|
القصة
القصيرة جدا والبحث عن نوع أدبي جديد
د. نجم عبدلله كاظم
ان القصة القصيرة الاعتيادية تتراوح حسب رأي الناقد الانكليزي هايد
وايت نفسه، بين خمسة آلاف وستة آلاف كلمة، وقد تزيد، برأي البعض، على
ذلك كثيراً، لتكون في ثلاثين أو أربعين صفحة، دون أن تصبح، شرطاً رواية
هذا الواقع لا يعفينا هنا من الإشارة إلى الكتابات القصيرة جداً التي
ظهرت في أدبنا العربي، خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل خاص، وهي
تنتمي كلياً أو جزئياً إلى الفن القصصي. وإذا كان بعض هذه النماذج قد
حاكى كتابات ساروت، فإننا يجب أن نثبّت هنا أن هذه كتابات، التي كانت
قد ظهرت سنة 1938 في كتاب تُرجم إلى العربية سنة 1971، لم تتخذ لها
هوية دقيقة وصريحة، بل من الطريف أن نشير إلى أن مجموعة أو كتاب
“انفعالات هذا يُعد، حسب رأي بعض النقاد، بداية موجة الرواية الجديدة(
). ويبدو أن إضافة العنوان الثانوي (قصص قصيرة جدا) إلى العنوان الرئيس
للكتاب قد كان من المترجم، الذي لم يكن أمامه، مع هذا، إلا أن يقول
بوعي نقدي واضح: أما (الانفعالات) فيمكن إدراجها تحت بعض أنواع الخلق
الأدبي المعروفة، كالقصة والشعر الحر... ولا يمكن في الوقت نفسه
إدراجها تحت أي نوع من أنواع الخلق الأدبي المعروفة وغير المعروفة...
حتى أن العنوان نفسه “انفعالات كلمة لا توجد لها ترجمة في غير اللغات
اللاتينية، ولا يوجد لها تفسير في أي من هذه اللغات وإذا لم يكن كلام
العشري دقيقاً تماماً، وبالتحديد في إشارته إلى “الأنواع غير
المعروفة”، وذلك لإمكانية ظهور هذه الأنواع التي قد تندرج هذه
(الانفعالات) ضمنها، فإن مثل هذا الظهور لم يسجل على أية حال في الآداب
العالمية إلا بشكل محدود، كالكتابات التي قصدها بعض النقاد الأمريكان
الذين أشرنا إليهم، والتي لم تلتق، مع هذا وإلاّ بشكل محدود، بكتابات
ناتالي ساروت.
إذن هل أن هذه الكتابات أو القصص أو الصور أو الانفعالات، التي كتبتها
ساروت نفسها في كتابها الرائد، هي قصص فعلاً كما يبدو وكأن آخرين
رأوها؟ هذا ما يستدعي الكثير من التردد والتأني قبل القول بشيء في هذا
الخصوص، اتفاقاً مع هذا التجنيس أو اختلافاً معه. فمراجعة لنماذج من
المجموعة تكشف لنا عن كونها صوراً قد تبدو مقتطعة من مجرى حياة ما، أو
حياة مجموعة بشرية غالباً، ليس لها بدايات، بل إنك تحس وأنت تقرأ أول
كلمة أو جملة في الواحدة منها أنك قد بدأتها، في الحقيقة، قبل ذلك،
متى؟ لا يمكن لك أن تعرف. وإذ لا تمتلك الواحدة منها بداية، فإنها لا
تنتهي أيضاً مع آخر كلمة منها، كما لا يمكن لك أن تقدّر لها نهاية.
ولربما يرجع ذلك، مرة أخرى، إلى كونها صوراً وليست سرداً قصصياً أو
خطاً حدثياً، لأنها تفتقد أي صراع أو حبكة أو تطور درامي، نعتقد أن ما
من قصة أو سرد قصصي بمستغنٍ عنهما. وهكذا هي تنفصل عموماً، في هذا، عن
(القصة) كما نعرفها اصطلاحاً ونماذج. يقول فتحي العشري، إضافة إلى ذلك:
"والانفعالات في حقيقتها صور وليدة اللحظة ترجمتها الكاتبة إلى
كلمات... هذه الكلمات مكثفة ومحددة تعبّر عن أحاسيس، هذه الأحاسيس
عفوية صادقة ولصيقة بالأشياء، هذه الأشياء متطورة ومسموعة ووليدة
ملاحظة ثاقبة ومراقبة شديدة. وعلى الرغم من أن الصوت في تلك القصص يبدو
لا إنسانياً متحشرجاً وقادماً من بعيد، إلاّ أننا نرى فيه قصتنا
وحياتنا وتاريخنا بكل ما ينطوي عليه من مخاوف مع تواضع هذه الموجة من
الكتابات انتشاراً، ومع عدم استقرارها حول مصطلح واضح فإنها- كما قلنا-
قد طالت الأدب العربي حين انجر كتّاب عرب إلى التجريب فيها ملتقين، في
بعض نماذجهم، مع بعض نماذجها أحياناً ومنفصلين عنها في أحيان أخرى. وفي
كل الأحوال، لم يكن واضحاً ما الذي كان هؤلاء الكُتاب يريدونه منها، أو
على الأقل لم يعلنوا ابتداءً أو غالباً عن شيء من ذلك. وعموما يجب أن
نشير هنا إلى أن الكثير من هذه النماذج، والكثير منها لأبرز الكتاب،
تشتمل على سمات فنية قد تشترك فيها مع "نماذج" ساروت وتجارب الكُتاب
الآخرين، بينما جاءت نماذج أخرى بأشكال، قصصية وغير قصصية، كأنها غير
مكتملة أو تفتقد مثل تلك السمات، الأمر الذي يجعل من الصعوبة وضعها تحت
مصطلح واضح ومستقل. وأمام هذين الصنفين، أعني الكتابات الناجحة لأبرز
الكتاب، والكتابات التي وصفناها بغير المكتملة، وأمام اضطراب فكرة
إدراجها تحت مصطلح (القصة) أو (القصة القصيرة) أو (القصة القصيرة
جداً)، يتكرر السؤال: هل هناك فعلاً نوع أدبي يسمى (القصة القصيرة
جداً). هنا نجد أنفسنا نعود مرة أخرى- مع تراكم أكثر في الأفكار والصور
والنماذج والتجارب- إلى البحث والتنظير في الأنواع أو الأجناس الأدبية،
وصولاً إلى (القصة القصيرة) أيضاً. فإذا كانت الأنواع الأدبية يتميز كل
منها بميزات تخضع نماذج معينه لها وتدفع الكتاب إلى التقيّد بها حين
يريدون الكتابة ضمن نوع منها، فإنها لا تكتّف، كما يظن البعض، هؤلاء
الكتاب تكتيفاً حازماً، بل كثيراً ما تقود ما قد يراها البعض قيوداً
صارمة للكتاب إلى تمرد بعضهم عليها، والخروج، في بعض ما يكتبون، عن
قوالب هذه الأنواع ليقودهم ذلك أحياناً إلى صياغة قوالب، أو أشكال أخرى
تكتسب جدة أو تميزاً، وربما تأسيساً لما يمكن أن يكون نوعاً جديداً.
وإذا كان ذلك يحدث مرات قليلة عادة، بل نادرة، ضمن تواريخ الآداب
وأنواعها الأدبية، فإن الغالبية العظمى من هذه التجارب (المتمردة) لا
تقود إلى مثل هذه (الولادة) أو (التأسيس)، بل تكون عادة تجارب فردية لا
تسندها أسس قوية ومبررات موضوعية. وحتى حين يؤدي بعضها إلى بروز أنماط
أو أشكال لها ما يميزها، فإنها تبقى، في غالبيتها العظمى، ضمن نوع أدبي
أكبر، وهذا ما فات- برأينا- وعي بعض كُتّابنا في تجارب سموها (قصصاً
قصيرة جداً)، وبعض نقادنا في تعاملهم مع هذه التجارب. وأمام مثل هذا
التنوع والتشعب، تتداخل المواقف النقدية والتنظيرات تبعاً لذلك، فلم
تنفرز مواقف ولا مفاهيم محددة وواضحة بشأن تلك الكتابات وهوياتها أو
انتماءاتها. ويضاف، إلى أسباب هذا التخبط، في الكتابة تحت مظلة (القصة
القصيرة جداً) أو في تناولها بالنقد والنقاش، سعيُ كتابها ونقادها
لترسيخ ما يرونه نوعاً أدبياً مستقلاً، أو- في أقل تقدير- شكلاًَ فنياً
له استقلالية بقدر أو بآخر، وهي استقلالية لا تتحقق، في الواقع، بهذه
السهولة التي عكسها الكثير من تلك الكتابات، النقدية منها بشكل خاص.
فإذ ينفي أحدهم محقاً أن يكون عدد الصفحات محدِّداً لنوع أو هوية العمل
القصصي، فإنه يُهمل هذا الشرط أو هذه السمة إذ يقول: "يتفق الجميع على
أن عدد الصفحات أو الأسطر لا يحدد النوع الأدبي. فالرواية يمكن أن تكون
بعشر صفحات أو عشر مجلدات، كذلك القصة القصيرة يمكن أن تكون بمئة صفحة
أو مئة سطر أو مئة كلمة"( ). فلا أظن أن هناك من يتفق مع هذا الرأي،
كما يظن صاحبه، إذ هو إطلاق تنقصه الدقة العلمية والنقدية. فلا يمكن
لعشر صفحات أن تكون رواية، حتى وإن توفرت على الخصائص الأخرى للرواية
كلها، كما أنّ عشر مجلدات قد تخرج الرواية من هذه الدائرة. وكذلك الأمر
مع صفحات القصة القصيرة، فعدد الصفحات أو الكلمات، أو لنقل طول العمل
أو قصره، يبقى خصيصة ضمن خصائص أخرى تشترك في تحديد أشكال الأعمال
القصصية، وضمنها (القصة القصيرة جداً)، إذا ما افترضنا لها استقلالاً.
وكانت محاولات آخرين في السعي لمنح هذا الشكل أو (النوع) من الكتابة
سمات وحدوداً معينة تجعل منها كياناً مستقلاً عبارةٌ عن لفٍّ ودوران في
حلقات لم توصلهم إلى نتائج، بل حتى المحاولات الجادة لبعض النقاد
الجادّين منهم، وهي محاولات قليلة- كتلك التي قام بها باسم عبد الحميد
حمودي وفتحي العشري وكاظم سعد الدين- لم تصل بهم إلى مرفأ التحديد
النقدي الدقيق. فكلّ الذي حددوه من سماتٍ لهذه الكتابة إنما هو من سمات
القصة القصيرة الاعتيادية. بقي أن من الطريف أنّ هؤلاء جميعاً ما فعلوا
ذلك إلا واستحضروا، كما أشرنا، كتابات ساروت غافلين أن ساروت نفسها ما
ادّعت أن ما كتبته هو (قصص قصيرة جداً)، ولا نعرف من النقاد الغربيين
من ادّعى أنها كذلك. وهكذا لا يمكن لهذا الشكل القصصي أن يقوم بنفسه؛
فجل ما بين أيدينا إنما ينطبق عليه مصطلح (القصة القصيرة)، كما أن
نماذجها- وبحدود الجيد منها- لم تقدم شيئاً لم تقدمة القصة القصيرة،
ولم تمتلك من السمات الخاصة ما يكفي لجعلها نوعاً أدبياً مستقلاً؛
ونقول هنا (الجيد) لأن الكثير، مما كتب على أنه قصص قصيرة جداً، يفتقد
أصلاً أهم المقومات والعناصر التي تجعل منه قصصاً. أما لماذا تُكتب مثل
هذه المحاولات؟ فلأن هناك، بلا شك، أسباباً تتوزع، في اختلافها، على
هذه المحاولات وعلى كُتّابها. منها ما نراه من عجز بعض هؤلاء الكتاب أو
عدم قدرتهم على استغلال اللقطات والمشاهد التي يلتقطونها وبالتالي
عجزهم عن بناء قصص اعتيادية؛ أو عدم امتلاك هذه اللقطات نفسها مقوّمات
الامتداد اللازم لتصبح قصصاً. وبمرونة (نقدية) يمكن أن نقول أيضاً عدم
قدرة الكتاب، ولكن ضمن ظروف أو أجواء معينة، على استثمار مثل هذه
اللقطات أو الأفكار التي تبزغ في أذهانهم، ليجدوا أنفسهم، في ظل ذلك،
أمام خيارين، فيهمل بعضهم الخيار الأول، وهو حفظ هذه الأفكار أو
تسجيلها بانتظار أن تتبلور وتنضج فيما بعد لتصبح، في ظروف أكثر ملاءمة،
قصصاً، ويختارون الخيار الثاني، وهو نشرها بوضعها الأولي غير الناضج
مُطلِقين عليها أسماءً مختلفة، قصصاً أو نصوصاً أو (قصص قصيرة جداً).
ولنا في الكثير مما نشرته الصحف والمجلات العربية، خصوصاً خلال الربع
الأخير من القرن العشرين، أمثله كثيرة تقع ضمن هذا الباب. وغير هذا،
هناك أسباب أخرى وراء كتابة مثل هذه النماذج. منها عجز البعض عن كتابة
قصة قصيرة اعتيادية، والاستعجال في الكتابة والتلهف على النشر، وربما
استسهاله. ومنها أيضاً رغبة بعض الكتّاب غير الموضوعية في تقديم مثل
هذه الأشكال من الكتابة متوهمين أنهم يقدمون أشكالاً جديدة، منطلقين من
اعتقاد خاطئ بأن كل ما يمتلك جدّة واختلافاً يمتلك بالضرورة تميزّاً
وربما قدرة على تأسيس نوع أو شكل جديد. وهذا يذكّرنا بتجربة شبيهة وهي
تجربة ما يُسمى بتجربة "النص" التي حاول البعض فيها كتابة نصوص
والتنظير لها، في سعى صريح أو ضمني لإضفاء هوية خاصة على ذلك دون
التوفيق عملياً في الوصول إلى نتيجة إيجابية ملموسة. هذه الأسباب غير
الموضوعية يجب أن لا تنسينا الأسباب والدوافع الموضوعية والفنية لكتابة
الأقصر من القصص القصيرة، والتي كانت وراء ظهور الجيد والمتميز منها.
وأول هذه الأسباب والدوافع: أولاً- السرعة التي وسمت عصرنا أمام عدم
امتلاك القراء للوقت الكافي لقـراءة الأعمال والكتابات الطويلة.
ثانياً- ترحيب الصحافة بالكتابات القصيرة كونها تلائم صفحاتها وقراءها.
ثالثاً- الحاجة الموضوعية والفنية إلى التنويع في التعبير، وحاجة
التعبير نفسه لهذا التنويع.
العودة الى سرّ من رأى
رسمية محيبس زاير
سامراء
شجرة تسرح اغصانها في نهر الذهول
طيور تغادر ولا تعود
زوارق تسير على غير هدى
انهار تمور بالماء العذب
بيوت تنام صامتة اخرى مهجورة ثقبها الرصاص
الملوية وحدها ظلت شاهدة
حين رأيناها من البعيد
هتفنا
تلك هي ما زالت تستحم بالسحاب الابيض
وبكى طفل ماما خذيني للملوية
اش ...ممنوع ...ممنوع ...ممنوع
تحدثي
اين توارى مجدك القديم
مناراتك الذهبية
التي تفتح حناحيها للقادمين
سامراء..
من ذلك الراهب الاعزل
ولماذا تتكىء النجوم على هامته
وتشاركه الصلاة
من يوم توضأ من ماءك
وما زالت انهارك تفوح بالعبير
لقد ملا نا جيوبنا من ترابك الابيض
لكنهم صادروا التراب
فتشوا متاعنا فالقينا بالتراب
اردنا ان نحتفظ بشيء منك
فأي ارض هي انت
حتى ترابك ممنوع
والتجول في شوارعك ممنوع
والوقوف على الاثار والاضرحة ممنوع
ونحن نتراكض في صفوف لا تنتهي
تعبث بحقائبنا أيد خبيرة
فلا تجد سوى متاعنا الرخيص
يصادر لنسير نحوك خفافا
لا متاع سوى ما يتساقط من العيون
من مطر المحبة
حين رأيناك بكينا عزك القديم
واّثار اّبائنا وامهاتنا
حين سلكوا ا الدرب قبلنا
وناموا في شوارعك اّمنين
لم يزل الجرح طريا
وأنت تنزعين أغلالك
واسماء قديسيك وطغاتك
سرّمن رأك
لكنا تمعّنا كثيرا
فلم تلوح لنا منارة
ولا رحبت بنا الماّذن ولا القباب
هانحن نغادر
كان حضورنا عارما
اشبه بالاحتجاج
نغادرك صفوفا كما جئنا
حرسك يرشدونا الى معالم الطريق
كي لا نلج شوارعك
محرم علينا ان نسير
على اديمك الرطب
ما زالت أشلاء المدافع مبعثرة
والجدران خرساء
وانا اتسلل وحيدة
أردت ان اخلد اليك ليلة واحدة
هل تحتملين جسدي ليلة واحدة
ام ان حراسك
سيداهمونني
متلبسة بحبك العلوي
وتاريخك المذهل
المدرسة البغدادية الحديثة في الرسم
اعداد/ ميمون صبيح
لم ترث بغداد ، شانها شان الكثير من مدن الشرق العربي ، تقاليد فنية
توصلها بجذور فن التصوير وتقاليده الماضية . فقد مرت هذه المدبنة ، عبر
قرون الفترة المظلمة باشد عهود الجهالة والفقر الفني والانحسار الثقافي
. ولم تخلف فترة الحكم طيلة القرون الاربعة التي سادت العراق ، اي اثر
يدينها من روح الحضارة العربية التي افلت نجومها الزاهرة بعد سقوط
الدولة العباسية ، وتوالي غزوات الاقوام المختلفة عليها فيما اعقب ذلك
من احقاب . هذا ماجاء في كتاب بغداد لجامعه محمد مكية والبالغة صفحاته
400 صفحة الحجم الكبير مع ملحق مصور باللوحات الملونة والذي يضم اكبر
عدد ممكن ماطرا على بغداد وماحدث فيها ومااسس فيها وماانشا عليها
وغيرها من المواد الثقافية والعلمية الي تيسر على الباحثين عملية البحث
. الاانه يمكن حين استعراض الفترة الحديثة من تاريخ العراق ، اعتبار
نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اول بوادر التطلع الى
الفنون التصويرية الاوربية الكلاسيكية . فقد نمت بذور هذا التطلع في
تركيا العثمانية حين كانت تستلهم اساليب الثقافة الاوربية وف التصوير
واحد منها ؟. عند اتصالها المباشر باوساطها ودولها انذاك ، وانتقلت هذه
البذور بحكم المنطق التاريخي الى بغداد عن طريق رسامين هواة ، وكان
التصوير يؤلف جانبا تزينيا من جوانب الحياة الشخصية فقد تعلموه في
المدارس العسكرية وصار ترفا يزاوله البعض ويجفوه البعض الاخر . وكان
عبد القادر الرسام المع الفنانين البغدادين في تلك الفترة بل واكثرهم
اصالة واغزرهم انتاجا . فقد ترك لنا هذا الرسام ــ من حوالي 1890 ــ
مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية التي انتجها بين الاستانة ــ حينما كان
ضابطا يعمل في الجيش العثماني انذاك ــ وبين بغداد ، بعد ان احيل على
التقاعد وظل يعمل في ظل ظروف اقتصادية وصحية عسيرة ، حتى وفاته في عام
1952 م وكان قد اشرف على التسعين من العمر . وكانت اعمال هذا الرسام
الاتباعي ، تقع تحت انجذاب السحر الطبيعي البغدادي الخلاب . وفيما كان
ينتقل من ضفاف دجلة النخيلية الظليلة الى معالم المدينة ، كان يعني
بتسجيل صور المراقد المقدسة وبعض المشاهد التاريخية المعمارية كدليل
على ولائه الروحي لهذه المشاهد التاريخية المعمارية كدليل على ولائه
الروحي لهذه المشاهدة اولا ، ونزوعه للتعبير عن الشخصية الكاملة لفنان
(( المناظر الطبيعية )) التقليدي ثانيا ، الا ان عبد القادر الرسام ،
لم يقتصر في اعماله على رسم الطبيعة ، بل تناول رسم الصور الشخصية ((
البورتريت )) ايضا ثم انتقل الى مرحلة الرسم الجداري ، ليزين باللوحات
الزيتية الكبيرة ــ كما اشار الفنان نوري الراوي في كتابة تاملات في
الفن العراقي الحديث )ــ جدران احدى قاعات السينما الاولى في بغداد ،
والتي زالت معالمها الان بعد ان اتى عليها العمران الحديث . وتعدت
الشهرة لهذا الرسام بغداد واستانبول ، حين احتفظ متحف برلين ـ كما اشار
المصدر السابق ــ بلوحة من لوحالته الي التي فازت بالجائزة الثانية في
مسابقة الدولية . اما الرسامون الاخرون الذين عايشوا فترته الزمنية ،
وما بعدها ، فقد وصلت الينا اسماؤهم دون اعمالهم ، وهذا مايحملنا على
اغفال تلك الاسماء . غير ان المتاخرين من اولئك الرسامين القدامى ـ
ومايزال يعيش بين ظهرانينا اثنان منهم هما محمد صالح زكي وعاصم حافظ
فقد مثلت اعمالهم الفنية المرحلة التالية لعبد القادر الرسام ، زمنيا
واسلوبيا .
وتبدا حركة الفن العراقي الحديث على وجه التحديد .
وفي عام 1956 تشكلت جمعية الفنانين العراقيين فانظمت اليها اعداد كبيرة
من الفنانين المستقلين .؟ وبدات نشاطها الكبير في نفس العام حيث اعلنت
عن سلسلة من المعارض الفنية والمحاضرات والافلام تحت عنوان (( مهرجان
الفن القديم )) وهكذا بدا الفن العراقي ـ الذبي لم يكن يحظى قبل سنوات
باعتراف المجتمع او عنايبة المسؤولين ـ ياخذ مكانة اللائق في فلك
الحياة الثقافية في العراق ، كما اخذ يتجه نحو منطلقات جديدة للتعبير
عن مفاهيم انسانية معاصرة.
الشعر.. ومشكلة اللغة
ورود الموسوي
عنيت الفلسفات القديمة باللغة لا لكونها منهجاً فلسفياً بل كونها
الكاشف الحقيقي عن ماهية الوجود فلم يكن ممكناً لكشف الوجود وفهمه الا
عن طريق اللغة فهي الدالة على حقيقة الكون وفهم ماهياته وظواهره وأجمع
الفلاسفة على مرور عصورهم واختلاف وجهات نظرهم حول اللغة وماهيتها
لكنهم اجمعوا على انها المفتاح الوحيد لفهم الفلسفة ذاتها ومن ثم فهم
الوجود .. ومن خلال اللغة انتبه الفلاسفة برأيي - باللاوعي- لوجود شيء
آخر ترابط باللغة ترابطاً وثيقاً الا وهو الشعر .. حتى كاد لا يخلو عصر
من العصور من شاعر فيلسوف بدء بــ ارسطو ومروراً بافلاطون .. ووصولاً
الى دانتي وانتهاء بنيتشه رغم نظرته للغة على انها أداة لتفكيك الفلسفة
لكنه ظل اميناً لاغراء اللغة حين كتب هكذا تكلم زرتوشت لا زرادشت كما
عرّبها البعض وقرأها!..
اذن ترابطت اللغة بالشعر وترابط الشعر بالفلسفة ليكوّنا ثلاثياً لكشف
ما يجول في هذا الوجود .. حتى ظهر الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر الذي
خالف الجميع برؤيته ان الانسان لا يستعمل اللغة بل ان اللغة هي التي
تتكلم من خلاله والاشياء تتجلى من خلال اللغة. وبهذا تصبح الكلمة في
شكلها الشعري ليست عبارة عن صوت أو اشارة كما يفهمها اللسانييون وإنما
هي البعد الاساسي لاقامة الانسان على الارض. وبهذا يعد هايدغر اللغة هي
الشعرالأصيل كونه الكاشف عن المحجوب واللامعلوم وهو الاداة التي تتعامل
مع مفهوم اللاتحجب الذي اتخذه منهجاً للكشف عن ماهية الوجود باعتبار ان
الوجود يفصح عن نفسه من خلال الكلمات.
ولأن مبتغاي هنا ليس تأسيساً او شرحاً لفلسفة هايدغر بقدر ماهي بناء
على ما اؤمن به مع هايدغرعلى ان الشعر هو منبع اللغة وباختلال الاخيرة
- اللغة- يختل الشعر الاصيل .. وهذا ما يعوزنا في الوقت الحاضر .. بـ
اعتقادي ان مشكلة الشعر اليوم هي مشكلة لغوية ولا اعني باللغوية فهم
النحو والصرف -رغم انه إجباريٌ جداً - على كل مثقف فضلاً عن الشاعر
الذي لابد ان يكون متمرساً وقادراً على تفكيك النحو كونه الاساس الأول
لما يبنيه الشاعر الذي سيتعامل مع اللغة وعليه لابد له أن يضطلع بـــ
النحو والصرف والبلاغة كونها الطريق الوحيد والاساسي المؤدي لــ هذه
اللغة.
لكني انظر ايضاً الى ما تشتمل عليه اللغة بمداها الأوسع .. وأعني
الانساق الثقافية التي تغذي هذه اللغة فكرياً واجتماعياً وفنياً
وحضارياً ايضاً ... ومن خلال هذه الانساق تنفتح اللغة على عالم أشمل
مليء بالرموز والمجهول والتي تعد حسب هايدغر ماهية الشعر حيث ان الشعر
هو شيء مجهول لا تُعرف ماهيته.. وكلما تعددت هذه الانساق كلما أجاد
الشعراء بالكشف عن ماهية الوجود .وأراني هنا اتفق مع المذهب الثاني من
الفلاسفة والذي يراه كل من آرنسست كاسييرر وبول ريكور ومارتن هايدغر
حيث يعتبرون اللغة هي الوسيلة الانجع لتوسيع افق الفلسفة على عكس مذهب
نيتشه الذي ذكرته قبل أسطر انه يرى في اللغة اداة لتفكيك الفلسفة.
وأنا اضيف على قولهم لأقول ان اللغة هي الوسيلة الأنجع لتوسيع افق
اللغة باللغة ذاتها .. من خلال الفهم الحقيقي للغة التي نتعامل معها
والاحاطة الكاملة بكل أنساقها الثقافية لتكوين أرضية صُلبة يقف عليها
الكاتب / الأديب / وبالضرورة الشاعر.. وذلك بإعتبار الشعر -كما مر- هو
الأساس لوجود هذه اللغة.
ولأن الشعر اليوم مولود مشوه بسبب سيميائية اللغة التي لم تعد ذات
اهمية عند مَن يهم بكتابة نص او قصيدة او اي مسمى يطلق عليه شعر .. لم
يعد هناك ارتكاز حقيقي على ثقافة واعية لحقيقة ما نكتب لم يعد الشعر
كما كان في خمسينيات القرن الماضي وستينياته ولا حتى في ثمانينياته رغم
الحروب - واعني العراق تحديداً- فقد كان للحركة الثقافية الجادة
والقراءة العالية والاطلاع المتواصل على كل ثقافات العالم الاسهام
الكبير لخلق جيل شعري حاول فهم كل ما يدور حوله من خلال الشعر ..
فالمعرفة شكلت القطب الموازن لكل ما يُكتب ..وبهذا كانت الحركة الشعرية
بخير .. والنقد حتى أواسط الثمانينات كان بخير أيضاً .. وبنظرة سريعة
الى عالمنا الآني سيُصاب المطلع على ما يُنشر اليوم باسم الشعر
والشعرية العربية بحالة احباط تدعوه الى هجر الكتابة إذ ما فائدة النشر
وسط اطنان الدخن التي تهلّ علينا بما لا يمت للغة الشعرية بصلة..؟!
أخيراً ان المشكلة الأساسية في الشعر اليوم هي مشكلة لغوية بحتة هي
مشكلة القراءة الجادة فنحن أمام جيل لا يقرأ بل لا يريد ان يقرأ .. جيل
يهتم بتفاصيل النشر والانتشار على حساب اللغة والعمق الثقافي الذي
ينطلق منه ...هو جيلٌ لا يحبذ قراءة الاخرين بقدر ما يهمه مجايلوه ممن
يشتركون معه بذات اللغة البائسة .. وذات الثقافة الرخوة مهللين شعارات
الحداثة وما بعد الحداثة دون وعي حقيقي لما يعنيه هذين المصطلحين أراني
بحاجة ماسة لإعادة النظر فيما نكتب .. فيما نقرأ وفيما ننشر .. فثمة
جيل يطفو على السطح بلا ملامح.. لا يعرف من أين يؤتى الشعر ولا كيف
تُنخَل اللغة..
قصة قصيرة
ابتســـــامة
خالد الوادي
ما ان دخلت صالة التصوير حتى شعرت بأرتياح ولده الجدار الازرق الملائم
لمزاجي وذوقي..
جدار يشبه الى حد بعيد لون السماء الصافية... لم افكر في تلك اللحظة
العارية من كل شئ ، سوى الابتسامةِ التي احاول اقتطاعها من الزمن الآخذ
بالتلاشي والتبخر .. زمن ارغمت على تقبله رغم تقلباته العجيبة لا لشئ
سوى لانني انتمي بجذوري لافياء النخيل ولليل مدينة غادرها المرح منذ
عقود..انها ابتسامة امارس طقوسها كلما يداهمني الحزن ويعتصرني الاغتراب
الذي ما هدأ في نفسي للحظة .. اغتراب يلتحفني كما يلتحف الجدران
والازقة والشوارع والوطن !اتكأ به على عكازة البقاء والاستمرار ..
فالضرورة الملحة تدفعني على الاستمرار والقفز بين محطات الموت حتى
النهاية التي لا اعرف متى تأتي وكيف ستكون!!
سألني صديقي المصور .. كيف ستكون جلستك النهائية؟
قلت:
عليك ان تجعل من سقوط الضوء تجاه وجهي متدرجا .. اريد من وجهي ان يظهر
نصفين .. نصف ساطع والاخر مظلم..
سألت نفسي .. هل تريد ان تبدو اثنان أي شخصان مختلفان ؟ واحد منهما
يمثل الشباب الذي يتأهب الى الرحيل ، والآخر ترتسم على قسماته احداث
الازمنة الراهنة ، بأرهاصاتها وفزعها وخوفها ليظهر على نحو سريالي مهشم
، متداخل كمجرات غابرة سحيقة.
ـ جلست ومع جلوسي التفت التفاتة بسيطة تجاه الركن الجانبي من الصالة..
لقد داهمتني غربتي المعهودة وتخيلت كل ازماتي وغربة روحي وزوايا الحزن
بداخلي .. تخيلت ما انا عليه وواقعي الذي يشبه رمادا متناثرا
لقد جاءت لحظة الولادة التي انتظرها .. ولادة لتلك الابتسامة التي تمثل
دمار الروح وانحسار الموت في زاوية الحجرة الضيقة لتمتزج مع هرج الضوء
وانعكاسه على تفاصيل وجهي الذي ظل متشبثا بابتسامته لاتمكن اخيرا من
اقتطاعها من الزمن الهائج الذي لا يعرف معنا لها. |