|
خطاب الشعر الحر في القصيدة العربية
عبد المجيد العابد
يعد الشعر الحر قطيعة إيستيمولوجية للقصيدة العربية التقليدية، وقد
أملى ذلك الظروف التي عاشها الشعراء فكان أن أعاد الشعراء وغيرهم النظر
في جميع المثل والرموز التي كان يعتقدونها، فرأى الشعراء حينها أمام
هول الفاجعة وصدمة الحداثة الغربية تغيير كل النماذج المحتذاة، لأنها
لم تستطع مواكبة التحولات المستجدة، فإذا كان الشعراء الفحول القدماء
قد عبروا عن قضايا عصرهم بالشكل التقليدي للقصيدة العربية الذي ينسجم
مع تلك الظروف، فلا بد للشاعر الحديث إذا أراد التعبير عن قضايا عصره
من أن ينفلق من إسار عمود الشعر، وينطلق في رحابة شكل جديد يتيح له
إمكانية التعبير، لذلك استبدل القصيدة الحرة بالقصيدة العمودية. ويعرف
شعر التفعيلة بوصفه نظاما وزنيا جديدا كسر نظام الشطرين المتناظرين
والقافية والروي والموحدين، لكنه حافظ على التفعيلة وجعلها أساسا له.
يقوم الشعر الحر على ستة بنود: السطر الشعري، والجملة الشعرية،
والتدوير، والتنويع في القافية والروي، واختلاف الضرب، والمزج بين
تفعيلات البحور.
وقد حظي الشعر الحر بتسميات عدة أهمها: الشعر المعاصر، والشعر الحديث،
والشعر الجديد، والشعر المنطلق، والشعر المرسل، وشعر الشكل الجديد،
وشعر التفعيلة. ويعد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة أول من قصد الشعر
على منوال شعر التفعيلة، وقد اقتفى أثرهما جم غفير من الشعراء المحدثين
نذكر منهم البياتي، وصلاح عبد الصبور، ويوسف الخال، وأدونيس، ونزار
قباني، ومحمود درويش، وأحمد المجاطي المعداوي، وعبد الرفيع الجواهري،
وغيرهم كثير.
ومن خصائص قصيدة تكسير البنية نذكر: • التفاعل مع التراث والنظر إليه
باعتباره رموزا وقيما إنسانية وجمالية.
الانفتاح على الثقافات الأجنبية شعرا ونثرا؛
التحرر من هيكل القصيدة التقليدية العمودية وبنائها، والاحتفاظ بوحدة
التفعيلة وقوة الإيقاع الداخلي؛
• تكثيف الصور الشعرية المعتمدة على المجاز والانزياح؛
• الاستثمار المفرط للرمز والأسطورة والمونولوج والخرافة والحكاية
الشعبية؛
• الاهتمام بالقضايا الراهنة ورصدها من زاوية ذاتية خالصة؛
• الارتكاز على الرؤيا في تكوين نظرة شمولية تجمع الذاتي بالموضوعي؛
• توظيف اللغة الإيحائية المشبعة بالدلالات العميقة التي تبتعد عن
التوظيف التقريري؛
• الغموض، وهو صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثة؛
• الشعر الحديث تجديد للرؤيا، وهي في عمقها تختلف عن الرؤية البصرية،
فإذا كانت هذه الأخيرة تتعلق بالحس المباشر للموضوعات، فإن الرؤيا
تتجاوز الإدراك المباشر المعتمد على المدركات الخمس، التي تتطلب حضور
الموضوع الإدراكي، فالرؤيا تشكل موقفا جديدا اتخذه الشعراء الحداثيون
من العالم والأشياء، إنها عبور من الظاهر إلى الباطن، وانتقال من
دلالات العبارات إلى دلالات إشاراتها، إن الرؤية قرينة البصر، بينما
الرؤيا لازمة عن البصيرة والحدس والكشف والحلم؛
• الشعر الحديث خطاب تجتمع فيه الثقافة العربية التقليدية بالثقافة
الغربية الحديثة، ثم القرآن الكريم والأساطير والخرافات والحكايات
الشعبية والملاحم (ملحمة جلجامش مثالا)، والتصوف (الحلاج، ابن عربي،
السهروردي، البسطامي..).
التحـليـل
تندرج القصيدة ضمن خطاب الشعر الحر، وهو خطاب جاء نتيجة تحولات جذرية
عرفها العالم العربي أدت إلى تغيرات واضحة في البنيات الشعرية وفق خطاب
حداثي لا يلتفت إلى نموذج سابق، بل يقوم على الأخذ بتلابيب الحداثة
رؤية ومنهجا، فنتج عن ذلك شعر مخالف لكل ما ألفناه في القصيدة
العمودية، ويعد بدر شاكر السياب أول من فتح أكمام هذا النموذج الشعري
الجديد، فإلى أي حد يعد نص "في الليل" مثالا واضحا لشعر تكسير البنية
وتجديد الرؤيا شكلا ومضمونا؟ يتضح من خلال النظرة البصرية للنص أن
القصيدة تضع قطيعة وحدا فاصلا مع الموروث الشعري التقليدي، فقد كسرت
الشكل الهندسي للقصيدة العمودية باستثمار نظام السطر الشعري عوض نظام
الشطرين المتناظرين، كما استبدلت تنويع القافية والري بوحدتهما،
وتتفاوت الأسطر فيما بينها من حيث الطول وتوزيع البياض على السواد.
يتكون العنوان من جملة بسيطة تعرب إعرابين اثنين، الأول أن خبرها محذوف
تقدير كائن أو استقر بحسب المدرسة البصرية، والمبتدأ محذوف تقديره هذا
أو هذه، والثاني أن شبه الجملة المكون من الجار والمجرور"في الليل" في
محل رفع خبر والمبتدأ محذوف أيضا، وهذا القول الثاني مأثور عن المدرسة
الكوفية في النحو. إن شبه الجملة المكون للعنوان غير تام المعنى، مما
يدفع القارئ المخاطب إلى استعمال السيرورة التأويلية لاستبطان متاهاته
إتماما لمعانيه، حيث يتم الربط بين الليل وما يحفل به من معان وسمات
مميزة (الحزن، الخلوة، الكآبة، السهر، السهاد، البعد، النأي، الهدوء،
السكينة، الاطمئنان، الموت، الخنوع، الخوف...). فما علاقة العنوان بقصد
الشاعر؟ وماذا يريد السياب تحقيقه من خلال الغموض؟ وإلى أي حد يعتبر
هذا العنوان عتبة لمعرفة غياهب النص؟
لقد ثبت أن القصيدة حديثة من جهة معمارها أو شكلها الهندسي، فمن خلال
عتبات النص يمكن أن نفترض أن الشاعر بصدد الحديث عن رؤيته المخصوصة حول
الزمان والمكان والمصير. فما محددات هذه الرؤية من خلال مضامين النص؟
وكيف تبلوت في القصيدة مناط التحليل؟ افتتح الشاعر بدر شاكر السياب
قصيدته بتأثيث فضاء الغرفة الموصدة واصفا إياها ومضفيا عليها مسحة
كئيبة، ثم نظر إلى ثيابه نظرة متسائل عن ردهات الزمن، يناجيها ويتحدث
إليها افتراضا، لينتقل إلى حوار في خلده مع أمه، التي تحضر في جل
قصائده، مبرزا نظرته الشمولية المختلفة نحو المكان والزمان والموت،
ليصل في الأخير إلى تأكيد لقائه أمه في اللحد، وفي ذلك إشارة إلى دنو
أجله، فالسياب كان دائما يرى خلاصه في موته، نتيجة مرضه الذي كان لا
يرجى شفاؤه، ويمكن أن نستجمع هذه المضامين في رؤية الشاعر الشاملة نحو
الزمان والمكان والموت انطلاقا من معاناته، وهي رؤية رومانسية تطفح بها
أغلب قصائده.
توسل الشاعر في إبراز هذه المضامين الوجدانية المتشائمة بمعجم يمتح
مفرداته من عناصر الطبيعة محاولا وضع المتلقي أمام نفسيته المنهارة
الدائبة، وهو معجم وسيط يجمع بين السلاسة والجزالة، تتخلله بعض الكلمات
التي تمتح من اللغة الموروثة، ويقوم على خرق المألوف في تركيب كلماته
مثل: (عزريل الحائك، من صدر الأرض)، يخرق أفق انتظار القارئ ويدفعه نحو
متاهات التأويل. تتوزع هذا المعجم ثلاثة حقول دلالية: الأول متعلق
بالألفاظ الدالة على المكان نمثل لها بـ:(الغرفة، ستائر، بستان،
المقبرة، الأرض، لحد، النهر...)، أما الثاني فيتعلق بالألفاظ الدالة
على الزمان نمثل لها بـ: (الليل، سريت، الزمن، يومـ، الحشر، أسير،
ستلقاني...)، بينما الحقل الثالث فيرتبط بالألفاظ الدالة على الموت
نمثل لها بـ: (الموت، سريت، الثكلى، أمي، كفني، عزريك، نم، لحدي...)؛
تجمع بين هذه الحقول علاقة قرابة تؤلفها النظرة الشمولية للشاعر نحو
الكون والعالم، فالسياب يعيش غربة في المكان وغربة في الزمان وغربة في
المصير، إن الغربة إذا هي النواة الجامعة لهذه الحقول. يجمع السياب بين
الاغتراب وقضية الموت والمصير في هذه القصيدة عينها، وهي نفسها الرؤيا
التي تغلب على معظم قصائده خصوصا اللندنية منها.
هذا من الناحية المعجمية، أما من الناحية التركيبية فقد تعددت الضمائر
في القصيدة بين ضمير الغائب، يرصد في الغالب الوصف(يتنصت لي، يترصد بي،
أعطاها الباب المرصود نفسا...)، وضميري المتكلم والمخاطب في
الحوار(ليزورك، لبست ثيابي، سريت، ستقول لي..)، ليجعل من القصيدة صورة
متكاملة تحكي قصة مفترضة صنعها خلد السياب المتأثر بالمرض، أما الجملة
فقد زاوج فيها الشاعر بين استعمال الجملتين الاسمية والفعلية، فالفعلية
دالة بذاتها على الاستمرار والتجدد، أما الاسمية فدالة على الثبات
والاستقرار، يرصد الشاعر من خلال الأولى حال الغرفة ومعاناته بها
(الغرفة موصدة الباب، الصمت عميق..)، وهي قرينة الوجدان، بينما الثانية
فتدل على التحول (ليزورك في الليل الكابي، لبست ثيابي، سريت، ستلقاني
أمي، لم يبل على مر الزمن، أعددت فراشا...)، وهي المهيمنة في النص، لأن
الشاعر بصدد التحول نحو المصير المحتوم: الموت.
أما من الناحية البلاغية فقد ركنت الصورة الشعرية إلى الانزياح وخلق
علاقات جديدة بين الكلمات تخرق المألوف في سبكها، وقد نهلت من الرمز
والإيحاء بوصفهما قناعا وتدليلا يقوم على التجوز في الدلالات المباشرة
للعلامات اللغوية، لكن رغم ذلك جعلت من مباحث البلاغة العربية القديمة
سندا لها ومرجعا اعتمادا على التشبيه مثل (وأثوابي كمفزع بستان) على
سبيل تشبيه محسوس بمحسوس، وكذلك الاستعارة كما في قوله (أعطاها الباب
المرصود نفسا) على سبيل الاستعارة المكنية حيث حذف المشبه به(الروح)
وأبقي على أحد لوازمه (النفس)، تدل على نزعة السياب التصوفية، وكذلك
الشأن في (من صدر الأرض) كاستعارة مكنية أيضا، وكلها صور تقوم بوظيفة
تعبيرية إبلاغية في النص، كما يمكن جعل القصيدة كلها صورة مشهدية شاملة
كلية. أما من حيث الأساليب فقد زاوج الشاعر بين استعمال الأسلوبين
الخبري والإنشائي، فالأول ما احتمل الصدق أو الكذب، والثاني ما لم
يحتملهما معا، فالسياب يستعمل الأول للإخبار عن معاناته وتصوير واقعه
المزري، والغربة التي يعيشها في المكان والزمان والموت (الغرفة موصدة
الباب، ستائر شباكي مرخاة..).
قراءة في القصة العراقية
وديع العبيدي
العلاقة الاشكالية التي تربط الفرد العراقي بواقعه تمثل إحدى المعضلات
الاجتماعية الفكرية والنفسية الآخذة في التفاقم, أثر اتساع الشقة بين
الانسان والبيئة من جهة والتنامي المضطرد للحاجات البشرية من جهة أخرى.
هذه الاشكالية ليست وليدة ظرف آني أو مرحلة محددة, وانما هي حصيلة
تراكمية لبناء تخريبي [سالب/خاطئ] لم يجد اليد التي توقفه أو توقف
تماديه عبر عشرات القرون والعقود. وبالتالي فأن الحديث السهل عن
المسؤولية الثقافية ودور المثقف في المجتمع, القصد منه تحديد جهة معينة
وتحميلها مسؤولية الخراب الشامل وبالتالي تبرئة النظام السياسي الشمولي
الذي ما فتئ ينقضّ على الانسان وينهش البنية الاجتماعية لتسويق مصالحه
الذاتية وأيديولوجيته المريضة. هذه العلاقة تستند إذن إلى: واقع مريض
غير طبيعي بالمقارنة بالبيئات الاجتماعية الأخرى؛ شخصية اجتماعية مرضية
غير طبيعية بالسياقات المتعارفة في علم النفس والمجتمع. والمضي في
دراسة ومعالجة هذه الاشكالية المزدوجة من اختصاص جهات أكادمية معنية.
أما ما يخص هذه الدراسة فيتوقف عند أثر هذه الإشكالية على المنتج
الثقافي العراقي وخاصة السرديّات.
القصة العراقية.. مفارقة أم امتياز.
من المفارقات النقدية الشاخصة اختلاف السرديّة العراقية عن قريناتها في
البلدان الأخرى المجاورة والبعيدة ما خلا أمثلة محددة. تتمثل هذه
المفارقة في كل مستويات السرد وتقنياته على العموم. فعلى الرغم من وحدة
البدايات والجذور التي تربط القصة العراقية بالقصة العربية واستيلادها
عبر النموذج الغربي أواخر القرن التاسع عشر, فأن الاستجابة المحلية
العراقية اختلفت عنها في سوريا ولبنان أو مصر. هذا الاختلاف يتركز في
نمط التعامل مع الواقع في المقام الأول وفي المقام الثاني البعد عن
التناول أو المعالجة التاريخية. وبعد قرن من الانتاج السردي العراقي لا
يشكل التاريخ ثيمة سردية في العراق، أما على صعيد تقنيات تعاطي الواقع
فما يزال البون أو المفارقة بيّنة لدى المقارنة مع القصة السورية أو
المصرية أو الجزائرية. وتتجاوز المفارقة البعد الاقليمي والثقافي إلى
بيئات ثقافية أخرى كالروسية والأوربية عموماً القائمة على المدرسة
الواقعية والواقعية التاريخية، والتي مثلت مرجعيات خصبة للمثقف
العراقي. ولا يجوز النظر إلى هذا البون بالمعيار التفاضلي وإنما من
منظور التمايز والسمات الوطنية الخاصة. الرواية الايقاظية] هو الاصطلاح
الذي استخدمه الناقد والمؤرخ الأدبي العراقي لوصف بدايات الرواية
والقصة في العراق اعتماداً على طبيعة التقنية المستخدمة في السرد. هذه
التقنية السردية تمثل باكورة الوعي الثقافي العراقي لهذه الاشكالية
الضاربة في القدم. وإذا أمكن ترسيخ هذه الحالة نقول أنها تقنية الهروب
من الملامسة المباشرة إلى التعامل عبر وسيط، الذي يمثل [الحلم] وسيلته
هنا. وقد استمر [الحلم] وسيطاً عملياً لترجمة أفكار وتبعات الكاتب عن
واقعه في نماذج أكثر حداثة. ففي غير حالة يكتشف القارئ أن كل ما قرأه
انما كان مجرد حلم أو كابوس سرعان ما ينتهي أو ينكشف مع استيقاظ البطل/
المؤلف، كما في قصة [المسخ] لحسين التميمي مثلاً وليس حصراً. ويمكن
لدراسة أكادمية متخصصة مراجعة المدونة السردية العراقية واستنباط جملة
التقنيات الوسيطة أو الهروبية التي درج عليها السارد العراقي خلال قرن
من الزمان.
خصوصية المجتمع العراقي
هذه المفارقة السردية كانت منذ البدء إذن نتاج الازدواجية الثقافية
التي تحكم المثقف العراقي والتي تصل حدّ الانفصام عن الواقع والمجتمع.
وهي حالة لا نجد لها مثيلاً اقليمياً لاختلاف الأرضية أو تفاوت الوعي
الاجتماعي واتجاهاته.
ان المجتمع العراقي الذي يصرّ كثيرون على النظر إليه ضمن جماعة
اجتماعية وثقافية أخرى انما هو نسيج وحده وله من التقاطعات الداخلية
والاقليمية ما غفل المؤرخون عن تشخيصها باستخدام الأدوات العلمية
والأكادمية المناسبة. وضربت الحكومات ذات التوجهات الاقليمية عن أخذ
السمات الوطنية والخصائص الذاتية للمجتمع العراقي بنظر الاعتبار خدمة
للمصالح الايديولوجية المريضة. وبالتالي فأن المثقف العراقي كان الشاهد
الوحيد على الواقع، ولكنه شاهد محكوم بالخرس أمام هيمنة أنظمة شمولية
ووسائل اعلام ديماغوجية وظيفتها القفز على الواقع وتزوير الحاجات
الانسانية. وهذا يشير إلى وجود حركتين أو تيارين داخل المجتمع العراقي،
التيار التقليدي العام والمدعوم أو الموجه بالنظام الرسمي، والتيار
الليبرالي الحداثوي ذات التوجه الوطني المستند للروح العلمية والعالمية
والبعيد عن الشوفونية والأيديولوجيا. لكن هذا الاختلاف لم يتطور ويصل
إلى درجة الصراع أو الاحتدام إلا في زاوية سياسية ضيقة في خمسينيات
القرن الماضي وزاوية طبقية سياسية في أيلول 1961 عقب رفض الملاكين
الكرد تطبيقات قانون الاصلاح الزراعي رقم 80. وفي الحالين تمّ مصادرة
الخطاب الثقافي الوطني لصالح القوى التقليدية المتحكمة.
يتكون المجتمع العراقي دمغرافيا من قوميات وأعراق وأديان وطوائف ومذاهب
وفئات اجتماعية وطبقية متفاوتة ومتباينة في ثقافاتها وتوجهاتها
وخصائصها الذاتية، وتعتقد كل منها باستقلاليتها كوحدات اجتماعية وحقها
في تحقيق كيان اجتماعي ثقافي وأحيانا سياسي والمحافظة على استقلالها
وخطابها الخاص. وقد شمل الجزء الأكبر من أولئك ضمن اللوائح الدولية
والدستورية الخاصة بحرية العرق والعقيدة والمعتقد. أما الكيانات
الاجتماعية التي لا تدخل ضمن ذلك فقد بقيت مموّهة ضمن النسيج العام رغم
كونها هي المكونة الاساسية والمؤثرة في جملة الحركة الاجتماعية. ويمكن
تصنيف هذه الوحدات حسب الاصول الاجتماعية والجغرافية الى البدو وأهل
الأهوار والغجر والقرى الزراعية والمدن الدينية والمدن العصرية. ولكل
من أولئك مرجعية جغرافية وثقافية لغوية مميزة. ان من خصائص المدنية
والحضارة عدم وجود جماعات خالصة منغلقة على نفسها، ولا يوجد بلد أو
دولة في التاريخ المعاصر ضمن هكذا مواصفات. وتاريخ البشرية هو تاريخ
هجرات وانزياحات سكانية حسب الظروف الطبيعية والسياسية. وتلعب عوامل
الاقتصاد ممثلة بالمياه والزراعة وطرق المواصلات أبرز عوامل الجذب
السكاني. وفي هذا الاطار يمكن مقارنة الجغرافيا البشرية للعراق بأقاليم
أخرى مثل شبه جزيرة العرب أو اقليم وادي النيل المحاط بموانع طبيعية
وصحراوية. بل أن تراكم الهجرات الى وادي الرافدين وحجمها على مدى الزمن
غطى على سكان البلاد الأصليين وثقافتهم. ان السؤال الذي يخطر هنا وشغل
بعض المؤرخين هو: من هم السومريون؟ أو أين هم اليوم بالأحرى؟. ان الشعب
الحضاري القديم والمبدع تعرض للاستئصال على أيدي المهاجرين الذين صاروا
سكان البلاد ومسحوا من قبلهم. الصراع من أجل الكلأ والبقاء كان وراء
أقدم ممارسة عنصرية قومية وثقافية في تاريخ البشرية. ومن المجحف ان
شعوباً وحضارات مثل سومر وبابل وأكد لا تجد من يمثلها أو يمثل رموزها
وثقافاتها. بالتأكيد أن بقية باقية من أولئك ذابوا في التحولات
الاجتماعية اللاحقة وأن بعض ملامح ثقافاتهم ولغاتهم ذابت في المكونات
اللاحقة بالنتيجة. وهذا ما يمثل معادلة معكوسة الأطراف، لأن المنطق
يحتّم انضمام اللاحق للسابق وذوبان الدخيل في المقيم، وهو ما ينتج
خصائص وسمات تطور طبيعي لمجتمع تطور عبر التاريخ ضمن سياقات مرحلية
طبيعية أو منطقية مقبولة. وهي حالة غير موجودة في عراق اليوم ولا يمكن
استيلادها بعد هذا الزمن البعيد من المحق والاسئصال. [تحت جلد كل عراقي
سومري يصيح]. هذا صحيح مائة في المائة. ولكن كيف السبيل إلى ذلك
السومري. هذا السؤال يبدو مرة أخرى مهمة المثقف العراقي لوحده.
علينا إذن مراجعة الخصائص والسمات الذاتية لكل المرجعيات والهويات
المتصارعة على أرض العراق - حسب اصطلاح سليم مطر- وعندها لا يجوز الغاء
أو تناسي الخصائص والسمات الذاتية لأهل العراق القديم سومريين وأكديين
وبابليين وكلدوآشوريين. عندها يمكن الوصول إلى قواسم مشتركة عظمى
لإعادة صياغة خطاب وطني وهوية ثقافية مجتمعة.
وزير الثقافة يعلن عن تشكيل اللجان الخاصة بعمل مشروع النجف عاصمة
للثقافة الاسلامية 2012
عبد السلام الجلبي
اعلن وزير الثقافة د. ماهر دلي الحديثي عن تشكيل اللجنة الاستشارية
واللجان الفرعية الخاصة بالاعداد والتحضير للاحتفاء بالنجف عاصمة
للثقافة الاسلامية عام 2012.
وقال الوزير في تصريح صحفي صباح اليوم ان اللجان تضمنت الهيئة
الاستشارية برئاسة العلامة سماحة السيد محمد بحر العلوم وعضوية عدد من
المسؤولين والادباء والشعراء ورؤساء الطوائف وممثلي عن منظمة اليونسكو
والاليسكو والسسيكو اضافة الى تشكيل لجان الصرف ولجنة الادارة ولجنة
الاشراف والتدقيق والمتابعة ولجنة التأليف والتوثيق والنشر ولجنة
الترجمة واللجنة الاعلامية ولجنة المهرجانات والعلاقات والمراسم ولجنة
المنظمات الثقافية غير الحكومية ولجنةالمرأة والطفل ولجان الارتباط
والمتابعة.
واضاف الوزير ان هذه اللجان ستقدم مقترحاتها وارائها خلال شهر من
تشكيلها الى اللجنة الاستشارية العليا لغرض التخصيصات المالية والشروع
بالعمل.
صدور عد جديد من مجلتي
عن دار ثقافة الاطفال بوزارة الثقافة صدر عدد جديد من مجلة مجلتي
واحتوت صفحات العدد الجديد مجموعة من المواضيع المنوعة منها: تحقيقات
عن القط والطائرة والصبي الصغير وطائر المحبة ونطير بلا اجنحة وموسيقى
هادئة والنمر الصغير وقصصا مترجمة وسيناريوهات ملونة، فضلا عن الابواب
الثابتة للمجلة منها تسلية ورياضة واصدقاء المجلة ولون الحياة ومصنعي
وعلوم.
قصة قصيرة
الرجل الآخر
حواء سكاس
كان يوما باردا, والسماء غطّتها غيوم سوداء, وريح باردة هبّت من البحر.
جلست أنتظر قدوم الرجل الآخر على المقعد الخشبي, أواجه البحر المائج,
وأحسّ بالريح الباردة تصفع وجهي وتهدّد قبعتي الحمراء للسقوط من على
رأسي. جلست أفكّر والإنتظار يطلق خيالي وراء كل المصائب التي يمكن ان
تحدث.
أسائل نفسي: هل أعود؟ يجب ان أعود.
ولكن الرجل الآخر يظهر أمامي, فجأة, بقامته الطويلة, وجسمه النحيف,
وشعره الأشقر, وعينيه الزرقاوين, وشفتاه تبتسمان وتقولان: "تبدين أجمل
مما تصوّرت... حتى وانت قلقة.
فأقول: "وهل انا قلقة؟.
فيقول: "قلقة جدا. وانا لا أدري لِم قبلت ان نلتقي ان كان ذلك يقلقك
الى هذا الحد؟.
وانا لا أملك الجواب على سؤاله. قبلت اللقاء دون ان أتوقع عواقبه. فمنذ
ان أطلّ وجه هذا الرجل في كتاب أيامي اختلّت أفكاري واضطربت, وبتّ
مبعثرة, تائهة, أحاول ان أفهم ما يحدث لي. أحسّ ان قوة خفية تدفعني نحو
رجل غريب ومبهم, كلماته الرقيقة تنساب في أعصابي, وتجتاحني أحاسيس
غريبة... تفاجئني, وتثور عاطفتي ثورة الموج على الشواطئ الساكنة.
وقبل ان نقترق, يسألني: "متى أراك ثانية؟.
فأعطيه موعدا في الغد. وأعود الى البيت.
وفي المساء, حين يعود زوجي, يتملّكني شعور غريب بالخوف, الخوف الذي
يعقب ارتكاب جريمة, الخوف من الإنكشاف. ولكن ابتسامة زوجي تهدّئني
قليلا فنجلس لأكل غدائنا ككل يوم, ويحدّثني عن أحداث يومه, التي كثيرا
ما تشبه أحداث أيامه السابقة, ويحاول مزج حديثه ببعض المزاح الذي لا
يضحكني ولا يمدّني ببعض المتعة. وأنا أنصت الى حديثه وفي داخلي أود لو
يكفّ عن الكلام لحظة ويقول لي كم انا جميلة او كم هو سعيد برؤيتي او
يلاحظ كم كنت قلقة. ولكنه يتابع حديثه دون ان يلتفت الي... ثم يأكل...
ثم يشرب.
وتداهمني الأفكار. لماذا لا يستطيع هذا الرجل ان يحسّ بكينونتي؟ ألم
يعُد يحبني؟ أيكون عمله هو الذي يشغله عني؟
آه لو كان يعلم ما في نفسي من خيبة!
أهكذا يكون الزواج؟ أينتهي الحب بعد الزواج؟ كيف ينتهي حبنا ولم يمضِ
على زواجنا أكثر من بضعة أشهر؟
أنظر اليه. ليته انتبه اليّ. ليته اهتمّ بي كما هو مهتمّ بزبائنه في
العمل الذين يحدّثني عنهم كل يوم.
أقوم من مكاني دون كلام وأحضّر له القهوة, ثم أجلي الصحون وأنظف المطبخ
وأرتّب البيت كما في كل يوم... وينقضي يوم آخر.
وفي الغد, أذهب الى موعدي مع الرجل الآخر وقد خفّ عني قلقي وتضاعف شوقي
للقائه. وأذهب الى مواعيده في الأيام التالية وانا مأخوذة بحب هذا
الرجل الآخر الذي يهزّ كياني ويطلق من أعماقي عواطف جياشة لم أكن أعلم
بوجودها وكأنه جاء ليملأ الحلقة المفقودة من حياتي.
وأعود الى البيت. ويفاجئني زوجي بعودته المبكرة. وجهه متجهم يكتم
بركانا من الغضب. يقترب مني دون ان يرفع نظره اليّ. وفجأة... يطبق صفعة
قوية على خدي تهزّ توازني وكل كياني وتطرحني أرضا.
ويحدث ما كنت أخشاه. ودون ان يقول شيئا, يدير ظهره الي ويذهب. هكذا,
يذهب بلا كلمة واحدة, وكأنه يستكثر عليّ كلمة "طالق.
وها هو الرجل الآخر يأتيني معتذرا ومتأسّفا لما حصل, ويقول لي: "لم
تكوني سعيدة," كأنه يواسيني.
وأنا أفكّر في كلامه وأقول بيني وبين نفسي: "ربما.
ثم أفكّر في الرجل الآخر وأسائل نفسي: ماذا يريد مني؟ اننا نلتقي منذ
أشهر. كنت متزوجة. والآن, لم أعد متزوجة. أهو راغب بالزواج؟ أيحبني
حقا؟ أم يحب رؤيتي لبضع دقائق فقط؟ وهل أظن ان مثل هذا الرجل يقبل
الإرتباط بامرأة مطلقة؟
تنبهت من أفكاري على صوت قصف الرعد الذي ينذر بالمطر. أخذت قبعتي
الحمراء من على رأسي ودسستها في حقيبتي, ثم قمت من مقعدي واندفعت لترك
المكان بأسرع وقت. أحسست بقطرات المطر التي بدأت تسقط على وجهي وكأنها
تمسح عنه البؤس والضجر, وشرعت بالركض. |