|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الرابعة
تـــقـــديـــم
كانت دار النشر المعروفة ب" مطبوعات النجاح بالقاهرة " قد كلفت
الدكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن - القاهرة
بوضع مقدمة للكتاب في طبعته الثانية ، وقد تفضل الدكتور في حينه بهذه
الكلمة القيامة ، ونحن آثرنا إعادة نشرها في هذه الطبعة لما تمتاز به
من واقعية وأصالة.
الناشر . يخطئ كثيرا من يدعي أنه يستطيع أن يقف على عقائد الشيعة
الإمامية وعلومهم وآدابهم مما كتبه عنهم الخصوم ، مهما بلغ هؤلاء
الخصوم من العلم والإحاطة ، ومهما أحرزوا من الأمانة العلمية في نقل
النصوص والتعليق عليها بأسلوب نزيه بعيد عن التعصب الأعمى.
أقول ذلك جازما بصحة ما أدعى بعد أن قضيت ردحا طويلا من الزمن أدرس فيه
عقائد الأئمة الاثنى عشر بخاصة وعقائد الشيعة بعامة . فما خرجت من هذه
الدراسة الطويلة التي قضيتها متصفحا في كتب المؤرخين والنقاد من علماء
أهل السنة بشئ ذي بال
.
وما زادني اشتياقي إلى هذه الدراسة وميلي الشديد في الوقوف على دقائقها
إلا بعدا عنها وخروجا عما أردت من الوصول إلى حقائقها . . . ذلك لأنها
كانت دراسة بتراء أحلت نفسي فيها على كتب الخصوم لهذا المذهب وهو
المذهب الذي يمثل شطر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها . ومن ثم
اضطررت بحكم ميلي الشديد إلى طلب الحقيقة حيث.
كانت ، والحكمة حيث وجدت ، والحكمة ضالة المؤمن ، أن أدير دفة دراستي
العلمية لمذهب الأئمة الاثني عشر إلى الناحية الأخرى ، تلك هي دراسة
هذا المذهب في كتب أربابه وأن أتعرف عقائد القوم مما كتبه شيوخهم
والباحثون المحققون من علمائهم وجهابذتهم
.
ومن البديهي أن رجال المذهب أشد معرفة لمذهبهم من معرفة الخصوم به ،
مهما بلغ أولئك الخصوم من الفصاحة والبلاغة أو أوتوا حظا من اللسن
والابانة عما في النفس
.
وفضلا عن ذلك فإن " الأمانة العلمية " التي هي من أوائل أسس " المنهج
العلمي الحديث " وهو المنهج الذي اخترته وجعلته دستوري في أبحاثي
ومؤلفاتي حين أحاول الكشف عن الحقائق المادية والروحية - هذه الأمانة
المذكورة تقتضي التثبت التام في نقل النصوص والدراسة الفاحصة لها
.
فكيف لباحث بالغا ما بلغ من المهارة العلمية والفراسة التامة في إدراك
الحقائق أن يتحقق من صحة النصوص المتعلقة بالشيعة والتشيع في غير
مصادرهم ! ! إذن لارتاب في بحثه العلمي ، وكان بحثه على غير أساس متين
.
ذلك ما دعاني أن أتوسع في دراسة الشيعة والتشيع في كتب الشيعة أنفسهم
وأن أتعرف عقائد القوم نقلا عما كتبوه بأيديهم وانطلقت به ألسنتهم لا
زيادة ولا نقص ، حتى لا أقع في الالتباس الذي وقع فيه غيري من المؤرخين
والنقاد حين تصدروا للحكم عن الشيعة والتشيع وإن الباحث الذي يريد أن
يدرس مجموعة ما من الحقائق في غير مصادرها الأولى ومظانها الأصلية إنما
يسلك شططا ويفعل عبثا ، ليس
هو من العلم ولا من العلم في شئ
.
ومثل هذا ما وقع فيه العلامة " الدكتور أحمد أمين " حين تعرض لمذهب
الشيعة في كتبه . فقد حاول هذا العالم أن يجلي للمثقفين بعضا من جوانب
ذلك المذهب فورط نفسه في كثير من المباحث الشيعية ، كقوله : إن
اليهودية ظهرت في التشيع.
وقوله : إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلا وقوله بتبعيتهم لعبد الله
بن سبأ . . . . وغير هذا من المباحث التي ثبت بطلانها وبراءة الشيعة
منها ، وتصدى لها علماؤهم بالنقد والتجريح ، وفصل الحديث فيها العلامة
محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها
” .
وقد سرني وأنا أتعقب مصادر الشيعة الإمامية وأصولها ومظانها الأولى أن
التقي بصديق قديم وناشر عراقي كريم هو السيد مرتضى الرضوي الكشميري
وبيده بعضا من عيون كتب الشيعة قام بطبعها في دور الطباعة بالقاهرة
.
وكان مما أهداه إلي هذا الناشر الفاضل كتاب " أصل الشيعة وأصولها "
الآنف الذكر ، وكتاب " عبد الله بن سبأ " وأجزاء من كتاب " وسائل
الشيعة " ، وغير هذا وذاك من عيون كتبهم في العقائد الشيعية والفقه
الشيعي .
واليوم قدم إلى السيد مرتضى الكشميري كتابا جديدا للأستاذ محمد رضا
المظفر عميد كلية الفقه في النجف الأشرف ، ألفه في عقائد الإمامية
.
وطلب مني أن أكتب مقدمة لهذا السفر الجليل وأن أبدي رأيي الصريح حوله
بعد أن أكد العزم على طبعه ونشره . وما كدت أتصفح هذا السفر حتى ملك
علي إعجابي للذي جمعه فيه مؤلفه بين
العرض الدقيق لعقائد الإمامية والأداء الواضح المفصح عما يعنيه الكاتب
. فلا يكاد الكتاب يمتعك بما حواه من عقائد الشيعة وتتبعها في صورة
رتيبة منظمة وأداء مبوب مفصل حتى يبهرك بجمال عبارته وإشراق ديباجته
.
وهو فوق هذا وذاك يجمع بوجه عام بين الإفادة التامة التي يبغيها
الباحثون في كتب الشيعة ، والايجاز والتركيز فيما يريد الكاتب أن يعرضه
على قرائه .
فالكتاب على هذا النحو الذي يعنيه المؤلف حين يعرض بين يديك عقائد
الإمامية يعتبر مصدرا جامعا مانعا ملما بأطراف الموضوع من جميع نواحيه
وإن كان في غاية من التركيز والايجاز
.
ولست في هذا المقام أعني بما كتبت إطراء الكاتب أو تقريظه بالمدح
والثناء البالغ بقدر ما أنا أبغيه من إنصاف الحقيقة وتجليتها لقراء هذا
السفر الصغير ، فإن شيئا من ذلك يعتبر في نظري من أوليات المبادئ
العلمية التي يهدف إليها الباحثون حين يصورون الحقائق ويضعونها في
موضعها اللائق بها .
لذلك فإني أعرض على القارئ الكريم صورا جميلة مما حواه هذا السفر
الصغير في حجمه ومبناه الضخم في أفكاره ومعانيه ، هذا السفر الذي شحنه
مؤلفه بالأدلة والبراهين وطرزه بالحجج والشواهد من القرآن تارة ومن
الحديث أخرى ، ومن أقوال الأئمة الاثنى عشر رضوان الله عليهم تارة أخرى
.
هذه الصور الجميلة - التي سأعرضها عليك - لا أشك في أنها ستستوقف
القارئ المطلع كما استوقفتني وستستهويه كما استهوتني وإن لم يطالع هذا
التقديم الذي كتبته
فكثيرا ما ترتبط المشاعر بين الباحثين والقراء وتتوحد أهدافهم في الحكم
على الأفكار والمعاني لأن الحق واحد لا يتعدد ما دام القائلون به
والحاكمون عليه يرسلون أحكامهم من زاوية عقولهم قبل قلوبهم ، وأفئدتهم
قبل أهوائهم ، وما داموا ينصفون ولا يتعصبون
.
ومن هذه الصور التي تستوقف القارئ مسألة القول ب" الاجتهاد " عند
الإمامية . فإن الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنة أن الاجتهاد قفل
بابه بأئمة الفقه الأربعة : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل
. هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق.
رحمة للعالمين..الحسين نداء الملايين
عباس الذهبي
إن قلب الإمام الحسين (ع)، يشع رحمةً، ونقاءً، وصدقاً، فقد جمع الله له
من رؤية الحق.. ورفعة النفس، فعمل جاهداً على تخفيف معاناة المحرومين،
لكي يزرع في قلوبهم الأمل وهذا ما أدركناه.
عندما قام بتوديع أبي ذر، وقد أخرجه عثمان من المدينة بعد أن أخرجه
معاوية من الشام، فحاول الحسين (ع) أن يخفف من معاناته وأن يشع في قلبه
حزمة من الصبر والأمل بالنصر..
فقال له: (يا عماه، إن الله قادر أن
يغير ما قد ترى، والله كل يوم في شأن وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم
دينك، وما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، نسأل الله.. الصبر
والنصر، وأستعيذ به من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن
الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً).
يقول هذا الكلام.. وكأن في كل حرف فلذة من قلبه النابض، وهذا هو دأبه،
ينفّس عن كربة المظلومين، ويقرّب ما بين المتباعدين ويكشف دسائس
وأحابيل الظالمين، وبكلمة.. كان همه السلام والإصلاح، فعندما سمع
بمكيدة معاوية التي أراد بحياكة فصولها التفريق بين زوجين منسجمين وهما
زينب بنت إسحاق وعبدالله بن سلام.. لا لشيء إلا لإشباع أهواء ولده يزيد
الفاجر، الذي وقع في حب هذه المرأة المحصنة من حيث لا تشعر، فأرسل على
عبدالله بن سلام وقرّبه وحاول إغراءه بالمنصب والزواج من ابنته، حتى
خدعه بضرورة تطليق زوجته، ولما وقع في الفخ وطلقها.. سارع معاوية
بارسال (أبي هريرة) لكي يطلبها لابنه يزيد! ولما وصل أبو هريرة إلى
المدينة والتقى بالحسين (ع) وقص عليه الحكاية، طلب الإمام (ع) منه أن
يذكره عند زينب خاطباً.. فصدع أبو هريرة بأمره.. وقال لزينب: (إنك لا
تعدمين طلاباً خيراً من عبدالله بن سلام).. قالت: مَن؟ قال: (يزيد بن
معاوية والحسين بن علي، وهما معروفان لديك بأحسن ما تبغينه في الرجال).
فقالت: (لا أختار على الحسين بن علي أحداً وهو ريحانة النبي وسيد شباب
أهل الجنة).. ولم يلبث الحسين أن ردها إلى زوجها قائلاً: (ما أدخلتها
في بيتي وتحت نكاحي رغبةً في مالها.. ولا جمالها، ولكن أردت إحلالها
لبعلها).
هذه القصة تكشف ـ من ضمن ما تكشف ـ عظمة شخصية الإمام الحسين (ع)
وانسانيته، وبالمقابل خسة ودناءة أعدائه..
كما تكشف ـ من جهة أخرى ـ شعبيته، ومقدار الحب والتعظيم الذي تحمله
الناس لشخصه، فقد غزا أفئدة الناس حباً..
فكلّ مَن عرفه تعلّق به.. وأصبح لا يطيق فراقه، كحال ذلك الصحابي الذي
آثر البقاء بقرب الإمام الحسين (ع) على قرابته، عندما أتى هذا الصحابي
والرجل الجليل بنبأ عن ابنه بأنه أسر في فتنة الديلم وقيل له أن الديلم
لا يفكّون أسره ولا يطلقون سراحه إلا بفداء فأذن له الحسين (ع) وكان في
عاشوراء، فأبي أباء شديداً وقال: (عند الله أحتسبه ونفسي).. ثم التفت
إلى الإمام (ع) وقال: (هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك لا يكن
والله هذا أبداً).
وهناك موقف آخر.. يرينا كيف تعلق الجنود بقائدهم في الميدان، عندما قام
الحسين (ع) ليلة التاسع من عاشوراء بجولة تفقدية للمواضع الدفاعية،
يتفحص عن كثب موضعه الدفاعي، حتى لا تكون هناك ثغرة يتسلل منها الأعداء
لضرب مؤخرة جيش الحسين (ع)، حيث النساء والأطفال فبينما هو (ع) يتنقل
من مكان لآخر.. لا يقر له قرار، وفجأة أحس بأن هناك شبحاً يتعقبه،
اقترب منه وتفحصه فإذا هو الصحافي (نافع بن هلال الجملي).. فقابله
الإمام بوجه مشرق.. وعيون تبرق بالرحمة والعطف.. لماذا تتبعتني في هذا
الليل البهيم؟ لماذا السهر والأرق؟ (ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف
الليل وتنجو بنفسك). فأخذ نافع يبكي ودموعه تنساب على لحيته وقال:
(ثكلتني أمي.. ان سيفي بألف وفرسي مثله.. فوالله الذي منَّ بك عليَّ..
لا أفارقك حتى يكلا عن فري وجري).
لقد أحسّ برحمة الإمام الحسين (ع) العبيد قبل الأحرار.. والصغار قبل
الكبار والنساء قبل الرجال.. كان كجده المصطفى (ص) الذي وصفه الخالق
بقوله: (… وبالمؤمنين رؤوف رحيم).
رحمة عامة ملكت عليه وجدانه، وكانت واضحة كفلق الصبح في علاقاته
وسلوكه، وتتجسد مرة في خصال (العفو والصفح التي يتحلى بها.. كتعامله مع
ذلك الغلام الذي كان يعمل في بيت الإمام (ع).. فجنى جناية توجب العقاب،
فأمر به أن يُضرب فقال: يا مولاي (والكاظمين الغيط)، قال: خلو عنه،
قال: يا مولاي (والعافين عن الناس)، قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي
(والله يحب المحسنين)، قال الإمام له: أنت حر لوجه الله.. ولك ضعف ما
كنت أعطيك.
وتتجلى الرحمة الحسينية مرة أخرى في مبدأ المساواة التي جاءت بها
الرسالة الاسلامية تحت شعار (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وقد جسد هذا
المبدأ عملياً في تعامله مع الناس.. فكانت الرحمة تتفجر من حناياه، حيث
ساوى بين ابنه (علي الأكبر) القرشي وبين عبده (جون) الحبشي.. الذي كان
واحداً من أولئك العبيد الذين اشتركوا في عاشوراء مع الإمام الحسين
(ع)، وقاتل بشجاعة نادرة فسقط في الميدان.. فأسرع إليه الإمام (ع) ووضع
خده على خده، ومسح عنه الدم والتراب، ودعى الله تعالى بأن يطيب ريحه..
ويبيض وجهه.. ويحشره مع جده رسول الله (ص).
(وليس
عجيباً مجيء الإمام الحسين (ع) عند جون بقدر ما هو عجيب احتفاء الحسين
(ع) به بذات الطريقة التي احتفى بابنه علي الأكبر، حيث وضع خده على
خده، ورثاه عند مصرعه بمرارة).
وفوق هذه وتلك، تتجلى رحمته مرة ثالثة وتبلغ الذروة والقمة حينئذ،
عندما تعامل مع أعداءه ومناوئيه بتلك الروح السامية المترفعة عن
الأحقاد.. وما أسمى تلك النفوس التي تترفع عن أنانيتها.. وتحب
أعدائها.. أجل أحب الإمام الحسين (ع) أعداءه بل بكى عليهم.. عندما
استقبل الجيش المعادي بقيادة الحر الرياحي وكانوا زهاء ألف فارس.. وكأن
أسنتهم اليعاسيب.. وكأن راياتهم أجنحة الطير.. فخرج الإمام الحسين (ع)
لاستقبالهم فيحر الظهيرة.. وعلى وجهه الأبيض المشوب بالحمرة ابتسامة
عذبة.. فقال لفتيانه: (اسقوا القوم وأروُهم من الماء.. ورشفوا الخيل
ترشيفاً.. ففعلوا)!.
وعندما قيل له يابن رسول الله ان قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا
من قتال مَن يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به..
قال (ع): (ما كنت لأبدأهم بقتال).
والأغرب من ذلك، إن الإمام الحسين (ع) كان ينظر إلى معسكر الأعداء وهم
ملأ الصحراء.. (فيبكي)، فسألته أخته الحوراء زينب: (مم بكاؤك.. يا أبا
عبدالله؟).. فأجاب: أبكي لدخول هؤلاء النار بسببي!
هكذا بلغت رحمة وانسانية أبي عبدالله الحسين (ع)، انه يبكي على أعداءه
الذين أضرموا النار في خيامه.. وشتتوا عياله وأطفاله.. انه القلب
الكبير الذي طفح بالرحمة والبشر.. فكان يسع الدنيا.
حضارة أقرأ
د. محمد عبدالرحمن
إن تعاليم الاسلام ومبادئ القرآن قد أدخلت في الأذهان مفاهيم جديدة
رفعت العقل العربي من سذاجة البداوة التي غلبت عليها المحسوسات إلى
حياة تأملية زاخرة بالمعاني العقلية والقيم الروحية والانسانية التي
ستساعد كثيراً على استيعاب الحضارات الوافدة. وسيتولد في النفوس عاجلاً
أو آجلاً ذلك النهم إلى العلم والمعرفة وستلتحم العناصر المتباينة التي
جاءت بها مختلف الثقافات بعضها ببعض وستصهرها العبقرية العربية
الاسلامية الناشئة لتخرج للناس حضارة لن تكون مجرد جمع كمي لمختلف
الأجزاء، بل ستكون تأليفاً نوعياً جديداً فيه ابتكار وخلق وابداع.
فالحضارة الجديدة وإن جاءت في ظاهرها سبكاً لعناصر مختلفة، فإنها تبقى
في جوهرها حضارة الاسلام. إنها ليست مجرد اضافة وجمع وتلفيق، إنها
توفيق وتنسيق وتأليف تتفاعل فيه العناصر والمكونات تفاعلاً خصباً
بنّاءً يغذي المسيرة ويسدد خطواتها ويغزو بها كل أفق ويفتح أمامها كل
باب.
ونمت المعارف تلو المعارف تغذوها وتغزوها المعارف وانطلق المد العظيم.
ووضعت القواعد والأسس لتنظيم تلك المعارف وتبويبها وتنهيجها. وتولدت
العلوم من العلوم وتعاونت العلوم بالعلوم وتمخضت العلوم عن العلوم.
وتشعبت جداول المعرفة واطردت وتفاعلت. وكان كل جدول منها يشق لنفسه
مجرى جديداً غير المجرى الذي يشقه أخوه، وإن كانت الجداول قد تتلاقى
هنا وقد تتوازى، وقد تتقاطع هنا وقد تتشابك معاً في جدول كبير أحياناً
لا يلبث أن يفترق ويتفرق. وعلى كل حال كان بعضها ينهل من بعض ويفيده
المادة والمنهج أو يستفيدها منه، غير ان ذلك كله لا يفقد الجداول
شخصياتها المتميزة وخصائصها المستقلة. ففي القرن الأول من الهجرة كانت
الملامح مختلطة والسمات غير واضحة المعالم. لكن ما إن أشرف القرن
الثاني على الانتهاء حتى بدأت الملامح تبرز وتتضح. فنشأت العلوم
العربية والعلوم الاسلامية والعلوم العقلية والعلوم الرياضية والعلوم
الطبيعية والعلوم الانسانية ... وأخذت العلوم تترى والقرائح تتفتق
والطاقات تتفجر في حركة طليعية رائدة وعملية حضارية متألقة، قد تتوقف
أو تنتكس حيناً ولكنها لا تضل طريقها الصاعد أبداً، فهي تتجاوز أخطاءها
وتضمد جراحها بسرعة فائقة كان فيها قوة متجددة لا تُقهر
...
إن نمو هذه العلوم هو جزء لا ينفصل عن حركة التطور الشاملة للدين
الجديد وللأمة التي قام على أكتافها، ولا سيما إذا تذكرنا ان العرب لم
يكن لهم في جاهليتهم ما يصح ان يسمى علماً، كما لم يكن في الجاهلية أو
صدر الاسلام ذلك التراث العقلي الضخم الذي كان للشعوب ذات الحضارات
العريقة. فلم يكن لهم شخصية واعية تستخلص شذور المعاني وتستصفيها وتبني
صروح المذاهب والمناهج منها. وبعبارة أخرى لم يكن عندهم نواة للتفكير
المدروس المنظم، وإن اكن لهم حكم لا تخلو من (فلتات الطبع وخطرات
الفكر) كما يسميها الشهرستاني. لقد كان هناك فراغ أو منطقة من الضغط
المنخفض الذي لن يرتفع ويتكثف إلا مع الاسلام بحكم التطورات العميقة
التي فجّر بها الدين الجديد شبه الجزيرة العربية فانبثقت منها شتى
الحركات والتحركات، واندفعت التيارات تلو التيارات، وكانت منطلقاً لمد
عظيم غمر بلاد العرب والعجم واكتسح الحدود والسدود.
ومما له دلالته الواضحة في هذا الباب، ودون أن نطيل كثيراً، يكفي أن
نذكر إن أول كلمة نطق بها القرآن، كانت كلمة (إقرأ). إنها حضارة (إقرأ)
وراء كل خطوة في مسيرة الاسلام الأولى ووراء كل إشعاع كان يضيء ويتوهج
في طريقه. فمن خصائص الاسلام انه دين ودنيا، وعقل ونقل، وعقيدة وشريعة
... ولعل هذا من مفاخره وإن كان من مثالبه في نظر الذين يريدونه نسكاً
ورهبنة محصورة في ملكوت السماء.
وهكذا فإذا لم يكن العرب الجاهليون قادرين على انتاج المادة العقلية
العلمية والفلسفية. فلا ينسحب ذلك على العرب المسلمين. أي إن الماضي لا
يكفي دائماً لتفسير الحاضر المفتوح باستمرار على متغيرات لا حصر لها.
وكلما كانت هذه المتغيرات أكثر تنوعاً وأشد عمقاً كان تفسير الحاضر
بالماضي أكثر عسراً وصعوبة. فإذا بلغت المتغيرات حدها الأقصى فحدثت
المعجزة، أصبح من غير الجائز اطلاقاً نبش الماضي والتذكير به وإقحامه
بالقوة في كل نفحة لاحقة لا نجد لها جذوراً في الماضي القريب أو
البعيد. وهذا لا ينطبق على العرب وحدهم، بل هو ينطبق أيضاً على العرب
والعجم وجميع أمم الأرض. جميع الأمم نشأت على السفوح، فظل بعضها
مستلقياً فوق السفوح وتطلع بعضها الآخر إلى القمم. وإلا فأتني بشعب نشأ
على القمم منذ أول أمره. وإذن فإن (الزلزال) الذي أحدثه محمد في شبه
الجزيرة العربية هو السبب الأساسي في هذه القطيعة ـ أو ما يشبه
القطيعةـ بين (العَرَبَين) عرب الجاهلية وعرب الاسلام. فهذا الزلزال قد
نشأ عنه فجأة ودونما اعتبار لأوضاع العرب قبل الاسلام، وللمراحل التي
كان عليهم أن يقطعوها في تقدير المؤرخين التقليديين الذين سيجدون في
هذا الذي أزعم تجديفاً في حق التاريخ وهرطقة يرفضها التاريخ، إذ لا
همَّ لهم إلا تطبيق المادة التاريخية الهزيلة التي بحوزتهم على كل مادة
تاريخية أخرى مهما اختلفت عن مادتهم (المعيارية) المعهودة، ومهما بلغ
من تعقيدها وتباينها الكمي والنوعي ـ أقول قد نشأ عن هذا (الزلزال)
ظواهر معينة ذات خواص ثابتة يمكنها أن تنمو نمواً ذاتياً بغير لقاح
أجنبي، فكيف إذا انضم إليها هذا اللقاح؟ وهي تحمل في تضاعيفها بذور
تحولاتها المستقبلية، كما تحمل بذور انحلالها أيضاً، وذلك بصرف النظر
عما قد يكون لها من ماض قريب أو بعيد. انه لا يمكن تفسير التطورات
اللاحقة التي نشأت عن هذا الزلزال إلا بتحليل ما فيها من قوى دينامية
وطاقات كامنة تؤذن بالانفجار تباعاً على نظام مرسوم تحدده شحنتها
الداخلية وعلاقاتها المتشابكة. ان لهذا الزلزال دلالة خاصة في رؤوس
الذين فجّروه وحملوا رسالته، ولنتائجه رموز ومعان لا يفهمها إلا ذووه،
وله قوة جذب وفاعلية استطاع أن يغزو بها كل مَن سمع نداءه أو عانى أمره
أو اقترب من وهجه. وكل أولئك عناصر لا مادية لا وجود لها في العالم
الفيزيائي ـ البيولوجي الذي يريد المؤرخون التقليديون المتعلقون بمبدأ
السببية وقانون المرحلة أن يرجعوا إليه وحده في تفسيرهم لظواهر الفكر
العربي ومنجزات الحضارة الاسلامية. إن السببية والمرحلية مقولتان قد
يكون لهما بعض الفائدة في ظروف الحياة العادية، أما عندما يتعلق الأمر
بالتحولات الكبرى فيجب أن نعمد في هذه الحال إلى مقولات كبرى كمقولة
الانتفاضة مثلاً. |