|
هل الحاجة إلى العبادات أساسيّة؟
اسرة البلاغ
الحاجة إلى العبادات ثابتة لا تتغيّر، كانت منذ بداية الدِّين، وهي
قائمة إلى يوم الدِّين. صاغها الله تعالى كمصاحبة للزّمن في كلّ
محطّاته، فليس لها محطّة تتوقّف أو تترجّل عندها؛ لأنّها تنظيم للعلاقة
بين (الله) وبين (الإنسان)، وما دام الإنسان بين الإثنين هو المحتاج
إلى ذلك لأنّه المستفيد الأوّل والأخير، فلن يأتي اليوم الذي يجد نفسه
في غنى عن عباداته. هناك ثلاث حاجات أساسية وثابتة في حياة كلّ إنسان:
1- الحاجة إلى الارتباط باللّانهائي، واللّامحدود، والمطلق الذي يسع
كلّ شيء.
2- الحاجة إلى الخروج من دائرة الذات إلى فضاء الناس، أي من (الإثرة)
إلى (الإيثار)
3- الحاجة إلى الرّقابة الداخليّة والشعور بالمسؤوليّة.
هذه الحاجات تحتاج إلى شيء من التوضيح والتبسيط:
1- الحاجة إلى الانفتاح على عوالم أوسع:
يضيق بك المكان فتبحث عن مكان أوسع.. حيث تضيق بالغرفة فتخرج إلى
الصالون، وتضيق بالصالون فتخرج إلى الحديقة، وتضيق بالحديقة فتخرج إلى
الشارع. وتضيق بالشارع فتركب السيّارة لتقوم بجولة في المدينة، وتضيق
بالمدينة فتخرج إلى أحضان الطبيعة... وهكذا.
منذ فجر الإنسانية، راحَ الإنسان يبحث عن السِّعة في كلِّ شيء، فوجد
الإجابة في: (السفر) وفي (التطلّع نحو الفضاء) و(النظر في السماء)،
وإذا ضاق به المكان لم يستطع أن يخرج من حَلبته فإنّه يُطلق لخياله
العنان ليسبح في عوالم لها بداية وليس لها نهاية.
ويضيق بك المكان، فلا تقبل أن يكبِّلك الماضي وأن يقيِّدك الحاضر..
فترمي بعينيك نحو المستقبل، وسؤالك الدائم: (كيف يكون غدي أفضل وأسعد
من يومي)؟
ويضيق بك الفكر فلا تُسعفك أفكارك في الحصول على مآربك النفسيّة
والروحيّة والعقليّة، فتتّجه إلى (الكتب) توسِّع بها آفاقك.. وإلى
(العلماء) لينوِّروا لك طريقك.. وإلى (الترجمات) لتعطيك ما لم تحصل
عليه في اللّغة الأم.. وإلى (الأقمار الصناعية) لتعدِّد لك قنوات
المشاهدة.. وإلى (نوافذ) الشبكة العنكبوتية (الإنترنيت) للتجوّل في
مساحات تنفتح على مساحات، وفضاءات تُطلُّ على فضاءات، ومن أفق إلى أفق
أوسع، ومن رحابة إلى ما هو أرحب، وهلمّ جرّاً!
ويوم ضاقت الأرض بما رحبت، راح يفكّر بغزو الفضاء، فأرسل مركبات الفضاء
تستطلع الحياة في الكواكب الأخرى.
إذن طبيعة البحث عن (السعة الواسعة) طبيعة إنسانيّة.. حاجة إنسانيّة،
غريزة إنسانيّة..
ومن الأفكار المجرّدة إلى التطبيقات:
أنتَ تتهيّاً وتستعدّ إلى الإمتحانات النهائيّة استعداداً جيّداً،
لكنّك وأنتَ تدخل قاعة الامتحان تسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينك على
أدائه بأحسن صورة، وأن يوفِّقك للحصول على أعلى الدرجات.
وبينما يفتح أبوك باب دكّانه الذي زوّده وجهّزه بالبضاعة، يرمق السماء
بعينه ويخاطب الله: (يا فتّاح يا عليم.. يا رزّاق يا كريم).
ويحرث الفلّاح أرضه ويزرعها ويسقيها ويتعهّدها ولسانه لهج بذكر الله لا
يفتر ولا يبرد: (اللهمّ هذا ما أستطيع فأعنّي على ما لا أستطيع وبارك
لي فيما زرعت).
ونركب السيّارة كعائلة، وقد غذّيناها بالبنزين، وفحصها الميكانيكي قبل
الانطلاق، وزيّت ماكينتها بالزّيت، وعبّأ إطاراتها بالهواء، ولكنّنا
ونحن نضغط على دوّاسة البنزين في أوّل الطريق نلتفت إلى الله نسأله أن
يلتفت إلينا بعنايته ويوصلنا بالسلامة.. والأمثلة كثيرة وواسعة سعة
الحياة.
السؤال هنا: لماذا نلتجأ إلى (الله) وقد أخذنا لكلّ شيء أهبته، وأعددنا
لكلّ احتمال ما يقينا سيِّئاته؟
هناك جواب واحد لا غير: لأنّ كلّ الذي قمنا به لا يتعدّى (حدودنا)
و(قدراتنا) و(احتياطاتنا).
الحاجة إلى ضمانات أكبر.. وقدرة أوسع، ورفد أغنى، ومَدَد يأتي من خارج
حدودنا.. ليس مسألة مزاجيّة.. هي في صميم شعورنا الداخليّ بالحاجة إلى
(الحامي) و(السّند) و(المَدَد) اللّامحدود.
إنّ الباخرة التي تتعطّل في وسط البحر، فيتقاذفها الموج الهائج الغاضب،
وتتلاعب بها الرّيح العاصفة القاصفة، قد أعدّ ربابنتها قوارب نجاة في
حال تعرّضها للغرق، لكنّ هذه القوارب قد لا تُنجي، فإلى أين يفرّ
الّذين يتهدّدهم الغرق وليس لهم من منفذ آخر؟!
إنّنا بعد أن نستنفد كلّ الوسائل المادّية التي تحت يدينا لا نيأس ولا
نستسلم. إنّنا نلتجئ إلى قوّة غير مادّية وغير مرئية نستنجدها.
إستمع إلى هذه القصّة الواقعيّة:
ذاتَ يوم سقط رجلٌ في البحر، وكانت في انتظاره حوت كبيرة فاتحة فمها
لتبتلعه، فانزلق في داخلها وأطبقت فكّيها.. وجد الرجلُ نفسه في ظلام
دامسٍ ليس فيه أيّ بصيص من النور، ولكنّه وهو يتخبّط في أمواج الظّلام
ويتعثّر بأحشاء الحوت..
هناك في كبد الظّلمة.. أضاء عقلهُ بفكرة.. وارتاحت نفسهُ لخاطر.. قال:
الّذي صنع الحوت، والذي صنعني وصنع البحر وبيده حياتنا وموتنا هو
واحد.. وهو موجود في كلِّ مكان حتى الّذي أنا فيه الآن..
وبكلِّ الضّراعة والخشوع.. مدّ يدي عقله.. ويدي قلبه.. ويدي روحه..
ويدي اضطراره.. ويدي أمله، وقال: لا منقذَ لي ممّا أنا فيه إلّا أنت يا
ربّ.. فأتتهُ النّجدة.. فإذا الحوت يلفظهُ (يُطلقه إلى الخارج) وكأنّ
معدته ترفض أن تهضمه!!
هذه هي قصّة النّبي يونس (ع).. (ذو النّون)، والنون الحوت، أي صاحب
الحوت، وقلنا إنّها واقعيّة لأنّها وقعت بالفعل، ولأنّ ناقلها لنا هو
أصدق القائلين، ولكنّ السؤال:
هل سبقَ في علم يونس (ع)، أو هل سمع في حياته أنّ تجربة كهذه وقعت
لغيره فاستفاد منها؟ من أين عرفَ أنّ النّجاة ممكنة؟ ألم تكن الحيتان
قبله تبتلع ما يدخل إلى جوفها فلا تُخرجه؟ فكيف تعلّق بالأمل حيث لا
أمل؟!
يونس (ع) يقول لنا: (إنّ السّبل إذا ضاقت بك فإنّ هناك دائماً ما ينفتح
على (السعة) التي لا تضيق)..
إنّ هذا هو ما توفِّره العبادة الحقيقيّة وبالتالي (الدِّين) لأتباعه،
وليس هناك في أيِّ المؤسّسات غير المؤسّسة العباديّة الدينيّة مَن هو
قادر على (التأمين على الحياة) كالله تبارك وتعالى.
2- الحاجة للخروج من (الذاتيّة) إلى (الغيريّة):
الذات.. هي أنت.
والغير.. هو الآخر (أباً كان أو أُمّاً، أو معلِّماً، أو صديقاً، أو
زميلاً أو زوجاً.. أو أيّ إنسان آخر).
والإنسان بطبعه أنانيّ.. ميّال إلى الاستحواذ على كلّ شيء، ولا يريد
الخير إلّا لنفسه، ولا يفكِّر بالآخر بمقدار ما ينفعه ذلك، ويعزِّز
مكانته، ويرفع رصيده.
هو أشبه بدودة القزّ التي تلفّ الحرير حول نفسها.. المهم أن أتدثّر
بالحرير وليقتُل الناس (العُرى) و(البَرْد) و(العَوْز) و(القشعريرة).
هو يعمل في سبيل ذاته.. في سبيل زيادته.. في سبيل حمايته.. في سبيل أن
يكون هو ولا يكون غيره.. مصلحته فوق كلّ شيء.. ومنفعته هي الهدف
الأعلى.
- ما الذي يصنعه الدِّين كمهذِّب لسلوك الإنسان؟
إنّه يُخرجني من شرنقتي.. يسحبني إلى خارج قوقعتي.. يقول لي: أخرج لترى
(النّور).. فانزواؤك وانطواؤك في داخل القوقعة.. حُكم بالسِّجن على أن
تكون قابعاً داخل العتمة لا ترى شيئاً ما حولها..
إنّه يربِّي في نفسه أنّ إطار العالم ليس جدران نفسي.. بل هناك عالم
آخر أوسع من عالمي يمتدّ منِّي إلى (الآخر القريب) وينتهي إلى (الآخر
البعيد) ويحملني عن أن (أُسعد) غيري كما أُسعد نفسي، و(أنفع) غيري كما
أنفع نفسي.. و(أرتقي) بغيري كما أرتقي بنفسي.. و(أحقِّق) بغيري ما لا
أستطيع تحقيقه بنفسي.
لوحدي أصنع عالمي الضيِّق مهما اتّسع.. لكنّني أنا والآخر نضع عالمنا
الذي نتّسع به نحن الاثنين معاً.
العمل من أجل الآخر ونفعه وسعادته والإرتقاء به هو عملٌ محبّذ،
والدِّين يعلِّمني أنّ كلّ عمل في خدمة الأخ الإنسان هو عملٌ في سبيل
الله، وهو عملٌ من أجل الناس والإنسانية، فعباد الله إخواني وأنا مسؤول
عنهم كما أنّهم مسؤولون عنِّي.
وإليك القصّة الواقعيّة التالية التي تُقرِّب لك الفكرة وتوضِّح
المعنى:
كانت هناك عائلة فقيرة لا تملك إلّا قوتَ يومها وأحياناً أدنى من ذلك،
لكنّها ترى نفسها أنّها في نعمة الله وأنّها غنيّة طالما أنّها تحبّ
الله وتعبده وتعملُ في سبيله، أي تحبّ عباده و(عياله) وهم الآخرون من
الناس.
كان الأبوان صائمين، ولم يكن لديهما في إفطارهما سوى الخبز.. وعند
الإفطار طرق بابهما (فقير) يتصدّق ويطلب المعونة، فقرّرا أن يعطياه
خبزهما عطفاً عليه، ولعلمهما أنّ الله يحبّ مساعدة الفقير وسدّ جوعة
الجائع، وفطرَ الأبوان الصائمان تلك اللّيلة على الماء.
في اليوم التالي يتكرّر المشهد، فيأتي عند الإفطار محتاجٌ آخر، فيرقّ
له الصائمان، فيفعلا معه كما فعلا بصاحبه بالأمس.
في اليوم الثالث، حصل ما حصل في اليومين السابقين.
نظر الله تعالى – من عليائه – إليهما مُبتسماً.. قال لهما: طالما
ساعدتما (عيالي) وهم الفقراء، وعزّتي وجلالي لأعطينّكما جنّتي!!
كيف فكّرا بالموضوع، ولماذا فعلا ذلك؟
قالا في نفسيهما ولبعضهما: إنّ الخبز نأكله ويذهب.. وإنّ الخبز نُعطه
ويبقى!
هذا المحتاج.. هؤلاء المحتاجون.. هم (مبعوثو الله إلينا) ليُقرِّبونا
إليه أكثر.. وليرفعوا درجتنا عنده أكثر؛ لأنّ خيرَ الناس مَن نفع
الناس، ولأنّ الله يُجازي على الحسنة بعشر أمثالها..
هذان المتديِّنان.. كان يمكن أن يُغلقا (بابهما) فلا يفتحانه لمحتاج..
ويغلقا (أذنيهما) فلا يسمعان استغاثة المستغيث.. ويغلقا (يديهما)
فيقبضاها كلّ القبض فلا يعطيان شيئاً.. ويغلقا (قلبيهما) فلا يرقّ ولا
يرأف لحال الفقير الذي يُمزِّق أحشاءه، الجوع..
وكان آذانهما أرهف سمعاً لصرخات جوع المحتاج.. ويداهما أسرع لوضع
اللّقمة في فمه.. وقلباهما أرقّ شعوراً بألم الجوع الذي يعانيه هذا
الذي تنازل عن حياته وجاء يطرق بابهما.. ولذلك لم يتردّدا في فتح
(بابهما) للسائل والمحروم، لأنّه – كما تعلّما ذلك في مدرسة الدِّين –
هو المتفضِّل عليهما لأنّه جاء إليهما يحمل (زادهما) إلى الآخر!
لقد باتا جائعين بمعدات فارغة.. لكنّهما باتا سعيدين بنفوس ممتلئة!
أنظر.. ودقِّق النظر في الفرق بين المشهدين: بين مَن يفكِّر أن يعطي
(زاده) وبين مَن يعتبر أنّ السائل أو الطالب (يقدِّم له زاده)(1)؟!
إئتوني بمصنع ما من مصانع العالم قادر على أن يصنع مثل هذا في نفسي أو
في نفسك ونفس الآخر غير (الدِّين).. وإذا كان هناك ما لم تطّلع عليه
وأغفلناه غير عامدين، فسنكون من الشاكرين الذاكرين العارفين لكلِّ مَن
يُخبرنا أو يُطلعنا أو يدلّنا عليه؟!.
3- الشعور الداخليّ بالمسؤولية:
(القانون) يضع عقوبات على المخالفات الخارجية.. أما المخالفات الداخلية
فلا شأن له بها.. إنّه يقف عند عتبة الجرائم المرئية.. القانون لا
يعاقبك إذا كذبتَ وهو لا يعلم بكذبك، ولا يعاقبك على خيانتك إذا لم
يُسجِّل بلاغاًَ بهذه الخيانة، بل لا يعاقبك على مخالفة أو جريمة أو
جناية منظورة لكونها لم تقع تحت بصره، فقد لا يعاقب السارق إذا لم
يشاهد سرقته بأُمِّ عينه، أو لم يبلِّغ أحدٌ ضدّه.
القانون يستطيع أن يمنع الكثير من الجرائم ما دام (مراقباً) جيِّداً:
يفتح عينيه في النّهار.. ولا ينام في اللّيل، ولا يغفل عن المناطق
البعيدة أو المغلقة، ولكنّه – مهما تطوّر – يبقى في غفلةٍ من جرائم
كثيرة لم يرصدها، أو سجّلها ضدّ مجهول وأقفل التحقيق.
إذا غاب القانون.. إذا نام القانون.. إذا ترخّى القانون، لعب الفأرُ في
غياب القطّ، وتحلّل وتحرّر الخارجون عليه من سلطته لينهبوا ويقتلوا،
ويضعوا أو يصنعوا من أنفسهم قوّة بديلة عنه ليُرهبوا الناس ويستولوا
على ممتلكاتهم، ذلك أنّ المخالفة تكون في مأمن إذا غابَ القانون حتى من
الذين يراعون القانون وهو يراقبهم.
زرع في داخل كلّ إنسان متديِّن (رقيباً داخليّاً) (عيناً داخليّة)
(كاميرا خفيّة) جعل من نفسه رقيباً على نفسه، ولم يُسقط رقابة القانون،
وحتى لو غفل القانون أو نام فإنّ هذا الرقيب يقظ وعيونه مفتوحة دائماً،
وهو معنا أينما كنّا وخاصّة في الأماكن التي نخلو فيها لنزواتنا
وشهواتنا ومعاصينا التي لا ترصدها العين المجرّدة أو عين الكاميرا
الخفيّة.
فحينما تريد أن ترتكب معصية وتحدِّثك بـ(الإمتناع) والتحرّج والكف، فما
الذي يمنعك من ارتكابها وليس هناك إلّا أنت؟
وحينما يقع مالُ الآخرين تحت يديك ولا أحد يُراقبك منهم، فإنّ يدك لا
تمتدّ أو تتطاول لتأخذ شيئاً منه حتى إذا لم يعدّوه أو يحسبوه وراءك..
فما الذي يُمسك يدك ليحجزها أو يحجبها عن التقاط المال؟
وحينما تتعهّد – لأيّة جهة – وتلتزم بتعهّدات حتى مع انعدام الرقابة
الخارجية أو غيابها، وحتى مع عدم وجود ورقة تثبت ذلك، فما الذي يجعلك
تلتزم وتنفِّذ شروط العقد أو بنوك العهد؟
وحينما تكون في غرفة مغلقة أو في البيت وحدك، وحولك شيء أو أشياء من
الممنوعات ولا تقترب منها، فما الذي يجعلك تتركها وتبتعد عنها وليس هنا
مَن يراقبك أو يعاقبك؟!
يُروى أنّ غلاماً دخل بستاناً ولم يأخذ من فواكهه الشهيّة الزكيّة
الطريّة التي يسيل لها اللّعاب شيئاً، وكان البستانيّ (الفلّاح) في
مكانٍ ما من البستان يراقبه. حتى إذا أنهى الغلام جولته داخل البستان
ولم يمتدّ يده لأيٍّ من أشجاره وثماره بالسّوء والسّرقة، جاءه
البستانيّ وقال له: لِمَ لَمْ تأخذ شيئاً من هذا البستان مع كثرة
أزهاره وأشجاره وثماره اللّذيذة المتنوِّعة، ولم يكن هناك رقيب تخشاه؟!
قال الغلام: إنّ نفسي كانت معي، وكرهتُ أن أرتكب القبيح أمامها فأبدو
صغيراً حقيراً في نظرها!
فسُرّ البستانيّ بجوابه وأدبه ونزاهته وقدّم له سلّة من الفواكه
الملوّنة وباقة من الأزهار العطرة على أمانته!!
وفيما يلي قصّة واقعيّة تُبيِّن لنا بالصورة الحيّة المتحرِّكة كيف
يعمل القانون الداخلي.. أو الرقابة الداخلية، أو ما يحلو للبعض أن
يُسمِّيه بالشرطي الداخلي.
ذات يومٍ طَلِقٍ، وفي قصرٍ ضخم، حاولت امرأة جميلة – سيِّدة القصر – أن
تُغري خادمها الذي معها في القصر أن يرتكب معها الفاحشة..
تزيّنت له وتبرّجت.. وغلّقت كلّ أبواب القصر مخافة أن يدخل عليهما شخص
من الخارج فيشهد الفضيحة، ودعت الخادم الشاب إلى ممارسة الرذيلة معها..
الشاب الذي صعقته المفاجأة، وجد نفسه محاصراً من جميع الجهات.. جمال
المرأة الطاغي.. رائحة الشهوة المتصاعدة.. والأبواب المقفلة قفلاً
محكماً.
إنّه شاب متديِّن.. وهو يعلم من خلال تربيته الدينيّة أنّ هذا العمل
منكَر وقبيح وجريمة.. فكيف يفلت من قبضة الأجواء المحيطة؟!
كان لدى المرأة طفلٌ في المهد (وقيل صنمٌ على الرّفِّ)، فألقَت على
وجهه غطاءً حتى لا يراهما.
سألها الشاب: لمذا فعلتِ هذا؟
قالت: لئلّا يرانا ونحن فيما نحن عليه؟
قال الشاب المتديِّن: تخشين من نظرة طفلٍ (أو صنمٍ جامد) يراقبنا.. ولا
أخشى من نظر الله المطّلع علينا؟!
لكنّه سرعان ما انتبه متسائلاً: هذه ليست زوجتي.. ليست حليلتي.. هي
زوجة رجل آخر إئتمنني على بيته، كيف أخونه وهو غائب؟ لا، لن يكون ذلك..
فرّ من بين يديها، فهرعت نحوه وهي تقول: لماذا أنتَ خائف؟ ليس هناك مَن
يعلم بهذا؟
قال لها: لسنا وحدنا.
تلفّتت فلم ترَ أحداً.. قالت: لا أرى غيرنا.. مَن تعني؟
قال الشاب المتديِّن: إنّ ربِّي الذي (يرى) و(يسمع).
ولمّا لم تنفع معه كلّ الحيل والترغيبات، قالت له: سأفضحك بأنّك أردتَ
الإعتداء على شرفي إذا لم تنزل عند رغبتي، وسآمِر الحرس أن يُلقوك في
السَجن.
فقال لها: هذا أهوَن من أن أعصي ربِّي!!
ضميراً خالياً من الله كالمحكمة الخالية من القاضي.
نظرة جديدة إلى الأخلاق
د. يسري إبراهيم
“نحن اللاأخلاقيين نسيء إلى الفضيلة تماماً مثلما يسيء الفوضويون إلى
الأمراء فقط لأن الأمراء ما زالوا يجلسون على عروشهم آمنين رغم محاولات
الفوضويين للقضاء عليهم. إن الأخلاق يجب القضاء عليها".
وهكذا كان نيتشه يستهدف القضاء على الأخلاق التقليدية تماماً وعلى
رأسها بغير شك الأخلاق المسيحية. وفي كتابه "أصل نشأة الأخلاق" يتعقب
نيتشه "الأحكام الخلقية" التي آمنت بها البشرية وعلى رأسها الأحكام
الخلقية المسيحية ويبين الأصل الذي نشأت عنه. ولا شك أن اهتمام نيتشه
بالبحث في أصل الأحكام الخلقية كان اهتماماً مبكراً سبق كتابه "أصل
نشأة الأخلاق" وهذا هو ما يشير إليه في مقدمته لكتابه "أصل نشأة
الأخلاق" بقوله: "إن أفكاري عن أصل أحكامنا الخلقية، وهي موضوع هذا
الكتاب، شهدت صياغتها الأولى المختصرة والمؤقتة في مجموعة الحكم التي
تحمل عنوان "أمور إنسانية، إنسانية إلى أقصى حد: كتاب للأرواح الحرة".
لقد بدأت هذا الكتاب في سورنتو خلال الشتاء. سرت روحي إلى ذلك الوقت
حينما أُعطي لي الكتاب لأتردد كما يتردد التائه ويلتفت إلى الوراء عبر
البلد الواسع المحفوف بالمخاطر. كان ذلك في شتاء عام 1876-1877.
وأفكاري نفسها أقدم من ذلك التاريخ، وهي نفس الأفكار التي أتبناها مرة
أخرى في الأبحاث الحالية، على أمل أن تكون هذه الفترة الطويلة قد
جعلتها جيدة، وأن تكون قد أصبحت أنضج وأوضح وأقوى وأكثر كمالاً! وكوني
ما زلت اليوم مخلصاً لهذه الأفكار وقد أصبحت في الوقت الحاضر متصلة
ومتضافرة بعضها ببعض أكثر مما كانت في الماضي يقوي يقيني المبهج بأنها
قد انبثقت في داخلي منذ البداية من جذر مشترك، من إرادة أساسية للمعرفة
تتجه نحو الأعماق على نحو مهيب وتصفها بدقة شديدة وتتحرى الدقة إلى
أقصى حد لأن هذا فقط هو ما يليق بالفيلسوف. أجل، لنجعل أفكارنا وقيمنا
وإجاباتنا بالقبول والرفض وشروطنا واستثناءاتنا تنبت منا بواسطة
الضرورة التي بها تحمل الشجرة ثمرة. ولتكن متصلة ومؤتلفة بعضها ببعض،
ولتكن شاهداً على إرادة واحدة، وصحة واحدة، وأرض واحدة، وشمس واحدة".
ولقد كان موقف نيتشه من كل الأحكام الخلقية السائدة هو موقف المتشكك
الذي يمقت التسليم بهذه الأحكام، ودفعه هذا الشك في فترة مبكرة من
حياته إلى صراع مع بيئته وجيله والأجيال السابقة عليه. ويعبر نيتشه عن
هذا الموقف المتشكك في مقدمته لكتابه "أصل نشأة الأخلاق" بقوله:"لقد
تميزت بالشك، ذلك أني كنت أمقت التسليم بكل الأخلاق التي تمجد على
الأرض. وقد دفعني هذا الشك في فترة مبكرة جداً، وعلى نحو لا سبيل إلى
مقاومته، إلى صراع مع بيئتي وجيلي والأجيال السابقة عليَّ. إن بداهتي
وفضولي وشكوكي كان محتوماً عليها أن تتوقف عن السؤال عن أصل أفكارنا عن
الخير والشر. والواقع مشكلة أصل الشر كانت تطاردني منذ كنت صبياً في
الثالثة عشرة، وهو العمر الذي يكون لك فيه "نصف كعكة، ونصف إله في
قلبك". وفي هذا الوقت كتبت أوّل مقال في الأخلاق وأوّل جهودي الفلسفية.
أما بالنسبة للحل الذي وضعته لهذه المشكلة في ذلك الوقت: فقد أعطيت
الإله جلاله وجعلته أباً للشر. فهل ذلك هو ما تقتضيه بداهتي؟ ذلك حل لا
أخلاقي جديد، أو على الأقل بداهة غير خلقية ويا حسرتاه! ولحسن الحظ فقد
تعلمت منذ فترة مبكرة أن أفصل الأحكام اللاهوتية عن الأحكام الخلقية
وتوقفت عن البحث عن أصل الشر وراء العالم. إن قدراً معيناً من التعليم
التاريخي واللغوي إلى جانب حساسية فطرية لتذوق المشاكل النفسية باحترام
حولت مشكلتي إلى أخرى: في أيّ الأحوال استنتج الإنسان الأحكام القيمية
الرفيعة والوضعية؟ وما هي قيمة هذه الأحكام نفسها؟ هل هي تعوق الرخاء
الإنساني حتى اليوم أو تعززه؟ هل هي علامة على الحاجة والفقر وانحطاط
الحياة، أو هي على العكس من ذلك تلهمهم الوفرة والقوة وإرادة الحياة
بشجاعتها وثقتها ومستقبلها؟ وعلى ذلك قد اكتشفت وغامرت بإجابات كثيرة:
لقد فصلت بين الأجيال والشعوب، ومراتب الأشخاص، وقسمت مشكلتي إلى
أقسام. ومن إجاباتي نبتت أسئلة وأبحاث واحتمالات جديدة، حتى أصبح لديَّ
أخيراً وطن خاص بيّ، وأرض خاصة بي، وعالم مزدهر أخذ زخرفه وانفصل
تماماً مثل حديقة سرية، إنه وجود لا يشك فيه أحد".
وهنا يجب أن نسجل عدة ملاحظات هامة:
أولاً: أن نيتشه كان منذ صباه مهتماً بمشكلة أصل الخير والشر.
ثانياً: أنه فصل الأحكام اللاهوتية عن الأحكام الخلقية فلم يقحم
اللاهوت في الأخلاق.
ثالثاً: أنه توقف عن البحث عن أصل الشر وراء العالم وحصر دائرة بحثه
داخل العالم المحسوس.
رابعاً: أنه تحول باهتمامه عن البحث في "أصل نشأة الأخلاق" إلى البحث
في "قيمة الأخلاق".
وهكذا لم يكن اهتمام نيتشه بأصل نشأة الأخلاق هو هدفه الأساسي المنشود
بل كان مجرد وسيلة من الوسائل المؤدية إلى الهدف، وهذا الهدف هو "قيمة
الأخلاق" التي يرى أنها في خطر شديد، إذ يقول:
"لقد كان اهتمامي الحقيقي في ذلك الوقت بشيء أكثر أهمية من افتراضاتي
أو افتراضات غيري حول أصل الأخلاق (وعلى نحو أكثر دقة فإن هذا الأصل
يهمني فقط باعتباره وسيلة من الوسائل المؤدية إلى الهدف)، وهذا الهدف
هو قيمة الأخلاق. إن قيمة الأخلاق في خطر، وعلى ذلك كان لابدّ أن أحسم
الخلاف بيني وبين أستاذي العظيم شوبنهور. إن قيمة غرائز الشفقة وإنكار
الذات والتضحية بالنفس بصفة خاصة في خطر. هذه الغرائز التي أعطاها
شوبنهور مظهراً جذاباً وعظمها ووضعها في عالم آخر حتى أصبحت بالنسبة له
"قيمة في ذاتها"، وعلى أساسها قال "لا" للحياة ولنفسه. وهنا على وجه
التحديد مزقني الشك الذي ازداد على مرّ الوقت ورأيت الخطر الكبير يهدد
الإنسانية. رأيت غوايتها وتضليلها. إلى ماذا؟ إلى العدمية. وهنا على
وجه التحديد رأيت بداية النهاية، الطريق المسدود، ضجر من الحياة، تحولت
الإرادة ضد الحياة، الأعراض الموجعة المحزنة للمرض المميت: لقد فهمت
أخلاق الشفقة السائدة التي استولت حتى على الفلاسفة وجعلتهم مرضى،
بوصفها سمة مشؤومة للحضارة الأوروبية التي أصبحت هي نفسها مشؤومة،
وربما تكون هذه الأخلاق طريقاً إلى بوذية جديدة، إلى بوذية للأوروبيين،
إلى عدمية. ونظراً لأن هذه المغالاة في تقدير الشفقة والولع بها من
جانب الفلاسفة المحدثين يعد شيئاً جديداً، ذلك أن الفلاسفة متفقون حتى
اليوم فيما يتعلق بعدم قيمة الشفقة، فإني أُسمي أفلاطون واسبينوزا ولا
روشفوكو وكانط أربعة أرواح يمكن أن تختلف بعضها عن بعض ولكنها تتحد في
شيء واحد: في تقديرها الضئيل للشفقة".
وهكذا نلاحظ أن نيتشه حين يتحدث عن "قيمة الأخلاق" يتحدث مباشرة عن
الشفقة وإنكار الذات والتضحية بالنفس، وهي القيم التي نادى بها أستاذه
شوبنهور، والتي تمثل جوهر الأخلاق المسيحية، تلك القيم التي تؤدي في
نظره إلى الضجر من الحياة، وتحول الإرادة ضد الحياة، وتقذف بالإنسان
الأوروبي إلى هاوية العدمية أو البوذية الجديدة. إن نيتشه منذ اللحظة
الأولى كما يبدو لنا يصوب سهامه إلى قلب الأخلاق المسيحية وإلى كل
فلسفة تجري في عروقها دماء هذه الأخلاق التي يصفها أساساً بأنّها
"أخلاق الشفقة": "إن مشكلة قيمة الشفقة وأخلاق الشفقة تبدو في البداية
بوصفها مجرد شيء غير متصل بغيره، وعلامة استفهام منفصلة، ولكن أي شخص
يرتاب فيها ويتعلم كيف يطرح أسئلة بشأنها سيدرك ما أدركته، سينكشف له
مشهد جديد مروع، ستستبد به فكرة جديدة كالدوار، ستقفز عليه الريبة
والشك والخوف من كل نوع وسيرتفع صوت مطلب جديد. ولنوضح هذا المطلب
الجديد: نحن بحاجة إلى نقد للقيم الخلقية. ويجب أولاً أن نطرح سؤالاً
حول قيمة تلك القيم نفسها، وذلك يحتاج إلى معرفة بالأحوال والظروف التي
نشأت فيها تلك القيم وتطورت وتغيرت (الأخلاق بوصفها نتيجة، وَعَرَضَ،
وقناع، ونفاق، ومرض، وسوء فهم. ليس هذا فقط ولكن أيضاً الأخلاق بوصفها
سبب، وعلاج، وحافز، وقيد وسم)، معرفة من نوع لم يوجد بعد ولا حتى مرغوب
فيه. لقد أخذ المرء قيمة تلك القيم بوصفها حقيقة تعلو على الشك، وحتى
اليوم لم يشك أحد قط أو يتردد في اعتقاده، بأن "الرجل الطيب" ذو قيمة
أعظم من "الرجل الشرير" في تعزيز تقدم الإنسان ورخائه عامة (بما في ذلك
مستقبل الإنسان). ولكن ماذا لو أن العكس هو الصحيح؟ أي أن يكون "الرجل
الشرير" ذا قيمة أعظم في تعزيز تقدم الإنسان ورخائه عامة؟ وماذا لو أن
عَرَضَ الانحطاط كامن في الخير مثلما هو كان في الخطرن والإغراء،
والسم، والمخدرات، والتي عن طريقها يحيا الحاضر على حساب المستقبل؟
ربما بطريقة أكثر راحة وأقل خطراً ولكن في نفس الوقت أحقر وأكثر دناءة.
لذلك فإن الأخلاق على وجه الدقة تكون موضع لوم لأن أكبر قوة في مقدور
الرجل العادي لا يمكن أن تحققها، ولذلك فإن الأخلاق على وجه الدقة هي
خطر الاخطار. |