترية عبر الإنترنيت،
مشركا القارئ في تصفح الرسوم المصاحبة لنصه ولهيأتها الرقمية ،مستعينا
بالروابط لإدراك وجود التشكيل والموسيقى بجانب الكلمات حيث تلعب
المؤثرات الصوتية والجرافيك والصور دورا أساسيا في تكوين النص الشعري.
وذلك يدعو لمزيد من التساؤلات عن فنية القصيدة وطرق تلقيها لتزداد
بالمقترح الرقمي مشكلات بناء النص وجمالياته التي لا شك أنها بحاجة إلى
التكيف مع المقترح والإجراء معا ، وهو ما لا أراه ممكنا في سياق التلقي
القائم ، وإن احتلت الرقميات أهمية لدى شرائح متعددة من الوسط القارئ
لكنها لا تكفي لإنجاز مؤثر يغير القراءة البصرية والتفاعل مع النصوص
ذاتيا بلا وسائط.
ثمة من يرى في الرقمنة عالماً افتراضيا ينشط المخيلة، ولا يبتعد عن
الواقع في الوقت نفسه، فالنتاج الرقمي في الجانب الفني كما يذهب ناقد
فني كياسر المنجي( ليس استبدالاً للقلم أو الفرشاة بالكومبيوتر ووسائطه
المتعددة .... بل يهدف إلى إسقاط الفواصل بين ما هو صوري وما هو
مفهومي، لصالح شبكة العلاقات وطريقة بنائها في العمل).
إننا لا نريد الحديث عن ملصقات الحداثة واستعارتها غير الواعية بحيث
تصمت الأجهزة الرقمية بفقدان الوسائل المكملة لها؛ كالقدرة المادية
وتوفر الكهرباء والتوعية الأسرية والمدرسية ، ولكن نذكّر بحال الأمية
الكتابية فضلا عن البصرية ما يستوجب التريث في بناء واقتراح جماليات
مرتبطة بالتقنيات التي لا نزال مستهلكين لها لا منتجين.
كيف.. قل لي؟
عبد الاله فهد
هنا مئزر من نسيم..
يطوقني.. والاسى ملعب
بين جنح السنونو الذي
اشتد فيه الحنين الى الطين
والملتقى في دمي..
اكون تنفست من انيات الضباب..
ومن شيب رأسي..
ومن تعب
كنت احسسته
مذ فناء
ومذ شارع
كان يمتد بيني وبين الربيع الذي لم يعد..
والخريف الذي لم يشد الرحال
وبضع انين دنا
لا اخاله يرتد
اني انتظرت.. ولم يرجعوا..
لم اجد غير كومة ريش
وبقيا جناح
وهبة ريح كما الغيم
تمطر في خافقي
كيف قل لي.. انام!؟ |