الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(920) الثلاثاء 12 محرم 1431 هـ/29 كانون الاول 2009

الثقافية

الشعرية الأتصافية في إعتذارات .... أدم الحزينة

اسماعيل أبراهيم عبد

تقديم : اذا أُريد للعمل التضامني بين القائل الشعري والمتابع القرائي أن يَشُيد الفهم بدرجة إبداع قصوى , فأن على كليهما (المنتج والمتابع) أن يتوخيا أبرع طرق الاتصال الجمالي , أي فهم أهمية مركز إنطلاق الاشتغال العقلي والوجداني  ... ولو زاد حذرنا وقصدنا مثالية تماهوية فأننا سنقسم النص / اعتذار للملكة/ للشاعر الراحل أحمد آدم / الى ثلاث وحدات / أولية , ووسطى, وداخلية .. وطبعاً قبل كل وحدة آه ..وبعدها .. آه.. ولا اعتذار فيما , لاخيار الوحدة الأولية : نرى أنها تتمثل بالعناصر التالية:

أ- الصوغ الكتابي:  وهو المظهر المباشر والذي ينتج ضمن القراءة الأولية للفظ المكتوب بحركاته ودلالاته . وهو ما يوضح سياق المعنى العام .. وهو في ظاهر الكتابة . لايتعدى اعتذاراً حنوناً موجه للملكة الأولى , الام المثمرة , الملكة السامقة , الملكة الملهمة , الملكة الشابكة الطين بالحنين بالعطاء .. والاعتذار لها غير مقبول , وغير مبرر , وليس بذي جدوى , لأنه يعادل الاعتذار عن خط الطبيعة والخلق (تبعية الانسان للقوى الخارقة الخارجة عن سيطرته )  . وأن الصياغة الكتابية لاتخلو من  أكناه تشبه الكنايات , وتتقيّد , قدر الامكان , باللامقاربة الندية .. حيث أن مزاولة المقاربة تسحب النسيج نحو الأسطرة الحديثة , وهذا يُخرج النص عن نوعه .. وبقى القول : الاعتذار للملكة : يحمل خطئاً (ما) [على خطئه / وبيدين مشروعتين تتلفتان / حدائقه خراب] والنص أعلاه يحمل توازياً مركباً , ففيه نوع من التعادل بين :

(على خطئه /..../) و (... حدائق خراب ).. فالحظ هو خراب / الخراب هو خطء الحدائق , والخط ء هو (معامل تفعيلي للقول )وهذا هو مايحيل القصد الى الكنائية الأولية للكتابة دون المقاربة الندية .

فكذلك الضمير العائد على الغائب اللفظي في (خطئه ) , والحاضر الحقيقي (الشاعر) هو عنصر يعتمّد الفعل الكنائي للشعر حيث :

الشاعر = الخراب .. الخطء = الحدائق ..

الخراب = الخطء , اذن الشاعر = الحدائق .. ولكن هذا البناء سينهار كلياً ولا يحظَ بأدنى درجة من المعقولية عندما نصل الرابط الاتصالي بينهم (وبين مشرعتتين تتلفتان ) والذي أسقط التساوي المزعوم , حين اظهر قوى أخرى تحرك المشروط التبضيعي لاستدلال الدلالة , فاليدان غير اللسان والاشراع غير التصميم , والتلفت غير الوثوق .. لذا فأن المستويات السابقة وهمية , ولم تاخذ الصوغ الكتابي / الذي يعادل / الصوغ الكنائي التجسيدي .. ذلك الصوغ الذي يهمل ملكية المكان للمالك ..

ب‌-    الغاية التبادلية : هي صياغة لقيمة ((الشعرية )) بما يعادلها من عوض دلالي , سواء بالكفاية الأتصافية (وصف القيمة النصية للشعرية) أو بالتعويض العلائقي .. أي يحل القول .. محل القائل .. والقيمة الشعرية .. محل القيمة الكنائية .. والهيكل الباطني .. محل الهيكل الظاهري .. والشفرة الغامضة محل الشفرة المهيمنة .. وهذه المتقابلات غير متساوية لامن حيث الدلالة ولامن حيث العلاقة .. لذا فهي تعويضات تبادلية قيمية : فلنَر :

     [وإسمه شجرة لا تطال// وبقلب يتعثر بأمل حافِ]

فالمعنى الشعري التقابلي جمع الاسم والقلب والأمل . والفارق التعويضي جمع نموذجي (شجرة لاتطال // وقلب يتعثر ).. ومثل هذه الصياغات هي غايات تتبادل بمعوضاتها عن قيمها بحسب المشروعية ((للشعرية)). يمكنني أيضاً التحول الى نص علائقي يضمر ((كفاية إتصافية)) تقارب مثولاتنا السابقة [إلاّ عن رغبتين ورغبة ثالثة / جاء يلمَّ شتات / نعائمه وهي باذخة ] فالكفاية النصية هي في كون النص يكمل معنى قيمّياً يقترب من معنى سياقي متكامل . فالرغبات , الافتراضية الأُولى , والاشارية الثانية , والنتائجية الثالثة , فعلت قوى سياقية سابقة قادته إلى ان / يلمَّ شتات / وهي , أي الشتات , جذبت فعل الشعرية بشطريها القيمي والدلالي , أن تصير قيمة تعويضية عندما أعطاها إتصافها [نعائمه وهي باذخة]  وهذا الاكتناه - الإِ تصاف - كأنه قصيدة مستقله يماثل الجو الشعري قبل تدوين الشعر , وهو نوع من ذرى متعة العمل الفني بين الأثر والآثر هي في تساوق وليس تساوي , يجعل التبادل نمطاً لغايات الأضمار الجمالية بين الترتيب القيمي للقصيدة والتركيب الغنائي لمنشيؤها . وبهذا الترتيب يوحى للمتابع ان يخمن المخفي من باطن النص يبادل تعويضاً غايته الافتراضية كتراكم قولي لصياغات إتصافية  لا نمطية ...

يمارس الشاعر مقلوب النص كمبادل إحتياط / زهو / نعائمه / هي ساحة عرض المعنى , بصفته وضوح القول الشعري , ولكن وضوحه يتوجه لغرض  آخر / إشتمل على دلالة - يتوجب البحث عنها - وأعني أنه قصد من وضوحه ان نلجأ للبحث عن غموض قد نتنبائه في نص لاحق في [يمنح صداها وجهاً حائراً ] فأذا أعددنا ترتيب المواصفات الدلالية لسوف يردنا التصور السابق (بيدين مشرعتين) وكأننا أمام حالة من أعادة تفاصيل القصد في النص /أي / تبادل إتصافي بمقلوب الدلالة .

جـ - القيمة الاتجاهية :  قبل ان تبدأ المبثوثات إشارات علنها تفصح عن فهم أغوارها كتطلعات إتجاهية من قيمة خلق أبعد من مكنوناته , أو قيمة تفجير وجداني أرفع من النسخ الكياني , أو قيمة صوغ فني فيزيقي , أو قيمة هيكل ذات وفعل بما يفوق مكتفيات البشر .. مثل هذه النوازع , وبمثل هذا التكتيل ينبث الشعر , فالأتجاه الانساني في الصوغ الكتابي , والصوغ النمطي النوعي يتكاتفان معاً لخلق قيمة إتجاه ...

والشاعر هنا , عند متكأ ملكته الواهية , مسلوب الإرادة يحّول جميع متجهاته  الى صفات لرغبات ليُبَصّم إصبعنا على مداليل فهم خبأها حتى هذه الأبصامة ليمتحى كل رغبة في ذائقة في صورة عقل ووجد وكيان .. أي يجرنا طوعاً الى قيمة حتمية الاتجاه لأبعد من ((أنا- البشرية )) وضمن امتحاننا فقد غافل فهمنا مرتين , مرة في حدود كمية هذه الرغبات, ومرة في نوعية الاعتذارات .. ولكنّا في مضمر تقديرنا عددناها , رغبات ثلاث , وثلاث انواع من الاعتذارات .. وهي في سجال قيمي إتجاهي مستمر .. واذا أعدنا القراءة بعين الباحث عن لقى سنجدها مبثوثات متجهة حسب:

مبثوث الاخطاء / التي تتوزع مساحة لا بأس بها .. فليس الخطأ أزلياً ولامعنوياً , ولامادياً , وليس الخطأ تخيلياً .. إنه خِط ء قامت به الطبيعة مع مكنون قواها هاجس الخلق , كيان الشاعر , الواهن , الضامر , الكامن وراء خِطئِه .. ولو فككنا قيم الخط ء هذا لفوجئنا بتراكيب أخطاء تبث تفاصيلها في مفاصل الكيان الكتابي على شكل ذبذبات , كجزء من الاتصافات الشعرية العامة .. تتحمل موازينها من الاسئلة    فالخطأ / بيدين تتلفتان / يوازيها السؤال الى أين ؟

و/ حدائقه خراب / يوازيها .. لماذا .. من أي نوع ؟ و/ بأمل حاف / يوازيها .. كيف؟

و/ نعمائه باذخة / يوازيها .. بماذا ؟

و/بيد الذي يراه وحدَهُ / يوازيها .. متى ؟

و/ شمسها تضحك دفئاً / يوازيها.. من أي وجه ؟ و/ طريقاً تفضي لبهجته / يوازيها .. حسب ماذا ؟ و / مهلاً على روحي / يوازيها.. أي تمهل ؟ و/ مهلاً لاجتياح لذيذ / يوازيها.. بِمَ لذيذ ؟ (ويمارس / هذه الحدية النديّة) بمونولوج داخلي ذاتي يمازج ويخالط مكنونات (كأنها كائنات سرية سحرية) وكأننا أمام كلمات تدب مثل الحيوات التي يراها الشاعر.

 

 

ماقيل وما..اسطورة معاصرة !

حسن عبد الرزاق

يستانف الروائي جاسم عاصي اشتغاله على الاسطورة والاستفادة من عوالمها المدهشة والمثيرة للخيال . فهو يواصل  في روايته الجديدة (ماقيل وما...)  تشكيل الاحداث  الغريبة  ذات الطابع المتقاطع مع المنطق العلمي السائد في هذا العصر ومايفرضه على عقل المتلقي من قناعات ثابتة  لاتتقبل الا المعقول فقط.

فالاساطير عادة  ترتبط ببدائية العقل الانساني وزمانها موغل في القدم وقد اندثر صانعوها والمصدقون بها معا ،  وخطت الحياة خطوات سريعة نحو المعقولية وانقرضت منها الالهة و البشر انصاف الالهة و الجبابرة الممتلكين للقوى الخارقة  والمغامرين الباحثين عما يجعل الفناء مستحيلا . ومن يريد ان يسرد حكاياته من الحكائين يجب عليه ان لايتجاوز مايعقل.

لكن الحكاء عاصي يرى في  خلق الاساطير الحديثة  عملية جنوح نحو فضاء حر يتيح له بوح مايمكن بوحه من شفرات وطرح مايستطيع طرحه من رؤى تاركا لمن يستمع اليه حرية فهم تلك الاساطير والوصول الى اعماقها.

ومثلما  فعل في روايته السابقة(مستعمرة المياه) حين جعل البطل (سامح) يذهب في رحلة البحث الصعبة عن( الوهج) الموجود في اعماق الهور وتحديدا في منطقة (كوت احفيظ)  والقبض عليه ، فعل في هذه الرواية ايضا  فكان الذاهب رجلا عقيما اراد ان يترك له امتدادا من بعده لكي يتولي حماية القلعة  واسرارها وطهارة عالمها  .

وكما  استطاع كلكامش  في مغامرته العمودية (من الارض الى السماء) من الحصول على عشبة  الخلود  ، استطاع بطل (ماقيل وما..) برحلته الارضية  الافقية  ان يحصل على عشبة الاخصاب ايضا ،  لكنه لم يضيعها مثلما فعل سلفه  في لحظة خذلان مارسها جسده معه ، وانما قاوم صعوبة الظروف بعناد وصبر  وعاد بها  الى داره التي تغطيها كابة العقم لكي تثمر فيما بعد عن ابنة فاضلة كانت هي الوارث الوحيد للقلعة.

ان  هذا الرجل وزوجته العلوية  نظيران ميثولوجيان لشخصيتين تاريخيتين ايضا هما النبي  زكريا و زوجته حيث ان السماء تكفلت باخصاب زوجتيهما بعد طول يباب ،  لكن الفارق بينهما هو ان الثاني اتته المعجزة بنفسها وبلااية مشقة يبذلها  في حين ذهب الاول نحوها  وعانى من المشاق والتعب كثيرا حتى حصل عليها.

في هذه الرواية ثمة خيبة امل بالاجيال المعاصرة من القيام بفعل عظيم يعطيها احقية الوراثة لاجيالها السالفة ، فالحفيدة حميدة  التي سلمت ميراثها لاحقا الى الفتى اياس المشغوف بمعرفة الاسرار والاطلاع على كنز الماضي ،  تمنت لو انه يستطيع المحافظة على القلعة ( ان القلعة ملكك من  بعدي)   لكنه لم يكن مؤهلا لهذه المهمة  واكتفى بان يكون سارد حكايات فقط يعيد مااندثر منها او ماغيّب قسرا ،   فنهب الاشرار ذلك الارث التاريخي ولم تبق منه سوى سراديب ضيقة  عميقة الغور تحتفظ باسرارها في الداخل كذخائر نفيسة .

ان   الحكاية التي  شكلت الاطار العام  لاحداث الرواية  مثلتها تلك العلاقة الروحية التي ربطت مابين الصبي (اياس) الرامز الى المستقبل والعجوز حميدة التي مثلت الامس . وقد اسهب المؤلف في التركيز على دواخل شخصيته الرئيسية (اياس)   وعلاقته الاجتماعية والوجدانية  بها حيث هيمن هذا الوصف على مساحة كبيرة من الرواية مما خلق في بعض الاحيان نوعا من الملل نتيجة  التكرار السردي.

اما  الحكاية الرئيسية  فهي قصيرة جدا لكنها حملت مضمونها المهم خصوصا عند اسقاطه على الفترة الزمنية  التي كتبت فيها الرواية

فمسألة  الحصول على نبات الاخصاب كان مقررا لها ان تبقى في السر ، محفوظة بين طيات الكتب  ، لان الكشف عن سرها - حسب المعتقدات الاسطورية-  يكلف الحفيدة حياتها  لكن شغف اياس وفضوله الشديد في معرفة محتويات الصندوق الملييء بالكتب المطلسمة وضع النهاية لتلك العجوز الفاضلة وان تقبلتها بطيب خاطر.

 

 

قصة قصيرة

شمعة العســـل

ايناس البدران

بعض الرجال بلا طعم بلا ملامح بلا موقف يذكر .. مجرد هياكل خشبية مسندة مطلية لحما ، تحمل روبوتاتا مبرمجة على شيء بعينه تكرر نفسها كلعنة حتى تسقط الأقنعة الشمعية قبل أو بعد فوات الأوان .. أما النساء فهن في نظرها مجرد أزاهير ملونة بانتظار أن يقطفن ليزين عراوي البدلات الأنيقة ، وهي لا تغبط الأزهار على أية حال ، فكل ما تفعله هو أنها تذوي وتموت في صمت .

-أين الابتسامة الحلوة ؟ قالها متصنعا اللطف .. أومأت برأسها محاولة رسم إبتسامة مقتضبة ، فيما كانت تبلل شفتيها بقطرات من العصير البرتقالي الحلو علها تزيل شيئا  من مرارة ما مرت به ناهيك عن عذاب الانتظار وفوضى الزحام عند نقاط التفتيش ، فيما عواصف الأرتال الترابية الهجينة تعلن عن نفسها بفجاجة مستفزة عبر مصابيحها المتوهجة حتى في وضح النهار وهي تسير ( رونغ سايد ) ضاربة عرض الحائط بكل ما عداها ناهيك عن العوارض الكونكريتية الجاثمة على صدور الطرقات التي أحالت واسعها ضيقا وغايتها وسيلة للتعذيب وبهجتها جحيما لا يطاق .

وشاء سوء الطالع أن تتعثر قدمها الخجلى عند أول سلمة مفضية الى القاعة المخصصة للحفلات ، وبدلا من أن يأخذ بيدها ليقيها عثرتها جز على أســـــنانه وقال :

-عمى

أطلقت زفرة حرى فيما عيناها تتابعان الفاتنات يعلن عن أنفسهن كفراشات بين الموائد يسبقهن أريج عطورهن ورنين حليهن الغالية ، فيما الرجال لفرط أناقتهم تبدوا لها كبطاريق تعد مناقيرها لحفلة صيد.

أجالت النظر في أرجاء القاعة الفخمة بعينين أثقلهما الحزن ، ها هي الكعكة المتعددة الطبقات تتوسط القاعة كجبل جليد وعلى بعد خطوات منها سمقت شمعة العسل ، أكبر شمعة في الشورجة إنتقتها والدتها بفخر لتخطف الأبصار بوميض لهيبها المتراقص .

  تذكر يوم صارحها بحبه بعد عدة لقاءات عمل ، نظر بعينيها وقال بلا مقدمات :

-أحبك

في تلك اللحظة  غمرتها فرحة عارمة ، وسألت وهي تكتم إبتسامتها :

-أنا .. لماذا !؟

-لأنك مختلفة

-وكيف ذلك ؟

قال بلهجة العارف فيما عيناه تعكسان رجاء من نوع ما :

-كلهن متشابهات لدرجة الملل ، تصنعهن الدلال في البداية ، تصديقهن لأي شيء ، ثم تهافتهن وغيرتهن العمياء فيما بعد .

-تعني أن كل النساء صنف واحد ؟

رد بغرور : في الواقع هناك صنفان .. صنف يأتي بالكلمة الحلوة ، وهذا مفتاحه في أذنه ، والآخر مفتاحه المال ، وفي الحالين النتيجة واحدة .

-أ لا يوجد صنف ثالث ؟

-بلى  أنت .

وضحكا.. يومها تمنت من كل قلبها أن يكون هو ، فارس أحلامها . . كل ما حولها يدعوها الى الحياة ، الثريات الباهرة الموزعة بأناقة في سقف القاعة ، البرودة المنعشة ، الموسيقى الممتزجة بخرير الماء ، وهي تحاول رسم إبتسامة للكاميرات التي كانت تحوم حولها لتسجل ليلة العمر . . لكنها تشعر بيد الحنين الى شيء مجهول تهزها ، بالدموع تحفر أخاديد في حنايا صدرها دون أن يكون لها أثر في عينيها . كلامه عن المال والمشاريع لاينقطع وهي تحرك رأسها بين الفينة والأخرى تجاوبا ، فيما عيناها تتابعان حمائم بيضاء أطلقت في فضاء القاعة بعد ربط سيقانها بأشرطة حريرية طويلة بما يكفي لسحبها عند اللزوم لأعادتها الى أقفاصها.

همست في سرها :

-من منا لم يغبط الطيور ؟ .. حتى لهذه اخترعوا الخيوط والأقفاص ، وهي يوم وضعوا الأصفاد في يديها علت الزغاريد .. يومها سألته كأنما لتصل ما أنقطع بينهما من ذلك الحوار .

-وماذا عنكم ؟ . . رفع حاجبيه تعجبا وسأل :

- ماذا عنا ؟

-كم صنفا أنتم ؟ أجابها بزهو :

-كل رجل صنف بذاته

ردت عليه ببرود :

-لا  أظن

كانت نظرات والدتها تشويها ، وبعد خروجهم من لقاء الخطوبة ، وبختها إذ لا يليق بفتاة أن تناقش أو تبدي رأيا صريحا وإلا وصمت بالجرأة و الاسترجال .

-ها هي تطل إطلالتها الأخيرة بفستانها الأبيض المشغول باللؤلؤ كسحابة صيف تائهة ككذبة بيضاء .. كملاك إحترق جناحاه فهوى مرغما  على الأرض ، لتجد نفسها ككل مرة  أمام خيار( هوبسن ) ، إما أن تأخذ الشيء المعروض عليك أو لاشيء .  إستحضرت لحظة  رمت الكلمات في وجه والدتها قائلة   :

-لا أريده

الأم تلطم صدرها إمعانا في إستثارة الوالد كيما ينحاز الى صفها ويحسم النقاش كالعادة لصالحها

- تقولين هذا قبل أسبوع من العرس ؟ الأب بنفاد صبر :

-أعطني سببا

-هناك أكثر من سبب .. لا توجد بيننا لغة مشتركة ، أنه لا يفهمني

-وهل أنت النظرية النسبية

-أبي من فضلك .. أحيانا كثيرة أجده متذبذبا غامضا كذوبا

-كل الرجال .. يعمدون أحيانا .. لمثل هذا بحكم الخبرة والتمرس بدهاليز الحياة

-اكتشفت أنه غير مخلص .

الأم وهي تطبطب على كتفها ..

-البركة بك .. الزوجة الحكيمة هي التي تعين الرجل على نفسه بعد الزواج .

-أمي أنه متسلط أناني ثم أني لا أحبه

-ما هذا الكلام الفارغ ؟ .. حب ستحبينه بعد الزواج .. أنه عريس تتمناه أي بنت ، أم تريدين أن تعنسي ؟

تنهدت وهي تتساءل في سرها :

لم يخيفوننا بالعنوسة حتى لكأنها أفضع ما يمكن أن يحدث لأنثى .. آه الخوف هو ما يجدر بنا أن نخشاه .. الخوف هو ما يدفعنا للإرتماء في أحضان أسوأ كوابيسنا .

   تتأمل الشمعة وهي تحترق بنارها ، وهجها يتشظى يتناثر نتفا من لهيب تلفح وجهها ، والفتاة الموكلة بقص فتيلها، الفتيل يستطيل يهوي ، يلتصق بخاصرة الشمعة ، يبدأ بإلتهامها بشراهة ، الشمعة الهائلة تميل تدريجيا بنصفها العلوي لتهوي فوق الموكيت مشكلة بحيرة من شمع ذائب ملتهب ، الذهول بات سيد الموقف ، الدهشة عقدت الألسن ، الضحكات تجمدت ، إيماءات البهجة ذبلت على حين غرة في الأكف التي تحجرت .. ألنار تمسك بالدواغ والأذرع تحاول إنتزاعه لتدوسه بالأقدام .

   في لحظة بعينيها بدأت ترتسم أمامها خارطة خلاصها ، لحظة قد تشكل الإنعطاف في حياتنا وكل ما بعدها يأتي مكملا ونتيجة .. لحظة تحمل في أعطافها سحر ومضة متفجرة شجاعة رافضة مفاجئة .

صوت يشق طريقه وسط الجلبة : - العروس

الأجساد تقترب منها تلتحم ترتطم تقلب المناضد والكراسي .. وكلحن يعزف على كمان وجدت نفسها تنسل من بين الصفوف بخطوات واثقة كأيقاع منتش متعاقب متسارع .. إلتفتت برأسها ناحية الجمع  لتلمح بطرف عينها الدواغ يداس بالأقدام يتعفر برماده وهو يلفظ آخر  أنفاس الدخان..

اللحن يعود بتناسقات سماوية ، كلمة واحدة تخفق في رأسها مع دقات القلب المتسارعة .. الحرية .. كلمة زغردت في حنايا صدرها .. كشهقة خلاص .. كصرخة ميلاد .. الحرية ، ليست حرية من جدران ما إنفكت تطاردها ، ولا من صحبة متكلفة ، ولا من مشاعر متحولة كبلت روحها وغمت عينيها عن حقائق مرة ، لكنها الحرية المنبعثة من روح تجردت من الأقنعة لتتوج بجسارة غير آبهة بمزاجية النظرات والآراء و إزدواجيتها ولا بأي نتائج  ستأتي بها الأيام.

كانت تجري كفرس برية يسبقها لهاثها المحموم متجاوزة كل العقبات .. لم يكن في مقدورها التكهن بما تخبؤه لها الأيام لكنها استشعرت داخلها قوة تتقبل كل ما سوف يحل بها بروح حرة طلقة تعوم فوق الخوف.

 

 

أغــصـــان

د. سهام جبار

من ثقبٍ في قلبي من بؤبؤٍ هاربٍ 

من شرنقة التذكر السأمة

في جوف رأسي مني

من رياضات الوصول إلى الجنون

وحقائب السؤال القديمة 

في تطلّع هذه الرأس الصغيرة

ورَميِها الأرحامَ عنها من جسدٍ عميــــــق 

من أبٍ كنتُه ثم انتثرتُ

علقةًًً أطاردها

ونقطةً ليست تُدرك أطاردُ أيها الطيران

طيرانَكَ أبحلقُ في سردِكِ ايتها

الأرض أفصِّلُ جبالكِ أثواباً والبحور

أحلِّق أيتها الحفر

أيها القاع

من ذبابةِ الضوء التي طمرتِ الثقب

ليرفرف

من جمود يدي

المتكسّرة لتكتب

من الكائنات التي تُري نفسَها

وأُري أنّي

مني

من كنسِ عقابِ طويل

بين الألفة والغرابة

وتوقّفٍ إثر مواصلة

ومواصلة إثر انفجار

من تناسيي كل ذلك

خرجتِ الأماكنُ

الى قدميَّ

خرج العالم الى الحفرة

ها أنا أغصان تتعلّق

بجسدي

ها أنا

هناك

ها أنا هنا

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق