الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(914) الخميس 29 ذي الحجة 1430 هـ/17 كانون الاول 2009

المنبر الحر

دور الاديان في تعزيز الامن والسلام

هادي جلومرعي

هذا العنوان العريض يمثل الهدف من اقامة مؤتمر بهذا الاسم تحتضنه بغداد مطلع الاسبوع المقبل  ويقيمه مجلس النواب العراقي ويتضمن العديد من المحاور التي سيناقشها المؤتمرون القادمون من بلدان عدة لعلهم ان ينتفعوا من التجربة العراقية العاصفة بشكل مغاير لما عليه تجارب البلدان الاخرى في مجال الصدام الطائفي ومحاولات جهات وفئات واشخاص لردم الهوة المتسعة بسبب التزاحم على مكاسب آنية أدت الى تغييب دور الدين الايجابي لجهة الدور السلبي المبني على افتراضات واوهام او لتكريس نفوذ ما سيزول عاجلا لاعتبارات الرفض الشعبي ولاجدوى الاستمرار التي يدركها غالب المشتغلين في سوق الترويج للمذاهب على حساب الانسان.. الجيد في مسعى مجلس النواب ولجنة الاوقاف فيه ان الحضور لم يقتصر على شريحة محلية وتجاوزها الى دول الاقليم والدول الابعد مسافة عنا وسيكون هناك من العلماء والمهتمين من مذاهب اسلامية عدة اضافة الى علماء من ديانات غير الاسلام يحملون معهم الى بغداد افكارا ورؤى مستمدة من تجارب عاشوها في بلدانهم نتجت عن صراعات دينية كما حصل في نيجيريا والمواجهة بين المسلمين والمسيحيين او في مصر حيث التنازع على كل شئ بين الاقباط والمسلمين وماجرى في البلقان واسيا الوسطى وباكستان وليس ببعيد ماحصل ويحصل في السودان واليمن ولبنان وباكستان والهند.. ولكن .هل سينجح المؤتمر في تحقيق نتائج تنعكس على الراهن العراقي او على المؤجل من الاستحقاقات في اطار الترتيب الذي يراد له ان ينهي الازمة العراقية لتحديد الاولويات وضمان حقوق اتباع المذاهب والديانات الذين يعيشون في هذه البلاد متآلفين منذ مئات من السنين برغم البطش والقمع السياسي والعقائدي الذي مارسته سلطات عدة تناوبت على حكم هذا البلد واشبعته قهرا؟ ليس من شأن المواقف الأنسانية او الكلمة الطيبة الموصوفة (بالصدقة) اْن تنعكس ايجابيا في مساحة زمنية محددة والمهم ان يكون هناك المزيد من التاسيس لمستقبل قادم واستحقاقات مهمة . فالعراق مايزال في طور البناء ومحاولات تعزيز اْثر التغيير الذي لم تتضح معالمه الى الاْن لاْعتبارات التنافس السياسي والخوف من تداعيات القلق الذي انتاب اْتباع واْرباب المذاهب والاْديان فيه لجهة الخشية من التصفية اْو التهجير خاصة وان من ذلك ماحصل بالفعل حين هجر المواطنون على اْساس المذهب او حين قتل البعض على اْساس الهوية اْو حين اضطهد اخرون لانهم لايلبون اعتقاد جماعات التطرف الاْعمى اللاهث خلف الاْوهام.. هذه الخطوة تاتي لتعزيز اجراءات اتخذت خلال المدة الماضية من عمر الدولة الناشئة وكان المشتغلون عليها من الساسة وعلماء الدين والباحثين واصناف من المثقفين الذين وجدوا انفسهم في مكان غير الذي ارادوا الوجود فيه كان يكون مسرحا او قاعة لتلاوة الشعر او منتدى ادبيا" او حواريا" بل انساقوا الى دائرة سحب الناس من عدوى الطائفية والانعزال والتحزب لهذه الفئة او تلك.. نعم كان لبعض رجال الدين دور غير محمود في توجيه الناس الى حيث الصدام ونبذ الاخر ونفيه ..وفي المقابل كان للعلماء الكبار وللمتنورين من اهل العقائد ماافصحوا عنه من ايجاب في وأد الفتنة وأيقاظ الضمائر المصابة بداء (السبت). والمهم ان يكون الحضور القادم مؤثرا لجهة البناء على اساس التفاهم لا على اساس التراض المؤقت بانتظار لحظة قادمة من عمر الزمن للانقلاب على ماتحقق ونفيه.. والتجارب الماضية والطروحات التي قدمها كبار العلماء والساسة للتقريب بين المذاهب وفتح باب الحوار بين اتباع الديانات وحتى (حوار الحضارات) انما هي تجارب مغنية وذات مردود عال في ايجابيته مادام الادراك قد توفر بخطورة مايحاك للانسانية من دسائس تريد لها ان تركن الى افكار وعقائد صدامية تنفع اولئك المتصيدين والباحثين عن مكاسب تعود بالنفع على فئات بعينها وتستلب اخرى مالها من حقوق.. هنالك مفاهيم يجب ان لايتغافلها الناشطون في هذا المضمار ترتبط معظمها بالتعددية الدينية والمذهبية وقبول الاخر والحوار معه على اساس التكافؤ وتحديث المناهج التربوية لتتلائم وروح التسامح والتلاق وبناء جسور الثقة والدور الذي يمكن ان يؤديه علماء الدين في تخفيف الاحتقان الديني والمذهبي.. نحن مع كل مسعى ايجابي يمكن لمجلس النواب ان يعمل عليه لجهة بناء الانسان وارشاده الى سبل الهداية وعلى الاقل لكي لايوصم النواب عندنا انهم منشغلون بالتنافس السياسي ومناقشة القوانين التي لاتخدم الفكر والثقافة وهموم الانسانية عامة.

 

 

في ذكرى عاشوراء الحق والعدل والحرية والكرامة والتضحية

نـزار حيدر

الحلقة الاولى

يفسر البعض حركة السبط الشهيد الامام الحسين بن علي بن ابي طالب بن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) في عاشوراء عام 61 للهجرة، على انها (خروج على السلطة) والصحيح هي انها (خروج للسلطة) والفرق، كما هو واضح، كبير جدا، فالتفسير الاول يقصد منه الطعن بشرعية الحركة، اما الثاني فيعني بان الحركة تتمتع بالشرعية الذاتية، اي انها تحمل شرعيتها بذاتها وليس بعوامل خارجية او مساعدة.

ولقد بثت السلطة الاموية الغاشمة، بعيد واقعة عاشوراء عام 61 للهجرة مباشرة، هذا التفسير بين الناس لاسقاط الشرعية عن حركة الامام وسلبها موقعها الرائد في نفوس الناس، باعتبارها حركة غير شرعية سعت الى الاطاحة بالنظام السياسي القائم، فوظفت من اجل ذلك كم هائل من الاحاديث المزورة وغير الصحيحة التي انبرى وعاظ السلاطين وفقهاء الجور الى وضعها ونسبتها الى رسول الله (ص) مقابل حفنة من الاموال او منصب دنيوي زائل.واستمر هذا النوع من التثقيف حتى شب عليه الطفل الرضيع ومات عليه

والغريب في الامر، ان هذا التفسير اضحى، بمرور الزمن، قاعدة فقهية عند الكثير من (العلماء والفقهاء) وعلى مر التاريخ والى يومنا هذا، يلجا اليه الطغاة والجبابرة والمستبدين من حكام الجور والظلم والظلال كلما سعت الشعوب الى ممارسة التغيير والتجديد في السلطة السياسية، وكأن الحكم الاموي الجائر تحول الى قاعدة فقهية عند امثال هؤلاء (الفقهاء) ليبرروا به ظلم الحكام الجبابرة، والقمع والسحق المنظم لحقوق الانسان والامتهان المستمر لكرامته المهدورة، والتي تمارسها الانظمة الجائرة ضد الشعوب المقهورة باسم الدين وباسم الاسلام.

لقد ظل هذا النوع من التفسير والتثقيف، المبرر الاول لكل عملية استيلاء على السلطة بالاكراه والقوة، بعد ان تحولت السياسة عندهم الى عمل يخص من يطلقون عليه عبارة (الاصلح) وهو بمعنى الاستيلاء على السلطة بالقوة والمكر والخديعة، بعد ان احاطوا هذا المصطلح وامثاله بحشد من الاحاديث الاموية المكذوبة منها ما ترويه الصحاح عن رسول الله (ص) قوله {من راى من اميره شيئا فليصبر عليه فان من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية} ليغلقوا، بمثل هذا التنظير، كل الابواب التي قد تؤدي الى التغيير السياسي والقيام ضد حكام الجور والظلم.

وهذا القاضي ابو يوسف صاحب الامام (ابي حنيفة) يقرر هذا المبدا في خطابه لـ (هارون الرشيد) العباسي، وهو الذي اعتلى السلطة بالقتل والفتك والتآمر، في مقدمة كتاب (الخراج) الذي الفه له، فيقول:

يا امير المؤمنين، ان الله، وله الحمد، قد قلدك امرا عظيما، ثوابه اعظم الثواب وعقابه اشد العقاب، قلدك امر هذه الامة، وانت تبني لخلق كثير، ولاك امرهم، فلا تضيعن ما قلدك الله من امر هذه الامة والرعية، فاقم الحق فيما ولاك الله وقلدك، ولو ساعة من نهار، واني اوصيك يا امير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله، ورعاية ما استرعاك الله، وانما لك من عملك ما عملت فيمن ولاك الله امره، وعليك ما ضيعت منه، فلا تنس القيام بامر من ولاك الله امره.

هذا النص يعني ان الخلافة عند (ابي يوسف) امر قلده الله للخليفة، وسلطة مكنه الله منها ليحكم بها عباده، وليس بعد ذلك كيف تقلدها أبالسيف ام بالتآمر ام بالقتل والفتك ام بالانقلاب العسكري، اذ ليس للامة دور في هذه السلطة.

وبالعودة قليلا الى الوراء، نلاحظ ان هذا الفهم توارثه (المسلمون) جيلا عن جيل حتى نصل الى الخليفة الثالث، الذي قال لمن طلب منه ان يستقيل من منصب الخلافة:

لا انزع قميصا البسنيه الله عز وجل.

ويقول ايضا:

اما ان اتبرأ من خلافة الله، فالقتل احب الي من ذلك. الى هنا ليس في الامر غرابة، اذ ان من الطبيعي ان يلجا الطاغوت، اي طاغوت ومن حوله من جيوش وعاظ السلاطين وفقهاء البلاط واصحاب الاقلام الماجورة والضمائر الميتة، وما اكثرهم في كل زمان ومكان، الى تشويه سمعة الحركة الثورية التي تنشد التصحيح والاصلاح في البلاد، خوفا على سلطته من الانهيار والزوال.

الا ان الذي يبعث على الدهشة والغرابة حقا، هو طريقة تفكير بعض ممن يذوب في الحسين عليه السلام وثورته وحركته واهدافه ومبادئه، والتي تدفعه الى عدم الاعتقاد بتفسير حركة الامام عليه السلام على انها (خروج للسلطة) على اعتبار ان مثل هذا التفسير يعطي معنى (طلب الامام للسلطة) وهذا ما يقلل من قيمة الامام ويخدش بعصمته ومكانته في قلوب المؤمنين، ولذلك يكفر امثال هؤلاء بمثل هذا التفسير والمنطق ليحفظوا للامام منزلته وقدسيته في قلوبهم، على حد زعمهم، ثم تراهم يلجأون الى التفسيرات الغيبية لمجمل واقعة عاشوراء هربا من اعمال، بكسر الالف، العقل والمنطق السليم في تفسير حركة الامام الحسين عليه السلام التفسير الصحيح والصائب والمعقول.انهم يرفضون اي تفسير (مادي) لحركة الامام الحسين عليه السلام، ويحصرون وعيهم بالغيب والعواطف فحسب، فيعتقدون بان الحسين السبط خرج للشهادة اولا واخيرا، وليس قبلها او بعدها اي خطط او رؤية كان الحسين عليه السلام قد تبناها من اجل التغييروالاصلاح.انهم يعتقدون ان (طلب السلطة) امر حرام في كل الاحوال، لا ينبغي لمثل الحسين السبط ان يرتكبه، او يتورط فيه، فالسلطة لأصحابها والامامة لاهلها.

في هذا المقال، ساحاول ان اثبت بان حركة الامام الحسين عليه السلام كانت خروجا من اجل السلطة وليست خروجا على السلطة، بمعنى آخر، انها كانت خروجا شرعيا طلبا للسلطة وليست خروجا غير شرعيا على السلطة.

وفي البدء، دعونا نطرح السؤال التالي، وهو، هل يحق لاحد ان يطلب السلطة؟ ام ان ذلك حرام لا يجوز شرعا؟.

القران الكريم يجيب على هذا السؤال بالايجاب في قوله تعالى على لسان النبي يوسف الصديق عليه السلام {اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم} وكذلك في قوله عز وجل على لسان نبي الله سليمان عليه السلام {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب} كما يذكرها القرآن الكريم في قصة النبي داوود عليه السلام مع جالوت بقوله عز وجل {فهزموهم باذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين} وفي اخرى متحدثا عن عدة انبياء {اولئك الذين آتاهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} وفي قصة النبي يحيا {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا} ما يعني ان طلب السلطة أو ممارستها ليس عيبا كما انه ليس عملا مشينا ابدا، شريطة ان يكون طالبها على قدر المسؤولية، خاصة عندما يكون مثل هذا الطلب لتحقيق العدل وانصاف المظلومين، اذ يكون في مثل هذه الحالة واجب شرعي على القادر على تحمل مسؤوليته ان يتصدى له مهما كان الثمن، والى هذا المعنى اشار الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الذي طلب السلطة اكثر من مرة منذ وفاة الرسول (ص) كما في قوله عليه السلام مثلا:

(اما والذي فلق الحبة، وبرا النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكاس اولها، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز).

وبهذا النص يحدد الامام عليه السلام الشروط التي يجب ان تتوفر لمن يطلب السلطة، والتي هي:

اولا؛ البيعة، اي قبول الناس به، فلا يطلب السلطة او ينزو عليها بالقهر والقوة، لان ذلك بمثابة الاستيلاء على حق الناس والذي لا يجوز لا شرعا ولا عرفا.

ثانيا؛ العلم بها والقدرة عليها والتمكن منها.

ثالثا؛ ان يكون طلب السلطة من اجل ردع الظالم والانتصار للمظلوم، اي اقامة الحق والعدل.

 

 

إمـام المتقين‏..‏عـلي بن أبي طـالب (عليه السلام)

سناء البيسي

 جلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المسجد الجامع بالكوفة مقر الخلافة بالعراق في أفقر بيت يؤدي بابه إلي المسجد‏..‏ بينما كان معاوية ابن أبي سفيان في قصر الخضراء بالشام ينعم كأباطرة اليونان ‏..‏ جلس علي رضي الله عنه مطرقا مفكرا تداعب أصابعه لحيته العريضة الناصعة البياض‏ ,‏ حيث استعمل الخضاب مرة لكنه تركه لأنه يخفي حقيقة شيبته ويخالف صراحة طبعه ويغير مظهره‏ ..‏ جلس سارحا متكدرا ليسأله أبو الأسود الدؤلي‏ :‏ فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ فأجاب ‏:‏ إني سمعت ببلدكم هذا لحنا في اللغة‏ ,‏ فأردت أن أصنع  كتابا  في أصول العربية‏ ..‏

فقال ‏:‏ إن فعلت هذا أحييتنا‏ ,‏ وبقيت فينا هذه اللغة لغة القرآن سليمة بلا عوج‏ ..‏ ثم أتيته بعد ثلاثة أيام‏ ,‏ فألقى إلي صحيفة فيها‏ :‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏,‏ الكلمة اسم وفعل وحرف‏..‏ فالاسم‏:‏ ما أنبأ عن المسمى‏,‏ والفعل‏:‏ ما أنبأ عن حركة المسمى‏,‏ والحرف‏:‏ ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل‏ ..‏ ثم قال ‏:‏ تتبعه وزد فيه ما وقع لك‏,‏ واعلم أب الأسود أن الأشياء ثلاثة‏ :‏ ظاهر‏,‏ ومضمر‏,‏ وشيء ليس بظاهر ولا مضمر‏,‏ وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر‏..‏ قال أبوالأسود‏:‏ فجمعت من ذلك أشياء عرضتها عليه‏,‏ فكان منها حروف النصب‏,‏ تذكرت منها‏:‏ إن‏,‏ وأن‏,‏ وليت‏,‏ ولعل‏,‏ وكأن‏,‏ ولم أذكر لكن‏..‏ فذكرها قائلا ‏:‏ ولم تركتها ؟‏!..‏

فقلت‏:‏ لم أحسبها منها‏..‏ فقال‏:‏ هي منها فزدها فيها‏..‏ وهكذا كان علي‏..‏ من روائع بلاغته ومن فيض حكمته ومن نفحات عقله نشأت علوم كثيرة مثل علوم الفقه والنحو والحساب والزهد والتصوف وعلوم الكلام وغيرها من علوم الدين‏ ,‏ حتى كان الناس من علمه وهيبته يحذرون أمامه من الخطأ ‏,‏ لكنه كان يردد قوله لهم‏ :‏ لا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ‏,‏ ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول‏:‏ الله أعلم‏,‏ وكان يحذر من مصاحبة الجاهل حتي لا يعكس عليه جهالته‏.‏

سيرة سيدنا علي إمام المتقين تراث للمسلمين جميعا‏,‏ وليس للشيعة فقط ‏,‏ إنه التراث النبيل الأعلى والأرفع والأسمى من أية مذهبية‏..‏ تراث نهج البلاغة ‏,‏ تراث الإنسانية ‏..‏ تراث لا حدود لعلمه لمن جاء في الحديث الشريف عنه أن مدينة العلم وعلي بابها‏..‏ ولمن نزلت فيه ثلاثمائة آية ‏..‏ لصاحب الأذن الواعية التي دعا له بها الرسول صلي الله عليه وسلم بعدما نزل قوله تعالي في سورة الحاقة‏:‏ وتعيها أذن واعية‏,‏ وكان علي يقول ‏:‏ ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته‏,‏ وهو الذي روي عنه خمسمائة وثمانين حديثا‏..‏ لمن كانت المقادير تدخر سمعه ووجدانه لكلمات ستغير وجه الأرض ووجه الحياة‏..‏

لمن سمع الآيات البينات مشرقة متألقة حديثة العهد يرتلها رسول رب العالمين من بعد ترتيل جبريل‏..‏ آية من بعد آية فيشرب قلب من رضي الله عنه جمال القرآن وجلاله وأسراره وفقهه وبلاغته آية من بعد آية‏..‏ لمن صار جديرا بأن يقول‏:‏ سلوني‏,‏ وسلوني‏,‏ وسلوني عن كتاب الله ما شئم فوالله ما من آية من آياته إلا وأنا أعلم أنزلت في ليل أم نهار‏..‏ لمن حين نزلت سورة الرعد‏:‏ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنا المنذر وعلي الهادي‏,‏ وبك يا علي يهتدي المهتدون‏..‏ لمن كان القرآن علمه وعمله‏..‏ سابق المسلمين‏..‏ التلميذ الأول للقرآن‏..‏ ربيب الوحي‏..‏ فما أعلمه‏.‏

علي بن أبي طالب الإمام علي‏, بن عبدالمطلب‏,‏ ابن هاشم‏,‏ ابن قصي‏,‏ بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة‏..‏ علي‏ ..‏ أبوالحسن‏ ,‏ وأبوتراب‏ ,‏ وأبو السبطين‏,‏ وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبدمناف‏ ,‏ أول هاشمية ولدت هاشميا وكان اسم الوليد حيدرة بمعني أسد علي اسم أبيها‏ ,‏ ولكن غلب عليه اسم علي الذي سماه به محمد صلي الله عليه وسلم‏,‏ وجاء مولده في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل‏,‏ قبيل الهجرة بثلاث وعشرين سنة‏,‏ وقبل بعثة النبي باثنتي عشرة سنة‏..‏ ولدته فاطمة في البيت الحرام ولم يولد قبله فيه سواه‏,‏ومن قول فاطمة‏:‏ بينما أنا أسوق هديا إلي الكعبة حيث هبل ــ إذ استقبلني رسول الله وهو يومئذ غلام شاب قبل البعثة فقال لي‏:‏ يا أماه إني أعلمك شيئا فهل تكتمينه علي‏..‏ قلت‏ :‏ نعم‏..‏ قال‏ :‏ اذهبي بهذا القربان فقولي كفرت بهبل وآمنت بالله وحده لا شريك له‏ ,‏ فقلت أعمل ذلك لما أعلمه من صدقك يا محمد‏....‏ وعندما تموت فاطمة أم علي يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بحفر لحدها بيده ويخرج ترابه ويضطجع فيه قائلا ‏:‏ اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليه مدخلها‏..‏ ويسألونه رأيناك صنعت شيئا ليس لأحد قبلها فيقول‏:‏ ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة‏,‏ واضطجعت في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر‏,‏ لأنها كانت من أحسن خلق الله تعالي صنعا إلي بعد أبي طالب‏...‏

وعندما أصاب مكة جدب وقحط أضر بذي العيال قال الرسول لعمه العباس وهو من أيسر بني هاشم‏ :‏ يا عم إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى؟ فانطلقا ليخففا عنه عياله ليضم الرسول صلي الله عليه وسلم عليا إليه‏,‏ ويأخذ العباس جعفر‏,‏ حيث رجاهما أبوطالب أن يتركا معه عقيلا مع بقية إخوته‏,‏ وكان عقيل ضعيفا سقيم البدن‏,‏ وإخوة علي خمسة أولاد هم إلي جانبه‏:‏ طالب وعقيل وجعفر‏,‏ ومن الشقيقات‏:‏ أم هانئ واسمها فاخته وقيل هند وقيل فاطمة وأسلمت في عام الفتح‏,‏ وجمانة‏..‏ ويأتي أبوطالب وابنه جعفر للرسول ليجداه يصلي وعن يمينه علي فقال أبوطالب لجعفر صل جناح ابن عمك فقام بالصلاة عن يساره‏.‏ ولم يعد بعدها أبوطالب يتعبد الأصنام ويشب علي في حجر النبي لا يفارقه‏,‏ ويزامله إلي الكعبة قبل الرسالة ليحطما الأصنام‏,‏ ويروي علي‏:‏ انطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم إلي الكعبة فقال لي‏: اجلس فجلست‏,‏ فصعد علي منكبي‏.‏ فقال لي‏:‏ انهض فنهضت‏.‏ فعرف ضعفي تحته‏.‏ قال لي‏:‏ اجلس فجلست ثم نهض بي فخيل إلي أنني لو شئت نلت أفق السماء‏.‏ فصعدت إلي الكعبة‏,‏ وتنحى هو قائلا‏:‏ ألق صنمهم الأكبر‏,‏ وكان من نحاس مؤتد بأوتاد من حديد في الأرض‏.‏ فقال رسول الله‏:‏ عالجه‏..‏ فجعلت أعالجه‏,‏ حتي استمكنت منه‏,‏ فقال‏:‏ اقذفه فقذفته حتي انكسر‏..‏ ونزلت من فوق الكعبة‏,‏ وانطلقنا نسعي بعيدا‏,‏ وخشية أن يرانا أحد من قريش وغيرهم‏....‏

علي‏..‏ كرم الله وجهه‏..‏ فهو لم يحنه لغير الله تعالي‏..‏ كرم الله وجهه‏..‏ فلم يقع علي عورة قط‏,‏ وكان إذا سقط خصمه في الصراع وأدرك أنه هالك بسيف علي‏,‏ كشف الخصم عن عورته‏,‏ كما فعل أبوسعد بن أبي طلحة في غزوة أحد فأشاح علي بوجهه تعففا‏..‏ وكان كرم الله وجهه قوي البنية‏,‏ عريض المنكبين‏,‏ ممتلئ الجسم‏,‏ عظيم العينين‏,‏ كثير الشعر‏,‏ عريض اللحية‏,‏ ربعة لا بالطويل ولا بالقصير‏,‏ ضخم عضلة الذراع‏,‏ ضخم عضلة الساق‏,‏ إذا أمسك بخصمه يكاد يلفظه أنفاسه‏,‏ وما جادل أحدا إلا أسكته‏,‏ وكان يسرع في سيره وإلي الحرب يهرول‏,‏ وحمل باب الحصن علي ظهره يوم خيبر حت صعد المسلمون عليه ففتحوها‏,‏ وجاهد أربعون رجلا في قلب ذلك الباب فما استطاعوا‏,‏ وعندما تقدم في العمر دهمه الصلع‏,‏وقد بلغ من عمق تأثيره علي الآخرين أنه اشترى عبدا فعلمه الإسلام وأعتقه‏,‏ لكن العبد لازمه‏,‏ حتي إذا مات النجاشي ملك الحبشة‏,‏ واضطربت الأمور من بعده اكتشف أن ذلك العبد هو ابن النجاشي قد اختطفه تجار الرقيق طفلا وباعوه في مكة‏,‏ فأتي قوم من الحبشة يعرضون عليه ملك الحبشة وريثا لأبيه النجاشي‏,‏ لكنه رفض الملك وآثر البقاء علي الإسلام في صحبة علي كرم الله وجهه‏..‏ ويركز الزمخشري فضائل علي بن أبي طالب في قول الرسول‏:‏ يا علي إنك أول من يقرع باب الجنة فتدخلها بغير حساب بعدي‏..‏ وأنه من افتدى الرسول ونام في فراشه مفوضا أمره إلي ربه ولم يضطرب حين دخل عليه المشركون شاهرين السيوف وكان جبريل يحرسه عند رأسه وميكائيل عند رجليه‏..‏وأنه كان يشتري حاجات أهله ويحملها بيديه فإذا اقترب بعض مرافقيه ليحملونها عنه أبي وقال مبتسما‏:‏ أبوالعيال أحق بحمله‏!!..‏ ويرتدي وهو خليفة جلبابا اشتراه من السوق بثلاثة دراهم‏..‏ ويركب حمارا‏,‏ وقد تدلت علي جانبيه ساقاه‏,‏ وكأنه أحد فقرا البادية‏,‏ ويعزم عليه أصحابه أن يركب جوادا يليق بأمير المؤمنين فيجيبهم‏:‏ دعوني أهن هذه الدنيا‏!!‏ وأنه من أوكل إليه الرسول أمر رد الودائع لأصحابها وقت الهجرة‏,‏ وقد شهد جميع الغزوات إلا غزوة تبوك‏,‏ حيث خلفه الرسول علي النساء والأطفال قائلا له‏:‏ أما ترضى بأن تكون مني بمنزلة هارون من موسي إلا أنه لا نبي بعدي‏..‏ وأنه الممدوح بالسيادة فقد قال الرسول لابنته فاطمة‏:‏ زوجك سيد في الدنيا والآخرة‏..‏ وأنه أقضي الصحابة لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أقضاكم علي‏,‏وكان عمر بن الخطاب يقول عنه أعوذ بالله من معضلة لا علي بها‏,‏ ولولا علي لهلك عمر‏..‏ وأن الرسول انقطع عن أصحابه لأجله‏,‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله افتقدناك‏,‏ فقال‏:‏ إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه فتخلفنا عليه‏..‏ وأنه جمع ثلاث مفاخر لم تجتمع لأحد سواه لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله له‏:‏ يا علي أعطيت ثلاثا لم يعطها أحد غيرك‏:‏ صهرا مثلي‏,‏ وزوجة مثل فاطمة‏,‏ وولدين مثل الحسن والحسين‏..‏ وهو الذي أطلق عليه حين نضجت مناقبه إمام المتقين‏..‏ وفي هذا يقول علي لقومه‏:‏ تعلمون موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة‏, والمنزلة الخصيصة‏,‏ وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلي صدره‏,‏ ويكنفني فراشه‏,‏ ويمسني جسده‏,‏ ويشمني عرقه‏,‏ وما وجد لي كذبة في قول‏,‏ وكنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه‏,‏ يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما‏,‏ ويأمرني بهذا الاقتداء‏..‏

وقد يأتي الحق جليا أمام من لا يريد سماعه ممن لا يستطيع إلا قوله رغم ما أصابه‏..‏ يدخل عدي بن حاتم علي معاوية بن أبي سفيان الذي يسأله عن أولاده‏:‏ أين الطرفات؟‏!‏ وكان يعني طريفا وطارفا وطرفة أولاد عدي‏..‏ فيجيبه عدي‏:‏ قتلوا ثلاثتهم يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب‏..‏ فقال معاوية‏:‏ والله ما أنصفك ابن أبي طالب‏,‏ إذ قدم بنيك‏..‏ وأخر بنيه‏..‏ صف لي عليا إذ قتل وبقيت‏..‏ فقال عدي‏:‏ إن رأيت أن تعفيني‏.‏ فقال معاوية‏:‏ لا أعفيك‏..‏ فعاد عدي يصف عليا بقوله‏:‏ كان بعيد المدي‏,‏ شديد القوي‏,‏ يقول عدلا‏,‏ ويحكم فصلا‏,‏ تتفجر الحكمة من جوانبه‏,‏ والعلم من نواحيه‏,‏ يستوحش من الدنيا وزهرتها‏,‏ ويستأنس بالليل ووحشته‏,‏وكان والله عزيز الدمعة طويل الفكرة‏,‏ يحاسب نفسه إذا خلا‏,‏ ويقلب كفيه علي ما مضي‏,‏ ويدنينا إذا أتيناه‏,‏ ونحن مع تقريبه لن وقربه منا لا نكلمه لهيبته‏,‏ ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته‏,‏ فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم‏,‏ يعظم أهل الدين‏,‏ ويتحبب للمساكين‏,‏ لا يخاف القوي ظلمه‏,‏ ولا ييأس الضعيف من عدله‏.‏ وأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه‏,‏ وأرخي الليل سرباله‏,‏ وغارت نجومه‏,‏ ودموعه تتحادر على لحيته‏,‏ وهو يتململ ويبكي بكاء الحزين‏,‏ فكأني الآن أسمعه وهو يقول‏:‏ يا دنيا غري غيري‏,‏ قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك‏,‏ فعيشك حقير‏,‏ وخطرك يسير‏,‏ آه من قلة الزاد‏,‏ وبعد السفر‏,‏ ووحشة الطريق‏....‏ هنا انهمرت دموع معاوية‏,‏ وجعل ينشفها بكمه‏,‏ ثم قال‏:‏ يرحم الله أبا الحسن كان كذلك‏.,‏ وبموته ذهب الفقه والعلم‏,‏ ثم أضاف قائلا لعدي‏:‏ فكيف صبرك عليه؟ فأجاب عدي‏:‏ كصبر من ذبح ولدها‏,‏ فهي لا ترقأ دمعتها‏,‏ ولا تسكن عبرتها‏..‏ ثم سأل معاوية‏:‏ فكيف ذكرك له؟‏..‏ فقال‏:‏ وهل تراني أنساه‏.‏

في خجل يقترب علي من ابن عمه وعلى وجهه كلام لم ينطق به‏,‏ فيدرك النبي أن ابن عمه وأخاه قد جاء في أمر يمنعه الحياء من الإفصاح عنه فيسأله‏:‏ ما خطب ابن أبي طالب؟‏..‏ فلم ينطق من يغض بصره سوي بالاسم‏..‏ فاطمة‏..‏ دو تعقيب‏,‏ وما نطق الأب سوي بكلمتين لا ثالث لهما‏:‏ مرحبا وأهلا‏..‏ وبعدها‏..‏ أمسك الرسول عن الكلام‏,‏ وطال صمته لينصرف علي حائرا يدير الكلمتين‏..‏ يستنطقهما‏..‏ ليظل منهما متخوفا ألا يكون فيهما استجابة‏,‏ خاصة أن رسول الله كان قد رد كلا من أبي بكر وعمر بن الخطاب من قبل عندما جاء كل منهما لخطبة فاطمة‏,‏ ووقتها كان رده الجميل المقنع لكليهما‏:‏ لم يأذن الله بعد‏..‏ ولكن طمأن الجمع عليا بقولهم أنه كان يكفيه تعبيرا عن موافقة الرسول إحدي الاثنتين مرحبا أو أهلا‏..‏ ولم يكد يطلع نور الصبح حتي استجمع علي شجاعته ليفصح بالجملة المفيدة‏:‏ لقد أتيتك يا رسول الله خاطبا ابنتك فاطمة فهل زوجتني إياها؟‏..‏

وكانت فاطمة التي قاربت وقتها عامها الثامن عشر تحس بإلهام فطرتها ووحي قلبها أن عليا متعلق بها غير منصرف عنها ولا راغب في سواها من بنات المسلمين‏..‏ وكذلك كانت هي لم تشعر بمن هو أقرب إليها من علي وأعز موضعا‏..‏ و‏..‏ ما أن يطلب على فاطمة حتى يتهلل وجه النبي منبسطا سائلا‏:‏ وهل عندك شيء تصدقها به؟ فيجيبه الخاطب صادقا‏:‏ لا يا رسول الله‏..‏ فيعود ليسأله‏:‏ وأين درعك؟‏!‏ فينطلق ليأتي به ليأم الرسول ببيعه ليجهز العروس بثمنه‏,‏ ويتقدم عثمان فيشتريه بأربعمائة وسبعين درهما قام علي بوضعها أمام المصطفى الذي دفع بعضها إلى بلال ليشتري عطرا وطيبا‏,‏ وبالباقي لأم سلمة رضي الله عنها لتشتري جهاز العروسين اللذين أهداهما عليه الصلاة والسلام بساطا من الصوف الأبيض‏..‏

وقام علي بإعداد بيته لاستقبال بنت أشرف الخلق‏..‏ حجرة متواضعة خلف بيت النبي صلى الله عليه وسلم عن يسار المصلي إلى القبلة في الروضة وكان فيه خوخة ــ ممرا ــ إلي بيت النبي صلى الله عليه وسلم ــ حيث كان يأتي بابها كل يوم يأخذ بعضادتية ــ ضفتيه ــ ويقول‏:‏ الصلاة الصلاة‏,‏ وعن عمر بن علي بن الحسين قوله‏:‏ كان بيت فاطمة في موضع الزور مخرج النبي صلى الله عليه وسلم‏,‏ وكانت فيه كوة إلي بيت عائشة رضي الله عنها‏,‏ فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى المخرج اطلع من الكوة إلي حجرة فاطمة فعلم خبرهم‏..‏ وكان يحدث فاطمة من الكوة أحيانا ليسألها عن أحوالهم‏..‏ البيت حجرة متواضعة فرشت بالرمل الناعم‏,‏ وفراش ووسادتين حشوهما من ليف هذبته بأيديهما زوجتا رسول الله عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما‏,‏ وعود في جانب البيت لتلقي عليه الثيا وتعلق القربة‏,‏ وجلد كبش يقلب على صوفه فيصير فراشا‏,‏ وإناء به سمن جاف يطهي به‏,‏ وقربة للماء وجرة وكوز‏,‏ ورحي‏,‏ ومنخل‏,‏ ومنشفة‏..‏

وخفت نساء الأنصار الثريات فأهدين فاطمة ردائين للزفاف‏,‏ وبعض حقاق من الطيب والعطور‏,‏ وأقرضنها بعض الحلي من الذهب والجواهر‏..‏ وفي موعد القران احتفل بنو عبدالمطلب فأتى حمزة عم النبي وعم علي بشارفين ــ جملين ــ نحرهما وأطعم الناس‏..‏ وما أن فرغ الجمع من الطعام حتي أتي الرسول ببغلته الشهباء وثني عليها قطيفة قائلا لفاطمة اركبي وأمر سلمان أن يقود بها‏,‏ ومشى الرسول خلفها ومعه حمزة وبنو هاشم مشهرين سيوفهم‏,‏ وأمر بنات عبدالمطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة وأن يفرحن ويرتجزن‏..‏ وينثر الرسول علي رأسي الزوجين ماء معطرا مع قوله‏:‏ اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا‏..‏ ويسأله علي‏:‏ يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي؟ فيرد عليه صلى الله عليه وسلم‏:‏ هي أحب إلي منك‏,‏ وأنت أعز علي منها‏..‏ واعتاد الرسول أن يزورهما ليطمئن على أحوالهما‏,‏وكان إذا أوصى عليا بها قال‏:‏ فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني م آذاها ويهديهما كلمات علمها له جبريل للتغلب على المصاعب‏:‏ تسبحان بعد كل صلاة عشرا‏,‏ وتحمدان عشرا‏,‏ وتكبران عشرا‏,‏ وإذا آويتما إلى فراشكما‏,‏ تسبحان ثلاثا وثلاثين‏,‏ وتحمدان ثلاثا وثلاثين‏,‏ وتكبران ثلاثا وثلاثين‏‏..‏ وتلد الزهراء الحسن والحسين ليكون اسميهما نغمة حلوة في فم أبي الزهراء يستعذبها ولا يمل من ترديدها‏...‏ ويلقى ابنته وزوجها وقد غلبهما النعاس‏,‏ والحسن يبكي ويطلب طعاما‏,‏ ولا يهن علي الأب الكريم أن يوقظ العزيزين النائمين‏,‏ فأسرع إلي شاه كانت تقف في ساحة الدار‏,‏ فحلبها وسقي الحسن من لبنها حتي ارتوي‏,‏ وكان يقول لابنته معاتبا إذا ما بلغ مسمعه صوت بكاء الحسن‏:‏ أو ما علمت أن بكاءه يؤذيني‏.‏

ومن بعد وفاة الرسول لم تر الزهراء إلا حزينة باكية تدعو أن تلحق بأبيها كما بشرها قبل الرحيل‏..‏ وما أسرع ما لحقت به بعد ستة أشهر‏,‏ حيث اغتسلت ولبست ثوبا جديدا واضطجعت علي فراشها وسط البيت واستقبلت القبلة وتهيأت للقاء ربها ولقاء أبيها الحبيب‏..‏ ثم أغمضت عينيها‏..‏ وأسرع علي يجهزها ويدفنها سرا كما أوصت ويبكي على قبرها قائلا‏:‏

لكل اجتماع مــن خليلين فرقــة وإن الذي دو الفراق قليل

وإن افتقادي واحدا بعد واحد دليل عــلى ألا يدوم خــليل

ويعود إلى داره وحيدا مع أحزانه‏,‏ يواسي صغاره‏:‏ الحسن والحسين ومحسن وقد مات صغيرا وأم كلثوم وزينب‏,‏ ورقية وماتت صغيرة قبل البلوغ‏,‏ ولم يتزوج علي على فاطمة حتى وفاتها‏..‏ وكان في عصمته يوم قتل أربع زوجات هن‏:‏ أمامة‏,‏ وليلى بنت مسعود التميمية‏,‏ وأسماء بنت عميس‏,‏ وأم البنين‏..‏

غزير الدمع‏..‏ طويل الفكر‏..‏ المخوشن في سبيل الله‏..‏ كان في رمضان من السنة التي قتل فيها يفطر ليلة عند الحسن‏,‏ وليلة عند الحسين‏,‏ ولا يزيد في أكله على ثلاث أو أربع لقمات ويقول‏:‏ يأتيني أمر الله وأنا قميص جائع‏,‏ ولم يمض الشهر حتي قتل رضي الله عنه لتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما علمت بمصرعه‏:‏ فلتصنع العرب ما شاءت فليس لها أحد ينهاها‏..‏ أبا الحسن‏..‏ الأمور تقترب من نهاياتها‏..‏ البطل يقف بين فتنتين عارمتين‏..‏ الشام تصيح‏:‏ يالثارات عثمان‏!!..‏

وفي العراق صيحة‏:‏ لا حكم إلا لله‏!!..‏ ولئن كانت الأولى أعتى وأوسع‏,‏ فإن الثانية أمض وأوجع‏,‏ ذلك أن ذويها ومشعليها الذين كانوا بالأمس أتباعه وجنده‏, هم الذين أصروا على قبول التحكيم حين كان يحذرهم منه ويدعوهم إلي رفضه‏..‏ وصدق رسول الله حين قال‏:‏ ستكون فتنة‏,‏ القاعد فيها خير من القائم‏,‏ والقائم خير من الماشي‏,‏ والماشي خير من الساعي‏..‏ ويضع الإمام الذي ضاق بهم ذرعا مصحفه فوق رأسه قائلا‏:‏ اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه‏(‏ المصحف‏)‏ فأعطني ثواب ما فيه‏.‏ اللهم إني مللتهم وملوني‏,‏ وأبغضتهم وأبغضوني‏..‏ اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء‏..‏ وإلي أي حد ضاق الإمام بهم ذرعا حتي دعا عليهم ودعا لنفسه قبل استشهاده بأيام والله لوددت أن الله أخرجني من بين أظهركم‏,‏ وقبضني إلي رحمته من بينكم‏..‏ ولوددت أني لم أركم ولم أعرفكم‏..‏ فقد‏,‏ والله ملأتم صدري غيظا‏,‏ وجرعتموني الأمرين أنفاسا‏,‏ وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان‏..‏ وسارع القدر يلبي رجاءه‏.‏

يزعق الإوز في وجه الإمام عند دخوله المسجد‏..‏ يحاول الناس إسكاته فيقول الإمام‏:‏ ذرهن فإنهن النوائح‏..‏ وكان اغتياله يسيرا لا يتطلب جلدا ولا قوة ولا بطولة‏..‏ فقط ضميرا ميتا وقلبا أعمى..‏ كان الإمام بلا حرس‏..‏ وكانت هناك فطام بالغة الجمال من الخوارج التي قتل أخاه وأباها يوم القيروان‏,‏ وشرطها على عبدالرحمن بن ملجم لنيل رضاها أن يكون المهر ثلاثة آلاف وعبد وجارية‏,‏ وقتل علي بن أبي طالب‏...‏ وكان السيف مسلولا سقاه بن ملجم السم أربعين يوما‏..‏ و‏..‏ قتل الإمام‏..‏ قتل أبو تراب الذي طلب في لحظاته الأخيرة شربة لبن‏,‏ وأمر لقاتله بمثلها‏...‏ قتل إمام المتقين الذي صدق عندما قال‏:‏ يأتي علي الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل الواشي‏,‏ ولا يظفر فيه إلا الفاجر‏,‏ ولا يضعف فيه إلا المنصف‏,‏ زمان يتخذون فيه الصدقة مغرما‏,‏ وصلة الرحم منا‏,‏ والعبادة استطالة على الناس ــ أي تكبرا ــ فعند ذلك يكون سلطان النساء‏,‏ ومشاورة الإماء‏,‏ وإمارة الصبيان ‏..‏

أبا الحسن ‏..‏ لقد أتي هذا الزمان‏ ..‏ زماننا الآن.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق