|
محطات
فلس نحاسي .. يسقط وزارة الوالي
العثماني
اعداد عبد الكريم الوائلي
قد يبدو هذا العنوان غريبا اول وهله او انه يعدو كونه ضربا من ضروب
الخيال او الاساطير من حيث ان فلسا نحاسيا (وهو محفوظ الان في المتحف
العراقي ضمن مجموعة الصراف الخاصة المهداة ) ضرب ببغداد سنة 1231هـ
1816م باسم والي بغداد العثماني سعيد باشا بدل اسم السلطان الشرعي
المعاصر محمود الثاني كان سببا مباشرا في سقوط هذا الوالي والقضاء على
حياته .الا ان الامر يبدو سهلا عندما يعرف القارئ ان النقود تمثل سيادة
الدولة وانها ركن من اركانها وشارة من شاراتها وهي في الوقت نفسه عنوان
مجدها وكرامتها فالاعتداء على حقوقها بتغيير او تبديل في نصوصها او ضرب
جديد منها دون علم الدولة او ذكر اسم عالمها الشرعي معناه اعتداء على
السلطان نفسه المتمثله شخصيته في هذه النقود. نعود الى الفلس النحاسي
(موضوع البحث) المضروب بطريقة غير شرعية وقانونية باغفال اسم السلطان
العثماني محمود الثاني 1255هـ ونقش اسم سعيد باشا بدله الامر الذي جعل
السلطان يصدر امرا او ما يسمى (فرمانا) بعزل سعيد وتعيين زعيم المعارضة
في العراق داودبك (ثم اصبح باشا) مكانه ولكن سعيد (تمرد) على الامر
واعلن عصيانه والمجابهة العسكرية التي انتهت بقتله ببغداد سنة 1222هـ
واليكم القصة . كان وراء هذا الفلس وسكه بدار الضرب ببغداد اشخاص لعبوا
دورا غير نزيه دون علم سعيد باشا للنيل منه والقضاء عليه وقد تحقق لهم
ما ارادوا لقد شاءت الصدف بعد وقت قصير ان صدر في استنبول امرا سلطانيا
بالسماح لسعيد باشا بضرب نقود نحاسيه باسم السلطان وكان في بغداد دار
ضرب (تقع اليوم بين سوقي القزازين والخياطين في الشورجه) بناها السلطان
سليمان القانوني لهذا الفرض.. وعندها اودع سعيد باشا امر بضرب الفلوس
الى (عزرا) الذي لم يحسن الظن بالوالي اصلا كما لم يحسن العمل له بعد
ذلك فأوقعه في فخ كان نهايته فيه ، حيث ضرب السك عليها اسم (سعيد باشا)
بدل اسم السلطان محمود ولما عرض (عزرا) نموذجا من هذه النقود الى سعيد
باشا (وفي روايه انه لم يعرضها عليه) تهيجت اعصابه وسارع الى تغيرها
ولكن (عزرا) بادره بارسال مقدار منها غفله عنه الى اخيه (حسقيل) في
اسطنبول والذي اعطاه ذلك المقدار الى حالت بك (صاحب الدسائس)فانتهز
حالت بك الفرصة وعرضها على المسؤولين والسلطان الذي اصدر امر بعزل
سعيد باشا واعتباره متمردا والزمه الاقامه في حلب في محلة الشيخ بكر
وتعيين داود بك مكانه ولكن سعيد باشا لا يزال خالي الذهن عن كل ما
حدث.. تسلم سعيد باشا امر السلطان وامتنع عن تنفيذه وقرر الصمود وامر
على مجابهة الحرب اما الوالي الجديد داود باشا فبعد ان استلم امر
بتعيينه وهو في كركوك اخذ يرسل اعوانه الى بغداد او سائر العراق لبث
الدعاية له ثم تحرك من كركوك بقواته نحو بغداد وهنا ادرك سعيد باشا
خطورة الموقف فأثر ان يرضح للامر ويترك بغداد طلبا للسلامه . غير ان
صاحب (حمادي العلوجي) منعه من ذلك وحثه على الصمود والعصيان في الامر
السلطان.. استنجد سعيد باشا بحليفه محمود (شيخ المنتفك) فخف لنجدته
وجاء الى بغداد ومعه (500) فارس وفي 7 ك2 1817 م دارت معركة كان النصر
فيها يميل الى جانب سعيد باشا مما اضطر داود باشا الى الابتعاد بقواته
عن بغداد نحو الشمال بغية الاشراف ولم الشمل اعتقد سعيد باشا ان الخطر
زال عن بغداد مما ادى الى السماح لشيخ المنتفك بالعودة مع فرسانه الى
دياره وفتحت ابواب بغداد وعادت الطمأنينة الى السكان ولكن فرصة النصر
لم تدم اذ استطاع داود باشا الجديد ان يبث الاشاعات المهيجة في ؤفي
الاسواق والمقاهي ويحثون الناس على الثوره فكانت (باب الشيخ) هي
الباديه فخرجت بمظاهرات وهم يستغيثون لسوء الحال وضيق اسباب المعيشة
وارتفاع الاسعار وانقطاع الطرق واستمرت الفوضى خمسة ايام وفي هذا الوقت
اجتمع اعيان بغداد وعلماؤها وكتبوا محضرا وارسلوه لداود باشا يحثونه
على الاسراع بالدخول الى بغداد لانقاذ الاهالي لما اصابهم من متاعب وفي
15 ربيع الثاني 1232هـ الموافق 20 شباط 1817م دخل داود باشا بغداد
فاستقبله الاهالي وقبض اعوانه على سعيد باشا وقطعوا راسه امام (امه).
دور الائمة في التأريخ
حسين باقر
تبدأ المسيرة الربانية في هذه البشرية يوم جعل آدم نبياً في هذه
الأرض,وتتكامل المسيرة على مر الايام وتعاقب الاجيال على يد الانبياء
المبعوثين والاوصياء التابعين لهم طبقاً للمنهج الالهي لهذه الارض
المباركة وتظافر جهود الانبياء واحد بعد واحد وتترابط حلقات عملهم
ويبعث النبي محمد (ص) الذي تتوج به المسيرة الربانية وتنفتح افاقها على
مرحلة جديدة يمتلها عمل خاتم الانبياء الرسول (ص) والائمة (ع) من
بعده.. فالمسيرة الاسلامية التي تبدأ يوم بعثة الرسول (ص) ما هي الا
حلقة أخيرة من حلقات المسيرة الربانية,التي رسمت للأرض ومن عليها ولم
تكن بعثته الافاتحة للمسيرة الاسلامية واللبنة الاولى من صرحها
الشامخ,وكان على الائمة (ع) من بعده ان يكملوا ذلك البناء الشامخ
ويقودوا تلك المسيرة حسب منهج السماء.وانتهت مهمة النبي (ص) في الارض بوفاته,ولكن مهمة
الاسلام لم تنته بعد,وانما نصب الائمة المعصومون من بعد النبي (ص)
لاكمال هذه المهمة وانجازها.فمهمة
الائمة ليست أمرا منفصلا عن المسيرة النبوية على هذه الارض ودورهم في
التاريخ ما هو الا عملية مكملة لمهمة الانبياء.. ومفهوم الامامة جزء
تابع وضروري لمفهوم النبوة,والايمان الصحيح بمنهج السماء وبرسالة
الاسلام لايكتمل الا بالايمان بالامامة على انها جزء مرتبط
بالنبوة,تماما مثلما لايكتمل الايمان بالتوحيد الا بالايمان بالنبوة
فالايمان بالتوحيد وحده ايمان ناقص والايمان بالنبوة وحدها اسلام
ناقص.. ولما كانت المسيرة الربانية المتمثلة بعمل الانبياء والائمة (ع)
هي المنهج الالهي الذي وضع للارض فلابد من أن تكون فصولها مترابطة
منسجمة وكذلك لابد ان مسيرتها متظافرة متصاعدة على الدوام كيف لا وهي
جزء من هذا الكون المترابط وحسبك من نجاحها وتظافرها ان يقودها
الانبياء والائمة والمعصومون ويحرص عليها الموحدون المخلصون.فالعنصران
المهمان اللذان يمكن الجزم بهما في هذه المسيرة هما:
1. الترابط في الادوار الذي يستدعي
المرحلية في الاعمال والاشتراك في المهمات,أي أن للانبياء دورهم
المشترك كما أن للائمة دورهم المشترك أيضاً.
2. التظافر في النمو والمسير المتصاعد
والنجاح المستمر بهذه المسيرة المباركة يعني هذا أنه كلما مرت الايام
كلما اشرفت المسيرة على الكمال وقربت ساعة انجاز البناء.ولما كان موضوع بحثنا عن أحد الائمة
المعصومين,فلابد من معرفة الدور المشترك للائمة (ع) والمرحلة التي كان
عملهم (ع) في الفترة المعاصرة للامام زين العابدين,كل ذلك لكي نستطلع
دور الامام,ونتعرف على المهمات التي كانت ملقاة على عاتقه,والاهداف
التي ينبغي تحقيقها ونتفهم الاعمال والممارسات التي كان يقوم بها
لتحقيق ذلك.كانت
مهمة النبي (ص) تتركز في أداء عملية التبليغ الواسع لهذا الدين وتوسيع
دائرة هذا التبليغ أفقيا حتى يشمل اكبر عدد ممكن من الناس وأوسع رقعة
من الارض,وتأسيس الدولة وبعث الرسائل والحملات العسكرية,وقبول اسلام
المنافقين والمنتفعين,وفتح المجالات أمام الكفوئين لاداء مهمات الدولة
الجديدة من دون التدقيق في ايمانهم وحسن اسلامهم كل ذلك من أجل خدمة
مهمته الرئيسية وهي التبليغ.وتحقيقا لأهدافه في توسيع رقعة الاسلام
افقيا,ومحاولة بذلك تنزيل أحكام الرسالة الى الواقع الحياتي وضبط
المجتمع بالاداب والاعراف الشرعية ولقد حرص النبي (ص) على ان يجسد
الاسلام في الامة في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والروحية من
أجل ان يضع البناء الرسالي.وتكمل على يده عملية التبليغ في الامة
.ولم ينتقل الرسول (ص) الى جوار ربه الا بعد أن تمت
مهمته وتبلغت الامة برسالة الاسلام وعرفت جوهره وانضبطت بروابط الدين
الجديد وأحكامه (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ....) ولكن
الشيء المهم ان الامة بعد لم يتغلغل الاسلام في أعماقها ولم تفهم أبعاد
أحكامه فضلا عن جهلها بمعظم الأحكام,وكان قربها بعهد الجاهلية ووجود
النسبة الكبيرة ممن دخلوا الاسلام بمداخل غير سليمة أو غير صحيحة,كلها
تشكل بذور خطر في هذه الامة متمثلا في انحرافها عن الدين وخصوصا اذا
علمنا بخصوصيتين كانتا انذاك وهما
:-اولا : ان الامة غير قادرة على ان تشخيص مظاهر
الانحراف عن هذا الدين وهي بعد عاجزة عن مقاومة هذا الانحراف.ثانيا : وجود المنافقين والمنتفعين الذين يريدون
ان يتجهوا بالامة الاتجاه الذي يحقق منافعهم الشخصية ومطامعهم الخاصة.وعلى ذلك فقد تركزت مهمة الائمة (ع) بعد الرسول
(ص) في تفهيم الاسلام للامة وتعميق جذوره في نفوسهم حتى تعرف الامة
دينها وتتمسك به وبنفس الوقت تقاوم الانحراف وتتصدى له حالة نشوءه.وسيقع الانحراف طبيعيا في موضوعين
انحراف بالحكم,ويعني سلب الخلافة واغتصابها من
الحكام الشرعيين (الائمة)
انحراف في جسم الامة ومبادئها ويتولاه الرواة الكذابين والعلماء
والفقهاء الرسميون.وواجه الاسلام خطرا كبيرا بعد وفاة الرسول وبعد ان
سلبت الخلافة,وانحرف الحكم ويتشخص هذا الخطر في ان الامة كانت تنظر
لمنصب رسول الله نفسه نظرتها لرسول الله فهي ترى في (الخليفة) ما تراه
في (الرسول) نفسه فتسمع منه وتطيع أمره وتأخذ دينها منه وتقبل أراءه
واجتهاداته وتمتثل وتتسنن بسيرته.فركز الائمة على موضع الخطر هذا واخذوا يعملون
ليتضح الفرق بين الحكام الشرعيين والحكام القائمين ,وكان هدفهم كشف زيف
الحكام أمام الامة,وتوضيح أنحرافهم عن الاسلام,وكان الصراع السياسي
الذي يمارسه الائمة الثلاث الاوائل والذي انتهى بمجزرة الطف نهاية
المرحلة الاولى من عمل الائمة عليهم السلام,والذي تجلى فيها فصل السلطة
الزمنية الحاكمة عن منصب الخلفاء الرسالين.وتعرية انحراف الحكام عن
رسالة الاسلام.
فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية
الحديثة
شوكت القصير
فِي اعقاب ثورة العشرين سافرت وفود من وجهاء واعيان مدن الحلة وكربلاء
والنجف الاشرف وبغداد وديالى الى الحجاز طالبة من الشريف حسين شريف مكة
تنسيب احد ابنائه ملكا عل العراق وقد وقع الاختيار على الامير فيصل لما
امتاز به من صفات مميزة بالخبرة والتجربة والقيادة والحكمة وغيرها من
الصفات الحميدة وجاء الامير الى العراق وكان العراق قد خرج قريبا من
الحكم العثماني ولم يترك هذا الحكم وراءه غير التخلف والخراب بكل نواحي
الحياة فلا شوارع معبدة في بغداد ولا تصفية مياه ولا كهرباء ولا مؤسسات
صحية او اقتصادية او ثقافية او علمية كان الجهل والفقر والامراض
هوالسائد في المجتمع العراقي اضافة الى ذلك كانت كل من تركيا وايران
لهما مطامع في العراق وكانت هناك مشاكل حدود مع السعودية وفوق كل ذلك
السيطرة البريطانية وقد استطاع الملك فيصل بدهائه وحكمته ان يخلص ويحمي
العراق من الطامعين اتفق الملك مع الطبيب الانكليزي الدكتور سندرسن
لتطوير ورعاية المجال الصحي وقد قام سندرسن بدور كبير في رعاية مهنة
الطب فانشا المؤسسات الصحية وكلية الطب التي شغل عمادتها عدة سنوات ثم
ابرق الملك عند وصوله الى العراق وحال تنصيبه ملكا الى المربي الكبير
ساطع الحصري بان احضر حالا الى العراق وعينه مديرا عاما في وزارة
المعارف حتى يبقى ثابتا فيها لايتغير مثل تغير الوزير وكانت غاية الملك
لكي يتسنى لساطع الحصري ان يطبق اراءه ومبادئه في التربية والقومية
العربية التي عرفها عنه عندما كان وزيرا للمعارف في حكومته في سوريا
قبل ان يسقطها الفرنسيون وبدا الحصري يعمل من الصفر كان مجموع المدارس
الثانوية في العراق اربعة واحدة في البصرة وواحدة في الموصل واثنان في
بغداد ومجموع المدارس الابتدائية في كل العراق 90 مدرسة والتعليم كان
باللغة التركية ومجموع كل صف من الطلاب 6 طلاب ولم يكن هناك شعور قومي
عربي ولا اصول للتربية وكان يشرف على المدارس مستشار انكليزي ومفتشون
انكليز يقول ساطع الحصري "كان علي ان اسعى لاصلاح المعارف وترقيتها
وايصالها الى مدارج النهوض والاعتلاء من الوجهتين العلمية والقومية وان
التربية الوطنية والقومية يجب ان تدخل في صميم المدارس واغراضها
وساتوسل بكل الوسائل لتقوية الشعور القومي والوطني في نفوس ابناء
العراق وبث الايمان بوحدة الامة العربية "مذكرات ساطع الحصري الجزء
الاول" وقد طبق مبادئه واهدافه هذه بكل امانة واخلاص وتفاني ونجح بذلك
نجاحا عظيما تاججت المدارس شعلة القومية العربية واصبح الطلاب طلائع
الشعب بالنهوض والمطالبة بحقوقه.لم يرفع الملك فيصل شعارات واهداف
ومطالب ضخمة وكبيرة ليس له القدرة على تحقيقها ثم بالوقت نفسه يستفز
بها السلطة البريطانية ويدخل الشعب بدوامة وصراع لاطائل له من ورائه
ولكنه سلك سياسة خذ ياخذ ثم يطالب وطالب بمطالب جديدة واذا امتنعت
بريطانيا عن تحقيقها حرض المعارضة بان تخرج بتظاهرات في شوراع بغداد
وتطالب بها ويقول للانكليز هذه مطالب الشعب وبهذه السياسة الحكيمة
استطاع ان يرتقي بالعراق ويؤسس دولة استقلت ودخلت عصبة الامم قبل كل
الدول العربية واصبحت قاعدة القومية العربية وملاذا للاحرار العرب من
السوريين والفلسطينيين والكويتيين وغيرهم.كان الملك فيصل حريصا على
اموال العراق يقتر على نفسه وعائلته وحريصا على حياة ابناء العراق يقول
الدكتور سندرسن تمرض الملك وطلبت منه ان نسافر الى انكلترا لمعالجته
فرفض قائلا ان الدواء والطب غال في انكلترا وما عندنا فلوس تكفي ويقول
سندرسن زاد عليه المرض ووصل وزنه 45 كيلوا فاصبحت حياته في خطر فالححت
عليه بالسفر فسافرنا وهناك اجريت له فحوص وتحاليل فتحسنت صحته وزاد
وزنه قليلا فاراد الرجوع الى العراق فرفضت وقلت له ان علاجك لم يكمل
بعد فقال ما عندنا فلوس والدواء غال في انكلترا فرجعنا الى العراق هكذا
ملك ليس عنده فلوس لمعالجة نفسه يقول سندرسن تمرض الملك بالتهاب
الزائدة الدودية فدخل المستشفى وجاء السفير البريطاني ودخل غرفته
بالمستشفى وبيده ورقة مدون فيها اسماء شيوخ عشائر ووجهاء اخرين طالبا
من الملك توقيعها لنفيهم خارج العراق فرفض الملك وقال له باي حق انفي
ابناء الوطن من وطنهم واخذ السفير يلح على الملك والملك يصر على الرفض
واخذ جسمه يرتجف من الحاح السفير فمسكت يد السفير واخذته خارج الغرفة
بسرعة وقلت له ان الحاحك سيقتل الملك سيحدث انفجار في الزائدة الدودية
ولم يوافق الملك على نفي اي شخص خارج وطنه ..
من الذاكرة البعيدة
صلاح الدين الايوبي
اعداد / خالد محمد الجنابي
الحلقة الاولى
استقرت الأمور لصلاح الدين ونقل أسرته ووالده نجم الدين أيوب إليها
ليتم له السرور ، ولم يزل صلاح الدين وزيرا حتى مات العاضد آخر الخلفاء
الفاطميين 565سنة هـ وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت دولة بني أيوب
(الدولة الأيوبية) ، ولقب صلاح الدين بالملك الناصر وعاد إلى دار أسد
الدين فأقام بها ، وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه ، وأرسل صلاح الدين
يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال أخاف أن
يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد ، ثم إن الإفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى
مصر فسير نور الدين العساكر وفيهم إخوة صلاح الدين منهم شمس الدولة
توران شاه بن أيوب ، وهو أكبر من صلاح الدين ، و ذكر ابن الأثير ما حدث
من الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا فقال : وفي سنة 567هـ حدث
ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين وكان الحادث أن نور الدين أرسل
إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد
الإفرنج والنزول على الكرك ومحاصرته ليجمع هو أيضاعساكره ويسير إليه
ويجتمعا هناك على حرب الإفرنج والاستيلاء على بلادهم فبرز صلاح الدين
من القاهرة في العشرين من المحرم وكتب إلى نور الدين يعرفه أن رحيله لا
يتأخر وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز وأقام ينتظر ورود الخبر من
صلاح الدين برحيله ليرحل هو فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازما
على قصد الكرك فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه فأرسل كتابه
يعتذر فيه عن الوصول باختلال البلاد المصرية لأمور عديدة ، وكان سبب
اعتذاره أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين فحيث لم يمتثل
أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج
صلاح الدين منها، ووصل الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم
الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما
بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه واستشارهم فلم يجبه أحد
منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخ صلاح الدين وقال إذا جاء قاتلناه
وصددناه عن البلاد ووافقه غيره من أهله فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر
ذلك واستعظمه وكان ذا رأي ومكر وعقل وقال لتقي الدين اقعد وسبه وقال
لصلاح الدين أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن أن في هؤلاء كلهم من
يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال لا فقال والله لو رأيت أنا وهذا خالك
شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه
ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا كيف يكون
غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم
يتجاسر على الثبات على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه
وهذه البلاد له وقد أقامك فيها وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء
يأمرك بكتاب مع نجاب حتى تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد وقال للجماعة
كلهم قوموا عنا ونحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا
على هذا وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر ، ولما خلا أيوب بابنه صلاح
الدين قال له أنت جاهل قليل المعرفة تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على
ما في نفسك فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم
الأمور إليه وأولاها بالقصد ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر
وكانوا أسلموك إليه وأما الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه
قولي وتكتب أنت إليه وترسل في المعنى وتقول أي حاجة إلى قصدي يجبي نجاب
يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو
أهم عنده والأيام تندرج والله في كل وقت في شأن والله لو أراد نور
الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل ففعل
صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن
قصده وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين ولم يقصده
وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها ، بعد ذلك كان صلاح الدين على موعد مع
معركة حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت 14 ربيع الآخر سنة
583هـ في وسط نهار الجمعة وكان صلاح الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في
يوم الجمعة عند الصلاة تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار
في ذلك الوقت بمن اجتمع له من العساكر الإسلامية وكانت تجاوز العد
والحصر على تعبئة حسنة وهيئة جميلة وكان قد بلغه عن العدو أنه اجتمع في
عدة كثيرة بمرج صفورية بعكا عندما بلغهم اجتماع الجيوش الإسلامية فسار
ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر هجوم
الصليبيين عليه إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور فلم يتحركوا ولا خرجوا
من منزلهم وكان نزولهم يوم الأربعاء 21ربيع الآخر فلما رآهم لا يتحركون
نزل على طبرية وهاجمها وأخذها في ساعة واحدة وبقيت القلعة محتمية بمن
فيها ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها فبلغ
السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر قلعتها ولحق بالعسكر فالتقى
بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في يوم الخميس 22 ربيع
الآخر وحال الليل بين المعسكرين قياما على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة
فركب الجيشان وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تعرف
بلوبيا وضاق الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم
ينظرون وقد أيقنوا بالويل والثبور وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك
من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم ولم يبق إلا الظفر ووقع الوبال على
من كفر فحال بينهم الليل بظلامه وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى
صبيحة يوم السبت فطلب كل من الفريقين مقامه وتحقق المسلمون أن من
ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو وأنهم لا ينجيهم إلا الاجتهاد
في الجهاد فحملت جيوش المسلمين من جميع الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة
رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين وكان حقا عليه نصر
المؤمنين ولما أحس القوم بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة
صور وتبعه جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره وأحاط المسلمون
بالصليبيين من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وسقوهم
كأس الحمام وانهزمت طائفة منهم فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد
واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين وهي قرية عندها قبر النبي شعيب
عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران واشتد بهم العطش
وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم
فأسر مقدموهم وقتل الباقون ، وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري وأخوه
والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبة طبرية ومقدم
الديوية وصاحب جبيل ومقدم الأسبتار
|