|
التأويل؛ من الإدراك إلى الفعل
عبد الله بريمي
إذا كنا فعلا لا نستطيع إدراك العالم وامتلاكه ثقافيا إلا بواسطة ما
نمتلكه عنه من لغة و ليست لدينا إمكانية حدسية لتمييز مختلف الأشكال
الذّاتية للوعي فإن الإمكانية الوحيدة المتوفرة لإنشاء علاقة بين الوعي
في أبعاده الذاتية وعالم اللّغة إنما يتم في التأويل، حيث يشكل هذا
الأخير وسيطا رمزيا وثقافيا وإيديولوجيا بين الذّات وبين العالم من
خلال آلياته ومستوياته، وهو ما دفع المفكر الفرنسي بول ريكور إلى القول
إن الرمزي هو الوسيط الكلي والشامل للفكر بيننا وبين الواقع، إنه يعبر
قبل كل شيء عن لا مباشرية فهمنا للواقع. إن وظيفة الرمز هي في الأصل
فتح عالم النّص على التعددية وعلى تأويلات متصارعة، أي أن الرمز يعيد
تشكيل العالم بتمثلات اللّغة وإشاراتها، وكذا تنشيط فعل التخييل في
الذّات، ففي الرمز تكمن ازدواجية المعنى، والمعنى المزدوج هو موضوع
التأويل.
لذلك فقابلية العالم لأن يتحول إلى نص، لا يعدّ فعليا مرحلة نهائية
للاقتراب من الحقيقة، بل يصبح للحقيقية دور مكثف ورمزي داخل الفعل
التأويلي لأنها تتحول إلى علامات ورموز يلزم تأويلها وتفكيك سننها، وفي
التأويل تعبر هذه الحقيقة عن تعددها واحتمالاتها المشروطة بنصي التاريخ
والثقافة. لهذه الغاية، فإن النص موضوع التأويل ليس في واقع الأمر سوى
الوجه المحقق والمشخص لسلسلة من القيم والوحدات المجردة التي يمكننا
الحصول عليها من خلال تحويل الفعل من صيغه وأبعاده المباشرة القابلة
للإدراك والمعاينة ليصبح هذا الفعل مصدرا حقيقيا لاستنتاج خلاصات
مجردة، منها ما يعود إلى نمط العيش، ومنها ما يعود إلى طبيعة العقليات،
ومنها ما يخبر عن المعتقدات الدينية والإيديولوجية والأسطورية.
والتأويل هو أداة التوسط الإلزامي بتعبير السميائي الأمريكي شارل
ساندرس بورس بين عالم القيم المجردة وبين تحققاتها في الفعل الإنساني
ودون إدراك هذه الحقيقية لن نعرف أبدا أن الفهم التاريخي يرتبط بالفهم
التأويلي.
لذا فإن التساؤل عن الفعل التأويلي وعن حجمه وعن شروط إنتاجه أو نمط
اشتغاله، هو تساؤل عن النشاط الإنساني بوصفه بؤرة مركزية لهذا الفعل،
إن هذا النشاط لا يكتفي فقط بإنتاج موضوعات ثقافية يلقى بها للتداول،
إنه يقوم أيضا بإيداعها في أنساق تمنحها وجها مستقلا ومشخصا، إنه تحيين
للقيم، من هنا يمكن النظر إلى الفاعلية التأويلية كتمظهر صريح
لإيديولوجية معينة، إنها تشكيل وتشييد معرفي وإيديولوجي متماسك للذات
والعالم، وهو تشييد تدرك ضمنه صور الذات والآخر عبر وسيط يستمد كينونته
من هذه الفاعلية.. هذا الوسيط هو النص.
لكن ما النص؟ ما الذي يجعل من تأويل النص ضرورة؟ هل هو غموضه الدلالي؟
أم هو قصد المؤلف؟ أم هو المؤوِّل بوصفه ذاتا تحوم حول معنى النص
وأشكال تلقيه؟ أم هي المسافة التي تفصل النص عن سياق القراءة والتأويل؟
إذا كان الأمر يتجاوز هذه القِسمة، فما هي طبيعة العلاقات التي تحكم
هذه المكونات عندما نتناول موضوع تأويل النص، فإننا نواجه العديد من
الإشكالات المرتبطة بالفهم ثم بالمعنى من حيث طبيعة هذا الأخير وطرق
إنتاجه وأشكال تمفصله، وكذا صيَغ تحققه وتلقيه. ففهم النص يختلف عن
معناه، هذا الأخير هو ما يحمله النص في أبعاده المضمونية غير المتحققة،
أما الفهم فهو نشاط يمارسه القارئ به يصيب معنى النص، وقد يكون الفهم
مغلوطا فينزاح عن معنى النص ولا يصيبه، فهو عملية معقدة يكون فيها
المؤوّل ملزما بتعديل وجهة نظره لما يُسفِر عنه دورانه في جزئيات النص
وتفاصيله وجوانبه المتعددة.
يثار في هذا المضمار سؤال أساسي، هل يواجه فهم النص حدودا معينة، أم لا
توجد أيّة حدود تقيّد هذه الممارسة، بحيث يمكن الحديث عن عدد لامتناهٍ
من الفهوم للنص الواحد؟ ثم هل تنوع الفهوم أمر ممكن؟
لا تقف إشكاليات فهم النص وقضاياه عند هذا الحدّ، بل تتضمن قضايا أخرى
لا تقلّ أهمية عن معناه الذي يصعب تحديده والإمساك به، خاصة وأن
"المعنى لا يمكن أن يصاغ وأن يوجد بشكل مرئي إلا في حدود انبثاقه من
عمليات تخص بناء النص وأشكال تلقيه وتداوله (…) وعلى هذا الأساس فإن
الكشف عن الترابط الموجود بين هذه المادة المضمونية غير المرئية وبين
أشكال التحقق هو السبيل إلى تحديد بؤرة التدليل وأشكال التأويل
المرتبطة به.
إن فهم النص يتداخل مع تأويله، بل إن هذا الأخير هو تحقُّق لدرجة أعلى
من الفهم بوصفه جهازا نتوسل به للتفاعل مع بنية النص، ولذلك فهو فهم
قابل للنقاش إذ لا نقف من خلاله إلا على جزء من هذا الذي يستتر وراء
النص ويكمن داخله. فكلّما كانت الطاقة الكامنة في النص طاقة رمزية
متعددة الأبعاد كلما كان هذا النص قادرا على توليد أجهزة قراءة متعددة
ومستمرة تاريخيا؛ أي محاولات للفهم والتأويل والتفاعل مع النص خاصة
وأناّ ندرك مسبقا أن عوالم الترميز أرحب وأوسع مدى من عوالم "المعطى
المحسوس". فهذه العوالم لا تكتفي بصياغة أشكال مجردة تعد مقابلا رمزيا
لحالات فعلية، بل تبني عوالم هي من صلب المخيال الإنساني وقدرته على
خلق عوالم متحررة من القصديات الموضوعية. أمام هذا الوضع لابدّ من طرح
السؤال الآتي: هل التأويل يقوم بتصحيح القراءة وتبريرها؟ أم أنه يساهم
في بناء وإنتاج أنساق دلالية، بطريقة متَّسقة ومتماسكة ضمن سياق محدد
تاريخيا، وخالٍ من الضمانات المطلقة للقيمة والحقيقة؟
لا أعتقد أنه في مقدورنا الإجابة عن الشقِّ الأول من السؤال، لأننا
ببساطة لا نمتلك معايير للصحة والخطأ في التأويل. إن السؤال هو على
الأصحّ، لماذا يكون التعدد التأويلي ممكنا؟ تجعلنا قضية المعنى وطرق
توليده وأنماط اشتغاله في النص في مناسبات لا حصر لها، متشككين في
كيفية الوصول إليه. أي متشككين في أشكال الاستجابات التي يثيرها النص،
لذا يغدو واضحا أن مواضع الشّكّ في النص هي الشرط الأساسي لكل تأويل.
إن فعل الشك يساهم في تأسيس فعل التأويل وبعثه في فعاليته القصوى
"التأويل، ككل حوار، هو دائرة تتغير وتسلك مجرى آخر ضمن جدلية السؤال
والجواب وانطلاقا من هذا الاعتبار، يتضمن فعل التأويل صوت الآخر ويدعمه
بوصفه متلقيا تاريخيا يتواصل مع الوعي القارئ في كل لحظة نباشر فيها
تجربة القراءة. ويؤكد گادامير على الوضع التاريخي الذي يشغله القارئ
(المؤول) إزاء حضوره الآني من جهة، ونتيجة انتمائه غير المباشر للنص
الذي يحاول أن يتفهمه من دون أن يخرج عنه من جهة أخرى.
ومما ينمي فكرة الشك في النشاط التأويلي تفاوت آفاق المؤول والمبدِع،
إذ يتخلل النصَّ غموض يستوجب التأويل، وإذا رُمنا فهم ما يقوله النص
بالضبط، فإنه يتوجَّب على تجاربنا أن تكون وعاءً لفهمه. بمعنى آخر إنما
يُفهَم النص حينما تقع فكرته المحورية في سياق التساؤلات، وكذا العناصر
التي تكتنفها آفاق المؤول وتجاربه "فعندما تؤدّي المسافة الجغرافية
والتاريخية، والثقافية التي تفصل النص عن القارئ إلى وضعية انعدام
الفهم، والتي لا يمكن تجاوزها إلاّ في إطار قراءة متعدّدة أي في إطار
تأويل متعدّد الأبعاد، آنذاك يصبح وجود فنّ مخصوص أمرا لازما. وبهذا
الشرط الأساسي يغدو التأويل، باعتباره موضوعا مركزيا للتأويلية، نظرية
للمعنى المتعدّد. فبمجرد ما يكتب النص فإنه يغدو "أثرا" ينقل علامات
موروثة وتتناقله الثقافات عبر التاريخ في الوقت نفسه. فالمكتوب إذن،
ولكونه "شكل أشكال من الاغتراب الذاتي، فإنه يشكل "موضوع التأويل
بامتياز، ذلك أن صفة الكتابية التي يستقر عليها النص، ونظرا لغياب
مؤلفه عنه بتقدم الزمن، تجعله من هذه الناحية غير قادر للدفاع عن نفسه
وهذا ما يزيد في "اغترابه"، وهذا ما يستدعي أيضا حضور مؤول يقوم بتفكيك
سنن النص ابتغاء تأويله لأن "أي شخص يعرف قراءة ما نُقِل إليه عبر
المكتوب يشهد وينجز الحضور المحض للماضي.
فالتأويل لا يعمل على استعادة الماضي ولا يعمل أيضا على تعويضه وهو حين
يقيم علاقة مع النص فلأنه يعمل على تفهّم سياق الدلالات لا ليبحث فيه
عن أصل ثابت وإنما ليعري ما يزعم لنفسه هذه الصفة وليكشفه كأفق تاريخي
محدود ومخصوص. بل إن التأويل لا يستحق مــا نمنحه من أهمية إذا لم يكن
له أن يعلمنا شيئا ليس بإمكاننا العثور عليه في أعماقنا.
بناء على ذلك فالتحدّي التأويلي يتمثل في كشف الإمكانات الثرية
والمتجددة لكل ما يُنقَـَـل إلى حيز مغاير أو إلى زمن مغاير بدخوله في
علاقة حوارية مع متلقيه الجدد. فلا شيء إذن منغلق كليا في موقعه
الأصلي: الأعراف والأساطير والأحلام والأعمال الفنية والنظريات
العلمية، كل هذه التمظهرات تتجه نحو إمبراطورية المعنى مع إمكانية
تحويل معنى العبارات إلى أفعال ومعنى الأفعال إلى جمل دالة بما أنّ
الذات تعبر عن ذاتها في الأفعال كما في المقولات العامة للسان إذ
"بمواجهته لرمزية الفعل يجد التأويل سبيله المخصوص...، فالرمزية يُنظَر
لها في الآن نفسه بوصفها قناعا ودينامية. هذه الثنائية تجعل الرمزية
تستدير نحو الفعل لكن وبفعل معاكس يُعتَرف بحضورها الـــذي لا يقهر.
الشعر العراقي الحديث..استلهم الحلم
والامل..من الشعر السومري
راسم قاسم
(ان الشعر السومري هو الاقدم في
التاريخ ) فلقد وهبت اوروك الاف الالواح الطينية والاعمدة الحجرية
التي تمتليء بالنصوص الشعرية والنثرية.
وللشعرحصة الاسد في كل المدونات الادبية مما يدلل على اهميته وسط
الحراك المعرفي انذاك وتعتبر الكتابة السومرية من اهم الانجازات
الحضارية للبشرية اذ انها تتفوق على اللغة الهيروغليفية كونها لغة
تعبير دلالي بعكس اللغة الفرعونية التي هي لغة رسوم وصور. ولقد استطاعت
هذه اللغة بدقتها المتناهية ان تحفظ لنا اكثر من ثلاثين الف سطر من
الشعر كلها موشاة بشفافية شعرية اختص يها ذلك الادب .ويمثل الشعر
المكتوب الهام متنوع في مجمله فهو متجدد الرؤيا مبحر في عوالم نسيجها
الحلم والبطولة ,, ذلك الشعرالمذهل الذي انتجه خيال الشاعر السومري
المبدع.
ان التراكيب الادبية التي وصلتنا هي جزء من سفر اغنى الادب العراقي
عموما والشعر خصوصا . انها ينبوع ثر يزود الشاعر الحديث بالكثير من
التساؤلات الازلية للانسان والذي يشوب الكثير منها الجانب الوجودي
العبثي الذي اخرج الادب الحديث من رتابة الواقعية المكرر ومن خلال
العبثية التي تؤكد على قدرات الانسان وتفرده في التفكير ووضع الحلول
المناسبة امام تحديات الطبيعة.. ولقد شحنت الشعر العراقي الحديث
الكثير من الشجاعة والقوة من اجل اختراق سدود المألوف والبحث المتواصل
عن كل محاولة تؤسس للكشف عن الحقيقة او الاقتراب منها.. لقد الهم الشعر
السومري الغضب المشروع والبطولة والابحار في غياهب الحلم كما طغى
بحزنه المتأتي عن تدهور هذا الكيان الرائع اثرنكسات حزينة واخطاء
الحاكمين.
واخذ الشاعر السومري يتلبس الحزن وهو يشاهد انهيار هذا الصرح الذي
احتواه لعقود طويلة امام ضربات الاعداء الطامعين ,, لقد صور الشاعر
السومري حالة الانهيار التي حلت ببلاد الحضارة هذه المأساة الازلية
التي لازمت الانسان ولقد جسد كل ذلك الحزن المفجع في مقاطع من قصيدة
يصف فيها ماحل بسومر من دمار.
تدمر المدائن
تدمر البيوت
تدمر الإسطبلات وتباد حظائر الغنم
ثيران سومر بعد الآن لا تقف في إسطبلاتها
لا ترتع أغنامها في حظائرها
تجري أنهارها بماء مرّ
تنبت حقولها المحروثة أعشابا ضارة
تنبت سهوبها نبات العويل
الأم لا تعني بأولادها
لا يقف الولد الصغير على ركبتيه
لا تشدو له المربية أغنية النوم
كل ضفاف دجلة والفرات تنبت الآن نباتا يورث المرض
لا يطأ أحد الطرقات ولا يسعى أحد إلى الدروب
تتحول المدائن والقرى القوية الأساس خرابا
أن تسلم رؤوس أهلها إلى السلاح
ألا تحرث حقولها ولا تغرس بذرة في ثراها
ألا تعطي حظائرها قشدة ولا جبنا، ولا تسمد أرضها
أن يقل عدد الماشية الصغيرة والكبيرة
وتسير جميع المخلوقات الحية إلى نهايتها
ليس للمخلوقات من ذوات الأربع سمادا في تربة سوماجان
في السباخ القصب عليل الرأس
في أطرافه العفن والموت
ضرع الكروم والبساتين قد جف
فوق أرض سومر حلت النكبة
لا يمكن لعقل رجل أن يتصور الذي حدث
دار الشؤون الثقافية في مهرجان بغداد
الشعري الذهبي
حنان النعيمي
على هامش مهرجان بغداد الشعري الذهبي الذي انطلق يوم السبت12/ 12/
2009.
نظمت دار الشؤون الثقافية العامة معرضاً فنياً للكتاب على أروقة فندق
المنصور ميليا ويستمر ثلاثة أيام.
افتتح المعرض الشاعر نوفل ابو رغيف مدير عام دار الشؤون الثقافية الذي
تحدث بدوره عن مشاركة الدار بهذه الفعاليات كونها تعكس تفاعل هذه
المؤسسة الثقافية مع الأنشطة والمهرجانات ولتؤكد دورها الرائد بدعم
مسيرة الحركة الأدبية والفنية والثقافية في عراقنا الحبيب.
لقد قدمت الدار ( 250 ) عنواناً وتفردت بتنوع موضوعاتها ( شعراً ونثراً
ونقداً ) و( تاريخاً وأدبا ومسرحاً ) لتمنح الساحة الثقافية تلوناً
يعكس تجدد خططها وأهدافها وعرضت كذلك السلاسل الحديثة ( بصمات ،
اكاديميون جدد ، منابع ، ... فضلاً عن المجلات الدورية للدار وبأعدادها
الأخيرة.. (الاقلام ، المورد ، التراث الشعبي ، الثقافة الاجنبية ،
الموسوعة الثقافية).
حضر افتتاح المعرض حشد كبير من الشعراء والمثقفين الذين حرصوا وأكدوا
بكلماتهم على أهمية ديمومة وتوسيع هذه اللقاءات وضرورة مساهمة دور
النشر والطباعة في المهرجانات أو المنتديات الثقافية لتعكس تلاحمها مع
الواقع الثقافي وبشكل مباشر.
ومن الجدير بالذكر أن مهرجان بغداد الشعري الذهبي افتتح بحضور السيد
نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي والذي اثنى بكلمته التي القاها على
دور وجهود المثقف ( الأديب والشاعر ) في بناء العراق وترسيخ الأسس
الثقافية وإيجاد قواعد جديدة ترفد مسيرة العمل الإبداعي.
ثم كرم سيادته مجموعة من الرواد والمبدعين الذين اغنوا ورفدوا العمل
الثقافي على مدى سنوات طوال وفي مختلف الميادين ومنهم الشاعر الكبير
(محمد جواد الغبان ) والفنان المبدع سامي عبد الحميد والإعلامية
المعروفة خيرية حبيب والأستاذ الباحث زهير احمد القيسي والأستاذ الباحث
كامل سلمان وآخرون.
ثم قدم الأستاذ ( فاضل ثامر ) رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين
وسام الشعر والوفاء للسيد رئيس الوزراء أكراما وتقديراً له ولدعمه هذه
الشريحة المثقفة من أبناء شعبه.
وعرض إثناء الحفل فيلم وثائقي بعنوان ( هنا بغداد ) جسد دورها وإثرها
الثقافي عبر العصور كونها عاصمة الحضارة العربية والإسلامية.
واختتم حفل الافتتاح بإلقاء عدد من
الشعراء لقصائدهم الشعرية ومنهم الشاعر محمد جواد الغبان والشاعر
الكبير محمد حسين ال ياسين وآخرون ، من جهته أكد الشاعر نوفل أبو رغيف
إن دعم دولة رئيس الوزراء للثقافة العراقية ليس جديداً على سيادته فهو
دوماً الراعي الأول للثقافة في العراق واليد التي تحمل مشعل الحرية
وتصبوا نحو إقامة بلداً يرفل بالعز والرخاء والأمان لجميع أبناءه
بطوائفهم وأديانهم المختلفة.
قصة قصيرة
الحـــاجـــــز
سمر قند الجابري
لم يكن أبي يعلم بأني مستيقظة، ولكني أشكر السماء التي منحتني شباكاً
يطل على جار يملك جهاز تلفاز...فمذ أن كسر والدي جهازنا الصغير ، صار
عليَ البقاء مدة طويلة أضع ذقني على حافة الشباك الباردة لاراقب ولو من
بعيد ما يعرضه التلفاز لديهم.
كل يوم بعد ان ينام الجميع في هذا البيت المكتظ، اتسلل ببطء وانا اغطي
كل جسمي بأغطية من الصوف فالغرفة المهملة التي تطل على الجار باردة ،
وذات مرة دست على زجاجة مكسورة ونزفت قدمي طوال الليل والتهب مكان
الجرح لكن كثرة انشـغال أختي الكبيرة عنا خلصني من العقاب لاني لا أقدر
اخفاء شيء عنها وبسبب تلك الغرفة تعلمت تدريجياً كيف اخفي أشــياء
عديدة مع الوقت.
منذ رحيل والدتي واختي(غدير) تقوم بكل شيء عدا ردع ابي عن ضربنا ،
كانت تبقى هادئة وساكتة ولكن وجهها الابيض يتحول الى قطعة من الفاكهة
الجميلة التي نراها في تلفاز جارنا ويسمونها(الفراولة).
منذ رحيل أمي وهو لايعاملنا بلطف وعليه صرنا ننام قبل عودته كي نتحاشى
ثورات غضبه ، لكن (غدير) كانت تبقى صاحية حتى تعرض عليه موجز حياتنا
اليومية وتتباحث معه حول أمور يؤلمني انها توافق عليها.
جارنا رجل متوسط العمر، زوجته جميلة ترتدي ثيابا ملونة ونظيفة تجعلني
أسأل نفسي :-" هل ان والدتي كانت جميلة ايضاً "؟.
جاري يحب أولاده فهو في بعض الامسيات يغلق التلفاز ويحدثهم عن أشياء
تجعلهم يبتسمون رغم أن تلك الامسيات تجعلني أشعر بالغضب لانهم يحظون
بالمحبة دوننا وفكرت ان اكون صديقة لاطفال الجيران السعداء، لكن غدير
منعتني ..مع الوقت كرهت أبي الذي حرمنا من امور جميلة اتخيلها وارى
اكثر الجيران حولنا يقومون بها.
خمس سنوات مرت، وأنا ضيفة نافذة صغيرة تطل على عالم الاخرين كنت احدث
اخوتي عن اشياء اراها عبر النافذة مدعية انها احلام أراها او قصص
قراتها وهم لا يعلمون انها حقائق عالم حولنا يزخر بالحياة الطبيعية ،
كل ما في الامر انني أنا من اطلق عليها الاسماء لاني لا اعرف عنهم غير
سلوكيات اتابعها بشغف، وكلما ازدادت رواياتي ازداد حب اخوتي لي حتى
سحبت رصيد الحب من غدير الى عالمي بفضل شباك في الغرفة العليا، تمسكت
بتلك السطوة على قلوبهم وعلمتهم كيف يواجهون أبي في المصاعب ويفرضون
رأيهم ...فأخي الكبير أكمل دراسته واختي تزوجت بمن تحب والاخ الاوسط
سافر الى دولة عربية ، وهكذا لم يبق في البيت غيرنا نحن الثلاثة، أنا
وابي وغدير.
كنت اسمعها تبكي في غرفتها ، وكيف لا تشعر بالحزن فهي بقت في دور واحدة
كل عمرها ، تركت دراستها ولم توافق على أي عمل عرض عليها لانها مرتبطة
بتربيتنا ، فاستمرت على هذا المنوالولدرجة حرصها الكبير علينا خسرت
محبتنا لها، والان ....لا أجد في نفسي رغبة التقرب منها ، فهي تثير في
نفسي مشاعر مزعجة فانا اخاف ان اصير مثلها ، بل أرفض ذلك لدرجة اعتقادي
بان علي البقاء بعيدة عنها كي لا اتأثر بافكارها، واكتشفت عند القائي
نظرة فاحصة عليها انها بلا صديقات ..لقد كانت تنظر الى صورة امي عندما
تحصل مشكلة وتتغير ملامح وجهها ثم تمتص غضبها وتتصرف بهدوء.
في صباح يوم الجمعة دخلت غدير الى غرفتي مذعورة:- " لقد مات ابي.
اجبتها بقلق :-" يا الهي كيف مات؟.
-عاد امس متعباً، طلب مني كوب ماء،
لكنه قبل ان يشرب مات.
-وماذا سنفعل يا اختي؟.
جلست اختي على حافة سريري ونظرت الى صورة امي :- " سنشتري تلفاز. |