|
الشعرية الشبابية ورسالة التبليغ
والتوصيل
علوان السلمان
لقد صدق سقراط حين قال _ان الحياة التي لاتخضع لاختبار لا يستحق ان
يحياها الانسان..). والوجود الانساني في طرفه الحاضر يعيش وسط غمار
المتغيرات السريعة التي يخلقها الانسان المعاصر معبرا عن ماهية وجوده
الحقيقي وهو يصارع من اجل تلك الماهية والكينونة وتكمن طبيعة هذا
التغيير وحتميته بكل ما فيه من تطلع في كل ما يتشكل من مجتمعنا المعاصر
من تطلع للحرية والتحرر من صقيع الجمود.. كون شقاء الانسان ينطلق من
ادراكه ان ذاته مقيدة باطر الوجود القسرية الضيقة.. وان طاقته تتبدد
عبثا في صراع داخلي لان صوته لايتعدى اسوار المحيط المحلي.. وهي تتناسى
ان العملية الادبية الابداعية مهما اختلفت اشكالها وتباينت اهدافها
وتفاوتت بيئاتها انما هي عملية فنية خلاقة تكون في حد ذاتها نوعا من
الانطلاق يسجل انسانية الادب بكل ما فيه من هموم وهواجس واحلام يقظة
لتحقيق الطموح..
ومن هنا انطلقت صرخات الادباء شعراً ونثراً بكلمات منغمة تحمل مضامين
انسانية بصور يبتدعها الخيال للوصول الى هدفها.. بواسطة الاديب المجاري
للحياة بصدق بحكم امتلاكه قدرة على اداء رسالة فنية وهي (التبليغ
والتوصيل) كونها عملية انسانية فحواها ان ينقل انسان للاخرين رسالة
بوعي مستعملا اشارات خارجية معينة الاحاسيس التي عاشها فتنتقل عدواها
اليهم فيعيشونها ويجربونها..) ومن هذا تتجلى طبيعة الاديب المعاصر يكمن
في يقظته ووقوفه بصلابة ضد التيارات التي تهدد ارثه الحضاري وكيانه
الانسانية مع يقين مطلق بانه صوت العصر..اضافة الى ايمانه بان الخلود
الابداعي يكمن في انسانيته وواقعيته في التعبير عن الوجود الاجتماعي
بعواطفه ومشاعره بمضمون ادبي انساني يجعلنا نبصر ونفكر ونحس.. وهذا لا
يتحقق الا بأديب يمتلك حرية مطلقة واعية للضرورة.. يعمل بعقل وشعور
ويكتب بادراك وادارة واعيةلجهودها في مجالها الزمني وتراثها الذي هو
(شخصية مستمرة غادرت ماضيها الى حاضرها وقد تغادر حاضرها الى غد..).
وان وراءه عقلية تغلغلت في اغوار الواقع فتمكنتن ان تلد ما يسميه
(فاليري) بالحال الشعرية.. وان تكتشف عن طبيعة الواقع الجمالي وتعايش
الفن والعلم.. والشاعر الذي يقدم نفسه وقضيته من خلال شعره هو شاعر
اليوم الذي يربط جدليا بين لغته ومفرداته وقضيته وابعادها كي يتجاوز
ذاتيته وواقعه الذي يشكل ناتجا طبيعياً (لمحصل ثقافة العصر) هذه
الثقافة الهادفة الى خلق مجتمع مثال وهو يأخذ بنظر الاعتبار كل معطيات
العصر الثقافية والعلمية والتكنولوجية.. كون عملية الخلق الشعري وليدة
محصلة قوى الشاعر الكائن الاجتماعية -التاريخي الذي يعي الزمن وعيا
جادا وعميقاً من خلال مزجه الزمن المعاش والزمن القياسي وبذلك جعل من
القصيدة تقترب من واقعها فتستبطن اهم القضايا التي يفرضها الزمن فتقدم
صورة حاملة بذاتها همها وهاجسها والاخرين كما في الشعر والوجود او
الشعر والموت.. وقول الجواهري شاهد على ذلك بقوله..
يموت الخالدون بكل فج
ويستعصي على الموت الخلود
والشاعر المعاصر بمواجهة الثقافة الشعرية وبقواه الذاتية والموضوعية
ومكتسباته الحياتية والمعرفية ورؤاه الخاصة عبر العام الانساني وتجربته
عبر التقاط اللحظات العيانية بوعي يقف متأملا ودارسا لكي يضيف شيئاً من
خلال مواصلة كشوفاته ومحاولات تخطيه لاسوار المناهج التقليدية ويخط
لنفسه اقانيم تميزه عن سواه..
والشعر الجديد من خلال معطياته ابرز اصوات متميزة كان صوتها فارضا
لنفسه في الداخل والخارج.. فمسيرة الشعر الاجتماعية والفنية بمقدورها
ان تتوازى كي تحقق التعامل مع الواقع من اجل تغييره فتصبح عملية
الابداع الفني في الشعر تمثلا واعيا للواثع الذي تؤثر فيه ويتاثر بها
من خلال علاقة جدلية ينتجها التطور الثنائي.. ذلك لان الشعر هو تحول
خلاق من الواقع الاجتماعية الى الواقع الفني.. اضافة الى انه شحنة تشكل
طاقة حركية تحول الواقع الفني الى قوة مادية فاعلة الى طاقة تغيير في
الواقع الاجتماعية.. وهذه الحقيقة عبر عنها الشاعر والكاتب المسرحي
برتولد بريخت حين اعلن انتمائه وموقفه من الواقع الاجتماعي والفني اذ
قال:
تخليت عن طبقتي واتخذت اصحاباً لي الناس المتواضعي المنشأ..)
لقد اخذ من الشعراء بمفاهيم الواقعية وهم يعبرون بقصائدهم عما يدور في
الواقع من احداث واعتمالات ويصعدون هذا التعبير على امتدادت القصيدة
وشكلها وبنائها..
وهناك من اتخذ جانب التطور الاجتماعية والفني فجاء شعرهم معبأ بوعي
جدلي عميق وابداعا رؤيويا حاملا في طياته علامات الخلق شكلا ومضمونا
وايقاعا ووعيا لدوره الفني والاجتماعي.. وقد امتلكت قصائدهم مشروعيتها
بعد ان افرزت من الايجاب الابداعي.. اذ فتح اولئك كوة من دثار الحروب
والمفخخات فاستقبلوا افق الحياة وبعثوا اعمالهم كل حسب طاقته ودرجة
اكتنازه الثقافي وحرارة تجربته وعمقها.. فلم يستسلموا للواقع ومرارة
الايام.. بل ظلوا مع فعل الحياة منشدين.. ففرضوا نتاجهم عبر وسائل
الاتصال المقرؤة والمسموعة فقصروا المسافات وحققوا مقولة (المسافة
الزمنية تقاس بالانجاز المبدع لا بالسنين عبر ايامها وشهورها..) فالزمن
ليس مجرد بل هو فعل متمثل بالاثر السرمدي الذي يحمل رايته دلالة
للآتين.. بعد ان قامت جدلية الاجيال حوله.. وهذا ان دل على شيء فانما
يدل على فاعليته واثره وتميزه بفعل الاقلام الناقدة.. المحللة للكلمة
وقدسيتها بضمير واع محتكم خال من عقدة المجاملة لغرض الاشارةلولادة ادب
مفكر مبدع.. وهناك من كان همه ممارسة الشعر لغرض فني ابداعي متمثلين
تجارب شعراء اخرين كاليوت وازرا باوند.. وقد انطلق هؤلاء من محور تحرير
شكل القصيدة من الاقيسة والقواعد وجعلها مقصورة على موسيقاها الداخلية
ومعتمدة على رؤيوية قائمة على ما للمفردة من دلالة.. فكانت ثورة في
الشعر الحديث..
لقد كان ظهور اولئك الشعراء في ظل الاصطدام الحضاري ولهيب التحول في
طبيعة الحياة اذ الحروب الطاحنة والحصار..
فشعراء العمود المتجدد كانوا صوتا رافضا لاشكالات الواقع وكيانا مشحونا
بعذابات الانسان وذاته.. فتوهج قاموسهم الشعري بشتى الصور التي جسدت
الواقع وخطت خارطة الطموح.. فكانوا بعيدين عن صخب الكلمات وافتعال
المعاني.. اذ كان تواصلهم مع هموم الحياة وطموحاتهم مع عدم الوقوع في
شرك المباشرة الساذجة والخطابية الممجوجة.. فهذا الشاعر نوفل ابو رغيف
يخاطب العراق والطبيعة قائلاً..
لولاك يا قلب العراق لما مشى
نخل ولا صلى بصبحك بلبل
هذا ترابك بالنخيل محمل
وانا بنخلك والتراب محمل
فالطبيعة (روح الرؤية والروح طبيعة خفية والاولى تكمل الثانية..)
فالذات ترى نفسها في الطبيعة كما تدرك الطبيعة نفسها في الروح كما يرى
شلنج في الصورة الادبية.. والشاعر حين يصل الى هذا الاحساس العميق
بالاتحاد مع الطبيعة فانه يكون قد اتحد مع الانسان في قضيته وبالتالي
استطاع ان يوظف الطبيعة نفسياً وفكريا وفنياً.. وهذا التوظيف الطبيعة
نفسياً وفكريا وةفنياً.. وهذا التوظيف الذي يوحد بين الانسان والطبيعة
من خلال موقف يتسم بالوعي العميق والرؤيا النافذة..
اما الشاعر جاسم بديوي فيغني الطبيعة بوعي ودينامية مما تطرحه من
مواقف..
اذابت الشمس من بلل الزوايا
وان الى حداد الليل سر
لان الغابة العمياء حرف
بلا رأس وان الدفء بحر
فالشاعر هنا مؤثر في البناء الحدثي ومساهم في خلقه شعري بقدر ما يحمل
من وعي تاريخي وحضاري.. اما الشاعر عمر السراي ففي شعره تجارب ورؤى
وتخيلات لها وجود لذا فهو يقول:ضيعت شمسي في خيول الماء
من بوح صمتك كي يقول فاشرق
أأسير والطرقات تلجم خطوتي
فكأنني في كل خطو اغرق
فالشعر عنده رد فعل لواقع يعج بالتناقضات بلغة مجازية والتي تعتمد على
الصوت والايقاع واستخدام الاستعارة التي تحطم حاجز التوقعات..
وهناك من الشعراء من امتلك احساس ثوري بالزمن الحاضر الذي يعيشه كما
نلحظ ذلك عند الشاعر وليد حسين..
ياكل آلهة المجون تقدموا..
كي توقظوا وطنا مسجى بالقنابل يلتحف
يا موطني هل انت رب سومري
في ساماوات تنوء به النوارس فوق دجلة
كل عصف تنجرف
فصورة الزمن عند الشاعر وصفا لما هو كائن.. لذا فهو يغلف عاطفته
بضبابية الاسى الذي يعانيه ويعتمل في اعماقه.. فكانت انفعلاته محرقة
يلفها الالم الذي لاينتهي.. اذ الشعر عنده تفجير لتجربة فكرية لانه يعي
ان دور الشاعر التعبير عن روح العصر..
فالقصيدة عندهم تمتاز بسموها الفني وعمقها الفكري.. والشاعر ياس
السعيدي المشارك في خلق عالم ما يزال في طور التكوين يقول:
من اي خوف اليك الورد يرتفع
يا عشقهم لشفاه سوف تندلع
من اين يلتئم الموال يا وطني
قد ضاقت الارض والموال يتسع
لقد استطاع الشاعر ان يرسم على الافق خطا يتجاوز به نفسه كام يقول
سارتر.. كون شعره يعني في قلب الاشياء والكلمات ممجدا الحياة.. لذا
كانت صوره تخرج فيها المعاني وهذا يعني ان لدى الشاعر جمال ومهارة
شعرية مبدعة حمل ريشة الابداع ورسم الخطوط.. وله..
انا ذا اراك تبيع ألالف بداية
لنهاية بالانبياء مؤطرة
دمع عليك رماحهم لو لم تكن
مأمورة لمشت اليك مكورة
هل كان رمحا تحت راسك واقفا
ام كان جبرائيل يرجو المعذرة
اما الشاعر حسين القاصد فهو يحلق في فضاءات الروح فيعانق العيون وهي
تبحر في ابداع المفردة لخلق الصورة الشعرية والتشكيلات الدلالية..
اضافة الى تحملها عمق الحياة مع توقد وسمو الذوق الشعري بتجسيده
الادراك الحسي بطبيعة الاشياء..
تكتظ حول ضفافك الاوجاع
يا بحر.. فالبر القديم صراع
والقادمون وصية الاقدار مركبهم
اليك.. ومقلتك شراع
لقد شكل اولئك الشعراء وغيرهم ظاهرة شعرية في عمود الشعر اكدت وجودها
من خلال اصواتها الشعرية التي امتازت بتجانسها الفكري واحساسها العميق
بماساة الوطن في الاختيار الحضاري..
رذاذ مطر دافئ (لنمش ماي) لفليحة حسن
عبد الكريم حسن مراد
يبدو إن الدخول الى عالم الكتابة الروائية قد أغرت الكثيرين من الكتاب
وخاصة الشعراء لكي يمارسوا هذه اللعبة التي يجدون فيها ملاذهم الدافئ
ربما لمساحة أفقها وفضاءاتها الواسعة التي لاتقيدها حدود ما.
وللمكنونات المدفونة في قاع نفوسهم وتخزين متراكم لايستطيع افق الشعر
استيعابه وقبل كل هذا هو أن يكون الكاتب ملماً بآلية الفن الروائي
وعارفاً مدياته. ومن خلال قراءاتي للاعمال الروائية إستهوتني مجموعة من
هذه الاعمال التي فوجئت بالتقنيات واللغة العالية التي يمتلكونها
اصحابها والثقافة الادبية الملمة باللغات الاجنبية الاخرى التي زادت من
ثقافتهم ومعرفتهم بالعملية الكتابية في هذا الفن. وكذلك لمساحة الحرية
التي اكتسبوها في ظل الاحتلال بعد غياب الرقيب الامني. فهذه اللعبة
استهوت عدد من كاتباتنا العراقيات. مثل (وفاء عبد الرزاق) الشاعرة التي
اتجهت لكتابة القصة القصيرة. والرواية. وآخرها مجموعتها القصصية (إمرأة
بزي رجل) 2008 والشاعرة وداد الجوراني في روايتها (اقليما هيت لك/
2008/ دار أزمنة اما العربيات. فوزية شويش السالم. الشاعرة الكويتية في
روايتها (مزون. وردة الصحراء) عام (2000) عن دار الكنوز. لقد احببت أن
اسرد هذه المقدمة قبل الدخول في قراءة لرواية الشاعرة فليحة حسن/ والتي
اصدرت قبلها مجموعة قصصية عن اتحاد ادباء النجف. ففي رواية الشاعرة
(فليحة حسن) المعنونة (نمش ماي) الصادرة عن دار الينابيع/ 2010 ثمة
تساؤلات حركتني للكتابة وهذه هي محاولاتي الاولى في الكتابة عن عمل
روائي ما. ربما. لما تحويه هذه الرواية من مضامين انسانية. واجتماعية.
الخ.. ان لعبة الانثيالات اللغوية التي تلعبها (فليحة حسن) اشبه برذاذ
المطر في يوم دافئ تعزف موسيقى الولوج الى متاهات الروح من خلال لغتها
الشعرية والتي بدأتها بعدة تداعيات وأختلاجات (ايروتيكية) جسدتها
البطلة من خلال حوارها (امتدت كفاه الى جسدي الغافي). ثمة احساس
ماينتاب البطلة وهي تشعر بأن هنالك ثمة كف ما يلاعب تضاريس جسدها.
متخيلة وجهاً ما استحضرته في مخيلتها فحلقت معه اثيرياً لتفضح عن لذة
مؤجلة وفي مقطع آخر تتعمق غارقة في بحر اللذة حين تقول (أمتدت كفاه
صارت اقرب الى جسدي مني) إنها اشبه باستغاثة إمرأة والتي توضحت معالمه
لتظهر عن وجه مختار المحلة التي صرخت باعلى صوتها لكي يرحمها. فيشهر
السكين في وجه المختار الذي بدوره يهرب ليعود بعد لحظات ومعه مفرزة من
(الرفاق الحزبيين) اذاً ان فليحة حسن تؤرخ او تفضح بعض ممارسات النظام
المباد. فالقوة والظلم. كان سائداً آنذاك ولا أحد يستطيع الخلاص منه
أما بالصمت او بالهجرة هذه هي بعض ماتضمنت الجزء الأول من رواية فليحة
اما في الجزء الثاني. فقد بدأت معاناة بطل الرواية الذي دخل ظلماً
واتهم بقتل المرأة التي أراد مساعدتها. ولكن دون جدوى. فقد اقتيد للسجن
والذي اسرد لنزلاء السجن السبب الذي أتى به الى هذا المكان والجريمة
التي ارتكبها بنظرهم وهي ليست بجريمة بل كان (حاولت أن اخيفه فقط لوحت
له بالسكين انتبه لوجدي رفع رأسه واستقام واقفاً هارباً ورجع بعد لحظات
ومعه مفرزة حزبية. اما المرأة فقد ماتت من الخوف. فالقوا القبض عليّ.
وأتوا بي الى هنا. ولكن توقف هنا الضحية عن الكلام. وقد احس بالضيق
صارخاً. انه مظلوم ولابد ان يخرج من هنا. فالمجرم هو المختار. هو الذي
لابد أن يسجن وليس هو. لذا تراه حاور نزلاء السجن مصمماً على الهرب
وحثهم هم على ذلك اهربوا بسهولة تتفوه بهذه الكلمات وكأنك تعيها. الم
تر حين قدومك مدى الاسوار التي سورنا بها والممرات التي تؤدي الى هنا
ولكني سأهرب/ قال لهم وله ما اراد. لكنه قتل من قبل حراس القلعة وهو
يحاول الهروب من خلال السور الملاصق للمرافق الصحية والذي آلم اصدقائه
حين سمعوا. صوت الاطلاقات النارية من بعيد. مما حدا بأحد النزلاء يتكلم
متألماً اللعنة آخ الم اقل له ان السجن الهروب منه لايفضي إلاّ الى
الموت ولايمكن الخروج إلاّ جثث. إذاً ان فليحة بموت بطلها ارادت ان
تقول أن السكوت على الظلم هو الظلم بعينه وعلاجه اما الموت او الهروب
لأن في الموت حرية ابدية يتشوق لها الضحية في العالم الاخر. افضل من ان
يبقى تحت وطأة الظلم والقسوة وتحت رحمة جلاوزة النظام. لقد انهت فليحة
حسن الجزء الثاني من روايتها برحيل وخلاص بطلها وبدأت الجزء الثالث
بمعاناة أكبر من خلال رحلة ام الضحية التي كانت تتنقل من مكان لآخر
للبحث عن ابنها المظلوم. والذي وجدته بعد عناء طويل ولكن دون جدوى فقد
بقيت ترواح في مكانها. وتأتي كل يوم الى بوابة السجن أملاً منها في
رؤية ولدها المظلوم. ولكن تخدير الحرس لها من خلال كلامهم واعطائها
املاً برؤيتها لولدها قريباً جعلته تقف ساعات وساعات امام بوابة السجن
مع امهات أخريات جئن للسؤال على اولادهن واللواتي كن يتعرضن للسب
والشتم من قبل حراس البوابة. لكن رغم كل ذلك فقد بقيت ثمة أمل تجده
العجوز لملاقاة ولدها الذي ارسل الى الطب العدلي جثة لتحفظ في ثلاجاتها
- ذلك الأمل. زرعه الحارس الذي كان يرى المرأة كل يوم فيطمأنها بأنها
ستلتقي به أملاً منه بأنها ستسأم في الآخر وتنقطع عن الزيارة فقد قادها
وعبر بها الى الجانب الآخر من الشارع معطياً لها أملاً بأن في الغد سوف
ترى ولدها. ولكن .. وهكذا بقيت نهاية الرواية مفتوحة بل انا اعتبرها
بداية مفتوحة لمعاناة مشابهة قد تأتي لضحايا آخرون وقد اجادت فليحة في
توظيف ادواتها اللغوية وامسكت زمام خيوط الرواية بأحكام وقد ساعدتها في
نجاح ذلك اللغة الشعرية العالية التي تمتلكها لكونها شاعرة تجيد اللعب
في فضاءاتها.. وقد كتبت روايتها هذه بطريقة السهل الممتنع.. فشكراً
لفليحة حسن لأنها أرخت لنا تاريخ نظام فاشي قد عانيت جزء من عذاباته
شخصياً. متمنياً لها - اعمال روائية جديدة.
إصدارات
سلسلة الموسوعة الثقافية
حنان النعيمي
من السلاسل الشهرية التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ( سلسلة
الموسوعة الثقافية ) التي تعنى ببحث ودراسة الموضوعات المختلفة في
العلوم والفنون والآداب.
حملت إعدادها الجديدة ( 81، 82 ، 83 ) عناوين متنوعة نستعرضها في
الأسطر التالية.
*عنوان العدد : الرواية الإنكليزية
نشأتها وتطورها ( عن كتاب مختصر في تاريخ الأدب الإنكليزي). اسم المؤلف
: والدو كلارك
اسم المترجم : أ.م.د حميد حسون بجية
عدد الصفحات : 112 صفحة
جهة النشر : دار الشؤون الثقافية العامة
سنة النشر : 2009 يبحث الكتاب بتاريخ الرواية الإنكليزية منذ نشأتها في
القرن الخامس والعشرين ، مستعرضاً أسماء الروائيين والروايات التي
أنتجوها خلال الحقبة الزمنية من تاريخ الدراسة.
تناول الكتاب بأسلوب أكاديمي وتوثيقي اغلب المؤلفين الإنكليز ويعرض
مادته العلمية بشئ من التفصيل واهذا فهو يقسم الكتاب الى أربعة فصول.
درس الفصل الأول : تطور الرواية الإنكليزية للفترة من عام ( 1485 حتى
عام 1830 ) وما صاحب من ذلك من تطورات استشرفت ظهورها ومارافق ذلك من
بروز كتاب أسهموا بنقل الرواية من شكلها البدائي لبى ما اصبحت عليه على
أيدي كتاب كبار من قبيل هنري فيلدنك وجين اوستن والسير وولترسكوت
والأخوات برونتي وغيرهم.
ويستعرض الفصل الثاني الرواية في القرن التاسع عشر وتطورها على ايدي
كتاب كبار اخرين من امثال تشارلزدكنز ووليم ميكبيس ثاكري وتوماس هاردي
اذ أصبح حقل الرواية مستقبلاً ويستقطب المزيد من القراء على اختلاف
مشاربهم.
إما الفصل الثالث الرواية في القرن العشرين حيث بلغت الرواية
الإنكليزية أوج تطورها ولكن يبدو انها وصلت في النهاية الى طريق مسدود.
إما الفصل الرابع والأخير فيعد استكمالاً لموقف للرواية في القرن
العشرين وخاصة في فترة مابعد الحرب العاملية الثانية.
لقد برع مترجم الكتاب بنقل الصورة الحقيقية للرواية الإنكليزية تلك
الرواية التي أسهمت أسهاما فاعلاً في تاريخ المعرفة والإنسانية وقدمت
نماذج للكتابة أغنت الأدب الإنكليزي بل ومنحت الأدب العالمي مصدراً
يستلهم منه محبوا القراءة ويستفيدون من تجارب المبدين الأوائل في هذا
المجال.,
*عنوان العدد :مكنز الادب (قراءة في
ديوان المعاني )لأبي هلال العسكري
اسم المؤلف :- نوفل ابو رغيف
تسلسل العدد :- 82
عدد الصفحات :- 80 صفحة جهة النشر :- دار الشؤون الثقافية العامة سنة
النشر:- 2009 يتناول المؤلف بكتابه هذا بحثا"تفصيلا"(لديوان المعاني
)لابي هلال العسكري بوصفه واحدا" من كبار المصادر في الثقافة العربية
الإسلامية من الناحيتين (البلاغية والنقدية ) ويحاول أيصال فكرة وماهية
الكتاب بأسلوب أكاديمي نقدي وعلمي في أن واحد.
يعد كتاب (ديوان المعاني )أحد كتب التراث المهمة في المكتبة العربية
وتتسع مادته للعديد من الدراسات الحديثة والأراء النقدية المختلفة
وتتوخى الدراسة لأبراز ملامح الكتاب العامة وتسليط الضوء على أهم
محاوره نطقا" وحضورا"والوقوف على سمات هويته العامة.
قسم المؤلف كتابه الى قسمين رئيسيين سبقهما مقدمة وتمهيد وأعقبهما
بخاتمة في نهايته ضمت أهم النتائج التي كانت أساس البحث والدراسة
تناول القسم الاول بتعريف الكتاب ومؤلفه مجزءا"اياه الى ثلاث مباحث
أولهما في (ترجمة المؤلف ) وثانيهما (في منهج التقسيم - التوزيع
)والمبحث الثالث في (منهج التاليف).
اما القسم الثاني فكان تسجيلا"لأبرز النقاط التي يمكن عدها نقدا"(على
سبيل المقاربة في نقد الكتاب )وتضمن ثلاث مباحث ايضا.
المبحث الاول في (ضيق دائرة الاختيار).
والمبحث الثاني في (أقتناص / التناصات الشعرية).
والمبحث الثالث في (موقف العسكري من المتنبي)
أعتمد الكتاب المنهج العلمي في توزيع مادة البحث ومعالجتها ويفتح الباب
أمام مشروع دراسي جريء في مجال أستنطاق ماأغفلت عنه البحوث السابقة.
فالمؤلفات النقدية العربية القديمة تنطوي على مكامن كثيرة تمكن الكتاب
من أبراز أحد جوانبها المهمة ،فالمؤلف يقدم تصورا"واضحا"عن ديوان
المعاني (لأبي هلال العسكري ) معتمدا" الفحص والتقييم والانتقاء
أساسا"لعملية البحث والدراسة العلمية لمادة الكتاب.
*عنوان العدد:- فلسفة الدين والحياة
عند ابي العلاء المعري (دراسة نفسية
أسم المؤلف :- د. أحمد علي أبراهيم
الفلاحي
تسلسل العدد :- 83
عدد الصفحات :-112 صفحة
جهة النشر :- دار الشؤون الثقافية العامة سنة النشر :- 2009 تعددت
الدراسات التي تناولت الشاعر الكبير (أبي العلاء المعري )قديما"
وحديثا" فكل من كتب عنه بحث في زاوية أو جهة معينة تباينت بتباين
تخصصاتهم وأختلافها أو البحث في مدى أستيعاب الفكر المعري ولهذا فقد
تجاوزت تلك المؤلفات العشرات ،ألاانها لم تغلق الابواب ولم تحط بفكر
المعري ونقده وفلسفته لقدتناول المؤلف في هذا البحث الجانب النفسي
والسلوكي وما يمكن ان يشار اليهما ضمن اطار فلسفي قائم على تجسيد
الايمان واعتماد السلوك الانسانسي غاية تطبيقية وتجسيدا"مباشرا" لهذا
الايمان .، ان تشاؤما ماساد النظرة العلائية لكنها لم تكن من طبع الرجل
،وفي الحقيقة انه لم يكن متشائما"قبل ان يختلط بنماذج من الناس ويكشف
مقدار سخطهم عليه ونفاقهم على الحياة ،ولهذا أعتزل الحياة وأكتفى
بالصدق الذاتي الخالص والقناعة بالمبدأوتشرب روح الدين الاسلامي
وتقاليده السمحاء.
لقد حفلت حياة المعري بالكثير من التجارب المرة التي ولدت في نفسه
شعورا"بالألم ليتفجر ذلك كله في مؤلفاته الابداعية وليتخذ سبيل العقل
والتدبر وصولا" الى العلم النافع الذي هو مقياس صلاح البشر ومفتاح
المعرفة بحقائق الاشياء ،لقد تفرد المعري بسمات عقلية ونفسية فريدة في
مثالنا الشعري والادبي العربي ،وكفل مؤلف الكتاب بألقاء الضوء على كل
ما من شأنه أبراز هذة الصفات وبلورتها ووضعها أمام القارئ بأسلوب بارع
وكفائة عالية أمتلكها ونجح في تقديمها بمنهج علمي متقن.
قصة قصيرة
حين يبتسم الضفدع
مهدي علي ازبين
دوار يلف رأسي، خدر في جسمي، ممددٌ على السرير، أعضائي مشلولة، غثيان
يجتاحني. عيناي زائغتان أجاهد لأفتحهما، يتسلل الضوء اليهما، اغمضهما
فوراً، رائحة التعقيم تغلفني وتزكم أنفي، انها العملية الجراحية، ألمٌ
في أعلى بطني، يدي تبحث عن مصدره، ضمادات طولية صغيرة واخرى عرضية حول
بطني، أحد ما يرفع يدي، يمدها الى جانبيز
من خلال ومضات الصداع أفتح عيني، صورٌ مشوشة، جدران باردة وامرأة
بملابس التمريض لا أميز ملامحها، صوت انثوي يتناهى الى مسمعي..
حمداً على سلامتك، نبشرك بنجاح العملية.
يتحشرج صوتي، عيناي لاتألفان الضوء، أشعر باغماء وانقطاع عمّا يدور
حولي، وقت طويل منذ استقرار ذلك الضفدع في جوفي، لا أحد يصدقني حتى
أهلي.. حنين يشدني الى تلاميذي ومدرستي، أتذكر تلك السفرة الى ريف
المدينة، عطش يلم بي وماء الجدول رقراق لاأشرب منه انه غير معقم، عطشي
يزداد.. كفي تمتد الى الماء تغرف منه قليلاً، أبل شفتي، أتذوقه يبدو
عذباً، كفي تمتد ثانية، الماء في جوفي، مرة أخرى لأرتوي يقفز من بين
اصابعي دعموص صغير، أحس أني أزدرد دعموصاً آخر، يكبر مع الأيام، يتحول
في أحشائي الى ضفدع كبير وصحتي تتدهور، ثقل متزايد في أمعائي، أجافي
الطعام، أول طبيب يقول:
-لايوجد شيء غريب لديك..
طبيب آخر..
-بعد الفحوصات انك تتوهم حالة لاوجود
لها". وآخر:
-ان الانزيمات والاحماض المعدية
والمعوية قادرة على قتل..
وحالتي تزداد سوءاً. المدرسة لاأذهب اليها وبطني تنتفخ، الياس يطوقني
كالعنكبوت ويمتص حياتي، لاعلاج، اعلان في التلفاز يشير الى وصول الطبيب
الجراح الاسم ينغرز في ذاكرتي كالسهم، أبي وأمي غير مقتنعين يرجوان
شفائي. لم يصدق الطبيب، وهو يتفحصني بسماعته ويديه مدققاً في الاوراق
والتقارير واخيراً..
-يجب اجراء العملية الجراحية..
الدهشة تعقد لسان أبي يضيف ، الطبيب.
-ولدك في بطنه ضفدع". لساني ينفلت
-لم يقتنع في كلامي أحد، شكراً لك
أيها الطبيب..
-العملية تجرى بعد استكمال الفحوصات
في موعد لاحق..
السرير يحتضنني، غرفة جدرانها عارية، خزانة صغيرة تعلوها زهرية لا ورد
فيها، أبي يحدثني..
ان العملية بسيطة ياولدي ستكون بخير قلوبنا معك..
يضعون آخذة الدواء في معصمي ويفرغون أنبوبة فيها ، أبي يجلس بجانبي
يطمئنني وأنا مستلق أحاول اخفاء ارتباكي ونظري يزوغ ولاأتذكر شيئاً، ها
أنا على السرير والألم والضمادات تحزمني..
حمداً على سلامتك..
يأتيني صوت أبي وهو يمسح حبيبات العرق عن جبهتي، ألم بسيط في بطني،
أفتح عيني ببطء متحاشياً الضوء عينان دامعتان تبحران في عيني..
-كيف حالك الآن بماذا تشعر؟
-بخير ياابي.. أني أتحسن..
-أخي يربت على كتفي..
-تبدو بحال جيد..
-أشكرك ياأخي.
أميل برأسي، على الخزانة، الزهرية مملوءة بالورد وتقربها قارورة فيها
سائل حتى المنتصف، يتوسطه ضفدع بحجم القبضة، على سطح السائل صبغة حمراء
تمتد منها خيوط الى قعر القارورة كأنه دم أو يود أو أية صبغة حمراء،
الضفدع منتفخ الاوداج، عيناه مصباحان جاحظان على طرفي الرأس وابتسامة
تشق فمه..
-ياأبي ان حجمها كبير، وجرح العملية
صغير..
-هذه التي وجدناها..
ردت الممرضة الموجودة في الغرفة.
يدي تزحف نحو القارورة تهزها، الضفدع يجفل ويغوص في الماء، يصطبغ
باللون الأحمر، يستقر الماء، يرتفع الضفدع متحولاً الى اللون الأحمر،
ينظر إلي، يبتسم ابتسامة كبيرة ملء وجهه، هل هو يحييني؟ أم يسخر مني؟
أم فرحته بالحياة خارج السجن؟ أم من الماء الموجود فيه؟..
-ياأبي لِمَ يبتسم الضفدع؟
- "ألا تعرف؟
يأتيني صوت الممرضة..
-أنظر اليها.. تعلو محياها ابتسامة
الضفدع. |