الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد :(916) الاثنين 4 محرم 1431 هـ/21 كانون الاول 2009

الثقافية

مدينة الاثل (للقاص عبد علي اليوسفي) هيمنة السلطة المعرفية

ايمان عبد الحسين

مما لاشك ان رغبته بالخلاص من ثقل الظروف المازومة ومن احساسه بالعجز من ايجاد المخرج والخلاص للنفاذ من الضغوط التي سببها الوضع المتناقض الذي خلفته الحروب ومن حاجته الانفتاح على فضاءات وعلى شخوص اكثر سعة واهمية كي يتمكن من بث افكاره خلالها. تعد ابرز الهواجس التي دفعت القاص عبد علي اليوسفي بان يجعل شخصياته ترتاد الاحلام وتصطنع الحكايات الوهمية التي تتم في مملكتها الخيالية في المجموعة المعنونة (مدينة الاثل) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة (بصمات).

فعندما نستعرض قصص المجموعة نجد ان اهم ما يميزها ان السياق الذي تدور به يحمل هجاء قاسيا مبطنا من الحروب ومن الماسي التي تخلفها هذه الحروب اذ تبدو اغلب القصص مازجة في الان ذاته بين الالم والسخرية، فحسبما ينص العنوان وفي المتن فان هذه المجموعة في تماس مع عوالم يهيمن عليها اللون الاخضر الذي يبدو معادلا للحرب “كانت الاشجار قد زرعت بكثافة وعناية بحيث لا يوجد بيت او محل او متجر الا ويتفيا بشجرة اثل وتعالى الاثل زاهيا بلونه الاخضر وهو يتسيد فضاء المدينة الاثلية ص2” اتى رجل اثلي متعصب لاثليته صعد على الة حربية محطمة ص6 (قصة مدينة الاثل) وفي قصة الخوذة تبدو السخرية من اللون الاخضر متاتية عبر الخوذة التي تمثل احد رموز الحرب يمكن وصفها بدقة خوذة حديدية ذات لون اخضر داكن مغطاة بشبكة صغيرة من خيوط القنب - ما زالت معلقة منذ زمن لايمكن تحديده على وجه اليقين ص11 الحرب انتهت وباع الجنود الملابس العسكرية والمعاطف والانطقة و(البيريات) و(البساطيل) وامتلأت اسواق المدينة بالملابس الخاكية والخوذ المتنوعة والبنادق والحراب والاعتدةوالاوسمة والنياشين ووالدتي تصر على الاحتفاظ بالخوذة ص15 (قصة الخوذة)..

ورغم سخرية القصص من واقع الحروب لكنها تعد في نفس الوقت قراءة حقيقية للواقع نفسه مقيدا من خلال منظور المتخيل القصصي قصص تنبثق من واقع الحياة ولكنها في الوقت نفسه تقيم علاقة متواشجة مع ما وراء هذا الواقع.

ومن هذه النتيجة ايضا ينطلق القاص ليقدم خطابه الاخر المرتكز فيه على الالتفات الى الداخل ومن ثم الى الخارج بعناصره المشتركة والمختلفة متسلحا بالمخيلة والسلطة المعرفية التي ترجع الى ثقافته التي من خلالها يحاول ان يرتفع بالشخصيات التي يخرجها من بطون الكتب ومن النصب ومن اللوحات الى متن نصه القصصي ولذا يمكن القول بان المرجعية الاساسية لقصصه تكاد تكون مرجعية مستنبتة من داخل الكتب التي ربما قراءها او قام ببيعها وان ما يؤيد ذلك هو اشارته في اكثر من موقع عبر الشخصية الساردة الى الاثر الذي تركه بيع الكتب فيه، فهو يكشف عن المعاناة التي يتعرض لها البطل وهو يستذكر الكتب التي باعها، وحجم الصراع المتاجج في داخله والمتشكل من هذا الفقدان في قصة (رصاصة همنغواي) ضاعت لمن تقرع الاجراس في جزيرة ام الرصاص كانت ومجموعة كتب اخرى في صندوق عتاد فارغ ملأته بمسودات قصص وقصائد ويوميات ص18 وفي (قصة جولة السيد بورخس) انا الان بلا مكتبة لقد تعرضت مكتبتي الى هجمات عاتية من البيع فكنت كلما تعرضت الى ازمة مالية قمت ببيع مجلداتها بابخس الاثمان وبعت الف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وتاريخ الوزارات وروايات كل من نجيب محفوظ وفوكنر وماركيز وهمنغواي وكتاب الرمل لبورخس وذهب مع الريح بجزئين 57 وربما هذه المعاناة كانت من الاسباب الاخرى الخفية التي تحرك البطل باتجاه الحلم التي من خلاله رافق مبدعي هذه الكتب ربما ليحقق من خلالهم تعويضا عن هذا الفقدان، فشخصيات مجموعة مدينة الاثل تحميل اغلبها قدرا كبيرا من المعاني والهموم والمشاعر المشتركة وهي جميعها تمتلك سمة الانتماء الى مملكة الابداع من فنانين وادباء وفي سبيل ان يربط بينهم وبين الشخصية الساردة راح يبحث عن القواسم المشتركة والمختلفة فيما بينهما بحيث تظل هناك مسافة تتيح التشابه والاختلاف فان الشخصية الساردة تتشابه مع همنغواي في اشتركهما في الانسانية ولكنها تخالفه في الوقت ذاته من كونه امريكيا فقد ما كل هذا القرب بيني وبينك وانت من بلد استحكم العداء بينه وبين بلدي ص17 (قصة رصاصة همنغواي) وتخالف همنغواي ايضاً في رفضه لقتل نفسه” اين انت يا رصاصة همنغواي اعطني اياها ايها الشيخ لن ادعها تخترق راسي بل ساتركها بعيدا عني” ص21 (قصة رصاصة همنغواي) ولكنها في الوقت ذاته توافقه بما اراد ان يقوله في الشيخ والبحر هو ان الانسان قد يدمر بل قد يموت، ولكنه لايهزم، كما ان التشابه بين بطل قصة (جولة السيد بورخس) وبين بورخس ليس بكونه قاصا فحسب “سيدي برخس اعترض وهو يؤشر باصبعه قل صديقي الم تك قاصا “ ص62 وانما ان التشابه بين بورخس يكون ايضا في ان الاثنين ينتمون الى نفس الظروف والبيئة السياسية “قلت الا تذكر يا بورخس عصابة المازوكا الارهابية؟ بدا ساهما كمن يتذكر شيئا مبهما ثم اخذ نفسا عميقا من سيجارته وقال المازوكا عصابة ارهابية عاثت فسادا في الارجنتين قلت الا ترى العصابات في بلادي تشبه تلك؟ قال ذلك في زمن الدكتاتور روزاس قلت هاهي تركة من حكموا بغداد ص63 كما انه يجد في نصب الحرية لجواد سليم تحفة ابداعية تاتي متناقضة مع وجود اللصوص تحتها” كدت اقترب من ساحة الحرية ونصب جواد سليم معلق بالهواء وكانه لا قيمة له هذا العمل الفني البديع الذي تنتابه الريح المغبرة ولا يتجول تحته غير اللصوص ص59 كما ان الفرق والتناقض بين البطل في قصة (حارس المدينة الباسل) وبين جندي جواد سليم هو ان جندي جواد سليم يبدو ضاحكا رغم الهزائم ورغم الساق المبتورة للبطل بعد ان بترت قدمي في احد المعارك التي نشبت بضراوة في المدينة ولسنوات طويلة فكان هو عزائي اذ انظر اليه واتمتع بمنظره وهو يرتدي كامل بزته العسكرية ويقف على رجليه ص39 برغم الهزائم والانكسارات والخراب الذي حل بالمدينة واصطبغ ماء نهرها بالدم ذات يوم بالحبر وضحكته لم تتغير ص37 وبهذا يبدو ان الفقدان ياتي هنا فقدانا جسديا من خلال بتر الرجل وفقداناً فكريا من خلال فقدان الكتب.

تبعا لما سبق نرى ان الراوي الذي يواصل مهمة القاص العليم على مدار المجموعة تبدو في الواقع شخصياته على الرغم من تنوعها تطرح ملامح شخصية محورية مغلفة بوجعها الانساني وهي شخصية المثقف الاديب الذي يعاني التمزق والفقدان.

 

 

العلامة في عالم من الإشارات والرموز

حاتم الصكگر

تهتم الدراسات السيميائية بالعلامة وتراجع أصولها اللسانية واللغوية والمعرفية. وفي هذا الاتجاه يأتي كتاب السيميائي والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو، "العلامة"، الذي ألفه عام 1973 بعد كتابيه: "العمل المفتوح" و"البنية الغائبة". وهنا يقدم سعيد بنكراد ترجمة للكتاب، مضيفاً لعنوانه حاشية مفسرة هي "تحليل المفهوم وتاريخه.

 تمت ترجمة كتاب إيكو عام 1988 إلى الفرنسية، التي يترجم منها إلى العربية. وفي مقدمته يوضح المترجم خطة الكتاب المتمحورة حول الرموز وأشكالها المتعددة، سواء ما تقدمه الطبيعة للبشر أم ما يصطنعون خلال حياتهم على الأرض. فالعلامة -كما يقرر إيكو- توجد كلما استعمل الإنسان شيئاً ما محل شيء آخر.

فالعلامة وسيط بين الإنسان والعالم الخارجي، وهي ضرورة لإنجاز اجتماعية الإنسان، فالسيميائيات التي تدرس العلامة -كما يتوصل المترجم- ليست نظريات فحسب، بل هي ممارسة، وذلك ما تؤكده الأمثلة التي يتخذها إيكو استعانات لتوضيح وجهات نظره وهو يحاور الفرضيات القديمة في الدرس السيميائي، كما مثَّله بيرس وموريس وسوسير وكريماس، ويعرض ما يسميه "الغزو الشامل للعلامات" ووجودها المتصل بالحضارة وفي ميدانها الفسيح: المدن.

هكذا يبدأ إيكو كتابه مخترعاً سرداً متخيلاً عن مواطن إيطالي يحاول خلال زيارة لباريس أن يصل إلى طبيب بعد أن أحس بألم في بطنه، فيخوض عالماً من العلامات يبدأ باستخدام الهاتف في قبو الحانة للاتصال برقم الطبيب، ويمر بإشارات الطرق ومنحنياتها، وينتهي عند العيادة وبوابتها وجرسها، وثم شرح الحالة للطبيب، وما يتبع ذلك من علامات مقابِلة يستخدمها الطبيب ليفهم حالة المواطن..

يتسم كتاب إيكو بطابع مدرسي أيضاً، فهو يقدم في التمهيد عدة تعريفات ومفاهيم تتصل بالعلامة في حقول متعددة، ولغات وحضارات وأزمنة مختلفة، ثم يتوقف في الفصل الأول عند السيرورة السيميائية من الجانب التواصلي التقليدي الذي يرد كلما تذكرنا الرسالة وإرسالها من قبل باثٍّ عبر قناة في سياق إرسالي لمرسل إليه، لديه السنن المشترك مع الباث، وهو ما يقودنا إلى تفحص الدلالة التي ينقل إليها الدرس السيميولوجي الجديد كيان العلامة ووجودها كله، ويرهنها ببعدها التداولي.

ويتصدى إيكو في فصل لاحق لتصنيف العلامات: اصطناعية، وطبيعية (كإشارات المرور: قفْ - سرْ في الأولى، والسُّحب علامة على المطر في الثانية)، فضلاً على العلامات الفضفاضة والملتبسة والوحيدة المعنى وسواها. وهو بذلك يضع معايير لتمييز العلامة تربطها بالمرجع والمتلقي والتمييزات الممكنة بناء على ذلك، كالتمييز بين المؤشِّر (علاقة الدخان بالنار) والرمز (علامة اعتباطية ترتبط عرفياً مع موضوعها، كالشهيد) والإيقونة (الصورة الفوتوغرافية مثلاً).

في فصول لاحقة تتعمق دراسة إيكو لتلاحق المقاربة البنيوية للعلامة كما بدأها سوسير، ويعالج المساهمات الثقافية والفلسفية في دراسة العلامة.

يجيب كتاب إيكو على الكثير من التساؤلات حول دور العلامة في التواصل البشري وإنتاج الدلالات، وإجراء الرموز في الحياة، وهو ما تدعو إليه الدراسات السيميائية المعاصرة، وتستفيد منها الفاعلية النقدية في تحليل النصوص الأدبية، خاصة بكونها تستند فنياً إلى تمثلات ثقافية لعلامات المحيط ومؤثراته المعرفية.

 

 

قصة قصيرة

مـسـألـة كـرامـة

علي خضر الساعدي

بعد أن أزف النهار , راح ماجد يردد تساؤلاته المعتادة حول تلك المرأة , العجوز مظهراً الشابة تصرفاً , أنها فاقت حدود الثقة و الأعتزاز بالنفس ليست كباقي النساء . كان يشاهدها كل يوم تقريباً . ترى من هي هذه المرأة ؟ .. و لماذا تختار هذا الركن من شارع النهر دون سواه ؟ تجلس على هذا الصندوق الخشبي , يهتز تحت جسدها الفاني بصريرٍ مسموع تقبل الصدقات من المارة , بينما لا يبدو عليها أنها في عَوزٍ و فقرٍ شديدين يلفها صمتٌ و هدوء طول النهار .. كانت تشغل باله كلما نظر أليها , يبدو أن حياتها لم تكن عادية . و أن سراً كبيراً يكمن فيها .. و في ذات يوم , كانا سوية أنبَهُ صديقه محمد على أنشغاله بها , عندما تناسا وجوده معه , فقد لاحظ شروده قد زاد عن حده , و لنبله و شهامته خاف أن يخسر صداقته الى الأبد بعد أن رأى ما بدى عليه من هلوسة محمومة أفقدته رشده و صوابه و هب لأنقاذه مما هو فيه لكن ماجد باغته قائلاً : أنظر ... أنظر الى تلك المرأة ! أية أمرأة .. تلك .. تلك التي تجلس على ذلك الصندوق الخشبي .. آه .. تقصد أم حسن !! . من هو حسن ؟ . أنه جارنا الذي رحلوه عنوة و عائلته و رموهم على الحدود , بلا رحمة , بحجة أنهم غرباء عن هذا الوطن .. أندهش حامد لما سمع , و لم يصدق بادئ الأمر يا للمأساة ! أ هكذا يُعامل أهل الأرض .. ألا أن محمد أكد له ذلك و أقسم له عاى صدق ما ذكره .. و هنا لم يطق حامد صبراً . و طلب بألحاح من صديقه محمدأن يطلعه على كل ما يعرف عن أم حسن هذه .. و الأسباب التي آلت بها الى هذه الحالة .. و هنا لم يجد محمد مناصاً من أطلاع حامد على قصة أم حسن . و أشترط أن يكون ذلك عندما يلتقون في ( مقهى الخفافين ) . مساءً . و على مقعدين من خشب الأبنوس الأصفر في تلك المقهى القريبة من شاطئ النهر الجميل جلس الصديقان يرتشفان شـراب ( الأسكنجبيل ) . و بعد أن أنهى أرتشاف قدحه .. بدأ يروي القصة مباشرة : أم حسن هذه من عائلة غـنية جـداً رُحـلـَت قسراً و عـنوةً مـن البلد , فـقـد ابعدوها و زوجها مـن هـذه الأرض بحجة أنهـم ( تبعية ) الى بلدٍ آخر . لأنها زوجة لأحد التجار الميسورين في بلدٍ مجاور , منذ عشرين سنة قبل بدء الحرب .. و الآن عادت ... كانت أم حسن زوجة من النوع المسيطر لا يستطيع أحداً أن يعصي لها أمراً . و قد ساعدها في التمتع بتلك السيطرة و المحافظة عليها يسر حالة زوجها و ضعف شخصيته أمامها ... و هكذا عاشت أم حسن مع زوجها و كأنها ملكة متوجة .. و أنجبت له من الأولاد واحداً و من البنات ثلاثاً . و أستمر الحال على هذا المنوال . و قد تغيرت الدنيا و كل شئ , ألا أمُ حسن . التي ظلت على حالها آمرةً ناهية ربما هذه صفة لصقت بها أثناء الغربة .. حتى بعد وفاة زوجها في المنفى قبل أنتهاء الحرب . و بقيت هي و أولادها يستنزفون ما جمعوه و ما تركه الوالد حتى أتوا عليه .. و دارت عجلة الزمن , و أنهى حسن تعليمه , و توظف , و كذا تزوجت البنات الثلاث .. و كانت أولى الضربات التي وجهت الى أم حسن هي أملها بأزواج بناتها الذين ظنت أنها ستضمهم الى الحاشية و تسيطر عليهم أضافة الى بناتها .. و كانت ضربة شديدة مؤلمة تلك التي وجهها الأزواج الثلاثة بعدم الأنصياع لأوامرها و الدخول في زمرة مطيعيها و الخاضعين لسيطرتها , و أكثر ألماً ضربة البنات اللواتي وجدنها فرصة لتخلص من جبروت أمهن فوقفن مع أزواجهن و رفعن راية التمرد و العصيان و هنا فقدت أم حسن جزءً كبيراً من رعيتها , و مملكتها  المنهارة .. و قد تقبل حسن كل هذا بهدوء و صبر , يصل الى مستوى , صبر أيوب .. و كان أمله أن يأتي اليوم المناسب سريعاً كي يتخلص من طوق سيطرتها ... و دارت الأيام و تعرف حسن على ( سميرة ) زميلته في العمل . الفتاة الجميلة المتعلمة , التي أحبها و قرر الزواج منها .. و كانت عملية صعبة جداً أقناع أمه بالموافقة على زواجه .. فخافت أمه أن تفقده أيضاً أن هي وافقت على هذا الزواج . فعارضت في البداية معارضة شديدة .. و كانت كمن يتمسك بآخر أمل في الحياة فتغلبت على غرورها و رضخت صاغرة , بعد أن قدم لها حسن كل التعهدات المطلوبة بأن يجعل من زوجته جزءً منه و تابعاً له و لها .. و هكذا تم الزواج . مضت الأيام مسرعة طفحت على السطح بوادر التناقض بين تفكيرها و تفكيرهم ( فكرة التناقض بين جيلين ) و بدى المنزل مشحوناً بمشادات كلامية باردة , مهدت الفرصة لأنعاش آمال الأستقلال و العيش دون سيطرة أو تدخل ممجوج من قبل الأم , فجر هذا التبدل الزوجة الصغيرة و الأبن الذي أنتصر لها و ساندها و وقف الى جانبها ضد تسلط أمه .. و كان الأنفجار شديداً و التصدع في العلاقات بين الأم و أبنها البكر , أكبر من أن يكون له حل و رأب غير التغير الكامل و الشامل في العلاقات بين الأفراد الثلاثة .. و لشدة الصدمة صعب على أم حسن أن تتخلى عن آخر قلاعها و تخسر الحرب , التي أججت أورها الزوجة الصغيرة مدحورةً منصاعةً الى رغبات فلذات كبدها , و رفضت أن تقبل المشاركة في قيادة دفة السفينة العائلية وسط هذه اللجج من التغيرات العائلية , و لاذت بالصمت على مضض و قد حاول حسن أن يبقيها الى جانبه في البيت , و لكنها رفضت بأباء و عناد و ركبت رأسها , و فضلت ترك المنزل على الرغم من أنه لا يوجد لديها ما يعينها على أمور الحياة .. كونها فقدت زمام الأمور و فقدت قيادة دفة السفينة , و لا يمكن أن تقبل أن يكون صرف أبنها و زوجته عليها مقابل أن تتنازل عن كرامتها و موقعها في البيت , فقد ولت أيامها بلا رجعة .. و هكذا خرجت من حلبة الصراع خاسرةً ملومة , محسورة , متألمةً على أيام عزها و شبابها ... خرجت الى الحياة .. لا لتبحث عن عمل تعيش من دخله فهذا لا يمكن أن تهضمه نظراً لوجود من يأمر و ينهى غيرها .. و لا الى بيت من بيوت معارفها في الحي لتعيش معهم عيشة كفاف , حتى يأتي أجلها المحتوم . لأن ذلك ليس من طبعها و لا يتناسب مع كرامتها .. و لكنها خرجت الى الشارع .. حيث كان متجر زوجها الراحل . و ها أنت تراها تجلس أمامه فوق ذلك الصندوق الخشبي , لتعيد ذكريات الماضي الذي لا يعود ... هذه يا صديقي قصة أم حسن .. فبدرت مني حسرة و تنهيدة طويلة : أنها قصة مثيرة بالفعل .. و لو أن نهايتها لا تبدو ليّ طبيعية بالنسبة لكرامة أم حسن -  فقاطعته : تقصد كونها تتسول الآن .. نعم . فالتسول ليس الحل فهذا يتنافى مع ما أدعته من عدم رغبتها في البقاء عالة على أحد .. و أنت تراها واجمة لا تتكلم و لم ترفع يدها سائلة .. بل أكتفت بالجلوس لا غير و على الصدقات أن تأتي بنفسها أليها , فقد ألفت هذه الأنفة من قبل , أنه يبدو تصرف لا يختلف أبداً عن تصرفها في الماضي .. فالمسألة هنا , مسألة كرامة..

 

 

بعيدا عنهم

سمرقند الجابري

أتساءلُ

أيّهما أكثرُ حكمةً وجنوناً

تحليقكَ في فضاء ِ صمتك المستريب ِ

أمْ سقوطُك المنتظرُ في مصيدةِ قلبي ؟

ماذا لو قصَصْت ُ أجنحتي

ودثرْتك َ بحريرها

بماذا سأحلق إليك ؟

إليك بقيثارتي

سيغار كلكامش منّا

فيتخذ له حبيبة

ضارِبا ً عن عشبةِ الخلود

إدّخَرْت ُ لك حريقا ً في دمي

أذيبُ به ِ جليد وحشتك

وقنديلين في عينيّ

أغسل ُ بضوئهما عتمة َ مسارِبك

فبشّر أصابعَك بأزاميلي

سأعلمك دروسا ً في النحت

لتنجزَ تمثالا من عبيري

سأكرّ عليك

بجيش ٍ من سرايا الوجد

مدجج ٍ بالدفء والندى والشعر

لا تخف ْ

ثمة خال على شكل قلب أسود

إدّخرْته لك لتسكب فيه النبض

فيغدو أبيضَ كأجنحة النوارس

أتحججُ بالبرد لأرتدي أصابعك

كتحججك بالمرض لأجسّ جبينك

وبالإحتراق لتسْتظلَ أفياءَ جدائلي

حبك ـ قصائد هوميروس

علمني كيف أغدو إلهة ً أرضية ً

أنشرُ تعاليمي بين الأنهار والطيور ِ والشجر

لك ادّخرت ما تبقى في بستان العمر من شجر

فادّخرْ أمطارك لي

واتخذ من رحيقي مدادا لقصائدك

قصائدك التي ستكون

لي وحدي

وعدت شجري بمطرك

فسكرت عناقيدي

التصق نداك بلحائي

فاخضرت الارض

قبل أن اطوي سجادتي

يتضرع قلبي

 اللهم عجل فرج هودجي

بعودتك لخبائي

أيها النائي كالصباح

عن مقلة ليلي المجنون

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق