|
تأثيرالرؤيا الصوفية ،،في الادب المعاصر
راسم قاسم
أن التجربة الصوفية تتمثل حيويتها في تأكيدها لقيمة الذات الإنسانية
القادرة على تحقيق وجودها الحيوي المتجدد دائماً، والمتحرر من كل مكون
سابق، محذرة من الألفة والتكرار والسكون، مستندة، في نشدانها للقيمة
الجمالية المطلقة، إلى الخيال، بوصفه قوة إبداعية توحد في حركة جدلية
بين الحسي والمجرد، بين المادة والفكر، بين الظاهر والخفي، على مستوى
الذات والعالم، مما يجعلها تختلف مع المتعارف عليه من فلسفات الجمال
في غالب الفلسفات الجمالية الحديثة، كما في غالب النظريات الفنية، على
اختلافها وعلى ما قد يبدو بينها من المفارقات، يستطيع المرء أن يقف على
ما يشير -بصورة بينة أو بمعنى ضمني- إلى أن ثمة جوانب مشرقة في التجربة
الصوفية تمس قوام التجربة الفنية بمفهومها المعاصر، على خلاف ما قد
يتصور للبعض من أن نزوع التجربة الصوفية إلى ما وراء الصورة الظاهرة
لهذا العالم يجعلها على وفاق مع بعض الفلسفات الجمالية القديمة، من حيث
ارتباط هذه الأخيرة بالميتافيزيقيا،
وبخاصة فلسفة أفلاطون التي يتصور البعض أن اقتران القيمة الجمالية فيها
بفكرة المثال، وارتباط الشاعر والفنان بفكرة الإلهام، هو مما يقع على
النحو ذاته في التجربة الصوفية. فقد رُوّجَ أن الشاعر في رأي أفلاطون
ذو "رسالة مقدسة، ونفس إلهية ، وعبقرية مشرقة بالقبس الإلهي، وقد هبط
إلى الأرض ليهيئها لعصر أمثل، وهو رجل المثالية، يعيش مع الناس وهو
غريب عنهم، ويضيء المستقبل بمشعله كالأنبياء"(1). وفي ذلك -كما قد لاحظ
الدكتور محمد غنيمي هلال.
وإذا كان أفلاطون قد ربط بين الشاعر وفكرة الإلهام، وربط بين القيمة
الجمالية والحقيقة المثالية، فإنه قد فصّل ذلك على نحو من التناقض يجعل
فكرة الإلهام عنده غير ذات قيمة فعلية إزاء وضعية النظام في العالم
الأرضي. إنه يجعل الحقيقة المثالية مقياساً لكل وضع شيئي أو فعلي في
العالم الطبيعي. ولكنه، بتأكيده للقيمة الجمالية في الشيء أو الفعل
خارج الإنسان، يجعل النظام الوضعي، في العالم الخارجي، مقياساً لفكرة
الحقيقة المثالية التي ينبغي أن يحاكيها الشاعر. ويتضح ذلك ببساطة حين
نلاحظ -مع الدكتور عز الدين إسماعيل- أن "فكرة أفلاطون الأساسية في
الميتافيزيقيا هي الخير وليست الحق.
مما يجعلنا "ندرك أن الجمال هو وضاءة الحق فالمثال الجمالي لدى أفلاطون
يقترن بفكرة الخير، والشاعر لا يكون موفقاً -في نظره- إلا إذا تلمّس
هذا المثال فيما يحاكيه في العالم الخارجي المحكوم بقيم محددة تضع كل
شيء في وضعه المناسب.
وحديثنا عن التجربة الصوفية كيف تتمثل حيويتها في تأكيدها لقيمة الذات
الإنسانية القادرة على تحقيق وجودها الحيوي المتجدد دائماً، والمتحرر
من كل نظام سابق، محذرة من الألفة والعادة والتكرار والسكون، مستندة،
في نشدانها للقيمة الجمالية المطلقة، إلى الخيال، بوصفه قوة إبداعية
توحد في حركة جدلية بين الحسي والمجرد، بين المادة والفكر، بين الظاهر
والخفي، على مستوى الذات والعالم، مما يجعلها على خلاف كلي مع كل
الفلسفات الجمالية العالمية التي يميزها طابع عام، هو اعتبار الجمال
صفة في الأشياء وإذا تجاوزت ذلك فإنها تبحث في الأثر الذي يتركه الجمال
في الفرد بطريقة ثانوية، لا لترى في الأثر عنصراً جوهرياً، أو هي لا
تفعل ذلك لتبحث في النفس، بل لتبحث على وجه التحديد في فلسفة العقل على
نحو ما ، ، أن الحقيقة أو الماهية لا علاقة لها بالذوق، أو ما نسميه
الإحساس الجمالي فالمعنى، ، هو الماهية، والماهية ملتبسة بالأشياء ،
وتعني الأشياء أو حقائقها الخاضعة للإدراك العقلي والمرتبطة بماهياته،
وهو ما لا يدرك عن طريق الذوق، وما لا يُختلف على أمر تحققه، أو هو ما
يوجد في كل حال.
أن أفلاطون كان صوفياً بكل معنى الكلمة، وقد اتبع هوى الصوفي الحقيقي
حين نبذ الفنون فلا بد أن تكون هذه الصوفية التي يتحدث عنها صوفية
أخرى، غير الصوفية الإسلامية التي نتحدث نحن عنها، وغير الصوفية
الجمالية التي نمت حركتها في العالم الغربي في القرون الثلاثة الأخيرة.
وليس من مهمتنا أن نبحث في علاقة التصوف الإسلامي بالفلسفات المثالية
القديمة، أو بأنواع أخرى من التصوف، وإنما نريد أن نقول إن ما نلاحظه
من تماس، بين الموقف الصوفي والموقف الفني المعاصر، يكتسب أهميته من
كونه يقع في الجوانب التي يتميز بها الموقف الفني المعاصر عن الموقف
الفني أو الجمالي القديم، المتمثل في نظرية المحاكاة التي التزم بها
المذهب الكلاسيكي، كما التزم بها معظم الفلاسفة والبلاغيين العرب من
قبل.
ونستطيع أن نلاحظ ذلك بجلاء حين نلقي نظرة على أهم وجوه الاختلاف بين
الموقفين الجماليين، القديم والمعاصر.
ما غرسه الكبار يأكله الصغار..قراءة في
قصة (آنية الصفيح)
عبدالرضا صــــالح
لا شك ان الواقع المتمثل في زمكانية معينة ، الذي يتمحور الكاتب في
بؤرته أو على محيطه إضافة إلى الفكر الموروث والأدوات المستخدمة التي
يمتلكها ، تسهم بصورة كبيرة في إنتاج القطع النصوصية الأدبية أو الفنية
، ودائما ما تكون جلية الدلالة صادقة المغزى هادفة الفكرة في نقل
وتحليل الأحداث كما هي في الواقع أو المتخيل.
والتجديد في القص ليس إنكارا للواقع
أو ناقضا لمفاهيمه ودلالاته ، بل هو توكيد شكلي وترميزي بات ضرورة
تفرضها الظواهر والمعطيات الجديدة.
مما اتاح لبعض الكتاب توظيف هذا
اللون من السرد ، وتقديم بعضا من تجاربهم الأدبية الرائدة ، وعادة ما
نجد ان هذه التجارب لا تنكر التقاليد الجمالية السائدة والقيم
التقليدية ، أو تتمرد على المنظومات الفكرية المألوفة ، بل تؤثث لتوطين
بنى سردية جديدة تعتمد بذلك على أنواع من النزع السائدة ، فالشك
والتمرد والتناقض والاستفهام والغموض ما هي إلا أساليب توصيفية في
تقديم رؤية واضحة للمتلقي لتوكيد العلاقة الحميمة بينه وبين النص ـ
الغاية الأساسية من التواصل الاجتماعي ـ.
وفي قصة ( آنية الصفيح ) للكاتب ( صالح جبار محمد ) عن مجموعته القصصية
( مواسم الخروب ) الصادرة من مختبر السرد العراقي ، نقف أمام تجربة
جديدة ، ووعي جمالي مبتكر نحن أحوج إليه في هذه الفترة المتشظية
الأبعاد والعلاقات ، وأمام منعطف أدبي رائد ، يومئ بكل جرأة إلى الواقع
المرير الذي يمارسه بعض الآباء ، من التفكك الأسري الذي هو مرض قد
يغلب على المجتمع ككل ، فالأب يلهث خلف غرائزه ، والأم تعمل لتوفير
لقمة العيش للأبناء ، والابن يتشبه بابيه سلوكيا ( من شب على شيء شاب
عليه ) ان الكاتب ( صالح جبار محمد ) استطاع ان يؤسس نمطا سرديا
احتجاجيا على الغاء المهمة الحضارية التنموية في اصغر خلية اجتماعية ـ
الأسرة ـ لما يسمونه بالممارسات السلبية ، والدعوة الى بناء مجتمع
متكامل ، تسوده المثل والتقاليد الروحية المستقاة من الشريعة الإلهية.
لقد وفق القاص ( صالح جبار ) في رسم لوحته بألوان متوافقة وذلك من خلال
استخدامه الجمل الرصينة ذات الدلالات الواضحة ، فيصور الأب الذي يتهرب
من مهمته الإنسانية في احتضان وتربية أسرته ، واللجوء الى السلوكيات
الشاذة من قبيل:
(ماضيا لمواعيد لا تنتهي ، يقضي وقتا
طويلا في أسواق العطارة يتبضع المنشطات ، دائب البحث عن الأصباغ
السوداء ليدهن شعره الكثيف ) ص 20
وكذلك استخدم الجمل القصار ذات الدلالات الكبيرة مثلا:
أوصدت العتمة حواسي..
لم اعد اسمع سوى الفحيح..
نمت فحولتي بتسارع مضني..
أراها تكتم رغبة فيه..
كما يستخدم أسلوب المفارقة في السرد:
(شاهدت أبي يقف أمامي ببدلته الكحلية
، رفسني بقدمه ، صاح غاضبا ، من أين لك هذه المهارة ؟ ! وأضاف :
انهض وابحث لأمك الجائعة عن رغيف خبز تسد بها جوعها ...
والحقيقة أن النص برمته عبارة عن قطعة موسيقية شعرية فسيفسائية ، وهذا
ما يؤكد قدرة القاص وتمكنه من أدوات ولغة القص ، ويؤكد استتبابه
واستقراره في صياغة وإحكام عباراته ، كما انه استطاع أن يوفق إلى حد
كبير في تقديم وعرض هذه القصة والقصص الأخرى ، باسلوب يترك الحرية
امام المتلقي للحكم وفرض النتائج..
اصـــدار
الشاعر العراقي عبود الجابري يتوكأ على
عماه
باسم فرات
عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، صدرت للشاعر العراقي عبود
الجابري مجموعته الشعرية ( يتوكأ على عماه ) ، وهي مجموعته الثانية بعد
( فهرس الأخطاء ) التي صدرت عام 2007 ، وتتكون المجموعة من عشرة نصوص
تتلمس فكرة العمل على توليد البنية عبر لملمة المتناثر من الشظايا أو
تشظية الفكرة في مبان عدة للنص يقترحها نص ( غيوم ورقية):
هل المطر دم الغيمة الجريحة ؟؟
وماذا لو لم يلتئم جرحها ؟؟
هل كانت ستمطر حتى الموت.. ؟
مثلما تتعامل نصوص مثل ( نزلاء) و ( منازل اليد ) و ( كما لو أنها
قصيدة حب ) و ( ساعة معطلة ) مع فرضية الوصول إلى شكل آخر للوجود
الإنساني المعطل ، والأسئلة الوجودية التي تموت أجوبتها في ثناياها عبر
( لم يمهله طويلا ) و ( أسباب موجبة ) ، كما تغوص ( تخطيطات حجرية ) في
ماهية الحجر:
الثقوب..
أحجار مهاجرة من الجدار
الرخام
حجر أدركته النعمة فجأة
مثلما يرسم نص ( الأبواب ) صورا شخصية للباب في حالاته المختلفة
ويأتي ( كتاب القمصان ) ، الذي وضع له الشاعر عنوانا فرعيا هو – مرايا
شعرية – ليرسم صورا متناثرة لشخوص ومدن تسكن الذاكرة الفردية منسلة إلى
تفاصيل أثرها وانعكاساته على الحاضر ، حيث يقول في قميص العراق:
غفرانك
فقد تكاثرت المرايا
واسودت الوجوه
متخذا من القميص ثيمة أساسية لتناسل الصراعات والقصص الذي ألقى بظلاله
على الشكل التاريخي لقراءة الحاضر من خلال قمصان لشخوص مثل أبي ذر
الغفاري ، امرؤ ألقيس ، مانديلا ، بغداد ، فلسطين ، الحلاج ، المتنبي ،
العراق ، المعري وآخرين.
قصة قصيرة
الـــجـــثـــة
كريم الوائلي
جسدها مسجي في الرواق ، مررت فيها وئيدا تكبلني رهبة الاموات , رأيت
الى الجثة فقفز قلبي مصطفقا مثل ضلفتي باب ، ابصرت حلقة النائحات اسفل
الجدار ، تتلوى اذرعهن في تلويحات توميء الى الجثة ، اكفهن بالقفازات
السود مثل غربان تحوم فوق رؤوسهن ، والاذرع تميل معا على نسق مثل
مجسات تعوم في بركة سوداء , ميلان الاذرع وأنحناء الاكف تتموسق مع لحن
المراثي ، بدت لي الجثة تنصت للنواح المرطون وهو يدق صندوق صدري
مثل مهماز يلوج في فتحات ذهني المكفهر ، الجثة صافنة والموت اللائذ
فيها يطلق صتيتا مخمليا ينفذ الى تراب روحي المبلل بالخوف ، الموت
المتيبس على امتداد الجثه يطبق عليها رسوماته الباهتة فبدت كأنها
مومياء موغلة بالقدم .. تراءى لي الموت بكامل غبرته وقد تقمص وجه
المرأه فتمثلة لي سحنتها مثل قشر رمان حائل ، خصلة من شعر رأس الجثة
يميد به هواء المروحة السقفية ويمسد أهداب عينيها فترتعش كأن بقية من
حياة عالقة فيها ، الشعر الطائش أضفى على الجثة تشويهاً خلقياً ،
وعباءتها السوداء تغطي نصفها الاسفل وهواء المروحة يلامس قماشتها
فتموج لامعة مثل بقعة قار مائع و مضت في ذهني رغبة مرت مثل طير قطا جرح
فضة النهار أن اجتاز ما بين الجثة والباب الى حلقة النساء أرقب وجوه
ذابلة يغطيها الغبار، قدماي تسمرتا مثل وتدين انغرزا في البلاط ،
فيما لاحت لي الجثة بعيون ثلجية منسابة من الرواق تلوث جسدها بعباءتها
وهي تتوارى في المنعطف الموحش ، طويت اكمام قميصي المضمخ بالسخام
منفتلا مثل مغزل وسط حلقة النساء.
ارتـــحـــال
الى روح الشاعر صباح العزاوي
سمير الهجول
كان يسوق الليل
بعربة الاحلام
لذا.. لم يعد
(1)
اصدقاء المساء الحزين
اللائذون ظهيرة باحلام الحمام
الذين سقطت اسماؤهم سهواً
من قائمة الحروب
اصدقاء المساء
لغة النوارس.. حزن الماء
مساءً تستريح البنادق
تبدأ حروبهم
يهيئون الروح لرحيل جديد
اصدقاء الانتظار على رصيف الاحتراق
عصافير المنافي.. بلاد الاغتراب
تمضي الحروب
الجدران تغسل سوادها
الروح تغادر صلصالها
الوجوه اعتلت رفوف المكتبات
يبقة المساء.. |