|
بعيداً عن قفص النسوية قريباً من حرية
الأختلاف
د. سهام جبار
تعمد هذه المقالة الى شجب فكرة حصر كل كتابة تأتي بها الكاتبة على أنها
من الأدب النسوي، وهذا الشجب قائم على الضيق من الدأب الذي يعمد اليه
النقد في تحديد حرية الكتابة ومن ثم التلقي بسلطة قراءة مسبقة للأثر
الأدبي تترك طابعاً من التوصيف الجاهز الذي يخضع لجاهزيته كلُ ما يرد
من الكاتبة مهما سعى للأبتعاد عن أن يُحجر عليه في قفص نسوية ضيق.
لقد كتبتُ مرة: ((لا بدّ من ان التكامل الإنساني يفترض تحقق ثنائيات
مهمة تتحرر بتمازجها أي أنها تكسر القيد عند دخولها في علاقة مع الآخر
الأمر الذي لايمكن حدوثه وهي مجردة ومعزولة في شكلها الأول (الشكل
البايلوجي) لذلك تخطئ المرأة عميقاً عندما تنتهي عند حدود الخصائص
البايلوجية الأولى دون اندغام مع الآخر في فعل الكتابة. الكتابة إذن
عملية تمازج قوى متعددة في المرء (...) أما اللائي يملن الى التمييز
الجنسي لترويج بضاعة من الميوعة والخفوت النفسي والبوح الحسي في ادعاء
أن ذلك يمثل المرأة لأنها لا تتوفر على خصائص ذكورية موجودة ضمناً فيها
فإن ذلك يعني القبول بمخلوقات أحادية غير كاملة الخلق بل هي مخلوقات
عاجزة عن استمرارية الحياة فكل كاتب أنثى كان أم ذكراً هو خنثى في
الكتابة ولا يمكن التمييز بين كاتب وكاتبـ ـة إلا بإعلان تراتبية من
مستوى عال وآخر دانٍ أو واطئ))[مجلة نرجس ع3].. أتعمد هنا أن أقتبس هذا
الذي كتبتُه مرة لأنه يلخص رأياً أساسياً عندي، ولأني بعده يمكن أن
أؤشر أننا نعاني من تشويه للمفاهيم التي نستوردها من الغرب، إذ نجردها
من سياقاتها لنعطيها من دون أن نغيّر من لفظها شيئاً الدلالة التي نريد
لا الدلالة التي أنتجت بها في بيئتها. ومثل هذه الآفة ليست بجديدة على
الفكر العربي وللحصر هنا النقد العربي الذي عمد على نحو مستمر الى جانب
اتباعيته وضعف قدرته أو بسبب منهما الى محاولة تغييب وطمس للمصدر الذي
ينقل عنه فيخلق التشويش المناسب لأن تكون المفاهيم المستعملة مفاهيم
محلية معبرة عن واقع التفكير العربي بكل مشكلاته وقصوره، مع استمرار
الوهم بأنها مفاهيم حديثة ومجددة في إطارها. ومن هنا يتم تفريغ المفهوم
من محتواه الدلالي ليكون تداوله شكلياً استعراضياً محدود القدرة
وبعيداً بمسافات عن حقيقة التعامل وجدوى المفهوم المستعمل. إن ما يحكم
هيمنته في الفكر العربي لهو أبعد من إمكانية إزاحته أو تغييره، وهو
يستمد كل هذه القوة من تاريخ موغل في القدم مما أعدّهُ ثقافة انتماء
لماضٍ، ولمجموع، ولنصوص مقدّسة، ولاعتبارات من ثم فئوية عنصرية قومياً
ودينياً. مثل هذا المرجع لا يمكن أن يسمح بتداول علمي دقيق للمفاهيم
وللمصطلحات المنتجة في بيئة ثقافية حداثوية تحترم الفرد وتعلي شأنه على
كل الصيغ الإجتماعية التي تلتف عليه ها هنا ضمن حلقات مفرغة وخانقة
بدءاً من الأسرة وانتهاءً برأس الهرم في الأنظمة الأستبدادية العربية
عامة بكل الضغوط والإيهامات وقدرات التدجين في كل المستويات. من هنا
ابتعد مفهوم الأدب النسوي عن الأساس الأيديولوجي الذي قام عليه في
الغرب عبر تاريخ من حركات تحرير المرأة التي حققت نجاحاً على المجتمع
البطرياركي في كل مجالات التعبير والعمل والإبداع، ولم يكن ذلك على نحو
مباشر أو نهائي بل تطلّب ذلك مراحل من التغيير والعمل، ولقد أسهمت
الحركات التحررية والثورية في العالم في تغيير وضع المرأة من خلال ما
قدمته في أدبياتها من جدال فكري وسياسي واجتماعي تمت به مراجعة
الطروحات التي تحط من شأن المرأة أو تغذّي أوهام دونيتها مثل عقدة
الخصاء الفرويدية وأوهام أخرى عبر مناقشات ونظريات جديدة آخرها ما
حققته التفكيكية من فك التمركز العقلي الذي يتمظهر عبر ثنائيات رائجة
مثل الأنا/ الآخر، المتن/ الهامش، الرجل/ المرأة.. الخ وممارسات وتجارب
أيضاً (يمكنني التمثل بما حققه انتحار الشاعرة سيلفيا بلاث من أثر في
الأرتفاع بالأدب النسوي في الغرب، أما قول نظيرتها في الأنتحار فرجينيا
وولف: ((إن أية امرأة تولد بموهبة عظيمة لا بد من أن تصبح مجنونة، أو
تنتحر، أو تقضي أيامها في كوخ منعزل خارج القرية، نصف ساحرة، نصف
عرافة، يخشاها الآخرون ويسخرون منها)) فهو قول يلخص المعنى العميق
للمحنة التي تجد المرأة نفسها فيها عندما تقابل بردود أفعال أجتماعية
لا تلتقي أبداً مع منطلقاتها للإبداع وللتفرد).
لستُ بصدد استعراض تاريخ ظهور مفهوم الأدب النسوي أو الحركة بحد ذاتها
في الغرب، ولقد تولّت هذه العملية الترجمات البحوث والمقالات التي
انتشرت منذ عقدين تقريباً في العالم العربي وانتشرت موضة اعتماد طروحات
هذه الحركة بغض النظر عن طبيعة التعامل مع المرأة و أدبها في مجتمعاتنا
العربية عامة، بل إن ما يمكن ان أؤشره هو إن هذا الإنتشار لهذه الموضة
نكص بالمرأة وبالتعامل معها الى الوراء إذ تراجعت الطروحات الثورية في
العالم العربي التي كانت تستند الى تعامل ليبرالي وعلماني استمد ثوريته
غالباً من الحركات اليسارية التي كانت منتشرة في منتصف القرن العشرين
أوبعد ذلك بقليل، وابتدأ المد الديني الذي أعاد تأسيس الهوية الجنسانية
على وفق التراتب الأجتماعي المقنن في الماضي، وقد استطاع التراث أن
يفعّل وجوده في التفكير المعاصر بحيث أعيد للترتيب السلطوي الذكوري
قدرات هيمنته وتأثيره في الصيغة الأجتماعية الصغرى (الأسرة) وصولاً الى
الصيغة الكبرى (المجتمع) بمؤسساته ونظامه الأجتماعي الأبوي عامة. وفي
مثل هذه النكوصية والأرتداد الى الخلف أصبح ترديد مفهوم الأدب النسوي
فخاً للحط من التجارب الأدبية المتميزة لحشرها مع تجارب غير متميزة
وخلط الغث بالسمين على أساس ـ النوع ـ وهو معيار عنصري آخر يزاد على
المعايير التي يعمد إليها النقد أو الوسائل للتصنيف والتبويب مثل مفهوم
(الجيل) المستخدم باستسهال فج وتعميم هو الآخر، ومثل هذا الأمر أدى
بأديباتٍ متميزات الى رفضه، وقد بيّن مفيد نجم في دراسته (النسوية
أشكال المصطلح) بمجلة نزوى ثلاثة مواقف في تلقي المصطلح هي: 1. الرفض
الكلي له 2. موقف الوسطية بمعنى تقبّل وجود المصطلح على أساس أنه نوع
من تفسير الواقع 3. موقف تلقّف المصطلح وتبنّيه من دون وعي منهجي.. ولم
ينتهِ الخوض في مناقشة المفهوم وتقديم مقترحات لتطويعه أو لتحويره أو
لجعله منتجاً بسبب من المعاناة في إبقائه على ما هو عليه من تشويش.
ولقارئ الآراء والطروحات المبثوثة في هذا المجال ان يضع يده على
تناقضات هنا واختلافات أو دوران بما يشبه الحتمية في تقرير الأخذ
بالمفهوم حتى إن أقتُرحتْ تسميات أخرى أو محاولات للفكاك منه. ولقد
قدّم ناقد مثل الدكتور عبد الله الغذامي نوعاً من تأصيل لكتابات المرأة
بفرضية يزحم بها مجال الحرية الخاص بالكتابة وظروفها وسياقها، ويذهب
بمراجعة التراث العربي الى تجريده من العوامل الموضوعية في التأثير على
وجود كتابات من نوع معين عند المرأة ليجعل الخيار مطلقاً للكاتبة في ما
تقدمه وهذا غير وارد، أو هو نوع من خوض مثالي متعالٍ على الواقع الذي
يختار عيناتٍ منه من دون أن يفسّره. وأكثر من ذلك يذهب هو ونقاد آخرون
أمثال طراد الكبيسي في مقالته المتضمَّنة في كتاب عن نازك الملائكة الى
تكريس دونية المرأة على نحو يتم فيه إرسال الإتهام بدونيتها أو ضعف
نتاجها من دون العودة الى الظروف السياسية والأقتصادية والأجتماعية
المؤدية الى ذلك.
يمكنني القول إن هناك نقاداً مؤدلجين راقت لهم عملية مناوءته بوعي أو
من دون وعي إذ يعمد بعضهم الى تناول الموضوع بنيّة الإسهام في تناول
قضيته الرائجة، في حين هم يكشفون عن أهداف أيديولوجية مضادة (ولقد
توصلتُ الى نتيجة بهذا المعنى في دراسة لي عن نقد جورج طرابيشي لإحدى
روايات نوال السعداوي، وليس هذا النقد مثالاً باهراً على ما أقول فهناك
أمثلة أكثر دقة ويمكن تبيّنها على درجات متفاوتة عند النقاد العرب
عامة).
ولكي لا أخوض في كل الآراء والمعالجات وهي كثيرة لا يكفي المجال
لتناولها هنا يمكنني الوقوف عند بعض ملامح النقد الذي تعامل على نحو
مضاد أيديولوجياً للكتابات على مختلف أنواعها التي تكتبها المرأة بغض
النظر عن اهتمامها بتبنّي الأدب النسوي أيديولوجياً أو لا، ومثل هذه
الكتابات هي مقابلة أو تسمية مضادة للنقد النسوي مما يدخل في النقد
الجنساني أو أياً كانت التسمية التي تظهر فيه صورة
Negative
سلبية عن الصورة الإيجابية الأصلية المشرقة التي يكتب بها الآخر
(الرجل). ما دامت الثنائيات قائمة بقوة أو فعّلتْ لتستمر الى ما
لانهاية في التفكير العربي الدائر حول نفسه فـ (الأنا/ الآخر)، (الرجل/
المرأة) يمكن للأثنين قلب طرفيها بحسب الوعي الذي يكتب به المهتمون في
هذا المجال رجالاً ونساء.
موقـــع الثقـــافة العربيـــة من
الحداثـــة
سمر محفوظ
أطلت الحداثة العربية بوساطة الآخر، أي من الخارج، ولم تكن كالغربية من
الداخل/ فرنسيس بيكون (1561-1626) بدحضه للمنطق الأرسطي، وبمؤازرة ظروف
ثورية شاملة على كافة الأصعدة، وما كرسته من انقلاب في النظم المعرفية,
وبدء تأسيس لأنطولوجيا مغايرة كظرف موضوعي للحداثة الغربية، وبعد ظهور
الآثار الرهيبة للثورة الصناعية التي نقلت المجتمع الغربي إلى الطور
الكولونيالي وما رافقها من تغيرات تجاوزت كل الثوابت، وما رافق ذلك من
إحباط بسبب مشروع الحداثة الذي قام بالرغم من كل شيء بتحقيق الدولة
الوطنية الحديثة، والانتقال من العبودية إلى المواطنة كمشروع ثقافي ضمن
السياقات التاريخية والموضوعية لكل أشكال الإبداع الجديدة شكلاً
ومضموناً تلك التي أنتجتها المخيلة الفكرية الأوربية بمدارسها
وتياراتها الفلسفية, أدّت إلى ولادة قصيدة النثر، وقدمت مفهوماً نقدياً
ثورياً لنظرية البنيوية، وكذلك التفكيكية، ولاحقاً التحطيمية أيضاً.
إن أزمة الشعر العربي اليوم شائكة متفردة، تبدأ موضوعاً من إشكالية
العلاقة التاريخية بين الثقافة والسلطة، وافتقار المجتمعات العربية إلى
بنى وحوامل حقيقية اجتماعية من مؤسسات فكرية، وهي ذات حساسيات متقاطعة
ومتشابكة, تحاول استقراء المشهد الشعري وإن تتجاوز لغتها المتداولة،
بحيث تصنع فضاء شعرياً يعيش للمستقبل، وتقدم اقتراحات حداثية بالنسبة
للمخيلة واللغة والدلالة والموضوع والبحث عن كينونتها، عبر التجريب
عبوراً إلى شخصية الكاتب عموماً، ومدى قدرته على التواصل مع محيطه..
هل نجحت الحداثة الشعرية العربية في اختطاط مشروعها؟
من بين المعايير التي تحسب للتجربة الحداثوية العربية: الاحتفاء
بالتجريب وعدم الركون إلى النمطي من أساليب التعبير.
- اعتماد التأويل وعدم المباشرة من
خلال الصورة الشعرية المنجزة, وتوظيف الأسطورة من كل البيئات
والثقافات..
-التعاطي مع القصيدة كوحدة عضوية.
- فردانية الخطاب الشعري الذاتي..
-قيام الشعرية الحديثة على رفع الحاجز
بين الكشف والتنبؤ لصالح الإبداع الكامن.,
إنما أيضاً ما يحسب على الحداثة العربية وتجربتها أنها هادنت الموروث
وأجهضت الطبقة الوسطى كحامل ومولد اجتماعي للإبداع الحداثوي, حيث أكدت
الاستراتيجيات الفكرية للمجتمعات كافةً أن التحدي الكبير الذي سيواجه
العالم في السنوات القادمة، هو تحدّ أخلاقي ثقافي يلح على تعزيز أسباب
حضوره الفعال، وربما أصبح وجود الشعوب أصلاً مرهوناً بوجودها الثقافي..
إن المطلوب هو تعميق وتعميم المعرفة الموضوعية والنقدية بالذات
الحضارية, وتجديد الخطاب الفكري، وتدعيم دور مؤسسات الاستنتاج الفكري
الثقافي والتفاعل فيما بينها، لأن ذلك هو الحد الفاصل بين المجتمعات
البدائية التي لا تعني بالذاكرة, والمجتمعات المتحضرة التي تنظر إلى
المعرفة بوصفها تراكم وبناء، لا مجرد انقطاعات وبدايات مكررة. التمسك
بفكرة التفاعل كونها جزء من الحياة الإبداعية مرادف لمفهوم التواصل
والتراكم المعرفي للتجارب والخبرات، وهذا جزء مهم يحترم عقل المبدع
والمتلقي للخروج برؤى جديدة منفتحة على الآخر، وواعية للتحولات التي
حدثت، وتحدث كتوازٍ بين الحبر وشبكة الإنترنيت وإمكاناته في زمن ماضٍ
وحاضر وفي جميع الأزمنة. الثقافة فعل حضور تشاركي عالي في أطواره
العالية قادر على بسط طمأنينة تحاول إقامة جسور فنية بين الوعي والرؤى
أملاً بتجربة تفصح عن تورّطها النبيل بالإبداع الحداثي. ليست هي
الجغرافيا الذاكرة، بل الحرص على أن نكون ما نشاء من خلال التفاعل.
هي أسئلة شديدة الإلحاح، وإيمان عميق بقدرة الشعر، وخصوصيته التي تجاري
الخلق والذي هو توأم النبوءة الوحيد.
قصة قصيرة
غـيـبـــوبــــــة
ايناس البدران
كنت لما أزل أنفي تهمة الموت عني في عالم يدعي الحياة حين لمحت وميضها
بطرفة عين ، ولما إخترقت بعنادها الأجوف جمجمتي مادت بي الأرض وتظاهرت
بالموت.
أصيخ السمع للكلمات تولد ميتة على شفتي كأسئلة تجوب أروقة المجرات ،
تعاكسها سطوح المرايا وأصواتهم رجع أصداء بعيدة.
ألملم حيرتي معها .. ويجمعون ما تبعثر مني ! .. للوهلة الأولى بدا
المكان غارقا في حمرة معتمة ، رويدا بدأت حجب الظلام تنجلي فوجدتني
أجوب سدما يتخللها غمام حدائق ودروب تحفها أحراش تفضي الى نفق سماوي
بلا نهاية.
الوجع ينبض في دمي كقطرات مطر ، كشذرات في قصيدة منسية ، منذ فجر موؤود
نسج من فراغ ولد من لجة ألم ، مذ أصبحت صدورنا وعقولنا مصدات لأسلحتهم.
الذكية " وهذا النزيف يشربه أديم الأرض بصمت العارفين الأولياء بصبر
الأنبياء.
كنت اعلم أنها لعبة أيام ضائعة نكررها تكررنا كالنمل يعيد تشكلاته حول
القدم العملاقة بعد أن داسته..
داستنا . هكذا نطوي صفحة لطختها الآلام لنبدأ مواجهة أخرى ضائعة نكرر
فيها ذات الحماقات نجتر نفس المخاوف دون أن نتعظ من موت أو حياة.
ها قد حل فصل في حياتي محل آخر ظننته الأخير.
إبتدأ كإنبثاق عجيب كأنه الأول ! صفحاته بيضاء مثل أقمطة الوليد
بإنتظار خربشات جديدة وسطوره جوعى لأي حروف و إن كانت بلا معنى .. بلا
جدوى.
ها أني أودع أياما خلفتها ورائي..
ما كان أجمل الجناح والرفرفة وكتابي الملون واللف من صف لصف من عام الى
عام و أنا أبدل شرنقتي بأخرى أكبر قليلا لأسير ذاهلا بنعمة سذاجتي من
درب الى درب عاما بعد عام وصولا الى .. الآن..
قد كففت عن الرحيل..
والذي يعيش في داخلي يتأمل الآخر الذي مات فأجدني مضطرا الى حمل ما
تبقى مني وأمضي الى .. لست أدري.
كنت أقمت مقبرة في عقلي لكل من مروا بي من أحياء وأموات وتركوا فيه
ندبا وكدمات وحسرات ، وحين تمثلت إمتداداتها وحسن ترتيبها لا أدري
لماذا إنشرح صدري.
! ربما لأنه لايجوز ترك وجوه كهذه
لتتعفن وتتفسخ ببطء أمام ناظري .. وإكرام الميت دفنه على أية حال.
وكغيمة عطشى أضناها الترحال ارقب نثيث الصور على جدار الذاكرة.
يوم طارت حمائم اعتادت أن تنقر حبات القمح ونتف التمر من كفيه السخيتين
المتعبتين ، وإنفرطت مسبحة جدتي ، وعلا المرايا نشيج نسوة خبرن فجيعة
الفقد ، فإفترشن السواد يقاسمنها الدمع والصبر ، وهن يهذين بين أكوام
الثياب التي فاح منها عطر رجولة ذوى ، يشيعن زمانا إنطفأ ، يودعن صقرا
حلق بعيدا خلف سدم الغيب غادرهن على عجل بغير وداع.
وجوههم ترنو الي بدعوة مبهمة محببة ، اللجة تغمرني تحملني بعيدا لبحور
نأت بشطآنها ، أشهق بصرخة.
بودي أن اصرخ مطالبا بشيء نسيته مثلما تناساه غيري .. صرخة واحدة ماضية
تشق كسهم ناري كبد السماء تقلق وحشة ليله تؤرق سواده . . ولكن متى
إخترت أن أكون نملة ولماذا ؟
أيامي تترى سراعا تساقط كأوراق الخريف ، تدفع بها عجلات الزمن تعبر
فوقها ، الزمن الذي يتخطى كل شيء ، الذي يعبر فوقها بقلب حجري كأنه لا
يراها ، انه يطرق بابي بأصابع من ماء..
اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه .. وجوه كثيرة تحدق بي لا يفاجئني شحوبها
اعرف سر صمتها بعد إذ بت أرى كل شيء بعيون عقلي و أتلمس الأشياء بمجسات
روحي التي تحررت من كل ما يستبيح نقاء البشر .. حتى بت أخشى على قاتلي
من صحوة ضمير .. وأصيخ السمع للكلمات تولد ميتة على فمي كأسئلة تجوب
أروقة المجرات .. و أصواتهم رجع أصداء بعيدة ..
نصوص شعرية
سفر النوافذ
للغرفة عطر يتسلل
يلهمني صمت الجدران
وأنا باب لليل
يدخلني هذا العالم.. الغائب
تربكني خطوات تتشكل في الرأس
أتكور بحجم الغربة
وأطلق عطراً.. حلماً
يضيء نخيلك يا وطني
لينام النهر.. وأنا.. والغرفة
تلك الغرفة مثل مساء
تحرث روحي.. تتأبطني
عبثاً
كي أدفن وجعي
ليس لها مثل عيون حبيباتي
تلك الغرفة تصرخ
وأنا أصرخ.. والعالم يصرخ فينا
هذا الرأس غريب
مطرٌ يأخذني
يأخذ أسرار الوقت
تستيقظ فيه الصحراء
والجثث.. وأنين الطرقات
عبثاً
ليس له وطن
ليس له إلا غرفة
وسريركَ يا جسدي
هذا الرأس صباح
أتنزه فيه
وأعود إليه مرايا
مرايا للحرب.. وأخرى
في الغرفة
هذا الرأس نارٌ
ورماد
شفاه لمعبد الجنوب
راسماً قامة الشمس
وانكسار النوارس
مرة في وطني
تهشمت قدم الحرب
اضطر الجميع إلى الهجرة
خوفاً على القدم الأخرى
لكن الحروف مثلما المتاهة
بلا جسد
إنها باردة تتكاثر بأيدٍ عاطلة
أيها النهر.. كثيراً ما تكتبني
وأنا أرسم قمراً
يفتح أجراس الموت
لكَ المسافات.. ولي الرياح.. لي اللهاث.. وبابلٌ
وكهوف تنتظر
أيها الخاسر
كيف يمشي الفرات
وأنت مرتبك خلف القصائد؟
تهرّب البرد إلى أنوثة القمح
وبلا جسد تصافح المساء
حتى أنفاس النخيل
ثمة طفل يحلم ماسحاً تعبي
ثمة نسيان يأكل شوق مُدني
ثمة وطن يشهق.. لماذا يشهق؟؟
والمنفى امرأة.. المنفى نافذة للنوم
المنفى يضحك.. يبكي.. يبكي منحنياً
هذا النوم يندلق.. يشرب مطري
وأنا ثقبٌ.. لماذا يشرب أنفاسي..؟؟
وأنا لا منحنياً
أركضُ
ثم أعود مبتسماً
أداعب موتي
والمطر
والحصار العانس |