|
محاولات اغتيال الامام محمد باقر الصدر (قدس سره)
حسن السعيد
لقد قامت السلطة البعثية بعدة محاولات من اجل اغتيال السيد المرجع محمد
باقر الصدر (قدس) قبل تنفيذ عملية الاعدام لكن ارادة الله جل وعلا
افشلت واحبطت جميع تلك المحاولات وهنا نذكر اهم تلك المحاولات
الاجرامية الفاشلة وقد جرت اثناء مدة الحجز الاجباري للسيد الشهيد
عبوة لم تنفجر
1-المحاولة الاولى قام بها النظام بواسطة عطار يمتلك دكانا في سوق
العطارة في النجف الاشرف ،وكان يتظاهر بالتدين والالتزام والاهتمام
البالغ بشعائر الامام الحسين.
بدأت محاولة تنفيذ هذه العملية عندما اصيب السيد الصدر بالم في مفصل
رجله اليسرى ، فطلب من الحاج عباس شراء دهن (الفكس) المعروف لعلاج مثل
هذه الاوجاع.
ذهب الحاج عباس واشترى (الدهن) من هذا العطار ،وفي اثناء ذلك سأله لمن
هذا الدواء ؟ فقال الحاج عباس السيد يشكو من الم في رجله اليسرى وهذا
الدواء له.
في اليوم الثاني وبينما كان الحاج عباس يمر من امام دكانه ناداه بعد ان
التفت يمينا وشمالا - ليوهم الحاج عباس بأنه يريد ان يطمئن من خلو
المكان من شرطة الامن حذرا وخوفا من ان يكونوا على مقربة منه -وناوله
جهازا صغيرا وقال له ان اخي طبيب ،وقد اعطاني هذا الجهاز وهو خاص
بمعالجة اوجاع (الرجل) فاعطه للسيد الصدر وقل له ان يضعه في جيب القباء
(الصاية) المحاذي لرجله المصابة فأنه لايمر عليه يوم وليلة الا ويشفى
من كل الاوجاع.
استلم الحاج عباس الجهاز وجاء به الى البيت ،وكان الشيخ النعماني قبل
ذلك قد اطلعه على وجود اجهزة لارسال واستراق الصوت وحذره من الحديث معه
الا في الاماكن التي حددها له وكان منها غرفة مكتبة السيد الصدر.
جاء الحاج عباس وكان الشيخ النعماني جالسا في المكتبة فاخبره بما جرى
وكان قد وضع الجهاز في احدى الغرف التحتية ،فقال له الشيخ النعماني
(اذهب واتني به وضعه امامي من دون ان تتكلم بشيء حتى السلام).
لقد كان الشيخ النعماني يتوقع انه جهاز لاستراق الصوت ،ثم اخبر السيد
الصدر واخته الشهيدة فشاهدا الجهاز وكانوا اثناء ذلك لايتكلمون بل
يتخاطرون عن طريق الكتابة .
كان الجهاز اسطواني الشكل طوله اقل او ازيد من عشرة سنتمترات وتوجد في
كل طرف من طرفيه عدسة زجاجية تشبه عدسة الة التصوير اذا نظرت من ايهما
لاتر ى الطرف الاخر وقد قام الشيخ النعماني بفتح الجهاز بصعوبة كبيرة
فوجد في داخله جهازا للتوقيت متصلا بمادة متفجرة مكبوسة داخل وعاء
معدني وجهاز التوقيت يسير بحركة لولبية باتجاه نقطة معينة ولم يعثر على
قطع الكترونية تدل على انه جهاز لاستراق الصوت.
شاهد السيد الصدر المحتويات وايقنوا جميعا بانه متفجرات موقوتة فقال
(لعنك الله يا فلان اذا كنت تريد قتلي، فما ذنب هؤلاء الاطفال الابرياء
الذين انهكهم الحجز وحرمهم من ابسط ما يتمتع به الاطفال (وكان يتسلى
باطفاله في فترة الحجز وهم يتسلون به بعد ان حرمهم النظام من كل حق لهم
في الحياة ،وهاهو اليوم يبعث لهم بمتفجرة ليبيدهم وهم في المحنة) قال
الشيخ النعماني للسيد الصدر (ماذا افعل بالجهاز هل ادمره ؟) فقال كلا
ارجعه اليه فقال الشيخ النعماني (فلنقتله به) قال ( انت وشأنك)
وبقي الشيخ النعماني يراقب جهاز التوقيت وهو يتحرك باتجاه النقطة
المعدنية المفروض انه سينفجر اذا اتصل بها وكان قد خمن ان ربع ساعة هي
المتبقية لانفجاره فقام بشده واعادته الى حالته الاولى ، ثم اخذه السيد
الصدر واعطاه للحاج عباس قال له (قل لفلان ان السيد لايحتاج الى هذا
العلاج) اخذه الحاج عباس وهو لايعلم انه متفجرة وسلمه الى (فلان) وهنا
كانت المفاجأة ،لقد قفز (فلان) وراح يركض بسرعة وترك دكانه مفتوحا وهو
بحالة من الرعب والخوف الشديدين .
جاء الحاج عباس وقال للشيخ النعماني ، ان فلانا اصيب بالجنون عندما
سلمته الجهاز ، فعل كذا وكذا،ولم يكن احد من قوات الامن في السوق كي
يخشى الى هذا الحد) وكان الحاج عباس يظن ان هذا الشخص فعل ذلك خوفا من
قوات الامن.
فيضان مائي مفتعل!!
2-بعد فشل المحاولة السابقة سعت السلطة الى القيام بعملية ابادة جماعية
للسيد الصدر وعائلته ،وكادت هذه العملية ان تنجح لولا رحمة الله عز وجل
،فقد امرت اجهزة الامن مصلحة المياه بفتح انبوب الماء الكبير الذي يغذي
المنطقة التي يقع فيها منزل السيد الصدر من اقرب نقطة من المنزل بحيث
يتم ضخ الماء فيها في ذلك اليوم عن المنطقة ،وكان المفروض ان يكفي انهم
لاحظوا حركة غير طبيعية لقوات الامن التي كانت تحاصر المنزل فقد
ابتعدوا عن المكان حتى خلا الزقاق منهم ،وكان المار يظن ان الحجز قد
رفع.
وفي اليوم الثاني لاحظ اهل البيت ان السرداب قد هوى باكمله الى الاسفل
مسافة لاتقل عن خمسة امتار وبقي البيت معتمدا على بعض الاعمدة وكأنه
معلق في الهواء وكان منظرا مخيفا حيث لايعلم في اية لحظة سينهار البيت
ويقتل كل من فيه.
ولما لم يحدث ذلك اضطرت السلطة الى فحص الزقاق الذي يتواجد فيه افراد
الامن عن طريق حفر عدة اماكن من الزقاق لمعرفة ما اذا كان قد حصلت فيه
انهيارات ارضية تحت التبليط اولا ،فلما تأكدت من عدم وجود خطر امرت
قواتها بالعودة الى اماكنهم الاولى.
وكان قد اشيع في فترة الحجز ان السلطة وجهت اشعة قاتلة من مكان قريب من
المنزل باتجاه بيت السيد الصدر لقتله ولم يتيسر التأكد من صحة تلك
المعلومات او نفيها.
يشار الى وجود حفرة كبيرة وعدة حفر صغيرة في الزقاق الذي يقع فيه منزل
السيد الصدر .
ضابط مخابرات!!
3-اراد ان ينفذها ضابط في الجيش او المخابرات العسكرية ،وكان بيته
مجاورا لمنزل السيد الصدر فقد اتفقت معه السلطة على ان يقوم بدور
المفاوض حول فك الحجز عن السيد الصدر ثم يقوم بقتله في داخل البيت .
وهذا الرجل هداه الله تعالى فيما بعد ونال درجة الشهادة كان لايعرف
السيد الصدر رغم الجوار والسبب يعود الى قلة تواجده في النجف وكان يظن
ان (السيد كاظم الكفائي) هو السيد الصدر وكان يعلم ان الكفائي ممن يسهل
قتله فاعلن عن استعداده للقيام بعملية الاغتيال.
وفي يوم من الايام جاء يطلب موعدا من السيد الصدر على اساس انه مبعوث
من قبل السلطة ولم يكن الشيخ النعماني يعرف حقيقة هذا الشخص وانه يسكن
في دار مجاورة لمنزل السيد الصدر فلما التقى بالسيد الصدر أرتجف
كالسعفة مما اثار استغراب السيد ، فقال (سيدي ان السلطة بعثتني لقتلك ،
وهذا المسدس احمله لتنفيذ هذه المهمة ، ، اما الان فمن المستحيل ان
اقتل ابي ولا اقتلك) انني اهتز من اعماقي و اعرف السبب ارجو منك
المعذرة فقد كنت اتصور ان الهدف المطلوب هو كاظم الكفائي ) فسأله السيد
الصدر (كيف حدث ذلك وكيف تم اختياركم لتنفيذ الاغتيال؟) فقال جاء ضابط
كبير من المخابرات فجمع الضباط الشيعة من اهل النجف وقال لنا :هناك
عميل لايران وعدو للثورة في النجف من منكم على استعداد لاغتياله في
بيته ؟فقلت له : انا مستعد لذلك وحينئذ كلفوني بهذه المهمة ووعدوني
بمنصب كبير بعد انجازها وانا الان اتوب الى الله تعالى على يدكم وسوف
انتقم منهم بكل مايتاح لي من وسائل..
تسلق الدار!!
4-في ايلول (1979) قامت مجموعة من عناصر السلطة بالعبور الى سطح دار
السيد الصدر ليلا وحاولت اغتياله حينما كانت العائلة نائمة .الا ان
العملية كشفت وفضحت وحما الله السيد وعياله من شرها.
خطى الشهادة
ايها القادة الدعاة كي تقر عيون الشهداء.. كل الشهداء
من اطلالة الفجر الجديد اثر انقشاع غمام السنين الغابرة ومع سقوط
الطاغية ظهرت صحف زاهية لم نألفها منذ عقود خلت وهي تترنم بايقاعات
لغوية مألوفة اسلاميا، وما لفت نظرنا هو ما ورد فيها من استعدادات
جديدة ، وتحالفات مع قوى وطنية لطرح اسماء محددة ومشخصة لتقليد سلطة
القرار في مجلس نواب فذهل الكثيرون متهامسين متسائلين فيما بينهم حول
امكانية تألف قوى اسلامية منظمة عقائديا بنزعة لا شرقية ولا غربية مع
الوطنيين من يساريين وقوميين بل وحتى ناصريين ممن تشعب بطروحاتهم كل من
دب على ارض السواد منذ قرون.. وكان على قمة اولئك من اصحاب الطرح هم
الدعاة الذين ادعوا (صادقين) بان وزراء مناصري الرسالة الاسلامية الحقة
والولوج في مفاهيم (الثابت والمتغير) لابد من التشخيص الدقيق لمسالك
هاتين الحديثين وحيث ان التشريع قد تمثل بكم الاحكام والقوانين الداعية
الى تعزيز اطر التنظيم العام لعلاقة الانسان مع الذات الالهية والاخرين
فان ما تكفل منه بتنظيم العلاقة مع الله واحكام العبادات لا تغير فيها
ثم ان الايمان بالرسل كعقيدة تقع ضمن ايقونة المبادئ التي اسقطت كل
ادعاءات النسخ او التغيير ولقد اضحى من المسلمات بان الصدق والرحمة
والعدل متبنيات اخلاقية للرسالة التي ومن خلالها تتبلور وبصدق كل
التفسيرات لمجمل المرتكزات الحيادية الفكرية المترادفة مع ما ورد في
السنة والتي تتجلا عبرها القوانين الطبيعية والنفسية الممثلة لحركة
المجتمع وهذا هو الذي اراني منحازا اليه ما دام مشهدنا السياسي في
العراق الجريح قد تمخض عنه وبعد سبع سنوات عجاف اشكالية متعلقة بالشد
النسيجي لواقع الامة الحركي بل لمجمل النظام الاجتماعي كمتغير لا مناص
من الاتكاء عليه للاخذ بالزمام المتمثل بالايمان المطلق ولكافة فصائل
الحركة الاسلامية التي يعد حزب الدعوة الاسلامية دعامة من دعاماتها
بقدرة النظرية الاسلامية على التغيير السياسي. فالمجتمع كمهمة حددتها
العقيدة بقيادة جماعية نافذة من خلال المسؤولية الذاتية للدعاية تلك
المستوحاة من ادراكه للمسلك العام لشعيرة الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر فانعكس تربويا على معطيات الواقع السياسي المتأزم والذي يحتم
جماعية الجهاد الذي يكون وحده وعند هذا المنعطف هو الممثل وبامتياز
لمفهوم الدعوة الذي يجانب الصواب كل الواهمين المعتقدين بان اعلاء
الشان الاجتماعي والسياسي والاسلامي للامة انما يأتي من عبارات الفردية
الدعوية المتهاونة في طمس مبدا الشورى وعدم الالتفاف لمراعاته في اتخاذ
القرارات الهادفة الى تعبيد طريق الامة والاخذ بها الى ملاذات الامن في
ظل هيمنة احادية لقوى الظلام العالمي. الحديث عن الوعي السياسي للداعية
في ظل مراحل النضال الايجابي المتمثل بتبؤ مقاليد السلطة والقرار..
لابد من الاشارة الى ضرورة التسلح بالادراك الواعي المتقن لادبيات
وادوات العمل السياسي التي تمكن المتصدي له من العمل بغطاء شرعي دون
الوقوع في المحاكمات مع هذا الطرف او ذاك ونرى ان من اولويات النضج هي
تلك النظرة الثاقبة (الحديدية) التي يرى من خلالها رجل القرار الحكيم
ما لا يفقهه الاخرون لينعكس ذلك على ما ستؤول اليه النتائج التي ستكون
هي الضامن لنجاحها وغير الابه بتأويلات الاخرين ما دام قد استلهم
المقومات من جدية منظومة فكرية عقائدية.. اسوق ما ذهبت اليه وانا
استعيد لقاءات شخصية جمعتني ببعض من رجالات الفكر والسياسة وفي مساجله
مع داعية منتم الى احد اجنحة فصيل من فصائل الحركة الاسلامية في النصف
الثاني من تموز عام 2003 حاولت الاستفهام منه في امكانية توحيد الخطاب
الاعلامي الاسلامي قبل اجتيازهم لحاجز الغوص تحت قبة البرلمان الموعود
ان ذاك ولمجمل القيادات الدعوية المؤلفة للتيارات الدينية ومدى امكانية
الدمج لبعض الاجنحة وتوحيد تنظيمها بأمانة واحدة وترسيخا للعمل النضالي
المشترك الذي امتداعقودا واذا ورد ذكر واحد من قياديي الجناح الاخر
نصحني محدثي واسترسل ناعتا اياي باوصاف ودية ولكن من زاوية الفكر
السياسي اذ قال نحن لا نلتفت الى امكانية الضم او التوحيد مع الذين لا
يطرزون الخارطة الا وفق رؤى ضيقة لا تتجاوز الابعاد التي يحددونها هم..
مع ان طرفي المعادلة ينتميان الى ذلك الدفق الثر لبرنامج العمل المشترك
لفصيل يعد واحدا من المع فصائل الحركة الوطنية العراقية على مدى اكثر
من خمسين عاما مع انني لم التقط الضوء الاخضر منه بضرورة توثيق ما تفوه
به الا انه اجاد في تأكيده بل وراهن على مصداقية نبوءته ولو بعد حين..
ايها الدعاة المستبشرون خيرا لمستقبل هذه الامة المنكوبة ادعوكم ومن
منبركم هذا وقبل ان تجف حناء المشاركة الانتخابية من اصابعنا..
واستحلفكم العلي القدير بان تنتبهوا بل تستفيقوا وتدعون السائرين
بركبكم حيث القبة البرلمانية الخضراء الى لم الشتات وتوحيد الصف
والخطاب والعمل بشفافية؟ الستم القائلين بان تعدد الاجنحة والفصائل
ظاهرة صحية.. الستم القائلين بانها وسيلة تكامل وانضاج للمارسة
والتجربة.. الستم القائلين بان ذلك لم يعد مدعاة للشقاق بين الحزب ولا
بين الاسلاميين عامة.. الستم القائلين بان النظرية ما زالت واحدة
والتعددية لا تعني الفرقة. الستم القائلين بان خارطة العراق السياسية
ستبدأ من يوم الانتخابات.. فها هي الانتخابات قد حطت اوزارها.. الم
تفرض الشريعة على البابكم لتدعوا النظرية جانبا..الم يحن موعد
التطبيق.. ادعوا نظرياتكم ممنهجة للاجيال.. كرسوها بقرطاس فقد حان بل
ازف موعد التسامي وكي الجراح.. دعونا نتلمسكم انتم فقد شمت الاقربون
وشمت بكم وبنا الابعدون بعد اذ ساورتنا وساورتهم الشكوك وهم ونحن نرزخ
لاربع خلن تحت وطأة الجهل السياسي والتعبوية الضعيفة لمن جاءت بهم
مقدرات القائمة المغلقة. شددوا الوثاق فهناك من يتربص فوالله سوف لن
يرحمكم التاريخ فالقومييون امامكم والسلفييون ورائكم والمحتل قائم
يتدلى فان كانت الديمقراطيات قد دكت ركائز حكم سرعان ما تاكل رجالها
ابتداءا من الثورة الفرنسية والغربية وانتهاء بالبطولات الفرعونية
والعفلقية التي تساقط كل رجالاتها واشباههم الذين تهاتفوا لاهثين يسيل
لعابهم لمغريات الكراسي المتحركة.. اياكم ان تتمنطقوا بذات النطاق
وتعتلوا ذات الحلبه فاليوم قد ارتسل المؤرخون براعتهم مدونين حركاتهم
التي تأمل ان تكون سياسية بامتياز وانتم ايها القادة الدعاة.. قولوا
كلمتكم وتربعوا على البساط وترفعوا عن اشكال الغضب فانتم الخلاص كي
يعيد التاريخ نفسه وتاكل ثورتكم ابناءها واستنفروا قواكم وكل ما كمن من
وعي التغييركي تقر عيون الشهداء كل الشهداء..
الشهيد السعيد حسن فرحان طاهر السوداني (ابو المحمدين)
تفاصيل أصطحابي للشهيد الى حضرة الامام محمد باقر الصدر (قدس)
بقلم ياس الركابي
كان الصمت قد احاط بكل الفضائيات بعد ان استباح طاغية العصر العراق من
اقصاه الى اقصاه في حقبة سوداء لم يأبه فيها لايما وازع يدلل على
انسانية وهو يوغل في غيه بعد ان تأهب متصديا للروح الاسلامية فشحن كل
ادوات مؤسسته الامنية والعسكرية واتجه لتقطيع اوصال النسيج الاجتماعي
عن طريق بث السموم وكيل التهم دعما لمخطط تأمري لم يأل جهدا في رصد
ثلثي موارد البلاد ثمنا لما افضى بنتيجته السوداء الى مأل عليه ودفع
على اثره العراقيون دماء ابنائهم الاوفياء
وهكذا ومع اعلانه الحرب على الجارة ايران في 22/9/1980 وقبل ذلك
التاريخ عزم على التنكيل بخيرة ابناء العراق المؤمنين الذين وجد فيهم
النموذج الثوري الذي راه مشروعا سيهز كيانه المريض وبعد ان تربص لقادة
فكر الدعوة الاسلامية وعلى رأسهم المفكر الكبير والمرجع الديني ايه
الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) واكتشف صلابة الموقف
الذي لا يعرف الوهن تجرأ بمعالجات تصفويه معلنه باساليب المداهمة
والاعتقال.. الشهيد الاستاذ حسن سرحان طاهر السوداني واحد من رجال
العقيدة كان حلمه الوحيد ان يحيا ليتلقى فلذات كبده الاربعة سيوفا
مشرعة بوجه الطغاة والجبابرة فمنذ العام 1972 تم تعيينه مدرسا على ملاك
مديرية تربية واسط ليباشر عمله في النعمانية وبعدها انتقل الى ثانوية
30 تموز في مركز مدينة الكوت لانه كان يرى في عمله الدعوي هناك الفضاء
الاوسع لما لمركز المدينة في احتواء رهاصات الطبقة التي تمسك بتلابيب
التغيير الذي كان يرى فيه طقسا من طقوس العمل الحركي في ظل منظومة
فكرية سائدة لحزب حاكم يتربص بكل اثر لحراك اسلامي، وانا ياسر الركابي
كنت شاهدا امام الله على كل نضالات ذلك الكائن الذي بدأت بوادر مسيرته
الجهادية تتبلور عبر دعوته الى لملمة بعض المحيطين به هنالك .. وكان
يأخذهم اسبوعيا الى حيث المراقد المقدسة في الكاظمية المطهرة وسامراء
وكربلاء وبعد ان افلح في التأثير عليهم وتبدى لي ذلك من خلال لقاءاتنا
الدورية في دار عمه في مركز مدينة الكوت يذكر ان سيد نور كان يجاهر
احيانا وهو مارا في الاسواق هناك وباساليب وديه مع هذا وذاك ما تجيش به
روحه من فيض الافكار واستمر على منواله هذا لسنين اذا بدت تحوم حوله
الشبهات ومراقبة داره في منطقة الشرقية ورغم تغيير محل سكناه الا ان
مجموع الشباب المؤمن وحسب زوجته ام محمد لم تكف عن التجمع شبه اليومي
غير ابهين للمضايقات الصادرة عن الحزبين من اعضاء المنظمات الصدامية
التي استفحلت بعدما لاحظت توالي الزيارات المنتظمة الى حيث مرقد الامام
الحسين عليه السلام واخيه العباس (ع) وفي العام 1978 ارتئ الشهيد ضرورة
الانتقال الى مسقط رأسه بغداد ليعبأ من هناك طاقات جديدة وليكمل مسيرته
التي قال قولته فيها فكان كثيرا ما يدعو الى ضرورة الاقتداء بالحسين
(ع) وثورته ويرى ان الحركة الاسلامية وخاصة فصيلها الفاعل حزب الدعوة
الاسلامية امتدادا للثورة الحسينية التي صورها على انها صخرة تتحطم
عليها قوى الشر والطغيان وفي بغداد التحق مدرسا في اعدادية (اللابعث)
غرب بغداد ومن هناك باشر طريق الهدى الرسالي وبجرأة اكثر من ذي قبل بعد
ان تمرس كثيرا وتفهم اساليب اللؤم التي يتشرف البعثيون بانتهاجها سعيا
للنيل من الاحرار الذي اخذ شهيدنا بتفعيله على عاتقه بصورة شبه علنية
.ليرشد الشباب المؤمن ويضمه الى طريق ذات الشوكة خاصة في محل سكناه
بمدينة القاهرة التي تشهد له بالتجمعات الشبابية المؤمنة التي كان
يحييها في المناسبات الاجتماعية كالزواج والوفيات وانني اذ اتشرف بأني
كنت مراسله مع بعض الشباب المؤمن في مدينتي حي الجوادين ومنطقة جميلة
اشهد وامام الله بان نشاطه الحركي قد شهدبه كل الاقربين. وحاولوا جهدهم
حثه الابتعاد عن سلوك هذا الطريق الا ان ابى الا ان يكمل المسير وعندما
حلت الساعة الحادية عشر والنصف مساءً وعند اليوم الثاني من محرم الحرام
عام 1980 داهمت قوى الامن دارنا في مدينة القاهرة وعندما دخل احدهم
الباب الخارجية عنوة كما الاخر من الباب الداخلية ففتحت لهم والدتي
ام ياس الباب فاستجوبوها عن الشهيد حسن سرحان طاهر الى حيث المشاهد
الاخيرة للوداع وعند العام 1982 غيبه الموت شنقا بعد ان تم ابلاغ
العائلة بشهادة الوفاة الصادرة عن مستشفى الرشيد العسكري تاركا وراءه
زوجة طاهرة واربعة من الاولاد وهم على التوالي محمد باقر ، محمد صادق ،
مرتضى توفي بعد حين ، منتظر.. رحم الله شهيدنا ابا المحمدين والمجد
والخلود لشهداء الحركة الاسلامية الابرار.من عبق الذكرى يقول ياس ابن
شقيقة الشهيد بعد تخرجي عام 1979 من اعدادية التجارة المركزية للبنين
في بغداد وبتفوق عال كانت شقيقة الشهيد حسن سرحان والدتي قد نذرت وحسب
طريقتها الخاصة بانه وفي حالة نجاح ياس ستيسر خمسة دنانير الى ضريح
احد الائمة الاطهار .وعندما حلت لحظة استلامي النتيجة حتمت علينا ضرورة
الوفاء بالنذر ولما كانت صيغة نطقها غير شرعية ولاجل ادخال الفرحة في
اساريرها ابلغها الشهيد السعيد بانه سيصطحبني الى حيث ارادت وهكذا
انطلقنا الى الوجهة التي قصدها هو .. وبعد ساعات حط بنا الرحال في
مدينة النجف الاشرف واذا بي وجها لوجه مع الشهيد السعيد المرجع الديني
اية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والذي الفت طلعته من
خلال عشرات الصور التي كانت تحتويها المكتبة الخاصة بالشهيد السعيد
وكنت قد خلصت للتو من معاينة كراسه الاخيرة الاصفر وكان بعنوان بحث حول
المهدي (عج) وكذلك مراجعتنا المستمرة وبأيعاز من الشهيد لرسالة المرجع
(الفتوى الواضحة )والتي كثيرا ما كان يتلذذها باستفسارنا على ايضاح بعض
ما يرد ادارك مغزاها وعن ايضاح بعض ما يرد فيها من مصطلحات فقهية كان
يصعب علينا في ذلك الحين ادراك مغزاها وفي الخصوص وعلى الاحوط والامر
الوجوبي وغيرها كان لقاؤنا بالسيد الصدر في براني داره الذي كان مكتضا
بحوالي سبعين من المؤمنين فكان (قدس) على معرفة بشخصية الشهيد حسن
سرحان (خالي) الذي قدمني للصدر كابن شقيقته ويروم تسليم ما بحوزته من
نذر عليه.. وبعد ان انحنيت مقبلا يد الشهيد الصدر مرره بها حانية على
رأسي قائلا وبتأمل وديع ينم عن تواضع جم ( خذ هذه الخمسة دنانير لك )
واذا كانت والدتي قد ذممت عليّ الوفاء بما ائتمنت وتوسلت لقبولها
فتقبلها واخذ بها بين ثنايا البساط الذي افترشه وعند هذه اللحظة جاء
احدهم ليبلغه بان داخل الدار من يروم لقائه لامر عائلي فغادر القاعة
واخذ الجميع متأملين قائمته التي احتوت بهيبتها كل معاني الرفعة
والشموخ والعزة.. انصرفنا بعد حين قاصدين مقر اقامة الامام الراحل روح
الله الموسوي الخميني فتبين لنا انه قد صدر امرا باغلاقه وكان مدخله
على هيأة ابواب الحسينيات المتعارف عليها وبعدها عدنا الى بغداد فرحين
بما اكرمنا الله به والله على ما ذكرت شهيد..
قالوا في السيد الشهيد
الشيخ جعفر السبحاني
سيدنا الشهيد الصدر (أعلى الله مقامه) أمتاز عن إقرانه امتيازاً
كبيراً، فبينما كانت النظرية الماركسية تدعي أن البيئة هي التي تولّد
فكر الإنسان نجد أن الشهيد الصدر قدس سره أبطل هذه النظرية بحياته
وقلمه وأفكاره وأثبت أن الإنسان يمكن أن يتربى وينشأ على عكس مقتضى
البيئة، فالبيئة التي عاش فيها الشهيد الصدر كانت بيئة فقهية أصولية
بحتة وكان المترقب منه هو أن يغور في الفقه والأصول فقط، ولكننا نجده
قد أجتاز هذا الأمر إلى مرحلة أخرى كان يفهم فيها إحداث المستقبل وشخص
تكليفه ووظيفته فيها. كما أنه (أعلى الله مقامه) كان معلماً ومربياً
ولو بقي حياً لربّى جيلاً كبيراً من المفكرين بفضل منبره وقلمه
وأفكاره، فبينما نرى علماء يمتلكون قدرة على البيان نجد أنهم ليسوا
أصحاب أقلام متميزة وبالعكس نجد أن السيد الشهيد قد جمع بين البيان
والقلم كما جمع بين التدريس والتوعية وربّى تلاميذ يحملون أفكاراً
مشابهة لأفكاره..
الشيخ هاشمي رفسنجاني
لقد كان الشهيد الصدر مصنعاً منيعاً للفكر الإسلامي و إنّ هذه الشخصية
تعتبر ثروة إسلامية في عصرنا الحاضر.
السيّد كاظم الحائري
الشهيد الصدر لم يأت بالأفكار الفلسفية والتفسيرية الراقية والاقتصادية
العظيمة فحسب بل أتى أيضاً بأفكار حول شكل الحكم الإسلامي وطريقة العمل
في سبيل اقامته وقد كانت له اليد الطولى في الأعمال الإسلامية التي
حصلت في العراق وعلى أسبابها اغتاله المجرمون، إنّ هذه المدرسة ليست
مدرسة فكر فحسب، بل وعمل أيضاً، ولو كانت مدرسة فكر فقط لكانت ناقصة
لأن الفكر يجب أن يقترن دائماً بالعمل لذلك فقد تدخلت مدرسته في كثير
من أساليب العمل الإسلامي وبأنحاء وإشكال مختلفة في سبيل الوصول إلى
أهداف الإسلام العالية.
الشيخ محمّد جواد مغنية
وبعد فهل أتهم بالمحاباة؟ إذا قلت: أن المؤلف رد لأهل العلم والدين
كرامتهم ومكانتهم التي كانت لهم أيام زمان: وهل أتهم بالمغالاة إذا قلت
انه فضح الماديين ولم يبق لهم من باقية؟ وفي عقيدتي إن كتاب
((فلسفتنا)) لو ترجم إلى اللغات الأجنبية لكان له شأن وأي شأن... ولقال
أهل الغرب والشرق: إن جامعة النجف أقوى خصم عرفه الماديون على الإطلاق.
السيّد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي
إنّ تاريخ الإسلام الحديث لم يشهد مثل هذه الشخصيات الفذة إلا قليلاً،
و كان الشهيد الصدر من أوائل علماء المسلمين الذين رسموا خطوات مؤثرة
في مجال القضايا الاقتصادية في الإسلام. .
المستشرقة الإيطالية بيانكاسكارسيا
كتبتُ عن محمد باقر الصدر، وتناولت تأثير كتاباته، الذي لم يقتصر على
العراق ولبنان وإيران فقط، بل امتد إلى العالم الإسلامي برمته.
السيد خامنئي
درّة علم و بحث، و كنـز إنسانيّ لا نفاذ له، لو بقي و لم تتطاول إليه
اليد الآثمة المجرمة لتخطفه من الحوزة العلميّة، لشهد المجتمع الشيعيّ
خاصة و الإسلاميّ عامة في المستقبل القريب تحليقاً آخر في سماء
المرجعيّة و الزعامة العلميّة و الدينيّة
السيّد الخوئي
إنّ النجف الأشرف تفتخر بالسيّد محمد باقر الصدر، فمن عندكم في قباله؟
الإمام الخميني
لقد كان المرحوم الصدر شخصية علمية، و مجاهداً مضحياً من مفاخر الحوزات
العلمية و مراجع الدين و المفكرين المسلمين، فلا عجب لشهادة هؤلاء
العظام الذين أمضوا عمراً في الجهاد في سبيل الأهداف الإسلامية.
أكرم زعيتر
إنني أعتقد أن المادية الديالكتيكية لم تجابه بمناقشات فلسفية واعية
فاهمة ولم تقرع بردود علمية من قبل كتاب العرب المتفلسفين كما جوبهت
وكما قرعت بهذا الكتاب ـ يقصد فلسفتنا ـ اجل انه لم ينازلها منازل عربي
او مسلم عنيد حسب اطلاعي مثل محمد باقر الصدر.
الدكتور زكي نجيب محمود
إنّ كتاب الأسس المنطقية للاستقراء من الكتب التي ينبغي أن تترجم إلى
اللغة الانجليزية لتعرف أوروبا أنّ لدينا فلاسفة أصيلين يملكون العمق
الفلسفي و الفكر المستقلّ.
الدكتور علي شريعتي
إن آية الله السيد محمد باقر الصدر، هو من طراز العلماء الذين يحتاج
إليهم العالم الإسلامي في الوقت الراهن، فالعالم الإسلامي يحتاج إلى
عالم متأصل في الإسلام متمكناً منه إلى حد الاجتهاد والقدرة على
الاستنباط ؛ وأن يكون من جهة ثانية واعياً لهموم عصره مدركاً لها محيطا
بها، يتملك الشجاعة الكافية في تشخيصها ووضع اليد عليها، وله القدرة
على أن يتحدث فيها بلغة مجتمعة . وفي كل الأحوال، السيد الصدر هو في
طليعة مجتهدي الشيعة ومن الطراز الأول، ومن مراجع التقليد
الدكتور زكريّا إبراهيم
لو ترجم الكتاب -الأسس المنطقية للاستقراء- الذي ألّفه الشهيد إلى
الانجليزية و قرأه الاتجليز لما بقي منهم من يتّجه اتجاهاً مادياً.
الدكتور معن زيادة
الأسس المنطقية للاستقراء من الكتب المهمة التي يجب أن تُقرأ على نطاق
واسع الآن، وخاصة في وقتنا الراهن
الدكتور محمّد مصطفى أيّوب
السيّد الصدر في الحقيقة فقيه في الفكر الإسلامي المعاصر.
الدكتور عمر يوسف حمزة
كتاب الصدر (اقتصادنا) كتاب جيد، ويدرس في كثير من الجامعات، جامعات
كثير من المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
الشيخ علي دواني
كان المرحوم آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أحد تلامذة المظفر
(ربما يقصد من المتابعين له في النهج الإصلاحي، وإلا فإن الشهيد الصدر
لم يتتلمذ على المظفر)، وقد نهض بعدئذ لوحده برسالة المظفر في التغيير،
وأوفى بهذه المهمة فريداً.
الدكتور عبد السميع الشرقاوي
انني لم اقرأ نقدا موضوعيا هادئا لنظرية الشورى كما قرأته في المقال
الموجز للشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) والمقتبس من كراسة له
حول (الولاية) .. ولست ادري فيما إذا كان ذلك هو رأيه الأخير أم ان له
استدراكات أخرى على الموضوع وعلى أي حال فقد شدتني فكرته القائلة
بضرورة قيام الرسول بعملية توعية للامة والدعاة على نظام الشورى وحدوده
وتفاصيله.
الدكتور زكريّا إبراهيم
لو ترجم الكتاب -الأسس المنطقية للاستقراء- الذي ألّفه الشهيد إلى
الانجليزية و قرأه الاتجليز لما بقي منهم من يتّجه اتجاهاً مادياً.
الدكتور معن زيادة
الأسس المنطقية للاستقراء من الكتب المهمة التي يجب أن تُقرأ على نطاق
واسع الآن، وخاصة في وقتنا الراهن
الدكتور محمّد مصطفى أيّوب
السيّد الصدر في الحقيقة فقيه في الفكر الإسلامي المعاصر.
الدكتور عمر يوسف حمزة
كتاب الصدر (اقتصادنا) كتاب جيد، ويدرس في كثير من الجامعات، جامعات
كثير من المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
الشيخ علي دواني
كان المرحوم آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أحد تلامذة المظفر
(ربما يقصد من المتابعين له في النهج الإصلاحي، وإلا فإن الشهيد الصدر
لم يتتلمذ على المظفر)، وقد نهض بعدئذ لوحده برسالة المظفر في التغيير،
وأوفى بهذه المهمة فريداً.
الدكتور عبد السميع الشرقاوي
انني لم اقرأ نقدا موضوعيا هادئا لنظرية الشورى كما قرأته في المقال
الموجز للشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) والمقتبس من كراسة له
حول (الولاية) .. ولست ادري فيما إذا كان ذلك هو رأيه الأخير أم ان له
استدراكات أخرى على الموضوع وعلى أي حال فقد شدتني فكرته القائلة
بضرورة قيام الرسول بعملية توعية للامة والدعاة على نظام الشورى وحدوده
وتفاصيله.
الشهيد عارف البصري .. سر الجهاد وقوة الايمان
بعد عقود العذاب والفراق .. ذكريات يرويها ابن الشهيد
كتب /علي الخياط
بعد سنوات من الظلم والاضطهاد الذي لحق بالدعاة لا سيما شهداء قبضة
الهدى يتقدمهم الشيخ الشهيد عارف البصري منّ الله على العراقيين بسقوط
نظام الصنم والى الابد ولكي تأخذنا الذكريات مع ايام البطولة والتضحية
والاسلام التقينا الاستاذ ابراهيم البصري ابن الشهيد الشيخ عارف
البصري ليرجع بنا قليلا الى ذلك السفر الخالد فأنسابت الكلمات بحزن
وحنين وصبرا وايمان :_-
ما الذي تعرفه عن والدك!
عندما كنت صغيرا وكان عمري ثلاث سنوات ونصف اتذكر كيف كان الشيخ
الوالد ياخذنا الى الصلاة في الحسينية التي كانت قرب الشاطئ في منطقة
الزوية.اتذكر ايضا قد ذهبنا في الليل الى سجن (ابو غريب) لزيارة والدي
وكانت صاحبة السيارة التي لم اعرف نوع السيارة الا عندما كبرت كانت
(فولكسواكن) حيث كانت تقودها الشهيدة سلوى البحراني وكانت ام والدي
تجلس بقربها حيث كانت (ام الشيخ) غاضبة وعصبية وكنت لا اعرف السبب
وعندما وصلنا الى السجن لم يسمح بدخول الرجال ولا النساء وسمح بدخول
الاطفال فقط فدخلت انا وبصحبتي اختي الصغرى وهي اصغر مني سناً وعندما
دخلت بدات بالبحث عن والدي وقد وجدته واذكر عندما نظر الي رحمة الله
عليه كانت عيونه غاضبة وعندما تحدث معي واوصاني بان اوصل سلامه الى
والدتي وامه وجميع اخواني وقبلني وقبل اختي واعطاني ولاختي (ليمونه)
لكل واحد منا ثم اتجه الى زاوية في ذلك السجن. وقام بملاطفتي احد
اخوانه المؤمنين الذين كانوا معه وخرجت واوصلت سلامه لوالدتي ول (ام
الشيخ) ولجميع اخواني وبعدها اذكر ان الدار قد ملئت بالناس وهم يبكون
ويقبلوننا ولا اعرف السبب حينها بشكل جيد الا عندما كبرت.
من قتل والدك ولماذا حسب تقديرك ؟
- لا غريب ان النظام المباد كان يحارب كل فكر يتقاطع مع افكار حزب
البعث والذي الفت النظر على الشيخ رحمه الله انه كان يساعد الفقراء
وكان يعمل داخل الحسينية تجمعات يقيمون فيها تكريم الطلاب المتفوقين
وكذلك لتزويج الشباب الذين لا يمتلكون القدرة على الزواج. والذي لفت
انظار النظام المباد حيث كان الشيخ ياخذ المصلين قبل الصلاة والوقوف
على ضفة الشاطئ ليستهلوا في شهر رمضان وحينها قدم موكب كان فيه احمد
حسن البكر المقبور والطاغية صدام ووجدوا هذا التجمع الهائل واستفسر
ازلامهم ما هذا التجمع فقالوا له انهم يستهلون ليعرفوا ان كان غدا يوم
عيد او لا فسألوا من الذي جمعهم فقالوا له (الشيخ عارف البصري) والموقف
الاخر كان الشيخ في وفاة الامام الكاظم عليه السلام يامر الناس بالحزن
وان يتجمعوا ويذهبوا بسيارات كبيرة الى تادية مراسيم الزيارة وكانوا
يعبرون على جسر المعلق الذي هو بقرب القصر الجمهوري. وان هذه الحركات
والافكار تعتبر بحسب نظر حزب البعث مدمره لهم فلذلك قاموا بأعتقاله
وارساله الى الديوانية في الشهر السادس من تموز وبعدها ارساله الى سجن
الفضيلية والحكم عليه بالاعدام في 1974/12/6 العشرين ذي القعدة.
هل تذكر شيء من ملاحقات ومتابعات السلطة لكم ؟
-نعم اذكر ملاحقات السلطة لنا كان في ذلك الوقت على ان يذهب اخي الاكبر
(محمد) الى الامن عندما يستدعوه نبقى مترقبين عودته وذلك لان لا امان
لهم وعندما يعود نسأله ونعرف انهم ارادوا استفساره ولقد انتقلنا في بيت
قد اكملنا بنائه ولان اخي الاكبر اصبحت له عائلة واطفال وحينها وقبل
السقوط بـ (6) اشهر استدعيت الى مقر الامن الذي كان في مركز شرطة
الجادرية وعندما دخلت بعد انتظار ساعتين سألني شخص وقال عندما يعين
رجال الامن في الكرادة الا يجب ان تأتوا او تسلموا عليه فقلت له اني لا
اعلم بتعينك فقال لي اني المقدم (ابو عمر) فقلت له اهلا وسهلا فطلب من
شخص جالس بجواره قال له اجلب الفايل المدعو (عارف البصري رحمه الله)
فجلبه له فقال لي من هذا فقلت له انهم اهلي وعمامي وخوالي فقال اين ذهب
اخوك (علي)فكنا متيقنين على انه ذهب الى ليبيا للعمل والحقيقة انه ذهب
الى سوريا عن طريق دعوة من حزب الدعوة الاسلامية وبرقية دخول كانت من
حزب الدعوة الاسلامية عن طريق نوري كامل المالكي (ابو اسراء). فقلت له
ذهب الى ليبيا. فقال وهل تزوج فقلت له انا لا علم لي. قال تزوج وذكر
اسم زوجته التي كنت انا لا اعرف اسم والدها. فقال لي اسم والدها الذي
انا كنت لا اعرفه لان اخي قد تزوج في سوريا من عائلة من اهل الكاظمية
هذا الذي عرفته فقط لاننا لا نعرف اخباره الا من شخص صديق لنا في لندن
فكان يراسله علي وهو يرسل رسالته الينا فكانت قد تطول وصول الرسالة ستت
اشهر او اكثر فقلت له اني لا علم لي بأخواني اين يذهبون واني رجل لا
دخل لي في السياسة واني اعمل على جمع قوت عيالي وليس عندي اتصال بأي
جهة. فقال ان الدولة تحتضن الناس الشرفاء وانك اذا اتصلوا بك ولم
تبلغنا فسوف نسجنك ما اذا تعاونت معهم فسوف نعدمك فقلت له سوف افعل
وعرفت في حينها انني اصبحت تحت الانظار وان الدولة بدأت بالمراقبة
والتقصي عني وعندها جائت المعجزة الالهية في سقوط الصنم ودحر الباطل
وادركت ان للطف الالهي كان قريب جدا منا حيث نجينا من الجلاوزة وانقذنا
من بطشهم وجبروتهم فيالها من معجزة وان حكم صدام اللعين خلال (35) سنة
هي اقصر فترة بالنسبة لحكم الطغات.
ما الذي عانيته جراء استشهاد والدك ؟
- نعم لقد عانيت انا واخوتي كثيرا حيث ان وصية الوالد رحمه الله ان لا
نترك الكرادة ونعود الى البصرة وذلك لان يريد ان تبقى ذاكرة خالدة
وفعلا قد بقينا حيث ان الدولة قامت بمصادرة الاموال المنقولة وغير
المنقولة. وان الشيخ بكلامه لو كان اصبعي بعثيا لقطعته قد حسم الموقف
بيننا وبينهم بهذا الكلام فهم يعرفون جيدا انه لا يمكن ان نحبهم او
نودهم. وبعكس ذلك فقد كان في الكرادة احتواء عجيب لنا حيث كانوا عندما
يعرفون اني ابن الشهيد يجهشون بالبكاء ويحاولون ان يترددون عليه
لمساعدتي وكاني من عائلتهم وكانوا يفضلون لاولادهم اللعب معي لكنوي ابن
ذلك الانسان الذي فضل الموت والشهادة على ملذات الدنيا. وان المضايقات
بدأت في المدرسة حيث كان الحزبيون يخشون من ان الوث افكار الطلاب كون
ان والدي كان قيادي في حزب الدعوة الاسلامية. وبعدها استمرت الى
الاعدادية حيث وجدت المستقبل في العراق مغلق ولا يمكن لي ان اكمل
دراستي كوني لا استطيع الاستفادة منها وكما تعرفون. كذلك الحالة
المادية التي جعلتني اشتغل سائق لكي احصل على قوت عائلتي وتركت الدراسة
في الصف السادس العلمي واتجهت الى العمل لكي استطيع ان اعيل عائلتي.
من هم اصدقاء والدك وهل بقي احد يتصل بكم بعد استشهاده ؟
- نعم ان اصدقاء الشيخ كثيرون وان تواصلهم لم يكن معنا وذلك لانهم
كانوا يخشون على انفسهم ويخشون علينا. ولقد كان ابرز اصدقاء والدي الذي
لم التقي به الا بعد السقوط وهو (دكتور جابر العطا) الذي كان هو دكتور
في منطقة البصرة عندما كان الشيخ في الخامس اعدادي حيث دعاه الى
الانضمام الى حزب الدعوة الاسلامة وفعلا انتمى الشيخ في ذلك العمل وكان
يصفه بانه كان شعلة من النار وكان له افكار تغيريه وكانوا يستأنسون بها
وغالبا ما يطبقونها. ولقد نجى هذا القيادي بأعجوبه هو وابنته (سحر جابر
العطا)عضوة مجلس النواب حاليا وبقي في العراق الى يوم السقوط. وكان
القاده خارج العراق يعرفونه جيدا. وان جميع القيادات التي هي موجودة
الان لم اعرفها الا بعد السقوط واني كنت اعرف فقط اهالي الكرادة وحبهم
لنا ومساعدتهم لنا.
هل كنت تنتظر سقوط النظام الصدامي المباد ولماذا ؟
- نعم كنت انتظر السقوط بفارغ الصبر حيث اني كنت لا تواقع من امريكا ان
تقوم بهذه الحرب بسبب كونها الشيطان الاكبر ولكي عندما دخلت الى المطار
واسقطوا الصنم الطاغية عرفت ان الله سبحانه وتعالى وتيقنت ان امره نافذ
على الظالمين كما قال تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم)( ونريد ان نمن
على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين). وقد بزع
فجر جديد وقد نظرت الى الشمس وكأنها اليوم كان طلعتها تختلف عن الايام
الباقية حيث ان الطوق الذي كان يحيط برقبتي قد تحطم واصبحت استنشق
الهواء واحس بها باردة وانها تدغدغ رأسي وكانت لحظات مررت بها خلعت كل
ايام البؤس والعناء التي كنت اعيشها انا وعائلتي والحمد لله كلما اتذكر
ذلك الموقف حيث اني اتوقع لو ان امريكا تعود الان الى الوراء ويعود
الزمن بها لا تدخل العراق ولا تسقط نظام هدام. وذلك ان ارادة الخالق ان
تغير هذا النظام لانه طغى وكما يقول الحديث الشريف (الكافر سيف انتقم
به وانتقم منه)
ما الذي تغير بالنسبة لعائلة الشهيد البصري بعد التغيير
-نعم ان سقوط النظام المباد قد كان سببا في تغيير حياتنا تغيرا جذريا
حيث بدأت الناس عندما سقط النظام بالقدوم لنا وتهنئنا على ان الله
سبحانه وتعالى قد صدق وعده وانجز وعده ونصر عبده وكنا فرحين جدا
واكتملت الفرحة عندما القوا القبض على الطاغية في حفرة الجرذان التي
كان يسكن فيها وتحقق العدل الالهي على يد دولة رئيس الوزراء نوري
المالكي عندما وقع بيده الكريمة على اعدام الطاغية وكانت هذه هي احلا
ايام حياتي واروعها والحمد لله الذي خلصنا من الزمرة الكافرة الطاغية
التي عاثت بالارض فسادا.
شيءتود ان تذكره عن سيرة والدك رحمه الله ؟
-نعم ان الشهيد رحمه الله عليه كان عاشقا للشهادة وبدليل ان اخي علي
التقى في سوريا بشخص من اهالي الكرادة وقال له اني كنت حينها في
الكرادة وقد سمعت من اقاربي ان هناك عالم ديني في الكرادة وان الدولة
سوف تقتله وحكم الاعتقال صدر بحقه وانه سوف لن ينجوا هذه المرة.يقول
فانتظرت الصباح بفارغ الصبر وفعلا ذهبت له في وقت مبكر واخبرته فقلت له
شيخنا احلق لحيتك واخذ اطفالك وعائلتك واذهب الى البصرة ومنها الى خارج
العراق لان ازلام النظام قادمون ومعهم امر اعتقالك وسوف لن تنجوا هذه
المرة منهم فقال له الشيخ رحمه الله تفضل لتتناول الفطور فدخلت وفطرنا
وبعدها بدأ الشيخ يحدثني عن الشهادة ومنزلة الشهيد وعندها تيقنت بان
الشيخ يعلم وهو لا يبالي وفعلا وبعد يومين تم القبض عليه واخذوه من
داره وقد اوصانا بالصبر والصلاة وارسلوه الى الديوانية ولمدة اربعة الى
خمس اشهر من التعذيب وحينها ارجعوه الى محكمة الثورة ومعه الشهيد حسين
جلو خان والسيد عماد التبريزي ونوري طعمه وعز الدين الكبنجي. وعندما
صدر الحكم جائوا بهم الى سجن ابو غريب فدخلوا على اناس شيوعين محكومين
عليهم بالاعدام وهم يتشاجرون فيما بينهم واحدهم يتهم الاخر والاخر يقول
له انك يتمت عيالي. وعندما دخلوا عليهم شهدائنا اخذوا يتبادلون القبل
ويبشر احدهم الاخر فقالوا لهم (الشيوعين) انكم محكومون بالاعدام ام لا
قالوا بلا، قالوا لهم لماذا انتم مسرورين هكذا فقال لهم الشيخ لاننا
نعرف اين نذهب وانكم لا تعرفون.فقالوا له اذا تبنا الى الله اليس لنا
من توبه فقال لهم نعم وفعلا توجهوا الى الصلاة وعندما وصل الشيخ الى
المرحلة الاخيرة فكان موجود طبيب يفحص قلبه فوجد ان دقاته هادئة فسأله
اجدك مطمئنا قال بلى فقال له الشيخ اوصيك وصية قال الطبيب وفي ضنه انه
سوف يوصيه على عياله او حاجه من حوائج الدنيا فقال له الشيخ سعادتك في
الاسلام وقد نفذ الحكم المشؤوم في تلك الليلة واني ارى انهم احياء
بيننا يسمعون كلامنا ولكن نحن لا نسمعهم فهم الذين فتحوا ابواب
الشهادة. وفي راوية اخرى رواها اخي الاكبر قد التقى الشهيد محمد باقر
الحكيم رحمه الله قال عندما كان والدي جائته دعوى الذهاب الى الحج فطلب
من الشيخ عارف البصري بالذهاب الى الحج فيقول السيد محمد باقر الحكيم
فعلا ذهب معنا واننا كنا نمثل المرجعية في النجف الاشرف وان من يمثل
المرجعية يسمح له بالدخول داخل الكعبة وفعلا دخلنا ولقد بقيت انظر
واتأمل ولكن الشيخ قد ذهب الى زاوية من الكعبة وقد رأيته يصلي وعندما
خرجنا من الكعبة اخذوا الناس يقبلون ثيابنا ويشموا عطرها وعندما اصبحنا
في مكان اخر فقلت له يا شيخنا انك قد اختليت فقال نعم فقال صليت ركعتين
قضاء حاجة فقال له السيد رحمه الله فماذا طلبت فقال طلبت الشهادة ويقول
السيد رحمه الله صليت في ذلك الوقت لرزقي الشهادة وقد لا ارزق وبعد
اسبوع فقط رزقه الشهادة حيث هو ومثله من المؤمنين كما معلوم في النجف
الاشرف عندما استشهد رحمه الله جميعا.وان الكلام طويل ولا يكفي له
صفحات قليلة من الورق ولكن كما يقال قمة البلاغة هي الايجاز.
الشهيدة سلوى البحراني
قتلوا السلوى ، فغابت أكُف العطاء كما تغيب شمس الشتاء
كانت كالفراشة تتنقّل والمُقل غارقة بالدمع لفقد رجال العراق
كتب /علي العراقي
إطلالة وجهها الضاحكة الشفافة تشع على أرواح الأرامل والأيتام قبل
عطائها.. قلبها الرحب لم ينطوِ إلّا على حُب الخير والمعروف .. ثمار
الخير في جنبات روحها لم تنضب أو تقف عند حد ، سلكت طريقاً لا يُبصرهً
إلّا ذو بصيرة ، إذ تنصّلت عن هموم الدنيا إلّا همَّ إصلاحها وإسناد
مجاهديها ..
نفحات عبقة من حياة الشهيدة
تجد في حديثها صدق وعزم يدُك الجبال ، لم يُلهها الترف عن معايشة
المحتاجين وعوز المؤمنين.. تتنقل بين بغداد - باعت الشهيدة السعيدة
سلوى البحراني الكثير من مجوهراتها وأثاث بيتها ببغداد لتتبرع بثمنها
لعوائل الشهداء والمجاهدين.. وجمعت التبرعات من المحسنين لسد رمق عوائل
المعتقلين.. والنجف وكربلاء ، تغوص في أزقتها وتقضي شطراً كبيراً من
يومها تتفقَّد ما خلّفهُ جور البعث بالأحبة والمستضعفين. إنها السيدة
الجليلة سلوى البحراني إحدى ثمار المربية العلوية (بنت الهدى).. هي
أُم سعد ؛ إحدى رائدات الموقف في الزمن المُر وإحدى صادقات - في
بداية السبعينات - وبعد أن توفى زوجها أثر حادث اصطدام في سيارته -
ذهبت الى الحج لتعلن عن قرارها - من هناك - في نبذ الدنيا ومافيها من
لهوٍ وبذخٍ.. فعادت ترتدي الحجاب ، وصارت تتعرف على الشهيدة (بنت
الهدى) وتتأثّر بها - من خلال جلسات السبت في بغداد (الكاظمية) - حتى
غدت قدوتها ورائدة مسارها وواسطة ارتباطها بالمرجعية. االعهد في زمن
الغدر ! نعم قاريء الكريم ، نحن مع صفحة مشرقة أخرى من تاريخ المرأة
المسلمة في عراق المقدّسات ، مع إحدى نساء العقيدة التي سطع شمس
ضياءَها في سماء بغداد نوراً وعطاءً.. لم تحوقِل أو تتأفأف من زحمة
العمل ولا من الكلام اللاذع والساخر الذي لاقته من المقرّبين إليها ،
بل إنطلقت بنشاطٍ وحركة تجاه واجب ومسؤوليتها الشرعية.. فهي أُمّاً
حنوناً لفتيات الإسلام وحُضناً رؤوماً لأُسر المعتقلين والشهداء ، كانت
بحق مجاهدة محتسبة لاتتردّد عن فعل الخير مهما كانت الأخطار. من
الأشراقات الكثيرة التي حفظها التاريخ لها ، أنها وأثناء وجودها في
منزل الشهيد الشيخ عارف البصري في منطقة الكرادة ببغداد تتفقّد عائلته
وتقضي حاجاتهم - وهذه عادةً لها مألوفة في معاودة المؤمنين والمنكوبين
في البيوت والمستشفيات - جاء أحد شرطة (أمن) النظام يُعْلِم العائلة
بأمكانية الذهاب - في لقاءٍ مع الأخت (أُم علي) - إحدى المقرّبات من
الشهيدة ، قالت : "كانت الشهيدة سلوى البحراني بالنسبة لي ولكل من
عرفها من الفتيات أُمّاً ثانية ، فقد وسع قلبها الجميع ، كنّا نسعى
إليها كلما حلّت بنا مشكلة فتغدق علينا من حنانها لتنسينا ما نحن فيه،
وكانت مستعدة لعمل المستحيل من أجل أن تحلَّ مشاكلنا.. فهي الأُم
الرؤوم في جميع المناسبات ، في أفراحنا وفي أحزاننا ، كل واحدة من
عندنا كانت تشعر بأنها الوحيدة التي تعاملها الشهيدة بهذا الحب
والحنان. ومن المعروف عن الشهيدة ان لها الكثير من المواقف الإنسانية
ومع الجميع ، وقد أكون لا أعرف عن الشهيدة القدر الكافي - لأن عطاءها
كان أكبر من كل شيء - ولكني وحسب ما حدّثني به مَن التقيت بهم هنا في
إيران أستطيع أن أذكر بعضاً من مواقفها ، ولكن قبلها أقول بأن حياة
الشهيدة كانت كلها مواقف ، فلقد نذرت نفسها للناس ولخدمتهم حتى بات حب
المؤمنين ومساعدتهم شيئاً طبيعياً عندها ، ومن المواقف التي أذكر وسمعت
بها هي مواقفها لعوائل السجناء والشهداء ، فكانت تقر نفسها مسؤولة عنهم
وكأنهم عائلتها ، تهتم بشؤونهم المالية وبأولادهم ، وكانوا هم أيضاً
يلجأون إليها في أكثر قضاياهم ، وكانت دائماً تتصل بالمرجع الشهيد
السيد الصدر وكل أمورهم تعود بها إليه.. وكان لها مواقف أيضاً مع
المرضى من المؤمنات ، فقد نقلت لي إحدى الأخوات بأنها كانت فترة تعيش
حالة مرض صعب يحتاج الى البقاء في المستشفى لتسعة أشهر ، فاشار عليهم
أحد الأصدقاء بأن يلجأوا الى الشهيدة لتدبِّر لهم أمورهم ، ولم يكن من
الشهيدة إلّا أن أخذت هذا العمل على عاتقها وبقيت مع هذه الأخت حتى
غادرت المستشفى ، فكانت تزورها كل يوم في المستشفى وإذا تعذّر عليها
ذلك بعثت بإحدى الفتيات ومعها (وردة) واعتذار عن عدم المجيء لعملٍ
طارىء. موقف آخر للشهيدة مع إحدى الأخوات التي لقيتها هنا ، قالت بأن
ابنتها كانت مريضة جداً وفي حالة خطرة في المستشفى ، فكانت الشهيدة
تعودها كل يوم وتأخذ ملابس الطفلة معها الى البيت لتغسلها ، وكانت
تأتي لها بالمأكولات ، لان أهل هذه الأُخت كانوا بعيدون عنها ، فتقول ؛
بأني لم أكن أشعر بالغربة لأني أصبحتُ مُظلَّلة بأيدٍ حانية"وفي يوم
ابلغوها الحضور لسجن (أبو غريب) لمواجهة الشيخ وتوديعه قبل تنفيذ
الحُكم الجائر ، وما كان من (أم سعد) إلّا واصطحبتهم وذهبت معهم
بسيارتها فوصلوا عند الغروب ، واستطاعت الدخول ولقاء الشهداء الخمسة
رُغم ممانعة مسؤولوا السجن وأزلام أمن النظام.. كانت حريصة على استلام
أوامر ووصايا الشهداء سيّما وأن معظم عوائلهم لم يعلموا بالأمر ، فقد
تم تبليغهم بعد فوات الأوان.. وهكذا استطاعت (أُم سعد) توديع الشهداء -
قبضة الهدى - الواحد تلو الآخر وتستمع الى ارشاداتهم وتحاياهم وتستلم
وصاياهم وخواتمهم وقرائينهم لتوصلها فيما بعد الى ذويهم.. وقد اختصَّ
الشهيد الشيخ عارف البصري بالشهيدة المجاهدة سلوى البحراني (رض)
وأوصاها - وبقيّة الشهداء - بوصايا كثيرة ، فكانت كالفراشة تتنقّل من
شهيدٍ الى آخر والمُقل غارقة بالدمع والقلب مكتوي بنار المصيبة لفقد
رجال العراق المصلحين. استمرت (أُم سعد) في دربها ومنهجها الذي ماحادت
عنهُ أبداً حتى توّجتهُ بالشهادة المُرّة.. فهي شجاعة مقدامة لم
تتردَّد في تنفيذ أي عملٍ ينفع الإسلام ويحارب الكافر صدام ، وكانت
مستعدة لشراء السلاح بأموالها واعطائه لابناء العقيدة المجاهدين..ساعدت
الكثير وهي لاتعرف عنهم سوى أنهم مؤمنين ، تقضي جُلَّ وقتها في تفقُّد
المحتاجين ، ولا وقت محدّد لديها لمساعدة الصالحين فهي تخرج في جوف
الليل - إن استدعى الأمر - تتنقّل هادئة وقوره وعيناها تفيضان بنشوة
الحب والسعادة. حاول أزلام النظام إعاقتها ومن ثم محاربتها ، فأمّا
الى عبادة الصَنم وأما الى الموت المُحتَّم ، إلّا أنها لم ولن تبالي
فهي في شغلٍ شاغل - عن هذه التهديدات - هو للناس أهم وللإسلام أنفع.
واشتد إوار نار حقد النظام على سلوة الروح ، سيّما بعد وقفة العز مع
مرجعها وقائدها السيد الصدر ورفيقتها ورائدة مسيرتها العلوية (بنت
الهدى) ، فهي معهم في المحن الطاغيات والمصائب الحالكات.. واستمرت
على منهجهم حتى بعد - لم تزل (أُم سعد) تتردّد على منزل الشهيد
الصدر - في الوقت الذي تخلّى وتفرّق عنه الكثير الكثير من كبار علماء
الحوزة وكوادر الحركة - حتى في فترات الحجز والأقامة الاجبارية ، فقد
كانت حريصة على الاطمئنان عليهم واستلام التعليمات منهم. رحيلهم الى
الملكوت بعد الجريمة الكبرى التي نُفِّذت بحقهما.. - هذه الشهيدة
الجليلة وإن تغنّى بها أيتام ومجاهدوا العراق لكننا نأسف لعدم وجود
دراسة مستقلة واضحة المعالم تجمع مآثرها وتُنقِّب عن جهادها وآثارها -
سيّما من أقلام اللاتي عاصرن حركتها وقربها من الشهيدة بنت الهدى.
ونحن إن كُنّا قد مررنا على الشهيدة العزيزة مرور الطيف الشفاف فذلك
لشحّة المصادر أولاً ، ولان مشروعنا اقتصر على أرشفة حركة شهيداتنا
المنسيات ثانياً. لذا اعتقلوها عام 1980 واقتادوها الى مديرية (الأمن)
العامة ، وكانت صامدة - اعتُقِلت الشهيدة سلوى البحراني يوم الأول من
جمادى الآخرة عان 1401 ه. شامخة كالجبل الأشم.. ولمّا لم يجدوا وسيلةً
لإرعابها وسحب الاعترافات والأسرار منها قرّروا تصفيتها كي لا تكون
(بنت الهدى) أُخرى في العراق ! وهكذا ، فبعد يومين من الاعتقال
أعطوها طعاماً من (لبن) كربلاء المسموم وأطلقوا سراحها !! وماهي إلّا
أيام حتى بدأت المعاناة المُرَّة جرّاء ماسبّبتهُ سموم الأمويين في
روحها وجسدها.. حيث تغيَّر الجسد سراعاً وتغيَّر الوجه تباعاً ،
وشُلَّت يداها وقدماها وتساقط شعر رأسها.. وبالتدريج فارقت النوم وفقدت
طعم الاطعمة ومذاق الأشياء !! ذبل الأمل الزاهر وتحوّل الثغر الباسم
الى لوحة هادئة ، فكلَّت يد الخير وتوقفت تلك السيدة الفاطمية عن
الحركة والنشاط بعد أن صارت بخطواتها الثكلى كالخيال ، وفشلت كل
محاولات الأطباء لشفائها.. غير أن هذا العذاب الذي لازمها قرابة (45)
يوماً لم يمنعها عن الصبر والاحتساب وعدم الشكوى. نعم.. طال بسلوتنا
الوجع وصارت طريحة الفراش ، وباتت لحظة الموت لها أشهى اللحظات !
سَكَنَ ارتعاد الأطراف وهدأ وجيف القلب وفاضت الروح الطاهرة راضيةً -
استشهدت السيدة الفاضلة (سلوى البحراني) يوم العشرين من رجب عام 1401
ه. مأنوسةً بما ينتظرها من نعيمٍ وبارىءٍ رحيم. - تقول الأخت الفاضلة
أُم علي: "اعتقلت الشهيدة يوم الأول من جمادى الثاني ، وبعد يومين من
الاستفسارات التي لامعنى لها أطلق سراحها بعد أن سُقيت السم من قبل
جلاوزة نظام البعث العفلقي الذي اتّخذه اسلوباً جديداً للموت البطيء.
خرجت من المعتقل ، وبعد يومين بدأت تعاني من آلام وتشنجات في القدمين
ثم ازداد الألم حتى فارقت الرقاد وشلّت أرجلها وتساقط شعر رأسها وبدأ
احساسها يضعف بعض الشيء وصوتها يخفت شيئاً فشيئا ، وحتى نفسها بدأ
يضيق فاضطرّ الأطباء اجراء عملية لها.. ولكن استمرت حالتها في التدهور
حتى استشهدت في العشرين من رجب". قتلوها بالسم.. قتلوا خديجتنا وأُم
سعدنا وكافلة أيتامنا.. قتلوا السلوى ، فغابت أكُف العطاء كما تغيب
شمس الشتاء ، فعمَّ الحزن وخيَّم الكَدَر. قتلوك أُختاه.. قتلوكِ لأنكِ
بنت الفضيلة وهُم أوغاد الرذيلة.. قتلوكِ لأنك الأمل الذي ينتظر
أيتامنا وأراملنا ليدفنوا فيه كُل الألم.. هُم البعث ، وكفى بذلك
جُرماً. دعيهم يقتلوك أيتُها الحبيبة الخالدة ، فمازالت شفاه أرامل
بغداد وأيتامها تتغنّى بأسمك ، ومازالت مخدّرات العراق تفتخر لشموخك..
فسلامٌ عليكِ يوم تجرَّعتِ السم الزؤوام ويوم ارتحلتِ ويوم تُبعثين
حيّةً محبورةً بما لقيت من أجرٍ وثواب و (لايحسبن الذين كفروا إنّما
نُملي لهم خيراً لانفُسهم ، إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب
مهين(وإنّ غداً لناظرهِ قريب. - "ما عساي أقول فيك وأعمالك نواطق..
وذكرياتك مواثل.. في كل زاوية ومكان.. وكل طفل أغدقت عليه بحنانك.. وكل
أرملة شهيد وقفت الى جانبها أمثال خلودٍ لك. كيف أرثيك بكلماتي وهل
هناك رثاء أكبر من كلمة (أُمّاه) ارسفها بدموعي في وجه التاريخ.. أو هل
يكفي بكائي عليك العمر كله ؟ كلا وألف كلا.. فلقد أبيت ان لا أرثيك
إلّا بالدم ، أُجريه أنهاراً مع أبنائي ، فوق سهول بلادي ، بل اتسلق
القمم الثلجية في كل الوديان واصرخ ملأ حنجرتي "الله أكبر" ولتتفجّر
شلالات الدم من تحت الاقدام ، ولتغرق كل الوديان بالاحمر القاني..
وليستنكر كل العالم هذا اللون.. ليس مهماً ، فستستمر مسيرة الدم في كل
الانحاء حتى يبزغ فجر الإسلام ويغطي كل الارجاء.. أُمّاه.. أُمّاه..
عمَّ احدثك ، والإسلام مازال غريباً والحسين صريعاً والطفل ذبيحاً..
ومازال ركب السبايا يدار في طرقات الكوفة ، وبقاع الإسلام تُسلب يوماً
بعد يوم.. أُمّاه.. كيف أرثيك ووفود الشهداء تتابع سيرها للانضمام
اليكم.. كيف ارثيك ورسائلنا اوصلها الشهداء اليكم.. كيف ارثيك والرثاء
معناه انني سكنت الى الدنيا.. معناه.. ومعناه.. لا ياأُمّاه.. لن
ارثيك إلّا في ضِلال البنادق وفي دخان القنابل.. لن ارثيك إلّا بصواريخ
الحق.. لن ارثيك إلّا بجوارحي كلها وهي تنتفض على جور الجائرين..
أُمّاه صورتك تتراءى لي في كل زوايا فكري ، ويرافقني صوتك في كل وجودي
، واراك ضاحكة مستبشرة تنهينني في كل اللحظات أن اكون حزينة..
وتبشرينني كل حين بأن فجر الإسلام قريب وقريب.. أُمّاه واعاهدك على
السير في درب إلهي.. واقارع دوماً جلادي ، حتى ينتصر الإسلام.. حتى
ينتصر الإسلام..
مشاهدات حية
عنوان شهيد؟
اعطاني صورته، وطلب مني البحث عن عائلته، قال ان صاحب الصورة من الشباب
المؤمن الذي فارقته عند مغادرتي العراق ابان الحقبة المظلمة من تاريخ
حكم الطاغية الذي بدأها بحملة الابادة ضد الدعاة، عندها عرفت انه من
ذلك الركب الميمون لحركة التغيير والتحرير التي قادها وفجرها الامام
الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره الشريف) والتي اسقطت عرش الطاغوت قبل
انهيار "صنم الاندلس" بثلاث وعشرين سنة. نظرت اليه والى صورة صاحبه لم
استطع التمييز بينهما، فكلاهما يسيران نحو الشمس التي بانت ملامحها على
سيماهما حتى غطاهما وشاح من قوس قزح، احدهما اختار الشهادة حبا بالحياة
والاخر صارع كي يحيي الشهادة. وضعت الصوره على راحة يدي ورحت اتأمل
ملامحه، كان بقايا اسد ضار اغتاله الطغاة غدرا وتناثر جسده الطاهر على
مقابر ارض الوطن الممتدة على طول النهرين، اجهشت بالبكاء، ربما لاني
تذكرت اخي واحسست بمرارة صدر ابي الذي مات دون ان يعرف او يقف على قبر
ولده.عندها عرفت لماذا تضع امي في كل عيد ومناسبة صورة وبعض حاجيات اخي
التي ما زالت تحتفظ بها لحد الان وتبدأ بالنواح والعويل من الصباح الى
ان تخونها صحتها، كيف ابدأ بالسؤال عنه؟ ومن اسأل عنه؟ ومن يدلني عليه؟
وهل سأجده حيا بعد ثلاثة وعشرين عاما من استشهاده، قيل انه كان يتردد
على محل صديق له، بعد عناء طويل وصلت الى دار صديقه.. طرقت الباب..
فخرجت امرأة كبيرة السن ما ان رأيتها حتى لفحتني نار محرقة لا يمكن ان
تكون الا زينبية المصدر، خرجت من عندها بحمل جديد وربما اثقل من الذي
جئت به، لانها طلبت مني ان اسأل لها عن مصير زوجها واولادها
الاربعة.بعدها سمعت بأن احد البيوت يسمى ببيت الشهداء فقصدته سائلا، لم
يجبني احد، وقال لي جارهم الشيخ الكبير ان اهل الدار قد اعدموا جميعا
نساء ورجالا واطفالا، واشار اليه بالسؤال عند احد الجوامع القريبة
منهم، لان والد امام الجامع من شهداء الدعوة وربما يعرف شيئا عن مصير
صاحبي، وصلت هناك وطالعت جدار الجامع الذي لصقت عليه العشرات من صور
شهداء عهد الطاغوت، قدرت ان يكون في الخامسة والعشرين كان منهمكا مع
مجموعة بالاعداد ليوم العاشر من محرم، سلمت عليه، فأخبرني بانه كان في
القماط عند استشهاد والده، قبل ان اعرض عليه الصورة، قال: لا داعي فانا
اعرف كل الشهداء وصورهم واسماءهم وعناوينهم، جذلت كثيرا بهذا الخبر،
واردف قائلا: انهم متشابهون ولا يختلفون عن صورة ابي التي اخفتها امي
عن عيون الظالمين طوال تلك الفترة، اليس هم حملة فكر الاسلام؟
قلت نعم.
اليس هم من تسلحوا بالايمان؟
قلت نعم.
اليسوا هم عشاق الطفوف ومشاعل الدرب الابدية؟
قلت نعم.
عندها قال:
الم تسمع (كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء)؟.
قلت بلى والله سمعت وعرفت.
فقال اذن هلم بنا للقائه فها نحن نحتفي بيوم ابي الاحرار والشهداء.
واخذ الشيخ ومن معه يلصقون على الجدار يافطة سوداء كتب عليها (ثار
الامام الحسين (ع) من اجل الاسلام ولابد للاسلام ان ينتصر ولابد للنصر
من تضحيات.
وبينما كنت اهمّ بالخروج سمعت صوتا شجيا ينادي من اعلى المآذن (بسم
الله الرحمن الرحيم)( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل
احياء عند ربهم يرزقون) صدق ال العلي العظيم.
شهداء ال مديح جبارة مشاعل اسلامية خالدة
ام الشهداء.. بعد ثلاثة عقود لم تعلم بأستشهاد اولادها الخمسة
كتب / فاضل عباس الشمري
عبد الكاظم ، عبد الرضا ، عبد النبي ، عبد الكريم ، فاطمة ، ابناء
الحاج مديح جبارة النعيمي ، اسماء يخلدها التاريخ وتراب العراق ومياه
دجلة والفرات ، اسماء غيبت في دهاليز البعث الكافر وبكت عليها حتى
مشانق الطغاة ، اسماء نحتت في عليين (انهم فتية امنوا بربهم وزدناهم
هدى ) شباب خمس قضوا نحبهم في سجون الطاغية الملعون من عائلة عراقية
مجاهدة مؤمنة لم يبقى منها سوى البنات الاربعة والام الحنونة وهن
يواجهن بكل ايمان وصلابه جبروت الطاغية ومصائب جمه.. فكانت للدموع عند
كل واحدة منهن طريق واحد ، وحينما تنهمر على الخدود تكون للدموع طقوس
خاصة لم يفهمها سوى صاحبها .. هكذا فعلن اخوات الشهداء الحاجة علية
والحاجة صبيحة والدكتورة مكية والدكتورة زينب اما ام الشهداء الحاجة
حميدة هاشم فان قضيتها عجيبة غريبة حيث انها ومنذ اعتقال ابنائها
الشهداء سنة 1980 وحتى يوم وفاتها في 2010/2/24 لم تعلم عن امر
استشهادهم واخفية الحقيقة عنها حتى التحقت ببارئها لتلتقي بهم في جنات
الخلد قريرة العين (الدعوة) سجلت لقاءا مع تلك العائلة المباركة لتتعرف
على الشهداء:
الشهيد عبد الكاظم: تولد العزيزية عام 1952 ماجستير فيزياء نووية وطالب
دكتوراه عند اعتقاله في 1980/12/10 شهيدنا من العشرة الاوائل في
اعدادية العزيزية القسم العلمي ونال حظا وافرا من العلم يقول الاستاذ
علي هليل الشمري قائممقام المدينة حاليا وهو من الذين كانت لهم علاقات
مع الشهداء قال عن الشهيد عبد الكاظم: تبنى نظرية الاسلام السياسي بعد
نجاح الامام الخميني (قدس) في اقامة الدولة الاسلامية واسرد الشمري
قائلا: عند اعتقال حسين الشهرستاني (وزير النفط حاليا) اجيب الشهيد
بذهول وفي كل مرة يسألني عنه وذات مرة اطلعني على سر الوفد الفرنسي
الذي جابه الوفد العراقي بضرورة اطلاق سراح العالم العراقي الشهرستاني
.الشهيد عبد الرضا: تولد 1954 طالب كلية الهندسة الجامعة التكنلوجيا
المرحلة الثانية ترك دراسة الهندسة والتحق بالحوزة العلمية في النجف
الاشرف وكان الشهيد احد تلامذة سيد العصر المفكر الاسلامي السيد الشهيد
محمد باقر الصدر (قدس) اعتقل عام 1979 واطلق سراحه ومن ثم غادر هو
وشقيقته فاطمة الى بغداد من اجل الابتعاد عن انظار الاجهزة الامنية
لكونه كان مسؤول الجناح العسكري في حزب الدعوة الاسلامية . عضو اقليم
العراق .. قبض على الشهيد من قبل رجال الامن الصدامي ومورسوا معه ابشع
انواع التعذيب ولم يحصلوا على اي من المعلومات عن المجاميع التي كان
يرأسها استشهد اثناء التعذيب وقد اخبرنا (والكلام لاخت الشهيد) بتلك
المعلومات من زملاءه الذين كانوا معه . اذا انه لم يعترف على احد من
رفاقه المجاهدين ولم يعتقل احد بسببه حيث كان شامخا تقيا ورعا .للشهيد
مكتبة كبيرة دفنت في بيوت متعددة في العزيزية وكان خطيبا بارعا ولم
يسلم جثمانه الطاهر لذويه وكذلك لم يتم التعرف على مكان دفنه بعد سقوط
حكم العفالقة ولحد الان .
الشهيد عبد النبي:تولد 1957 /خريج اعدادية الصناعة يعمل مدرس في
الصناعة اعتقل عندما كان عسكريا في منطقة الشعيبة بمحافظة البصرة عام
1980 شهر كانون الاول ومنذ ذلك التاريخ لم يعرف مصيره لحد الان منذ
طفولته حيث كان متميزا بكل شيء ومن الملتزمين بالاسلام ومبادئه النبيلة
وحبه وولاءه لاهل البيت (عليهم السلام)..الشهيد عبد الكريم: تولد 1959
طالب كلية الهندسة جامع البصرة المرحلة الثالثة عرف كخطيب في ايام
الدراسة وكان من الاوائل في دراسته وفي كل المراحل وقد تربى على منهج
اهل البيت (ع) والعقيدة الاسلامية كباقي اخوته الشهداء وقد اعتقل من
قبل جلاوزة الامن الصدامي عام 1980 وغيب جثمانه الطاهر ولا اثر يذكر له
الا في سجلاتهم المليئة بأسماء شهداء الحركة الاسلامية .
الشهيدة فاطمة: تولد 1964 طالبة في الصف الخامس العلمي كانت من
الطالبات الاوائل في جميع المراحل الدراسية واتذكر انها في امتحانات
البكلوريا كانت من العشرة والاوائل على مدارس العراق وتم تكريمها لعدة
مرات سافرت الى بغداد مع اخيها الشهيد عبد الرضا لتواصل الدراسة مع
المساندة لشقيقها في جهاده ضد الطغمة الصدامية العفنة وكانت خير مرافق
ومساند لاخيها حتى القي القبض عليها في كمين اعد لها سلفا للقبض على
اخيها وهو المطلوب للسلطة المارقة حيا او ميتا . يقول الاستاذ علي هليل
الشمري: عندما تربعت الشهيدة على عرش العراق في النتائج الامتحانية كنا
ندعوها بـ (انت ذكية) صغيرة وتردين على اسئلة لا تتناسب وعمرك الفكري
والعقائدي فقالت (واتيناه الحكم صبيا)فعجبنا من قولها ونضحك .. ضحكة
المتعجبين فقالت (اتضحكون ولا تبكون) فقلنا لها ممن نبكي ايتها
(العرفانية الصغيرة) فقالت (ستأتي ايام سوداء على ايادي هؤلاء ) واشارت
بيدها الى (رفيق حزبي) في المنطقة .قضى ربك ان تكون فاطمة ذات الست عشر
ربيعا من بين الناهبات في الدراسة حتى اذا ما نضجت ثمار الورقة هرع
اوئلك الخفافيش في ظلام ليلة اعتقالها حتى سنحت لهم الفرصة عام 1980
فأوثقها في الشارع ودفعوها الى داخل السيارة الامن الصدامي وهم بانتظار
الاسد الذي خرج من عرينه بحثا عن اخته التي ما فارقها لحظة .. حتى
التقيا (فاطمة وعبد الرضا) وبعد القبض عليه فأعتذر بعيونه وقال (صبرا
اختاه .. فلست بافضل من زينب العصر (بنت الهدى) عندما ذبوحها واخوها
الشهيد محمد باقر الصدر حتى استشهدت على الايادي القذره ولم نستلم
جثمانها الطاهرة الشريفة ولم يعرف اين اختفت واين دفنت.
اما والد الشهداء الحاج مديح جبارة النعيمي فكان معروف بالولاء لاهل
البيت (ع) وهو من الشخصيات الكبيرة ، وكان جليلا متعهدا تقيا حسينيا
شارك بدعم واسناد المشاريع الدينية والمواكب الحسينية وخاصة في ايام
عاشوراء الحسين (ع) حيث كان اهالي المدينة يقضون ليلة عاشوراء في داره
لتهيئة الطعام وتوزيعه على الاهالي بعد انتهاء مراسيم مقتل الامام
الحسين (ع) واستمرت هذه الشعيرة الحسينية في داره ايام حكم العفالقة
ولم ينقطع ابدا حتى سقوط الطاغية اللعين .
والدة الشهداء المرحومة الحاج حميده هاشم بعد اعتقال ابناءها تحملت
الكثير من الصبر والانتظار حتى انها كانت تستشعر بانهم لا يزالوا
احياءا وقد تم اخفاء خبر استشهادهم طوال حياتها والتحقت بالرفيق الاعلى
بتاريخ 2010/2/24 يوم الاربعاء وقد كان لوقع خبر وفاتها اثرا كبيرا في
نفوس المؤمنين من اهالي العزيزية حيث شاركوا في مراسيم التشييع والدفن
واقامة مجالس الفاتحة ورفعت لافتات التعزية من كل الاحزاب والحركات
واهالي المدينة لفقدها المؤلم وهذا ابسط ما يمكن ان تقدمه المدينة
لمشاركة هذه العائلة المجاهدة المباركة في مصابها الجلل ما تبقى من
العائلة نساء اربع هن الحاجة علية (متقاعدة) الحاجة صبيحة (معلمة)
الدكتورة مكية (طبيبة نسائية) الدكتورة زينب استاذة اللغة العربية
جامعة واسط .
ختاما نقول: الشهداء كأنهم قد حملوا ارواحهم على اكفهم ثم اطلقوها
انتصارا للحق ورغبة في الشهادة فهنيئا لهم لنيلهم ما رغبوا وهنيئا
لانهم كتبوا لانفسهم خلودا في الوجود واختاروا ان يساقوا الى الجنة
زمرا .(وسبق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءها وفتحت
ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين )..والخزي
والعار لصدام وجلاوزته المجرمين والى جهنم وبأس المصير . وستبقى دماء
شهدائنا منارا على ارض الوطن ونبراسا سيضيء من الشعوب الطامحة للخلاص
من نير الظلم والاستبداد وستبقى دمائهم الزكية الامتداد الحقيقي لدماء
شهداء كربلاء وانا لله وانا اليه راجعون ..
صورة للذكرى.. محمد باقر الصدر!!
حسين العراقي
لم يكن الحاج ابا حميد يجيد من العربية شيء لاكتابة ولاقراءة، فضلا عن
لهجته الجنوبية الصرفة والموغلة بعاميتها الموروثة من سكان اهالي اهوار
الجنوب والمفعمة بحد البساطة والانسيابية المحببة، الا ان احد لم يكن
ينعته بكلمة امي اذ كان يحفظ اكثر من نصف ايات القران الكريم على فطرة
صدره، حتى ان بعض اقاربه ممن كانوا يزورونه باوقات متقطعة ومتباعدة
ظنوا انه دخل مدرسة محو الامية التي كان لايحبذها ولايقترب منها، وظل
ردحا من الزمان يحاجج ويتلاطف مع بقية اقرانه من منتسبيها قائلا (أتوني
بسورة واحدة ان كنتم من المتعلمين). منذ ان حطت رحاله مع عائلته
الكبيرة في بغداد نهاية الستينات منتقلا اليها من اهوار الجنوب عرف عنه
حبه الكبير وتعلقه باهل البيت والشعائر الحسينية التي لم يكن يقدم
عليها شيء، حتى ان شهري محرم ورمضان صارا علامتان دالتان عليه. ففيهما
يتحول بيته الى حسينية تقام بها غالبية الشعائر من مواكب ومواعظ وانواع
العبادات والتجمعات الشعبية المنبثقة من رحم العنوان، وقد شب ابنائه
على ما فتحوا اعينهم عليه الا ان فرصتهم في التعلم كانت كبيرة بما وفره
لهم والدهم الذي اضفى بعدا تربويا واخلاقيا لذلك من خلال مرافقتهم له
في رحاله وترحاله صوب مدن القباب المقدسة او مادار في افلاكها فنمى ذلك
البرعم من اغصان تلك الشجرة المثمرة. وقد غابت الشمس من على سماء بيته
في يوم حالك ومفاجيء الا انه متوقع منذ ان امتدت يد الغدر على صدر
العراق ومفجر حراكه الديني والسياسي والثقافي في التاسع من نيسان
الاسود عام 1980 الذي استولى فيه طاغية العصر وهدام العراق مقاليد
السلطة التي افتتحت شلال دمائها من شريان دماء السيد الشهيد محمد باقر
الصدر قدس الله سره. واستشعر الحاج ابو حميد الخطر تلقائيا بعد ان فجع
بسماع رثاء الفاجعة التي حلت على بيوت المحبين باقسى انواع وجعها، ولم
يدم الوقت طويل حتى صار تخوفه حقيقة اذ تم اعتقال اولاده الكبير
والاوسط والاصغر ولم يعرف عنهم شيء كحال مئات اللالاف امثاله من
المفجوعين في عراق لم يبقى من عظمته الا صوت انين صمود المؤمنين. ورضخ
الحاج الى الم واقع مكتوب وحاول ان يتحلى بشجاعة المؤمنين وقل نشاطه
الشبابي الذي سبق ان عرف او تميز به وفعل الدهر فعله واخذ من صحته
وحيلته، وقد شوهد في العاشر من محرم التي اعتاد ان يصبح فيها في الحضرة
الحسينية وهو يتجه سيرا على الاقدام نحو مرقد الامامين الكاظمين الذين
اختارهم على مايبدو بديلا مؤقتا واضطراريا للزيارة وبصورة كانت فيها
بوادر الانكسار واضحة مع الاحتفاظ برباطة الجاش وكبرياء النفس والتمسك
بمبادي التضحية والايثار حتى بلغ بالقرب من الضريح وقد اجهش بالبكاء
والعويل وقد انحنى ظهره حتى بدا وكانه يحبو على الارض وحين عانق الشباك
ومع كل اجواء الارهاب التي كانت سائدة والحراب المتهيئة والمطلوقة
العنان لارتكاب اشنع الاعمال حتى على الظنة والشبهة، لكنه ادخل يده في
جيبه واعتقد من شاهده بانه سيخرج صورة اولاده ليرثيهما بقرب ضريح
الامام ويشكيهم الى الله، الا ان المفاجئة كانت مدوية حينما اخرج صورة
السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) وارتمى معها على الارض مغطيها
بصدره ومبللها بدمعه. ومرت السنون حبلى بحوادث الخوف والالم،الا ان ابا
حميد لم ينقطع عن بيوت الله لاداء صلواته او زياراته التي قد تفرغ لها
تماما حتى بدت وكانها بيته وانيسه عما فقده، وصبر على ما اصابه وظل
طوال ثلاثة وعشرون عام هي عمر الغدر والاجرام التي احاطت العراقيين
بسور الطغاة والبستهم انواع الذل والاهات. في مساء يوم التاسع من نيسان
عام 2003 كان ابا حميد يخترق صفوف الجموع الهاجمة على اوكار الطغاة
(الذين ولو هاربين وقد تركوا مقراتهم الحزبية والامنية فريسة لانتقام
ذوي الضحايا وقد عدوا بالملايين) وكان يحمل صورة الطاغية بيد وصورة
السيد الشهيد بيد اخرى وقد تعجب الناس لامن فعلته بل من الكيفية التي
احضر بها صورة السيد وكيف احتفظ بها بحقبة زمنية كاد فيها الانسان ان
يتخلى حتى عن اسمه، ثم وقف امام الجموع من دون شعارات مدوية او اهزوجات
مشجعة واكتفى بوضع صورة الطاغية تحت قدميه ورفع صورة الصدر بكلتا
يديه،ثم جمد بلا حراك وخيم صمت مهيب على المشهد الذي لم يطل اكثر من
دقائق معدودة لتتقاذه الجموع حملا على الاكتاف وهي تردد (الجماهير اقوى
من الطغاة مهما تفرعنوا). بعدها بايام وفيما بدى عليه الكبر ولم يعد
قادر على عمل شيء مما أعتاد عليه، الا ذهابه الى الجامع لاداء فريضة
الصلاة في جميع اقواتها، وفيما كان يهم بالخروج والمغاردة من بعد صلاة
الجمعة هو وبعض كبار السن من اصدقائه شد انتباه احد باعة الصحف بالقرب
من باب الجامع وكان يصيح بصوت عالي.. (جريدة الدعوة جريدة الدعوة)
فحاول الرجوع لمعرفة مايبيع هذا الرجل وقد استوقفه بعض مرافقيه وقالوا
له: (يا حاج مالك وما للجرائد وهل نحن نعرف نقرا حتى نشتري منه). لكنه
اصر على الرجوع وعندما دنا من البائع وقد شدته اكثر صورة السيد الشهيد
التي كانت تزين واجهة الصحيفة فقال له عمي اعطيني خمسة منها.. ثم دفع
اجرتها ووزعها على مرافقيه وقال لهم خذوها فان بها ريح اولادي وصورة
اعز الناس عندي). فاعادوا سؤاله مرة اخرى :( ولكنك هل تعرف قرائتها،
فقال : ( نعم اعرف كل حرف فيها واشم رائحتها عن بعد واعلم ماتريد مني
وما اطلبه منها)، ثم اخذ يقبل الجريدة صفحة صفحة بل صورة صورة وهو يبكي
ويدعوا ثم لفها بصورة تدل على الاعتزاز عندهم ووضعها في صدره وقال :
(ساحتفظ بها ها هنا ولن ادع احد ينتزعها مني فانها سترافقني الى مثواي
الاخير باذن اله ). لم تمض كثيرا من الايام حتى صحى اهل المنطقة على
صوت مؤذن الصباح وهو ينعى: (على من يريد الاجر والثواب فليحضر تشيع
جنازة الحاج ابا حميد رحمه اله) سارت خلفه الجموع ومعه اصدقائه واقاربه
ومحبيه والكثير الكثير من احفاده وهم يرددون : (لااله الا الله محمد
رسول الله علي ولي الله) وقد شوهد بعض الفتيان وهم يبكون ويصرخون:
(جدو.. جدو وداعا) وكان بعظهم يحمل اربع صور الاولى لابنه الشهيد
الاكبر والثانية لابنه الشهيد الاوسط والثالثة لابنه الشهيد الاصغر اما
الرابعة فلم تكن صورة ابا حميد بل كانت صورة الامام محمد باقرالصدر
(قدس) صاحب العزاء الشهيد ابو الشهداء.
النداء الثاني للإمام الشهيد السيد الصدر (قدس)
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله
الطاهرين الميامين..
يا شعبي العراقي العزيز، يا جماهير العراق المسلمة التي غضبت لدينها،
لكرامتها ولحريتها وعزتها ولكل ما آمنت به من قيم ومثل.. أيّها الشعب
العظيم، إنّك تتعرض اليوم لمحنة هائلة على يد السفاكين والجزارين الذين
هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير بعد ان قيدوها بسلاسل من الحديد ومن
الرعب، وخيل للسفاكين انهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزة،
والكرمة، وجردوها من صلتها بعقيدتها وبدينها وبمحمدها العظيم لكي
يحوّلوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الأبي الى دمى
وآلات يحركونها كيف يشاؤون ويزقونها ولاء عفلق وأمثاله من عملاء
التبشير والاستعمار بدلاً عن ولاء محمد وعلي "صلوات الله عليهما.. ولكن
الجماهير دائماً هي أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة وقد تصبر ولكنها
لا تستسلم.. وهكذا فوجىء الطغاة بأن الشعب لا يزال ينبض بالحياة وما
تزال لديه القدرة على ان يقول كلمته. وهذا هو الذي جعلهم يبادرون الى
القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الالاف من المؤمنين، والشرفاء
من أبناء هذا البلد الكريم، حملات السجن، والاعتقال، والتعذيب،
والإعدام وفي طليعتهم العلماء المجاهدون الذين يبلغني إنّهم يستشهدون
الواحد بعد الآخر تحت سياط التعذيب وإنّي في الوقت الذي أدرك عمق هذه
المحنة التي تمرّ بك ياشعبي وشعب آبائي وأجدادي أؤمن بأن استشهاد هؤلاء
العلماء واستشهاد خيرة شبابك الطاهرين وأبنائك الغيارى تحت سياط
العفالقة، لن يزيدك إلاّ صموداً وتصميماً على المضي في هذا الطريق حتى
الشهادة أو النصر. وأنا أعلن لكم يا أبنائي بأني صممت على الشهادة ولعل
هذا هو آخر ما تسمعونه منّي، وأن أبواب الجنّة قد فتحت لتستقبل قوافل
الشهداء حتى يكتب الله لكم النصر. وما ألذّ الشهادة التي قال عنها رسول
الله "ص" أنهاحسنة لا تضر معها سيئة والشهيد بشهادته يغسل كل ذنوبه
مهما بلغت.. فعلى كل مسلم في العراق، وعلى كل عراقي في خارج العراق أن
يعمل كل ما بوسعه ولو كلّفه ذلك حياته من أجل إدامة الجهاد والنضال
لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب، وتحريره من العصابة
اللاإنسانية وتوفير حكم صالح فذّ شريف طيّب يقوم على أساس الإسلام..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد باقر الصدر/ شعبان ـ 1399 هـ
لماذا (بنت الهدى)!؟
محمد الكاظمي
ولعلّ الكثيرين يسألون عن سبب صدور كتابات الشهيدة السيّدة آمنة الصدر
وهي تحمل اسم (بنت الهدى). ولندع الشهيدة تجيب بنفسها عن ذلك حيث تقول
تحت عنوان "من أنت؟":"كتبت إليّ أختٌ مسلمةٌ وسألتني قائلةً: لماذا
بالله عليك لا تصرّحين عن اسمك الصحيح لنعرف من أنت ومن تكونين؟فإليك
يا أختاه جوابي لعلّك تعرفين منه من أكون أنا؟ فأنا أوّلاً وبالذات
أختك المخلصة الدائبة على تتبّع آثارك وتعقّب خطواتك بدافع الحبّ
والعطف، وأنا أيضاً متطوّعة مختارة لأجل قضيّة الإسلام وحمل مشعله
الوهّاج ما وسعني حمله وعلى قدر طاقتي وإمكانيّاتي في الجهاد، وأنا
أيضاً من أريد أن أجعل من نفسي مثلاً ونموذجاً أجري عليه تجارب أدب
الإسلام التي قد يظنّ البعض الجاهل أو المتجاهل أنّها تجارب فاشلة،
فأنا أريد أن أثبت بنفسي ما يحدّثنا به التاريخ الإسلامي عن أمّهات
وأخوات لنا في صدر الإسلام ناهضن بثقافتهنّ أعاظم الرجال مع تمسّكهن
بالإسلام وتعاليمه. ولا يخفى عليك يا أخيّة أنّي لم أكن لأقول هذا
وشبهه لو أنّك كنت تعرفين اسمي الصغير التافه، وهذا أحد الدواعي لعدم
ذكري لذلك الاسم الذي أكاد أنساه أنا نفسي فلماذا لا تنسينه أنت أيضاً
يا عزيزتي؟ فأنا في أكثر أوقاتي أصبحت مندمجة معكنّ ومنصرفةً عن نفسي
إليكنّ، ولهذا فأنا في أكثر أوقاتي أكون بين (الهدى) تاركة ورائي تلك
الحروف التي لا دخل لها بما أنا في سبيله.نعم حروفٌ لا تتعدّى الأربعة
فما خطرها إذن؟ وما شأنها بالنسبة للغاية التي أبتغيها؟ فلك أن
تتصوّريني كما تشائين: تصوّريني سيّدةً عجوزاً قد اكتمل عمرها وتقدّمت
بها السنون، فهي تضع النظّارات على عينيها وتدني النور إليها، أو تدنو
هي من النور، ثمّ تمسك القلم وتقرّب نحوها الدواة وتباشر الكتابة إليك،
وهي بين حين وآخر تعيد ترتيب أوراقها ثمّ تضع القلم جانباً برهةً لتريح
يدها ورأسها، ثمّ تعود مرّة أخرى لتكتب وتستأنف ما قطع عليها التعب.
وأخيراً... عندما تنتهي من الكتابة تستلقي على ظهرها لتستريح وهي تشعر
بدوار وإعياء.ولك أيضاً أن تتصوّريني امرأة قد تخطّت الشباب أو كادت،
قليلة الكلام كثيرة الفكر، لا تكتب إلاّ بعد طول تروٍّ وتأمّل، إذا
كتبت اقتضبت، وإذا تحدّثت اختصرت، ومن رأيها الخاص أنّ الكتابة لا يمكن
أن تجتمع مع أيّ شيء آخر، فهي إذا كتبت تركت كلّ شيء، وإذا كان لديها
أيّ شيء تركت الكتابة، وإذا أرادت أن تكتب تنفرد بنفسها في غرفتها
الخاصّة فتجمع فوق منضدتها شتّى الكتب لتختار من بينها الموضوع الملائم
. فهي حريصةٌ جدّاً على أن لا تكتب إلاّ في مكانها الخاص، وفي جوٍّ
ملائم هادئ، وهي حريصةٌ أيضاً أن يدلّ مظهرها على شخصيّتها وأن يرسم في
خطوط جبينها وحركاتها خطوط أفكارها وميولها.ولك أيضاً أن تتصوّريني
فتاةً شابّة في ريعان الشباب ضاحكة الثغر، طلقة المحيّا، تندمج في كلّ
موضوع، ولا يفوتها شيءٌ ممّا حولها، ترضي كلّ جليس، إذا كتبت تكتب
بسرعة وبدون أيّ مقدّمة، وإذا تكلّمت تتكلّم بهدوء وتحسب لكلّ كلمة
حسابها، ليس عندها أيّ مكان خاص بها تستنزل فيه الإلهام، أينما خطرت
لها خاطرة أو عنت لها فكرة سجّلتها على ورقة أو أيّ شيء آخر حتّى ولو
كان علبة سيجارة، وهي حريصة على أن لا يتأثّر مظهرها بأفكارها وميولها
وأن لا تكتب أفكارها على قسماتها وحركاتها، ولهذا فهي بين ذلك كلّه
فتاة كباقي الفتيات لا تتميّز عنهنّ بشيء إلاّ بقوّة الإرادة وسموّ
الروح، وهي تستطيع أن تتحمّل كلّ شيء، وأن تجاري كلّ أحد سوى جهل
الجاهلات بأحكام الإسلام، ولكنّها مع هذا لا تكاد تعرف أنّها هي تلك
الغيورة الصارمة في تعاليم دينها، فإنّ لها طريقتها الخاصّة باتّباع
هذه التعاليم لا يتأثّر منها مظهرها، تصوّري هكذا إذا شئت.وتصوّريني إذ
أكتب إليك أفترش الأرض والحصير وأجعل من رجلي منضدة أريح فوقها أوراقي
المبعثرة لأملي عليها أفكاري!نعم تصوّريني هكذا، وإذا شئت فتصوّريني
شابّةً تشعر بشعورك وتمرّ بالمرحلة التي تمرّين بها وتنظر إلى كلّ ما
تنظرين إليه، ولكن من وراء منظار الواقع والحقيقة، لا تغشّها المظاهر
الخلاّبة ولا تغريها كلّ أساليب الإغراء.تصوّريني هكذا إذا شئت، بل
تصوّري أيّة صورة من هذه الصور حيث تجديها أقرب إلى فكرك فاختاري منها
إحداها، أو اختاري غيرها، وكوني مثلي، فأنا لا أنظر إلى الإنسان تحت
إطار اسمه أو مظهره أو ملبسه، وإنّما أنظر إلى روحه وقلبه وأفكاره،
وتذكّري دائماً وقبل كلّ شيء أنّي أخت لك متواضعة وقريبة منك كثيراً
وأكثر ممّا تتصوّرين، لأنّ القرب قرب للروح والفكر والرأي:قد يجمع
الرأي أشخاصاً وإن بعدوا * * * وقد يفرّق خلف الرأي إخواناًوأخيراً
فرجائي إليك أن تنسي تلك الحروف القليلة، واذكريني أنا بشخصي الروحي
لأكون فخورة بذلك، وثقي أن ليس لاسمي أيُّ دخل فيما أكتب وفيما تقرئين،
ودومي للمخلصة لك إلى الأبد.
ان التاريخ من حصة العظماء ..واعظمهم الشهداء
الشهيد ابو عصام عبد الصاحب الدخيل البطل الذي سفه اسطورة التعذيب وحطم
رعب الاعدام
كتب: حسنين العراقي
من ابرز قادة حزب الدعوة الاسلامية ،ومن مشاهير شهداء الحرية في بلد
اكثر ابنائه شهداء واغلب تاريخه دم ،ومعظم حكامه جلادون ،اختار
الشهادة في قمة عطائه ورجولته وذروة كبريائه ،واوج انفته امام التعذيب
المخصص لقهر الاباة ،كان ابو (عصام) الاكثر ولعا بمبدئه والاشد ايمانا
بعقديته وبأهدافه العليا.والذي جعل من حياته سفرا خالدا من تاريخ
لايصنعه الا من تساوى عنده الموت والحياة ، فلقد سفه اسطورة التعذيب
وحطم رعب الاعدام ،واثبت ان معدن الرجال اقوى من وحشية وصلف الطغاة قبل
ان يودع(عبد الصاحب الدخيل) الحياة ليمضي الى ربه شهيدا ، كان قد ودع
نصيبه من الدنيا ،ليكرس حياته كلها لعقيدته التي امن بها واستمدها من
دينه الاسلامي المحمدي الاصيل ، لقد التزم بموقف الامام الحسين (ع)
الذي رفض فكرة الهدنة مع الظالمين ،فسار الى هدفه مؤمنا ثابتا مستبشرا
،تحدى الطغاة في ان ينتزعوا كلمة واحدة مما حفظ في صدره:
(ان الدعوة ها هنا مشيرا الى صدره الشريف واتحداكم بانتزاعها) مما اثار
حفيظتهم ومرغ انوفهم بالوحل ،حين كان مقيدا في زنزاناتهم حتى اذابوه في
حوض التيزاب بعد فشلهم بتحقيق أي مارب من مئاربهم الدنيئة الاجرامية ،
فسلام عليك يا ابا عصام يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تولد حيا.. ولد
الشهيد السعيد عام 1930م في مدينة النجف الأشرف واستلهم روح الجهاد
والصبر والعمل من جواره لمرقد أمير المؤمنين علي بن أبى طالب (ع). نهل
من علوم الفقه والأصول والمنطق والعربية حتى بلغ مرحلة البحث الخارج في
دراسات الحوزة العلمية في نفس الوقت الذي أنهى به المرحلة الثانوية من
الدراسة العامة.. كان يتطلع ومنذ مطلع شبابه إلى تنظيم إسلامي يجمع
الجهود ويوجهها لمقارعة الأفكار الجاهلية والحكومات الكافرة وله في هذا
المضمار ممارسات ومحاولات متعددة مع أصدقاء الكفاح.. بعد ولادة حب
الدعوة الإسلامية المباركة وجد الشهيد السعيد ضالته فسارع للانضواء في
نواته الأولى وتحمل منذ البدء المسؤوليات الجسام بكل شجاعة وعصامية
فعمل في بداية التأسيس في لجنة قيادة بغداد والكاظمية وبعد فترة وجيزة
كلف بالأشراف على إصدار النشرة السرية المركزية للحزب (صوت الدعوة).
-لم تمر فترة طويلة حتى غدا من ابرز قيادي الحركة إذ عمل في "القيادة
العامة " للدعوة المباركة وتحمل قسطا كبيرا من مسؤولية العمل التغييري
داخل العراق وخارجه ، في وقت لم يكن يتحمل هذا العبء الثقيل إلا الكبار
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى وزادهم الله هدى. -عرفت عنه عصاميته
واشتهر بالورع والتقوى وكان مواظبا على قراءة القران الكريم وتدبره
وقراءة الأدعية المأثورة وزيارة أهل البيت (ع) ومتحمسا لتعظيم شعائر
الله وخاصة الشعائر الحسينية ،وقد كان له الفخر بالأشراف على مواكب
الجامعة وهي تظاهرة طلابية ضخمة كانت تخرج في كربلاء بمناسبة عاشوراء
استشهاد الإمام الحسين (ع). -تربى بين يديه عدد كبير من المؤمنين
الرساليين الذين ساهموا في قيادة الحركة الإسلامية في العراق وسقوها
بدمائهم الطاهرة ومن ابرز تلاميذه الشهيدان السعيدان السيد نوري طعمة
والسيد حسن جلو خان. -اعتقل في 28 /9 /1971 ونقلت عنه الأعاجيب في
تعذيبه وصموده وكان يشرف على تعذيبه المجرم ناظم كزار مدير الأمن العام
حينها ، وقد اسمعه مرة كلاما مبتذلا فما كان من الشهيد الذي كانت يداه
مقيدتين إلا أن بصق في وجه الجلاد المتغطرس حاول أن يستحصل منه ولو
كلمة واحدة وكان يقول مشيرا إلى صدره ( هنا الدعوة وأتحداك أن تخرج
كلمة واحدة منها ).. فلم يطق الجلاد المجرم هذا الشموخ الرسالي الذي
عجز أن ينال منه بكل وسائل تعذيبه فأمر بإلقائه بحامض النتريك واشرف
بنفسه على ذلك ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد.بعد
اكثر من ثلاثة عقود من استشهاده من الله علينا بزيارة عائلته واللقاء
مع زوجته وشريكة حياته وجهاده (الحاجة ام عصام) بنت الحاج جواد الطريحي
زوجة الشهيد وام الشهداء (عصام وعمار) التي تحملت الويل والعذاب ما
جعلها ان تكون اقرب الى (وشاح كربلائي) يغرق الناظر بانهار من الدموع
المتدفقة من تل العيون الصابرة المعذبة الحزينة، قد كان حورانا عبارة
عن تراتيل حزينة انطلقت من ذلك الجرح الممتد من اعماق الاشلاء الشريفة
المجندلة على ارض الطفوف،والتي لايمكن ان تهدأ لها لوعة حتى تحف بسيدنا
ومولانا صاحب العصر والزمان (عج) ارواحنا له الفداء، بكت حتى ابكتنا
حيث لم يكن حديثها بعيدا عن كربلاء وعاشوراء.. سألتها اولا عن:
* كيف كانت بداية معرفتها بالشهيد؟
كان والدي الحاج جواد الطريحي صديق والده الحاج حسين الدخيل وقد اشتركا
(بخان العطارة) الواقع بالسوق الكبير في النجف الاشرف،وتعبيرا عن حبهما
وقربهما من بعض تم زواجنا ،وهي بداية معرفتي به، وقد عشت حياة هانئة
وسعيدة معه، وعلمني قراءة القرآن والكتابة حتى اصبحت والحمد لله
وببركات الشهيد اقرأ يوميا القران والدعاء، وكان الشهيد بتلك الفترة
منشغلا بامور دينه واكمال دراسته الحوزوية وقد جمعت علاقة خاصة وحميمة
مع بيت السيد الشهيد الصدر الاول (قدس) وبيت القاموسي وبيت حسن شبر،حتى
انتقلنا بعدها الى بغداد عام (1956) وقد تنقلنا بين عدة مناطق منها
الرحمانية والانباريين في الكاظمية والشواكة واخيرا استقر بنا المقام
في مدينة الحرية وهناك كان الفراق الاخير.
* هل كنت تعرفين شيئا عن نشاطاته الخاصة والمتعلقة بالشؤون الحزبية؟
لم اكن اعرف أي شيء عن اسراره الخاصة، علما ان دارنا كانت محطة دائمة
لاستقبال الضيوف الذين يزورونه باستمرار واحيانا يمر وقت طويل على
اجتماعاتهم داخل الغرفة واحيانا يبقى حتى يصلوا الصبح وبعدها يتفرقون
ولم اسأله عن ذلك او مايدور بينهم، علما انه حريص جدا على اسراره
الخاصة على الرغم من قربه من عائلته التي كان يحاول باستمرار اسعادها
وتلبية حاجاتها برغم ضيق وقته وكثرة مشاغله..
* من هم اقرب اصدقائه ،الذين يرتددون عليه في تلك الفترة؟
انهم كثيرون جدا وذاكرتي لاتسعفني في ذلك لكني اتذكر منهم (الشهيد نوري
طعمة والشهيد الشيخ عارف البصري رحمهما الله وكذلك الدكتور جابر عطا
الله امد الله في عمره.
* ما هي اهم فصول اعتقاله واستشهاده رحمة الله عليه؟
قبل اعتقاله باسابيع أخذ يتصرف بما لم يعتاد عليه من قبل /حيث بدأ يدخل
غرفته الخاصة يصلي ويقرأ القران لساعات اطول من المعتاد وبدون ان يشغل
المروحة كذلك اخذ لا يأكل غير القليل من الحساء وكأنه علم بمصيره ويهيأ
نفسه لظروف الاعتقال ، وفي صبيحة يوم 28 / 9/ 1971 خرج كالمعتاد الى
العمل في مكتب (الاستيراد والتصدير) العائد له الكائن في شارع الرشيد
وقد علمنا من العامل معه في المكتب ان قوات الامن البعثية قد اعتقلته
واختفت اخباره منذ ذلك اليوم الاسود وتوقعنا اطلاق سراحه بعد فترة
وجيزة ، كما اني لم اكن اعرف بأنه كان القائد الميداني لحزب الدعوة
الاسلامية بعد السيد الشهيد (محمد باقر الصدر ) (قدس) وقد بحثنا عنه
طويلا ولم نعثر له على اثر حتى قابلت (طاغية العراق هدام) الذي اجابني
ساخرا (لاتحزني فربما سافر الى ايران) بعدها ضيق علينا واشتد الوضع
سوءا والحال حزنا وتفرق الجميع ولم يصلنا بعده احد وقد تكفل بنا اخوته
الحاج رؤوف والحاج عبد الامير جزاهما الله خيرا لأنه عندما اعتقل لم
يبق معيل لعائلته حيث كان عصام عمره(13) سنة وعمار (10) سنوات ولهم
ثلاث اخوات..
* وبعد ذلك كيف مرت الايام؟
لقد طال الانتظار ويئسنا من البحث دون أي امل فعرفنا انه استشهد (رضوان
الله عليه) فسلمنا امرنا الى الله وبينما نحن كذلك سمعنا عام 1980
بفاجعة استشهاد الصدر الاول واخته العلوية بنت الهدى وعشنا مرارة
الاحزان مرة اخرى ،وقد تأثرنا كثيرا وذلك للروابط القوية بيننا وخاصة
علاقتي بالعلوية بنت الهدى (رحمها الله) التي كانت تربطني بها علاقات
صداقة حميمة ووثيقة ،وبعد اعتقال ولدي (عصام وعمار) في عام 1980 امست
الدار خالية ،و تركناها وهربنا متخفين خوفا على بناتي من الاعتقال
وتنقلنا بكل مكان ولم نعد الى الدار لحد الان، ثم خنقتها العبرة وهي
تقلب نفسها بين امواج المحن التي اجتاحت دارها وحطمت حياتها على يد
سفاح العصر (الطاغية هدام) ونحمد الله على كل شيء فقد انجز الله وعده
ونصر عبده واذل واخزى الطاغية وحزبه.. اليوم حيث الاف الرايات التي
رفعها الشهيد واستشهد من اجلها تغطي سماء العراق وهذا ماتمناه والدي
وسعى لتحقيقه مع الملايين من اخوانه الشهداء الذين تناثروا في المقابر
الجماعية، ذلك ماذكرته ابنت الشهيد الحاجة ام نبراس والتي قالت : اخيرا
اتمنى وادعوا من كل قلبي بالخير والبركة الى حزب الدعوة الاسلامية حزب
ابي واخوتي والمسلمين كافة بالثبات والنصر على الاعداء في ذلك الحين
شاهدت صور الشهداء (ابو عصام وولداه) تزين جدار الدار الموشح بسواد
عاشوراء. وقد كتبت الاية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم (ولاتحسبن
الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون)..
الحر بن يزيد الرياحي..الضمير الحي والإرادة الحرة
كتب/محمد طاهر محمد
كربلاء مدرسة الأجيال تفيض بالعطاء وتزخر بالدروس والعبر وتتجلى فيها
أروع المواقف الإنسانية على مدى التاريخ إذ تجسدت على أرضها ملحمة الحق
وانتصار إرادة الخير على إرادة الشر ملحمة عاشوراء الخالدة. لم تكن
واقعة عاشوراء مجرد معركة بين فئتين محددة بزمان ومكان معينين بل هي
مدرسة متجددة في كل زمان ومكان بما قدمته من نماذج إنسانية وفكرية
وفلسفية
من هذه النماذج الرائعة الحر بن يزيد الرياحي الذي جسد اروع نموذج
للضمير الانساني الحي والارادة الحرة الواعية بانتقاله من خندق الظلام
الى ساحة النور وخروجه من حياة العبودية الى طريق الاحرار، فاصبح رمزا
من الرموز الانسانية الخالدة ومثالا يحتذى به في سلوك الانسان وتمسكه
بالقيم العليا والمبادئ المثلى.
البيئة والنشأة
من الطبيعي ان تكون للبيئة والوراثة اثرا كبيرا على سلوك الانسان واذا
اخذنا بنظر الاعتبار تاريخ البيت الذي ولد فيه الحر نجد انه ليس غريبا
ان يتخذ الحر ذلك القرار الخالد الذي وضعه في مصاف العظماء وحاز على
شرف الدنيا ونعيم الآخرة واصبح مثالا حيا للمروءة والنبل حينما آثر ان
يقف مع الحق وان يضحي بنفسه في سبيل ذلك على مؤازرة الباطل والركون
اليه في حيا ة قصيرة مصيرها الى الزوال فاشترى بنفسه الحرية في الدنيا
والسعادة في الآخرة ولد الحر في بيت تشرق في سمائه شموس العز والشرف
والبطولة ولهذا البيت سجل حافل بالمآثر والمناقب التي توارثها الابناء
عن آبائهم وفي تلك الاجواء التي تزخر بالنجوم شع الى الوجود نجم الحر
بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة
بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، فورث من هذه الاسماء اللامعة الصفات
التي اهلته لان يتزعم قبيلته ويصبح من اشراف الكوفة وساداتها وابطالها
المعدودين وقد اشار الامام امير المؤمنين (ع) الى فضائل هذه القبيلة في
كتابه لابن عباس عامله على البصرة حيث يقول فيه (وقد بلغني تنمرك لبني
تميم وغلظتك عليهم وان بني تميم لم يغب لهم نجم الا طلع لهم آخر وانهم
لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا اسلام)، ومن اعلام هذه القبيلة الذين
عرفوا بالخصال الفريدة والمآثر الجليلة عتاب بن هرمي الذي كانت له
ردافة ملوك الحيرة في عهد المنذر بن ماء السماء ومنهم عتيبة بن الحارث
اليربوعي الذي يعد من اشجع العرب حتى قيل عنه انه لو وقع القمر على
الارض لما التقفه الا عتيبة، لثقافته في الرمح.. ومنهم البطل معقل بن
قيس الرياحي احد قادة جيش امير المؤمنين (ع) واعمدة حربه ومنهم الاحنف
بن قيس الذي يضرب به المثل في حلمه وكثير غيرهم ممن لمعوا في سماء
المجد من هذه القبيلة وقد افرد ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 3
ص 435 فصلا خاصا عن مآثر بني تميم ثم لبني يربوع ثم لبني رياح بن
يربوع. في هذا الجو المفعم بالفخر والشجاعة والمجد المتوهج بالفروسية
لمع نجم الحر فاقتبس من هذه الصفات ماجعله سيدا من سادات الكوفة وعلما
من اعلامها.
اللقاء بالحسين(ع)
كان من الطبيعي ان تكون شخصية الحر الفذة محط انظار السلطة لما تمتع به
من بطولة نادرة ويدلنا قول المهاجر بن اوس على ذلك بقوله للحر يوم الطف
(لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك.. وحينما سيطر عبيد الله ابن
زياد على زمام الامور في الكوفة بعد ان قتل مسلم بن عقيل سفير الحسين
(ع) وهاني بن عروة واعتقاله لعدد من رموز الشيعة في الكوفة عمد الى
اجراءات احترازية امنية وذلك بارساله الجنود على حدود الكوفة لقمع أي
انتفاضة محتملة تحاول اختراق الكوفة كما اصدر اوامره لصد ومحاصرة
الامام الحسين"(ع) واصحابه والحيلولة دون وصولهم الى الكوفة خاصة عندما
سمع انه (ع) دخل العراق فارسل رجاله لهذا الغرض.. وكان ممن ارسلهم،
الحر بن يزيد الرياحي على راس الف فارس فالتقى الحر بالحسين(ع) في ذات
حسم وقد اضر به وباصحابه العطش فامر سيد الشهداء (ع) اصحابه ان يسقوهم
ويرشفوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم في تلك الصحراء التي تعز فيها قطرة
الماء ولما حان وقت الصلاة قال الحسين(ع) للحر اتصلي باصحابك ؟ فقال
الحر لا بل نصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين("ع) وبعد ان فرغ (ع) من صلاته
قال ايها الناس انكم ان تتقوا الله وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى لله
ونحن اهل بيت محمد (ص) اولى بولاية هذا الامر من هؤلاء المدعين ما ليس
لهم والسائرين بالجور والعدوان، وان ابيتم الا الكراهية لنا والجهل
بحقنا وكان رأيكم الآن على غير ما اتتني به كتبكم انصرف عنكم. فقال
الحر ما ادري ماهذه الكتب التي ذكرتها، فامر الحسين عقبة بن سمعان
فاخرج خرجين مملوءين كتبا، فقال الحر اني لست من هؤلاء واني امرت ان لا
افارقك اذا لقيتك حتى اقدمك الكوفة على ابن زياد، فقال الحسين الموت
ادنى اليك من ذلك وامر(ع) اصحابه بالركوب وركبت النساء فحال بينهم الحر
وبين الانصراف فقال الحسين ثكلتك امك ماتريد منا؟ فقال الحر اما لو
غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحال ما تركت ذكر امه بالثكل
كائنا من كان، والله مالي الى ذكر امك من سبيل الا بأحسن مانقدر عليه
ولكن خذ طريقا نصفا بيننا لايدخلك الكوفة ولا يردك الى المدينة حتى
اكتب الى ابن زياد فلعل الله يرزقني العافية ولا يبتليني بشئ من امرك،
ثم قال للحسين(ع) اني اذكرك الله في نفسك فاني اشهد لئن قاتلت لتقتلن،
فقال الحسين(ع) افبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب ان تقتلوني وساقول
ماقال اخو الأوس لإبن عمه وهو يريد نصرة رسول الله (ص):
سامضي وما بالموت عار على الفتى
اذا مانوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبورا وخالف مجرما
فان عشت لم اندم وان مت لم الم كفى بك ذلا ان تعيش وترغما
فلما سمع الحر هذا منه تنخى عنه فكان الحسين(ع) يسير باصحابه في ناحية
والحر ومن معه في ناحية اخرى وعندما وصلوا الى نينوى وهي قرية صغيرة من
قرى الطف قدم عليهما رسول ابن زياد ومعه كتاب الى الحر يقول فيه جعجع
بالحسين حين تقرأ كتابي ولا تنزله الا بالعراء على غير ماء وغير حصن
فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال (ع) له دعنا ننزل نينوى او الغاضريات
او شفيه فقال الحر لااستطيع فان الرجل عين علي وبينا هم يسيرون اذ وقف
جواد الحسين فسأ ل (ع) مااسم هذه الارض؟
فقيل له... كربلاء
نفسية الحر
يتضح من خلال هذه المقابلة عدة امور منها ان الحر كان مكرها في خروجه
للتصدي للحسين ويدل على ذلك قوله فلعل الله يرزقني العافية ولايبتليني
بشئ من امرك ومنها انه لم يكن يعلم بامر الكتب التي كان يرسلها اهل
الكوفة الى الحسين(ع) ومنها انه كان يقدر منزلة الحسين"(ع) ويعرف حقه
عندما صلى خلفه ومنها انه كان يميل في داخله الى الحسين وذلك عندما
اطلع الحسين على كتاب ابن زياد واخبره ان حامل الكتاب هو عين عليه وهذا
يدل على ان الحر كان يكتم في نفسه شيئا من الولاء للحسين.. في كربلاء..
حيث الموقف والشهادة..لما وصل جيش عبيد الله بن زياد الى كربلاء بقيادة
عمر بن سعد لم يكن الحر يتوقع ان الامور ستؤدي الى القتال لذلك راح
يسأل عمر قائد الجيش امقاتل انت هذا الرجل؟ فاجابه عمر أي والله قتالا
ايسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الايدي. فساله ثانية فما رايك فيما عرضه
عليك من الخصال؟ - في اشارة منه الى ما بينه الامام الحسين(ع) من
قرابته من رسول الله ومكانته ومنزلته فاتى الجواب لو كان الامر بيدي
لقبلت ولكن اميرك ابن زياد ابى ذلك.. رجع الحر وهو يرتعد لم يصدق أذنيه
هل وصلت بهم الوقاحة والجرأة لقتال ابن بنت رسول الله وسيد شباب اهل
الجنة فسار نحو المشرعة وهو مطرق فسأله المهاجر بن اوس عندما رآه مطرقا
مفكرا ان امرك لمريب، والله لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك
فما هذا الذي اراه منك ؟ فقال له الحر اني اخير نفسي بين الجنة والنار
والله لا اختار على الجنة شيئا ولو اُحرقت ثم توجه نحو معسكر انصار
الامام الحسين(ع) وهو منكسا راسه حياءا منه... فقال : اني تائب فهل ترى
لي من توبة، فكان الجواب، نعم يتوب الله عليك صدقت، واصابت امه حين
سمته حرا ولعلها كانت تتوسم في ابنها هذه الروح الحرة . وقد خاض
المعركة الى جانب الامام وابلى بلاء حسن حتى خرً صريعا مضرجا بدمه
الطاهر وهو يدافع عن حمى الاسلام .. وقد نعاه الحسين حين مصرعه وذهب
الى حيث مضجعه وقال عنه: (انت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة).. فسلام
عليك حين ولدت واستشهدت وتولد حيا..
تجديد علم الاصول
قرأة في كتابات الامام الشهيد محمد باقر الصدر
الدكتور حسن حنفي
اولا: كتابات الامام في علم الاصول علم الاصول له شقان: علم اصول الدين
وعلم اصول الفقه. علم اصول الدين هو علم العقائد، او علم الكلام، او
علم التوحيد، او علم الذات والصفات. وهو علم نظري يضع اصول النظر، اي
التصورات العامة للعالم، مثل التوحيد والعدل بلغة الاعتزال، او الذات
والصفات والافعال بلغة الاشعرية. وعلم اصول الفقه علم عملي يضع قواعد
النظر واستنباط الاحكام. هو علم نظري عملي يضع قواعد الاستدلال من اجل
تطبيق الاحكام. علم اصول الدين اشبه بالعقل النظري،وعلم اصول الفقه
اشبه بالعقل النظري العملي. اما علم الفقه فهو العقل العملي. واختيار
علم اصول الفقه للتجديد فيه هو اختيار لاهم مواطن الابداع في العلوم
الاسلامية. فعلم الاصول هو العلم الاسلامي الابداعي بالاصالة. تاسس
بشقيه قبل عصر الترجمة. ومن ثم، فهو سابق على الفلسفة، وكما لاحظ الشيخ
مصطفى عبد الرازق ضد اتهامات المستشرقين للفكر الاسلامي بتبعيته
لليونان
. ((120)) وهو العلم الذي يعبر عن روح الحضارة الاسلامية، التوجه نحو
الواقع من اجل السيطرة عليه عن طريق تنظيم الافعال الانسانية فيه، ووضع
قواعد للسلوك البشري. ليست غايته الاخرة بل الدنيا، وليس الدين بل
عمارة الارض، وليس اللّهبل العالم. فاللّه هو الشارع، واضع الشريعة،
ولما كانت الشريعة وضعية لها بنيتها في الواقع الاجتماعي وفي الموقف
الانساني لم تكن هناك حاجة الى تشخيص الشريعة في شخص الشارع، وليس
الاشراقيات والاتصال بالعقل الفعال بل العقل الاستنبطي والاستقرا
التجريبي مع مباحث اللغة وتحليل الالفاظ. لذلك اهتم الامام الشهيد بعلم
الاصول. وخصص له كثيرا من اعماله، على الاقل خمسة:
1. مباحث الدليل اللفظ ي (ثلاثة اجزا): يضم، بعد التمهيد في تعريف
العلم وموضوعه وتقسيمه، والمدخل في الدلالة والاستعمال وعلامات الحقيقة
وتشخيص المعنى والتطبيقات، قسمين: البحوث اللفظية التحليلية، وتضم
الحروف والهيئات، والبحوث اللفظية اللغوية مثل الاوامر والنواهي، صيغها
ودلالاتها وعلاقتها مع بعض المفاهيم الرئيسية فيهامثل الخاص والعام،
والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين.
2. مباحث الحجج، والاصول العملية (اربعة اجزا): الجزء الاول عن الحجج
والامارات. ويتوجه نحو منطق الاستدلال، وقسمته الى قطع وظن، وتفسير
الظن في السيرة والظواهر والاجماع والشهرة والاخبار، ومطلق الظن
عندماتنسد الدلائل جميعها. والقطع يستبعد التجري وهو العمل بلا دليل
يقيني. والدليل هو اساسا الدليل العقلي على عكس ما يقال في الاصول
الشيعية التقليدية من تقليد الامام المعصوم او اجماع آل البيت، آل
العترة، الاجماع الخاص وليس الاجماع العام. والثاني عن البراة والتخيير
والاحتياط، وهي من مقولات الفعل التي تؤكد على البراة الاصلية، وان
الاشيا في الاصل على الاباحة، وعلى حرية الافعال وان الانسان على
التخيير كما هو الحال في المندوب والمكروه،وعلى الاحتياط والحذر والبعد
عن الشبهات حرصا على راحة الضمير. والثالث عن الاستصحاب، حجيته،
والاقوال فيه، ومقدار ما يثبت به، ثم تطبيقات عليه. والرابع في تعارض
الادلة الشرعية وتقسيمه الى غير مستقر ومستقر..
3. دروس في علم الاصول (ثلاث حلقات في جزاين): ويتضمن ثلاثة مباحث بعد
المقدمات التمهيدية الاولى،جميعها في الادلة. الاول: الادلة المحرزة،
الدليل الشرعي، والدليل العقلي. والثاني: الاصول العملية التي تتركز في
الاستصحاب. والثالث في تعارض الادلة..
4. المعالم الجديدة للاصول: وينقسم، بعد المدخل التمهيدي الاول، الى
جزاين: الاول: عن الدليل وانواعه: اللفظ ي،والبرهاني، والاستقرائي،
والثاني: الاصل العملي مثل الاستصحاب، وهي القسمة نفسها في المؤلفات
السابقة مع تلخيص شديد..
5. الاسس المنطقية للاستقرا: بالرغم من انه ليس في علم اصول الفقه
مباشرة الا انه تنظير له، بحيث يصبح منطقاخالصا يجمع بين الاستنباط
والاستقرا، بين استنباط الاصل واستقرا الفرع بعد نقد المنطق الصوري
الخالص،ونقد المنطق التجريبي الخالص من اجل تاسيس منطق ذاتي للمعرفة..
بالرغم من ان العملين الاولين من تاليف السيد محمود الهاشمي الا انهما
من دروس الامام الشهيد. الافكار له والتحريرلاحد تلاميذه، وذلك مثل
نسبة افكار مقالات "العروة الوثقى " للسيد جمال الدين الافغاني، بالرغم
من ان التحريروالصياغة للامام محمد عبده ((122)). واذا كان في علم اصول
الدين اختلاف واضح في العقائد بين السنة والشيعة فان علم اصول الفقه
يقل فيه الخلاف الى اقصى حد. انما يظهر التوتر فيه بين قطبيه، الاصل
والفرع، النص والمصلحة، التقليد والاجتهاد، وهو توتر يشارك فيه اصول
الفقه السني والشيعي على حد سوا.. وتوجد مصطلحات غير مالوفة في اصول
الفقه الشيعي، مثل: المجزية، التعهد، المرآتية، العلامية، التبادر،
التعبدي،التوصلي، التجري، الانتزاعي، الظواهر، الانسداد، الاحتياط،
التزاحم، التعارض غير المستقر، التعارض المستقر،الورود، الادلة
المحرزة.. الخ تجعل الاصولي السني يشعر ببعض التجريد على مستوى المعنى
وعدم الالفة والغرابة على مستوى اللفظ . ((123)) ومع ذلك، توجد مصطلحات
مشتركة بين الشيعة والسنة، مثل: الوضع، الاوامر والنواهي، الحقيقة
والمجاز، المطلق والمقيد، الخاص والعام، الواجب، الشرط، الصفة، الضد،
القطع، الظن، الحجة، الامارة، القرينة، الدليل العقلي، الدليل الشرعي،
الامتثال، الاجماع، البراة، الاستصحاب، التعارض، الترجيح.. الخ تجعل من
السهل عقد المقارنة بينهما((124)). ثانيا: دلالات المباحث اللفظية من
الواضح تركيز الامام الشهيد العلم كله على قطب واحد، كما يقول الغزالي،
وهو طرق الاستثمار وليس الثمرة(الاحكام) او المستثمر (بفتح الميم)، وهي
الادلة الشرعية الاربعة، او المستثمر (بكسر الميم)، وهو الفقيه او
المفتي اوالمجتهد. العلم هو منهجه قبل ان يكون موضوعه وغايته. ولما كان
المنهج يتعلق بطرق الاستدلال، فقد غلب عليه المنطق. ولما كان منطق
الاستدلال يتعامل مع النص، وهو الاصل والواقع، وهو الفرع، اصبحت مباحث
الالفاظ اهم جانب في منطق الاستدلال. ولما كان الفرع هو الواقع الجديد
الذي في حاجة الى دليل ظهر دور العقل والدليل العقلي على التقابل. ولما
كان منطق الاستدلال لا يتم عن طريق ربط آلي بين الدليل اللفظ ي والدليل
العقلي ظهرالاستصحاب. وهو نوع من الادلة لا تمايز فيه بين النص والعقل،
بل الدوران مع المصلحة العامة، فالمصلحة اساس التشريع. وهذا هوالسبب في
قسمة علم الاصول قسمة ثلاثية: الدليل اللفظ ي، والدليل العقلي، ودليل
الاستصحاب. وهو موقف ابن رشدنفسه في "الضروري في علم اصول الفقه "
ملخصا المستصفى للغزالي واقطابه الاربعة الى قطب واحد هو قطب الامام
الشهيد نفسه، طرق الاستثمار. فقد كان هم ابن رشد هو الهم نفسه، كيفية
الاستدلال. واعمال العقل بين النص والواقع،بين الكليات والجزئيات
((125)). وقد بلغت مباحث الالفاظ من الاهمية لدى الامام الشهيد انه خصص
لها مؤلفاباكمله من اجزا اربعة:
مباحث الدليل اللفظي
ومن مجرد المصطلحات تبدو حداثة الامام الشهيد في استعمال لفظ "الدلالة
"، وهو الذي اصبح موضوعا باكمله في احد فروع اللسانيات الحديثة هو "علم
الدلالة ". كما يستعمل لفظ العلامة الذي اصبح هو ايضا موضوعا لعلم
مستقل في اللسانيات الحديثة هو علم العلامات ((126)). توضع الدلالة
اللفظية في النظرية العامة للدلالة على المعنى الحقيقي.ويعرض عدة
نظريات فيها، مثل نظرية التعهد ونظرية الاعتبار، ثم ينتقل منهما الى
نظرية الوضع. والدلالة الوضعية ليست تصورية او تصديقية بل متوقفة على
الارادة من دون ان تكون قيدا عليها. الدلالة جماع الموضوع والذات،
الوضع والقصد، اشتراك علاقة بين طرفين. ويدخل المعنى المجازي في نظرية
الدلالة. فاللفظ يدل حقيقة كما يدل مجازا.الحقيقة والمجاز اول ثنائي
لغوي في مبحث الالفاظ التقليدي يتحول عند الامام الشهيد الى جزء من كل.
كما يوضح في نظرية الدلالة جميع الفاظ الاشتباه عندما يدل اللفظ على
اكثر من معنى ابتدا من الحقيقة والمجاز، والظاهر والمؤول،والمطلق
والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والمستثنى والمستثنى
منه، بل الخاص والعام، والامروالنهي. جميعها من مباحث الالفاظ.
والعلامات ليست مجرد رموز اصطلاحية، ومواصفات اتفاقية، بل هي علامات
حقيقية لتشخيص المعنى وتحويله من عالم الاذهان الى عالم الاعيان. وهي
على انواع: علامات التبادر، وعلامات صحة الجمل، وعلامات الاطراد،
وعلامات التعارض، وجميعها علامات على الحقيقة لها اثرها العملي
((217)). وكما ان هناك منطقا صوريا ومنطقا تجريبيا ومنطقا للاستعمال،
تاتي نظرية الاستعمال بعد نظرية الدلالة. واذا كان علم اصول الفقه هو
علم نظري عملي كان من الطبيعي ان يكون منطقه منطقا للاستعمال. ولا يعني
الاستعمال مجرد كيفية العامل مع الاداة، بل هو مرآة وعلامة. وهي
مصطلحات وتصورات مستحدثة في علم الاصول. والاستعمال ايجاد،اقرب الى
الفعل الخلاق منه الى الاداتية والوسائلية. ويدخل الامام الشهيد، واضع
"الاسس المنطقية للاستقرا"، الدليل الاستقرائي مع الدليل اللفظ ي
والدليل البرهاني اوالعقلي. بل انه يعد القياس خطوة من الاستقرا. ويعد
المصادر الظنية الخارجية مثل الاجماع، والشهرة، والخبر، وسيرة
المتشرعة، والسيرة العقلانية من الدليل الاستقرائي غير المباشر. ويعني
الاستقرا تكرار الافعال الجزئية من اجل استخلاص قاعدة عامة، ثم اصبح
مجموع هذه القواعد علما مستقلا هو "علم القواعد الفقهية "، وهو ما يسمى
ايضا عنداهل السنة علم "الاشباه والنظائر" والذي الف فيه ابن نجيم
والسيوطي. ويسميه الشاطبي "الاستقرا المعنوي "، ويعني تكرار احكام رفع
الحرج او الضرر حتى يمكن الانتها الى الاحكام العامة حتى ولو كان
الاستقرا ناقصا ((218)). ويغلب على كثير من مباحث الالفاظ ما وضعه اهل
السنة ضمن المقدمات العامة الاولى عن المبادى اللغوية، كما هوالحال في
"المستصفى " للغزالي، مثل الحديث عن اقسام الكلام: الاسم، والفعل،
والحرف، والمعرفة، والنكرة، وازمان الفعل، وصيغ الخطاب ((129)). فعلم
اصول الفقه يستمد بعض مواده من العلوم الاخرى، في ما يتعلق بالاخبار،
التواتروالاحاد، مثل علم اللغة في مقدمة مبحث الالفاظ، وعلم الحديث في
الدليل الثاني، السنة، وعلوم القرآن، في ما يتعلق بالنسخ في الدليل
الاول، والمنطق واشكال القياس في ما يتعلق بالدليل الرابع. لذلك يقسم
الامام الشهيد مباحث الالفاظ الى تحليلية ولغوية.. التحليلية هي التي
يسميها اهل السنة المبادى ء اللغوية،وهي مباحث الالفاظ التقليدية. وتضم
التحليلية الحروف والهيئات، اي صيغ الخطاب، مثل الخبر والانشا
والشرط،والهيئات الارادية وهي هيئة الفعل والمصدر والمشتقات، ثم وضع
الحروف بالهيئات، واثر ذلك في الممارسات العملية ((130)).. ومبحث
الاوامر والنواهي هو صلب مباحث الالفاظ التقليدية. وهي ايضا مبحث من
مباحث الدلالات العامة: دلالة مادة الامر، اي مضمونه من حيث العلو
والاستعلا او الوجوب او الطلب. فالامر فعل ارادي او طلب فعل. واهم صيغه
التعبدي والتواصلي مع دلالته على الوجوب النفسي وتكراره. اما اجزا
الامر فتتعلق بالوقت، اي زمان الفعل. ومقدمة الواجب تعني شرطه او
اطلاقه بلا شرط. وهو واجب تجاه النفس وتجاه الغير. ومبحث الضد تقليدي،
وهي مسالة هل الامر بالشيء نهي عن ضده. وفي الحالات الخاصة تثار مسائل
الامر بعد الامر، والامر بالامر، ونسخ الامر. وفي كيفيات الامر يبحث
موضوع التخيير، والكفاية، والعين، والغور والتراخي والقضا، والضيق
والموسع، وكلها تحقيق الامر في الزمان. فالامر على هذا النحواشبه ببنية
تجمع بين النص والواقع وفي وسطها الفعل. له ابعاد لغوية وسلوكية
وواقعية في تادية الفعل في الزمان اكثر منه في المكان ((131)). ويتم
التعرض لموضوع النواهي بالطريقة نفسها. ويقسمها الى قسمين: الاول: بحوث
النواهي وتشمل الصيغة، واجتماع الامر والنهي، والفساد. والثاني:
المفاهيم، وتضم معنى المفهوم، ثم بعض المباحث اللغوية التقليدية، مثل
الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين. فصيغ النهي تدل على
الاستغراق، وتستدعي الامتثال، وتوفر الدواعي "الجامع الانتزاعي ". وقد
تجتمع الاوامر والنواهي في الصيغة نفسها. فالفعل ترك ايجابي، والترك
فعل سلبي. ولما كان الامر طلبا للصلاح فان النهي كف عن الفساد. اما
المفاهيم فانها الاسس التي يرتكز عليها النهي مثل الشرط والوصف والغاية
والاستثنا والحصر. الامر الذي يدل على رغبة الامام الشهيد في العرض
النظري، وتحويل علم الاصول الى منطق شعوري خالص.. اما مباحث العام
والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، فانها مباحث تقليدية مع قدر
كبير من التجريد من دون اعطا امثلة توضيحية من الفقه او الدخول في
مناقشات كلامية نظرا للتمييز بين العلمين: اصول الدين واصول الفقه..
انما يزيد الامام الشهيد تحليل الخطاب الشفاهي.
العلامة مرتضى العسكري..مسيرة حافلة بالعطاء والجهاد كان رائداً للوحدة
الإسلامية وانتهج التفكير العلمي والحيادي للتراث الإسلامي
كتب/جلال البصري
يعد العالم الجليل المحقق والمؤرخ البارع آية الله السيد مرتضى
العسكري(قدس) من العلماء الأجلاء الذين احتلوا مكانة رفيعة في شتى
ميادين العلم والمعرفة والتاريخ والتفسير والعقائد، إضافة إلى سجل حافل
بالانجازات العلمية والتربوية والسياسية.
كان رحمه الله مثالاً للإنفتاح الفكري الملتزم والدقة العلمية التي
حافظت على موضوعيتها بشكل قل نظيره. كما كان رائداً للوحدة الإسلامية
عندما دعا التفكير العلمي والحيادي للتراث الإسلامي ونادى (مفكري
العالم الاسلامي وعلمائه وكتابه، والمصلحين الساعين لتوحيد كلمة
المسلمين إلى القيام بدراسة موضوعية لما ورثه المسلمون من مصادر سنة
الرسول (ص)، سيرة وحديثاً، وعدم البقاء على تقليد السلف الصالح في
استنباط الأحكام الشرعية ولا في دراية الحديث. وبذلك يتحقق الوصول إلى
معرفة الإسلام من الكتاب والسنة، ويتيسر توحيد كلمة المسلمين حولهما
للقيام بتجديد حياة إسلامية). نشأته ودراسته ولد السيد مرتضى بن السيد
اسماعيل العسكري في جمادى الثانية عام 1332 هجري الموافق 1914 في مدينة
سامراء. وكانت هذه المدينة حاضرة علمية تزدهر بالمدارس الدينية والحوزة
العلمية والمرجعية الرشيدة بزعامة الميرزا الشيرازي صاحب ثورة التنباك
عام 1892. وكانت أسرته تسكن في سامراء. درس العلوم الدينية عندما كان
في سن العاشرة. وكان يحب القراءة وخاصة كتب السيرة والصحابة وتاريخ صدر
الإسلام، وكذلك كتب الرحلات (كرحلة ابن جبير وابن بطوطة ورحلات
الغربيين إلى الشرق الإسلامي). وكان منهمكاً في مطالعة الكتب
والمخطوطات التي تقع تحت يديه، وكان مصدره مكتبة جده حيث يقرأ الكتب
حتى في الليل، بل ربما لا ينام لشغفه بالكتاب. درس السيد العسكري في
الحوزة العلمية في سامراء، حيث قرأ جامع المقدمات في سن العاشرة، ثم
الكتب العلمية واللغوية والفقهية والأصولية المتداولة آنذاك. وكان
رفيقه في الدراسة الشيخ مرتضى الحائري. عاش العسكري عمره المديد في
العراق معتمداً على ما تدره أملاك والده في إيران. وعندما قرر رضا شاه
قطع الأموال الذاهبة إلى العراق، اضطر السيد العسكري عام 1931 إلى
التوجه إلى الحوزة العلمية في قم المقدسة لإكمال دراسته، وكان آية الله
الشيخ عبد الكريم الحائري هو المرجع الأعلى. سكن في المدرسة الفيضية
وحضر دروس السطوح العالية لدى السيد المرعشي والشيخ محمد حسين
شريعتمدار. نشاطاته العلمية التقى العسكري بمجموعة زملاء في الدراسة من
بينهم آية الله محمود الطالقاني، واتفقو على تأسيس مشروع جديد لدراسة
وتعليم (التفسير وعلوم القرآن) و(الأحاديث غير الفقهية) و(بحوث
العقائد) في الحوزة. كان هذا المشروع التجديدي غريباً على أجواء الحوزة
العلمية، فلقي معارضة شديدة من قبل مدير الحوزة الحاج مهدي ميرزا. شعر
العسكري بعدم الارتياح لهذا الموقف، فعاد إلى سامراء مرة أخرى عام
1943، حيث درس كتاب (الكفاية) لدى الحاج حبيب الله الاشتهاردي المعروف
بالمدرس العسكري. وفي سامراء حيث التعايش العريق بين السنة والشيعة
تفتق ذهن العسكري على أهمية الكتابة في السيرة، سيرة تجمع بين السني
والشيعي. ولم يدر بخلده آنذاك أنه سيعيد كتابة التاريخ، لكنه أراد أن
يكتب سيرة تكون مستدركاً لكتاب (وسائل الشيعة في تحصيل علوم الشريعة)
مع الاستعانة بالروايات السنية. في عام 1944 قام العسكري بتأسيس أول
مدرسة حديثة في مدينة الكاظمية، تدرس فيها مناهج تعليمية دينية
والتاريخ الإسلامي بشكل جديد. وكان قد وجد عدم دقة الكتب التاريخية،
فأرسل رسالة إلى العلامة السيد محسن الأمين العاملي يطلب منه مجموعة
كاملة عن سيرة المعصومين الأربعة عشر، فأرسل إليه كتاباً تقليدياً
يتحدث عن الولادة والنسب والأولاد وأسماء التلامذة وغيرها. هذه
المعلومات لم تشبع توجهه لأنها كانت خالية من البعد الفكري الذي امتاز
به الأئمة عليهم السلام. أثناء الحرب العالمية الثانية انتقل إلى بغداد
عام 1944، فأسس المدرسة الجديدة، وكان ينوي تأسيس كلية إسلامية أو حوزة
عصرية لكنه توقف بسبب الاعتراضات التي واجهته من الآخرين. عاد مرة أخرى
إلى سامراء، وعكف على الدراسات الفقهية. وبهدف تحقيق مشروعه زار قم
المقدسة والتقى بالمرجع الأعلى السيد البروجردي، وطرح عليه مشروع تأسيس
مدرسة علوم دينية بالشكل الذي كان يبتغيه، وأن يشرف عليها بنفسه، فوافق
على ذلك. في تلك الفترة حدثت أحداث سياسية في ايران منها وصول الدكتور
مصدق إلى الحكم وقيامه بتأميم النفط عام 1951، فاضطر العسكري على
العودة إلى العراق. كانت بغداد في تلك الفترة تموج بالتيارات الفكرية
والسياسية : القومية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية الغربية،
والليبرالية والسلفية والصوفية. كما كانت تشكل بؤرة للمراكز الجامعية
والإعلامية للعراق. وكان السيد العسكري يستشعر الخطر الذي يتهدد البناء
الإسلامي وخاصة ما يتعرض له الجيل المسلم من شبهات وتشكيكات، لذلك بادر
إلى تحصين المجتمع وخاصة الشباب والفتيان من الوقوع في شراك الأفكار
الضالة. ولم تكن الظروف السياسية مؤاتية في تلك الفترة، ففي 14 تموز
1958 سقط النظام الملكي وتأسس نظام جمهوري بزعامة عبد الكريم قاسم.
وبعد خمس سنوات من الاضطرابات والمؤامرات سقط الزعيم بانقلاب 8 شباط
1963 بزعامة عبد السلام عارف وصعود البعثيين للسلطة عندما ترأس الحكومة
أحمد حسن البكر. ولم تمض سوى تسعة أشهر حتى حدث انقلاب 18 تشرين الأول
1963 الذي أطاح بالبعثيين بعد أن مارسوا أبشع الجرائم ضد الشعب العراقي
من خلال عصابات الحرس القومي. وبعد سنتين أي في عام 1965 لقي عبد
السلام عارف مصرعه في حادث طائرة جنوب العراق، وتولي السلطة أخوه عبد
الرحمن عارف. ولم يستمر الأخير سوى ثلاث سنوات حتى أطاح به حزب البعث
في 17 تموز 1968. بدأ العسكري بمشاريع نهضوية إصلاحية شملت البناء
التعليمي والأكاديمي لبناء جيل إسلامي واعٍ من خلال مدارس الإمام
الجواد (ع) الابتدائية والثانوية (نهارية ومسائية)، مدارس الإمام
الباقر (ع)، مدارس الإمام الكاظم (ع) ومدرسة الزهراء (ع) للبنات. وقد
كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر أحد طلاب مدارس الكاظم (ع) عندما كان
العسكري يشرف على إدارتها. هذا إضافة إلى كلية أصول الدين التي خرجت
المئات من المثقفين الرساليين والكوادر العلمية والتدريسية. يذكر أن
رئيس الوزراء السيد نوري المالكي أحد خريجي هذه الكلية العريقة. من
جانب آخر شارك العسكري في تأسيس أول حزب إسلامي حركي في العراق هو حزب
الدعوة الإسلامية عام 1957. وكان يحمل أفكاراً لإنشاء تنظيم إسلامي
واعٍ، حتى جاءه السيد مهدي الحكيم وبتكليف من السيد محمد باقر الصدر
ففاتحه بتأسيس حزب. سافر العسكري إلى النجف حيث انضم إلى اجتماع حضره
السيد محمد باقر الصدر والسيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم
(رحمة الله عليهم أجمعين). ثم قام العسكري بدعوة من يثق بهم مثل محمد
هادي السبيتي ومحمد صادق القاموسي وصالح الأديب، ودعا السيد مهدي
الحكيم الحاج عبد الصاحب دخيل. بدأ نظام البعث بالتخطيط للتخلص من
تأثير المرجعية الدينية التي كان يتولاها الإمام السيد محسن الحكيم.
فقام النظام باتهام ولده السيد مهدي الحكيم بالتجسس لمصلحة دولة
أجنبية، فاضطر السيد مهدي لمغادرة العراق. وبسبب علاقة السيد العسكري
الوثيقة مع السيد مهدي الحكيم، قامت السلطات بمداهمة داره، فاضطر
العسكري إلى الخروج من العراق متوجهاً إلى بيروت. ونجا العسكري من
الاعتقال لكن الجيش العراقي اعتقل أسرته عند الحدود الأردنية. وكانت
عناصر النظام البعثي تخطط لاغتياله في بيروت، لكنه واصل عمله وجهاده.
جمعية الصندوق الخيري الإسلامي تأسست الجمعية عام 1947 من قبل العلامة
المصلح السيد هبة الدين الشهرستاني. وضمت ثلة من رجال الخير والبر وهم
: توفيق الروماني، عبد الهادي الجلبي، عبد الغني الدهوي، السيد باقر
الحسني، عبد العزيز البغدادي والشيخ كاظم آل نوح. وخلال عشر سنوات من
مسيرتها، قامت الجمعية بتأسيس عدة مشاريع إنسانية وخيرية وتربوية
وعلمية. وعندما أراد السيد مرتضى العسكري تأسيس جمعية خيرية تتولى
الإشراف على مشاريع جديدة، رفضت الحكومة طلبه، فتوجه إلى إحياء (جمعية
الصندوق الخيري الإسلامي). وكان العسكري قد استقر في بغداد، وبدعم من
الإمام السيد محسن الحكيم - الذي منحه وكالة عنه في بغداد- قام العسكري
بتأسيس مراكز إسلامية ومدارس دينية ومدارس أكاديمية للبنين والبنات من
المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية. كما أسس مراكز التعليم المهني
للذكور والإناث والمستوصفات وصناديق القروض الخيرية والمكتبات في بغداد
وبعض المدن العراقية كالبصرة والحلة والديوانية والنعمانية. كما قام
بإنشاء كلية أصول الدين عام 1964 في منطقة الكرادة الشرقية ببغداد.
وأصدر مجلة (رسالة الإسلام) ومجلة (المجتمع الإسلامي) اللتين كانتا
مصدر إشعاع علمي وثقافي، وساهمتا بشكل مؤثر في حركة الوعي الإسلامي
آنذاك. كما اعتلى منبر الخطابة في نفس المنطقة يلقي دروساً في الحديث
والتفسير والتاريخ الإسلامي والعقيدة، تلقاها الشباب والمثقفين
والجامعيين باستقبال شديد. كما استطاعت الجمعية أن تجذب عشرات من الذين
ساهموا في مشاريعها، من أعلام المجتمع العراقي أمثال السيد مهدي
الحكيم، داود سلمان العطار، عبد الباري آل مباركة، فرحان عبد الكريم
الغبان، نوري جعفر، صادق الخليلي، محمد عبد الساعدي والحاج عبد الصاحب
دخيل. وبعد وصول البعث للسلطة عام 1968 تعرض أكثر أعضائها للملاحقة
والاعتقال والقتل. وبعد سقوط النظام عاد السيد العسكري إلى العراق،
وقام بتشكيل هيئة تحضيرية تولت إجراء انتخابات لجنة إدارية جديدة ضمت
نخبة من الأكاديميين والوجهاء والمحامين والقضاة والمثقفين والعلماء،
لتتولى إعادة افتتاح كلية أصول الدين والمدارس الثانوية وبقية المشاريع
التي صادرها حكم البعث البائد. مؤلفاته تنوعت مصنفات العسكري في مجالات
عديدة : في التاريخ والتفسير والعقائد المقارنة منها: 1- خمسون ومائة
صحابي مختلق (ثلاثة مجلدات) 2- أحاديث أم المؤمنين عائشة (أربعة أجزاء)
3- عبد الله بن سبأ وأحاديث أخرى (مجلدان) 4- معالم المدرستين (ثلاثة
مجلدات) 5- القرآن الكريم وروايات المدرستين (ثلاثة مجلدات) 6- عقائد
الإسلام من القرآن الكريم (ثلاثة مجلدات) 7- قيام الأئمة بإحياء الدين
( 14 مجلداً) 8- دور الأئمة في إحياء السنة. 9- مقدمة كتاب (مرآة
العقول في شرح أخبار آل الرسول) (مجلدان) 10- مصطلحات إسلامية. 11- على
مائدة الكتاب والسنة (19 مجلداً) 12- مع أبي الفتوح التليدي في كتابه
(الأنوار الباهرة) 13- مع الدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين)
14- آراء وأصداء حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف بن عمر 15- طب الرضا
(ع) وطب الصادق (ع) 16- بحوث أخرى في الفقه والعقائد مثل (السجود على
التربة، البكاء على الميت، زيارة قبور الأنبياء والأئمة والصلحاء،
التوسل بالنبي (ص) والتبرك بآثاره، الصلوات على محمد (ص) وآله، يكون
لهذه الأمة إثنا عشر قيماً، عصمة الأنبياء، البناء على قبور الأنبياء
والأولياء، الشفاعة، البداء، الجبر والتفويض والقضاء والقدر، المتعة أو
الزواج المؤقت، حديث الكساء من طرق الفريقين، تعليم الصلاة، المصحف في
روايات الفريقين، صفات الله في روايات الفريقين، آية التطهير في مصادر
الفريقين). وفاته رحمه الله) إذا مات العالِم ثلم في الإسلام ثلمة لا
يسدها شيء إلى يوم القيامة).. وقد توفي إلى رحمة الله في عام 2008
لعالما جليلا محققا ومؤرخا بارعا عن عمر ناهز المائة عام قضاها بالفكر
والجهاد والعمل. يعد السيد العسكري من العلماء الأجلاء الذين احتلوا
مكانة رفيعة في شتى ميادين العلم والمعرفة والتاريخ والتفسير والعقائد،
إضافة إلى سجل حافل بالانجازات العلمية والتربوية والسياسية
الامام الثائر: باقر الصدر جدلية الصراع بين الحق والباطل
أ.د. رفعت سيد احمد/ مفكر من مصر
كنا اذا ذكرت بغداد في بلد.
نهتز فخرا وبين الناس نختال.
واليوم في عهد صدام اذا ذكرت.
نغض حياء ففي التذكر اذلال
ان الحديث عن الامام الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر،
وبعد اكثر من عقدين على استشهاده، يمثل لكل المخلصين لراية الاسلام
والجهاد والعزة، أيا كانت الاتجاهات الفكرية او السياسية، مناسبة لا
تتكرر للعمل الصحيح من أجل التغيير والنهضة المنشودة داخل البلدان
الإسلامية مع تحديات القرن الواحد والعشرين الميلادي، والتي تمتد على
مساحة كبيرة يحتل ضفتيها (الاستبداد السياسي الداخلي) ناحية و(العولمة
الاستعمارية الخارجية) على الضفة الموازية، وبينهما عشرات القضايا
والمشكلات التي تسير داخل مياه النهر الاسلامي الكبير وتعد مناسبة
الاحتفال بذكرى استشهاد السيد محمد باقر الصدر، هي أعظم المناسبات
المواتية لتأمل هذه القضايا والوصول من خلال ذلك الى أنسب السبل للعمل
والتحرك. ان الامام الشهيد لم يكن أپدا، بعلمه وجهاده، ملك للعراق
والعراقيين، ولكنه كان ولاشك ملك للأمة كلها، فلقد ضرب المثل، فكراً
وسلوكاً على كونه أبعد أثراً من حدود الجغرافيا (العراق)، ليصبح مؤثراً
في ان التمثل الصحيح لسيرة الامام الشهيد تتطلب منا ان نؤكد بداية انها
كانت سيرة صراع بين (الحق والباطل) حيث كان هو يمثل بلا شك الحق،
خالصاً، ثائراً، وكان صدام ونظام حكمه يمثل الباطل سادراً، وقاتلاً لكل
زهور الخير، والعدل في بلاد الرافدين سواء يوم ارتفاع (الصدر) الى
السماء شهيدا (8 /4 /1980) أو بعدها وحتى يومنا هذا (2003م).
ان الحديث عن حياة (الامام الشهيد) وجهاده حديث متعدد الزوايا
والأبعاد، ومن المؤكد ان العديد من العلماء والباحثين أثروا وسيثرون
حياتنا السياسية والفكرية العربية والاسلامية بتناول جوانب هذه الحياة
الثرية للشهيد العظيم، ومن هنا فإننا سوف نتناول (ملامح رئيسية) من
حياته وجهاده وفكره نستشرف منها عند مقارنتها بحياة صدام حسين وسلوكه
تجاه القوى الإسلامية والوطنية في العراق زمن الاستشهاد وماتلاه في
السبعينات والثمانينات، بل والتسعينات، حقيقة الصراع بين الحق والباطل،
متمثلة في واحدة من حلقات الصراع الممتد بين (الامام) و(الطاغية) وهي
حلقات لازالت دائمة الحضور في حياتنا السياسية والعقائدية على امتداد
رقعة عالمنا المعاصر. وقبل ان نذهب الى هذه (الملامح) يهمنا أيضا ان
نشير الى تلك العلاقة المتميزة التي ربطت بين قلبي وعقلي الامامين
العظيمين (الامام الخميني) و(الامام الصدر) وكيف ان هذه العلاقة قد
كانت سبباً مباشرا دفع صدام حسين الى اهدار دم الشهيد الامام محمد باقر
الصدر من خلال قتله والعديد من أهل بيته، لقد كانت علاقة الامامين
العقائدية والسياسية والانسانية بمثابة الأرضية الصحيحة للتحول الكبير
الذي كان لو قدر له ان يتم بشكله الصحيح، لكانت جغرافية وتاريخ وحياة
(العراق) بل والمشرق العربي قد تغيرت تماماً الى الأفضل بالتأكيد، ولكن
شاء الله سبحانه وتعالى ان يُبتلى العراق والمجاهدون فيه وفي ايران،
وفي منطقتنا العربية بإجمال، بأن ينتصر الباطل في جولته الأولى، ويتم
اغتيال الشهيد (محمد باقر الصدر) ليتوقف التاريخ مؤقتاً، وليتوحش
(الباطل) وينتشر الى ان يصل حاله الى (درجة عالية من البؤس) والحصار،
ثم الاقصاء على أيدي المجرمين الذي دفعوه للحرب ضد إيران، والى اغتيال
الصدر وآلاف المجاهدين، لقد وصلت العراق مع وبعد صدام الى حالة من
الانهيار لم تحدث في تاريخ (العراق) من قبل، وگانها لعنة دم الشهداء
وعلى رأسهم الصدر، الذين تلوثت أيدي (صدام وجماعته) بها، وهي حتماً
ستؤدي به مهما طال غيابه بعد سقوط نظامه؛ لأنها دماء مباركة سينتقم لها
رب السماء ولاشك، وفق حساباته هو وضوابطه الالهية، ان علاقة الامام
الصدر مع الامام الخميني كانت واحدة من أعظم وأهم العلاقات في تاريخ
الحركات الإسلامية المعاصرة، وهي تستحق تحليلاً موسعاً وبحثاً معمقاً
لما تحتويه من دروس عظيمة للمجاهدين والمفكرين وثوار عالمنا المعاصر.
ومع علاقة الامامين (الصدر والخميني) تمثل واحدة من الأبعاد المهمة في
حياة الصدر، بقيت هناك عشرات الأبعاد المهمة في حياة هذا الشهيد ، ونحن
في هذا البحث سوف نرصد أغلبها رصداً موجزاً عل ما نرصده يفيد في تصحيح
أوضاعنا المعاصرة، السياسية والاقتصادية والحضارية ، وفي سبيلنا لتلمس
ملامح جهاد وفكر الامام الشهيد (باقر الصدر)، في نطاق صراعه مع صدام
حسين ونظام حكمه، تمحور حديثنا حول المحاور التالية:
المحور الأول: الامام: نموذج الحق:
داخل هذا المحور ثمة محطات أساسية يهمنا تفصيلها حيث من خلال تكاملها
تتضح أمامنا صورة تقريبية عن نموذج الحق الذي يجسده بحق الشهيد الامام
محمد باقر الصدر.
أولاً: الامام الصدر مدخل عام عن الميلاد والانتاج الفكري:
ان قصة حياة الشهيد السيد محمد باقر الصدر قصة ذات معان كبيرة ودلالات
أكبر، سوف نوجز فيها لطبيعة المقام، فالشهيد هو آية الله العظمى السيد
محمد باقر بن السيد حيدر بن السيد اسماعيل الصدر الكاظمي الموسوي،
ويكنى بأپي جعفر، باسم ابنه الأكبر. ولد في مدينة الكاظمية في بغداد
سنة 1353هـ الموافق سنة 1935م وينتمي الى عائلة الصدر المشهورة بالعلم
والجهاد والتقوى، وقد هاجرت أسرة آل الصدر العربية العريقة من لبنان
الى العراق. ومن عائلة الصدر نذكر السيد الهادي الصدر والسيد حسن الصدر
وآية الله السيد اسماعيل الصدر أخا السيد باقر الصدر ابن السيد حيدر
الصدر ، ويصل نسب الأسرة الى أسرة شرف الدين، التي ينحدر منها العلامة
المجاهد عبد الحسين شرف الدين، مفتي جبل عامل في لبنان؛ وهو صاحب كتاب
المراجعات والفصول المهمة في تأليف الأمة .. الخ. وأمه كريمة الشيخ عبد
الحسين آل ياسين العظمى مرتضى آل ياسين والشيخ راضي، وأسرة آل ياسين من
الاسرة العربية العراقية المعروفة بالعلم والصلاح والفضيلة والتقوى.
وفي مدينة تضم مرقدي الطاهرين موسى بن جعفر الكاظم وحفيده الامام محمد
الجواد، حيث القباب والمآذن ، في مدينة الكاظمية ببغداد، وحيث يعيش
علماء الدين وطلاب العلم، وفي أحياء القسم القديم من هذه المدينة التي
تبعد بضعة مئات من الأمتار عن نهر دجلة، وفي بيت متواضع جداً ولد
الامام وابتلاه الله مبكراً باليتم كالأنبياء تماماً، فقد فَقَد الشهيد
الصدر والده حيدر الصدر وعمره أربع سنوات، تاركاً ولدين هما: اسماعيل
ومحمد باقر الصدر، وطفلة صغيرة تدعى آمنة "بنت الهدى"، وقد تولى
الإشراف عليهما أخوهما المجتهد المجاهد السيد اسماعيل الصدر، ولقد واصل
الشهيد جهاده العلمي والفكري، وخلف لنا تراثاً عظيماً من الاسهامات
الفكرية المميزة والمتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال:
1. غاية الفكر.. في علم أصول الفقه ويتحدث عن أصول استنباط الحكم
الشرعي وقواعده.
2. بحوث في شرح العروة الوثقى وتتكون من أربعة مجلدات تبحث في الفقه
بأسلوب استدلالي عميق.
3- 4. الفتاوى الواضحة ومنهاج الصالحين .. وهما رسالتان عمليتان تعبران
عن آرائه الفقهية وتحددان المجال العملي والسلوكي للفرد المسلم على ضوء
الشريعة الإسلامية المقدسة.
5. دروس في علم الأصول . ويتحدث فيها أيضا عن أصول استنباط الحكم
الشرعي وتحدد قواعده ومناهجه بأسلوب أكثر عمقاً واستدلالا من كتاب
(غاية الفكر).
6-7. مباحث الدليل اللفظي وكتاب تعارض الأدلة الشرعية.. وهما يبحثان في
علم أصول الفقه.
9. أحكام الحج.. وهو بحث فقهي يحدد السلوك العملي للإنسان المسلم
الذاهب لزيارة بيت الله الحرام.
10. (اقتصادنا)، ويتحث فيه عن الاقتصاد في النظرة الماركسية وانتقد
نظرية الديالكتيك بانتقادات واشكالات لم تشهد النظرية مثيلاً لها، ثم
نقد بعد ذلك الأفكار الرأسمالية، وفي محاولة منه لاكتشاف النظرية
الاقتصادية في الاسلام، وضع الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الاسلامي..
ثم أردف بها تطبيقات للاقتصاد الاسلامي.
11. كتاب (الصورة الكاملة للاقتصاد في المجتمع الاسلامي) يتحدث عن
التطبيق الاقتصادي في دولة الاسلام، وكان كتاباه الرابع والخامس في
الاقتصاد وهما الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية.. وماذا تعرف عن
الاقتصاد الاسلامي.. يرسمان صورة واضحة عن الاقتصاد.
13. وكتابه في العقائد المعروف بـ "المرسل والرسول والرسالة" يعبر عن
عمق فكرته وسعة اطلاعه وقدرته على ايصال الفكر الاسلامي الصافي الى
الجماهير.. كما ان كتابيه بحث "حول المهدي" و"بحث حول الولاية" يتحدث
فيها عن أهم ناحيتين في العقيدة الإسلامية.
14. وقد كتب عدة مؤلفات عن الحكومة الإسلامية.. تحت عناوين (منابع
القدرة في الدولة الإسلامية).
15. وكذلك له مؤلفات تحت عنوان (خلافة الانسان وشهادة الأنبياء).
16. فلسفتنا" وهو مرجع هام في الفلسفة الإسلامية المقارنة مع النظريات
الفلسفية في عالمنا المعاصر اليوم، ويعد بحثاً عميقاً في نقد النظريات
الفلسفية وإعطاء الفلسفة الإسلامية حيويتها وروحها.
17. (الأسس المنطقية للاستقراء) وهو يعد محاولة متميزة من عالم كبير
لإثبات وجود الله عن طريق الاستقراء وحساب الاحتمالات.
18. (البنك اللاربوي في الاسلام) وفيه أعطى أسسا حقيقية لبنك اسلامي لا
يقوم على أساس الربا.. بل على أساس الأحكام الإسلامية التي تنفي الربا
من المعاملات التجارية.
19. ومن كتبه التي تتعلق بالنظرية السياسية كتاب "الاسلام يقود الحياة"
وكتاب "تصور عن دستور الجمهورية الإسلامية" وغيرها من الأعمال الهامة
المتميزة.
ثانياً: ملامح من الرؤية السياسية للامام الشهيد:
يمكن اجمال ملامح النظرية والرؤية السياسية للامام الشهيد السيد محمد
باقر الصدر في مستويين، مستوى حركي، ومستوى نظري وكليهما مكملان
لبعضهما البعض، فسلوكه الثوري ضد حزب البعث واستبداد صدام حسين يتكامل
مع نظريته السياسية المعادية لأي خروج عن الاسلام، والداعية للعدالة
والحرية والثورة، وسوف نقدم هنا مجرد قبسات من سلوك وفكر الشهيد
للتأكيد على هذا المنحى.
أ ـ المستوى الحركي:
نستطيع الآن وبعد قرابة الـ 20 عاماً على استشهاده ان نؤكد ان فكر
الشهيد الصدر السياسي كان من أهم أسباب إعدامه، وذلك لصلاحية هذا الفكر
لكل الأمة الإسلامية ولكل مكان وكل مجتمع، لأنه مستمد من الاسلام
الصالح لكل زمان ومكان. كما لم تكن أفكاره طائفية تقتصر على الشيعة
فقط، ولكنها كانت لعامة المسلمين، كما كان الشهيد الصدر مهتماً بكل
شؤون المسلمين، ويجاهد من أجلهم.
ب - على المستوى الفكري:
هذا ولقد بدأ الشهيد الصدر تصوره النظري للرؤية وللنظرية السياسية
انطلاقاً من عدة نقاط فقهية وعملية نذكر منها:
1- الاستفادة من آية الشورى (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى 38) للدلالة
على امكان اقامة الحكم الاسلامي على قاعدة الشورى، باعتبار ان الحكم
وإقامة الدولة يمثلان أمرا مهما من أمور المسلمين، ولا يمكن تجاهله في
مجتمعهم.
2- ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الاسلام والدين من
أهم الواجبات الاسلامية، ولما لم تكن هناك طريقة محددة واطار سياسي عام
مشخص لهذه الدعوة.
3- ان للفقهاء في النظرية الاسلامية، وفي التاريخ الاسلامي، دوراً
متميزا، إما على مستوى النظرية، حيث نجد ذلك واضحا في مجال استنباط
الأحكام الشرعية وفي القضاء الاسلامي، أو على مستوى التاريخ الاسلامي؛
حيث نجد أن الأمة قد ارتبطت بالفقهاء عملياً وواقعياً، خصوصاً في أوساط
أتباع أهل البيت عليهم السلام.
4- يرتبط بالمحاور السابقة التي أشار اليها الشهيد السيد محمد باقر
الحكيم عليه رحمة الله في بحثه القيم الذي نقلنا عنه تلك الكلمات، نقاط
اخرى هامة تكمل نظرة الشهيد الصدر سياسياً، ومن ذلك رؤية الشهيد للغرب،
حيث كانت له رؤية ثابتة في نواحي الاختلاف بين الاسلام والغرب.
5- الاسلام يقود الحياة السياسية والمجتمع الى الأفضل: تلك نماذج من
رؤى الامام وأقواله التي وردت في كتابه (الاسلام يقود الحياة) ، والتي
تؤكد مجتمعة أركان نظريته السياسية الاجتماعية عن دور الاسلام السياسي
في قيادة الأمة:
يقول السيد الشهيد: "فمن ناحية تكون الدولة ونشوئها تاريخيا، نرفض
اسلاميا نظرية القوة والتغلب، ونظرية تطور الدولة عن العائلة، ونؤمن
بأن الدولة ظاهرة نبوية، وهي تصعيد للعمل النبوي بدأت في مرحلة معينة
من حياة البشرية. وحول ذات المعنى يقول الشهيد: "ومادام الله تعالى هو
مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعي المحدد عن الله تعالى
، فمن الطبيعي ان تحدد الطريقة التي تمارس بها هذه السلطات عن طريق
الشريعة الإسلامية". وتحت عنوان "الخلافة العامة في القرآن الكريم"
يدرج الشهيد الصدر الآيات الآتية في كتابه سالف الذكر وهي تشكل أركان
نظرته العظيمة للدور القرآني والاسلامي في قيادة الحياة. (وإذ قال ربك
للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون. وعلم آدم
الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء ان كنتم
صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما عملتنا انك انت العليم الحكيم.
قال يا آدم انبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني
أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ماتبدون وما كنتم تكتمون).. (وإذا جعلكم
خلفاء من بعد نوح).. (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض).. (يا داوود إنا
جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق).. (إنا عرضنا الأمانة
على السموات والأرض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها
الانسان انه كان ظلوماً جهولاً).. وتحت عنوان: "الشهادة في القرآن
الكريم" يدرج الآيات الآتية: (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك
على هؤلاء شهيدا).. (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس
ويكون الرسول عليكم شهيدا).. (وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما
توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد).. (ويوم نبعث في
كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك
الكتاب بياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).. (هو سماكم
المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على
الناس).. (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها
بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب
الظالمين).. (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين
أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله
وكانوا عليه شهداء).. (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيئ
بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون).. هذه الآيات
مجتمعة تؤكد من وجهة نظر الشهيد مفهومي الخلافة والشهادة وتؤسسان
السياسة الإسلامية الصحيحة المرجوة.
حكايات مؤلمة تتذكرها ألسنتهم ..قميص أسود
كتب/ فوزية الاركوازي
كان لي من الاولاد ثلاثة ومن البنات اربعة ولم يكن لنا مصدر نعتاش به
غير الراتب الشهري لزوجي العامل في دائرة الري وفي يوم من ايام محرم
الحرام وكما هو المعتاد قام زوجي بأرتداء القميص الاسود حدادا على
ماجرى للائمة الاطهار في واقعة الطف الاليمة وفي ساعة من ساعات الدوام
الرسمي جاء مراقب العمل الى مكان عمل زوجي وعندما رأى قميصه الاسود
سأله مستفسرا عن سبب ارتداءه للاسود فأجابه زوجي بأن اليوم هو الثالث
من محرم الحرام ولا داعي للاستغراب فهذا هو ديدننا ومنذ ان وعينا على
الدنيا..
ونحن نرى ابأئنا واجدادنا يتوشحون بالسواد من اليوم الاول من محرم الى
العشرين من شهر صفر حيث اربعينية الامام الحسين (ع) , فقال له مراقب
العمل انك تتحدى الحزب والثورة بكلامك هذا لان الدولة منعت هذه المظاهر
وانت رغم ذلك تصر عليها , فقال له زوجي بأن هذه المظاهر لايمكن ان تمنع
بجرة قلم لانها متأصلة تأصل الروح من الجسد .ولما عاد زوجي من عمله سرد
عليَ ماجرى وبهذا التفصيل الذي ذكرته وامانة الله ورسوله على كل كلمة
وبعد يومين من هذه الحادثة جاء اخي ليخبرني بأن الامن قد القوا القبض
على زوجي واخذوه من عمله , فما كان مني الا ان حملت نفسي وذهبت الى
زوجة مدير امن القضاء وتوسلتها بأن يطلقوا سراح زوجي وكانت قد تعاطفت
معي لشدة بكائي ونحيبي عندها , وانتظرت الى ان عاد زوجها الى البيت
فأخبرته بأمري فقال لها ائتيني بها فلما دخلت قال لي يمكنني مساعدتك
ولكن بشرط واحد قلت وما هو قال ان تسجلي بيتك بأسم زوجتي والا فلن يعود
لكي زوجك ابدا لانه متهم بقضية الترويج لحزب الدعوة وانت تعلمين عقوبة
هذه القضية فقلت له ومن دون تردد من صباح الغد انا مستعدة ان اسجل
البيت بأسم زوجتك فقال اذن اتفقنا وبعد اكمال الاجراءات سيعود زوجك الى
البيت , ومن الصباح خرجت وذهبت انا وزوجته الى دائرة الطابو واجرينا
معاملة بيع بيتي الذي ورثته من ابي وبعد ان اكتملت المعاملة استغرق
الامر اسبوع لم يعد زوجي فذهبت استفسر منه وبحضور زوجته , انهال عليَ
بالشتائم وهددني بأن لا اعود الى هذا الموضوع والا فأني سوف اتبع زوجي
, فخرجت من بيتهم والدنيا قد اسودت امامي ولم اعرف ماافعل فذهبت الى
بيت اخي وسردت عليه الموضوع فقال احتسبي امرك الى الله لقد ضاع كل شيئ
فما عليك الا ان تهتمي بأولادك والله سيكون في عونك خرجت من بيت اخي
وقررت ان انتحر فرجعت الى البيت وجهزت النفط ودخلت الى الحمام لاحرق
نفسي وفي اخر لحظة دخل علي اصغر اولادي وطلب مني ان اخرج الزجاجة التي
دخلت في رجله اثناء اللعب فكان هذا سببا في الرجوع عن ما قررته , وفي
اليوم التالي ذهبت الى موظفه في دائرة الطابو لاخبرها بالامر فتألمت
كثيرا وقالت لايمكنني فعل اي شيء لان البيع قد تم وفق الاصول .وفي
اليوم التالي ذهبت واشتريت تنور كبير لاجل ان ابيع الخبز واعيل عائلتي
وبقيت لاكثر من عام وانا ابيع الخبز الى ان جاءتني بنتي الصغرى لتخبرني
بأن الامن قد اعتقل بنتي الكبرى من المدرسة فذهبت مسرعة الى المدرسة
لافهم قضية ابنتي فقالت لي احدى مدرساتها بأنها رفضت ان تشارك في احدى
الفعاليات الفنية التي تمجد ( القائد الضرورة ) فجاءت مديرة المدرسة
لتجبرها على المشاركة فرفضت بنتي بشدة فما كان من مديرة المدرسة الا ان
تتصل بالامن ليلقوا القبض على بنتي التي اتهمتها بأنها ضد الحزب
والثورة فعدت الى البيت خائبة والالم والبكاء ونحيب ابنائي وبناتي
وبقيت انتظر لعله تأتيني اخبار ابنتي ذات ال 17 عام وهي طالبة في الصف
الخامس ادبي فلم اسمع شيء من اخبارها الى هذا اليوم وبعد اسبوعين من
اعتقال ابنتي جاء لي رجل ومعه زوجته يطالبوني بأخلاء الدار لانهم
اشتروا الدار من مدير الامن ويريدون السكن فيه وفي مساء ذلك اليوم ذهبت
الى رئيس عشيرتي واخبرته بكل ماجرى فقال لي ارجوا ان لاتأتي مرة ثانية
لاني عاهدت الحزب والثورة ان لا اعين احد من اعداء العراق بالمناسبة
هو الان احد شيوخ مجالس الاسناد العشائرية بعدها بأسبوع ذهبت الى بيت
السيد الخوئي في الكوفة وطلبت مواجهته , فلما عاد من صلاة الظهر قابلته
وقصصت عليه القضية بكل تفاصيلها فبدأت عيناه تغرق بالدموع الى ان وصل
به الحال ان انتحب بصوت عال وهو يقول( انا لله وانا اليه راجعون , لك
العتبى يارب حتى ترضى ) ثم قال لي ارجعي الى اولادك وسيأتيك راتب شهري
تنفقينه على اولادك وكذلك ايجار البيت , رجعت الى مدينتي واستأجرت بيت
ب 45 دينار شهريا وما هي الا ايام جائتني امرأه لا اعرفها فأخبرتني
بأنها مبعوثة من بيت السيد الخوئي ( رض ) وسلمتني 150 دينار وقالت ان
هذا المبلغ هو اول راتب شهري وسيأتيك الراتب شهريا ومنذ الشهر الرابع
من عام 1983 الى الشهر الثاني من عام 1989 ذهبت الى السيد الخوئي
واخبرته بأن ولدي صار حداد سيارات وقد استلم اول راتب يوم امس وهو
يكفينا والحمد لله فقال لي اذن في اي وقت تحتاجين شيء فالبيت بيتك
وسلمني ظرف فيه 1000 دينار قال لي هذا المبلغ لزواج ابنك افرحي به
واختاري له امرأة صالحة وبعدها بشهر تزوج ولدي وبعدها بسنة صار عنده
ولدين توئم بقينا على هذا الحال الى الانتفاضة الشعبانية وفي يوم
6/3/1991 القي القبض على اولادي الثلاثة ومنذ ذلك التأريخ لم ارى لهم
اثرا الا ولدي الاكبر وجدته في مقبرة جماعية قرب خان النص ولم اجد
ولداي الاخرين لحد هذا اليوم.
في الثمانين من العمر!!
كتب/زهير جاسم السعبري
في اليوم الثالث من دخول الجيش بعد ( اخماد ) الانتفاضة الشعبانية الى
الهاشمية من نواحي الحلة محافظة بابل جاءت الينا سيدة من الجيران
لتخبرنا بأن حيدر علي عبود قد اصيب جراء القصف العشوائي على منازل
المنطقة وهو الان في بيتي فأرجوا ان تأتون لأخلائه او الذهاب به الى
المستشفى لانه بحالة خطرة , ذهبت ابحث عن سيارة فلم احصل الا على عربة
يسحبها حمار فذهبت الى منزل السيدة وحملت ابن عم والدي على العربة
وانطلقت به الى مستشفى الهاشمية وفي الطريق صادفنا رجل من دائرة أمن
الهاشمية اسمه قاسم فأخبرنا بأن نتخذ طريق اخر لان الامن ورجال الحزب
في الطريق وقد يعتقلونا , فغيرت طريقي وذهبت الى المستشفى ووصلنا بسلام
وقام احد المضمدين بأجراء اللازم وفي الاثناء جاء البعثي اللعين (
يعقوب ابراهيم حسين السعبري ) ودخل على الغرفة المجاورة وسمعته يشتم
الجرحى المساكين ويتلفظ بألفاظ بذيئة ويهددهم بالويل والثبور وهم
ساكتين وكان اكثرهم رجال كبار في السن وبعدها دخل الغرفة التي نحن فيها
وبمجرد ان رأى حيدر قال انت ايضا هنا جيد جيد ثم سألني عن والدي فقلت
له اني لم اراه منذ اكثر من اسبوع ثم امر المضمد ( كاظم جواد الخنجر )
بأن لايدع اي جريح يخرج من المستشفى وقال له وهذا حيدر ايضا اياك ان
يخرج وبمجرد ان خرج من الغرفة قلت لحيدر ان يقوم ويحاول ان يمشي لكي
نهرب والمسكين حاول لكنه لم يستطع فخرجت انا مسرعا لاخبر والدته وقصصت
عليها ماحصل فجاءت معي مسرعة الى المستشفى لكننا لم نصل الا بعد ان جاء
البعثيون ومعهم رجال الامن واخذوا جميع الجرحى من المستشفى الى جهة غير
معلومه كما اخبرنا المضمد كاظم جواد الخنجر حيث رأيناه يبكي وهو يسرد
علينا قصة الجرحى وبأي كيفية حملوهم بالسيارات وكان عددهم يقدر بأكثر
من خمسين جريح ومعهم حيدر ابن عم والدي والى هذا اليوم لم نرى لهم اثرا
.ومما رأيته بعيني : جاء رجال الجيش من الحرس الجمهوري يفتشون المنازل
فوجدوا جدي الوحيد الذي بقي في البيت حيث هرب جميع الرجال عندما دخل
الجيش الى الهاشمية فأخذوا جدي لوالدتي ( علي السيد رشيد السعبري )
وكان عمره ثمانين عام وذهبوا به الى غرفة حارس سكة القطار وكانت قريبة
منا وحققوا معه لنصف ساعة ثم تركوه وبعد ان عاد الى البيت قال اخبرني
الضابط بأن تقارير كثيرة كتبت علينا وبالخصوص على والدي ( الشهيد جاسم
محمد عبود السعبري ) وقال لي الضابط بأن اهرب لان البعثيين ممكن يلقون
القبض علي وقال الضابط لي ايضا والكلام لجدي اياك ان يأتي جاسم السعبري
ويسلم نفسة لانه معدوم لامحاله واذا كان يريد ان يسلم نفسه فلينتظر الى
ان اعود من الاجازة لاني اليوم انا ذاهب بأجازة الى اهلي في الموصل
وعندما ارجع قد ادبر له طريقة ما واخلصه من الاعدام . وما هي الا ساعات
جاء البعثي ( عزيز ابراهيم الظاهر ) ومعه ( عبد الامير حلواس ) ورجال
الحزب والقوا القبض على جدي المسكين ذو الثمانين عام ومن تلك اللحظة لم
نرى له اثرا .وفي اليوم التالي عرفنا ان والدي يمشي هاربا بأتجاه النجف
متخفي بين البساتين وفي عصر ذلك اليوم جاءنا حميد منعم السعبري واخبر
والدتي بأن الحكومة قد اعطت عفو فلابد أن تخبري جاسم ( والدي ) بأن
يسلم نفسه وفعلا ذهبت والدتي الى النجف وصادف دخولها الى بيت خالي بعد
ساعة من وصول ابي فأخبرته فقال اذن لابد ان اسلم نفسي لاني لم افعل اي
شيئ فلماذا انا هارب عاد والدي وفي اليوم التالي قال لي والدي اذهب
ونادي لي ابو اسماعيل من البو عاشور( وكان جارنا وهو ايضا من البعثيين
) فذهبت وقلت له بأن والدي يطلبك فجاء معي مسرعا وعندما رأى والدي قال
له لماذا انت هنا قال له والدي اريد ان اسلم نفسي لان هناك عفو من
الحكومة فقال له ابو اسماعيل اياك ان تفعل لاني لم اسمع ان هناك عفو
فقال والدي لا لا اكيد يوجد عفو فقال له ابو اسماعيل اذن انا حذرتك
فأذهب وانشاء الله تكون في أمان , ذهب والدي وسلم نفسه فسجنوه في دائرة
الماء في الهاشمية وفي اليوم التالي ذهبت لاستفسر عنه قال لي الحرس بأن
جميع الذين كانوا هنا سير بهم الى سجن المحاويل ومنذ ذلك اليوم لم نرى
اثر لوالدي الشهيد ( جاسم محمد عبود السعبري )ومن كان معه في التوقيف
اكثر من 20 رجل من الاقارب والجيران .عندما رجع الضابط ( من اهالي
الموصل ) وهو كان يعمل في السيطرة القريبة من بيتنا حيث كانوا يطلبون
منا الماء والشاي في بعض الاحيان سألني عن والدي قلت له سلم نفسه وهو
الان في المحاويل فتأسف كثيرا وضرب جبينه بقوة وقال ( الله يرحمة
لايمكن ان يخلص بسبب التقارير التي رفعها البعثيون من اهل الهاشمية
والمصيبة ان في المحاويل حسين كامل فلايمكن ان ينجو من هؤلاء المجرمين
) ثم اخبرني عن اسماء من كتب التقارير على والدي فكانوا كل من البعثي
غانم هاشم وسالم ابو فيصل لااذكر اسمه الكامل والثالث هو عباس العلي
وهؤلاء جميعهم من اهالي الهاشمية
جرائم البعث ضد حزب الدعوة الإسلامية
كتب/مصطفى محمد الكاظمي
منذ خمسينيات القرن الماضي تنبهت القوى الاستعمارية للنشاط الحركي
الاسلامي في العراق لا سيما بعد بزوغ نجم الامام محمد باقر الصدر (قدس)
وتأسيس حزب الدعوة الاسلامية المباركة
عام 1957 وما شكله من خطر حقيقي على المصالح الاستعمارية مما حدا بتلك
القوى الضلامية الى ولادة حزب عميل مثل حزب البعث الصدامي الذي كان
قائده الدكتاتور الطاغية صدام وقد اوعزو له بأن يرتكب ابشع المجازر
التي يندى لها جبين الاسلامية بحق الحركة الاسلامية وخاصة حزب الدعوة
الاسلامية الذي شرع منذ الايام الاولى متصديا للبرنامج الاستعماي
والمنهج العميل
مذبحة الدعاة
القرار 461 في ربيع عام 1980، وبالتحديد في 1980/3/31 كانت البلاد وكان
الدعاة على موعد لدخول عصر مر اخر بعد ان اصدرت قيادة البعث حينذاك
(مجلس قيادة الثورة)، قرارا حمل الرقم 461 وقعه صدام حسين يقضي باعدام
كل من ينتمي الى حزب الدعوة الاسلامية، او يؤمن بافكاره، او حتى يتعاطف
معه، والغريب، ان تنفيذ القانون كان يشمل معاقبة الدعاة او المؤمنين
بافكارهم، بأثر رجعي....
النص الحرفي للقرار هو:
((استنادا إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والاربعين من
الدستور الموقت، قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 31 / 3
/ 1980 م ما يلي: ـ لما كانت وقائع التحقيق والمحاكمات قد أثبتت بادلة
قاطعة أن حزب الدعوة هو حزب عميل مرتبط بالأجنبي وخائن لتربة الوطن
ولأهداف ومصالح الامة العربية، ويسعى بكل الوسائل إلى تقويض نظام حكم
الشعب ومجابهة ثورة (17) تموز مجابهة مسلحة.
لذلك قرر مجلس قيادة الثورة تطبيق أحكام المادة (156) من قانون
العقوبات بحق المنتسبين إلى الحزب المذكور مباشرة أو العاملين لتحقيق
أهدافه العملية تحت واجهات أو مسميات أخرى.
ينفذ هذا القرار على الجرائم المرتكبة قبل صدوره التي لم يصدر قرار
باحالتها على المحكمة المختصة.
صدام حسين
رئيس مجلس قيادة الثورة..
في حين نصت المادة 156 من قانون العقوبات التي عوقب وفقها اعضاء حزب
الدعوة الاسلامية حسب ماورد في الاف الوثائق التي عثر عليها بعد انهيار
نظام صدام على: ـ ((يعاقب بالأعدام من ارتكب عمدا فعلا بقصد المساس
باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها وكان الفعل من شأنه أن
يؤدي إلى ذلك)) وهذا يعني إن القرار يشمل اعدام جميع المنتمين لحزب
الدعوة الإسلامية والمتعاونين معه دون أي تحديد لنوع التعاون، واعدام
المروجين لافكاره، وهذا يشمل حتى مجرد الحديث عن افكاره فضلا عن اقتناء
الكتب التي تحمل فكر الحزب كما يشمل المنتمين إلى الاتحادات او
المنظمات التي يستطيع نظام حزب البعث ان يقول عنها انها واجهات لحزب
الدعوة، كما ان القرار يسري على كل الحالات السابقة في أي زمن سابق
للقرار(وبأثر رجعي) وقد شمل هذا القرار آلاف الدعاة الذين صدرت ضدهم
أحكام بالسجن لمدد مختلفة وكانوا يقضون فترة محكومياتهم في السجون،
وينتظرون انتهاءها، لكن السلطات أخرجتهم نحو ساحات الإعدام، تنفيذاً
لهذا القرار. ووفقا لهذا القرار الذي وسع ساحة عقوبة الإعدام إلى أوسع
مدى لما احتوى من نهايات سائبة يمكن ان يفسرها النظام الحاكم بالطريقة
التي يريد، اعدم مالا يقل عن ربع مليون من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية
وأنصاره ومؤيديه. والواقع ان هذا القرار لم يكن الا تتويجا وتقنينا
لسلسلة طويلة من حملات الاعتقال والاعدام التي سبقت تاريخ اصداره كما
هو في الوقت نفسه تمهيد لحملات قمع طالت مئات الالاف من العراقيين في
المرحلة التي تلت اصداره.والقرار 461 على الرغم من ذلك لم يأت من فراغ
بل هو صادر في سياق أحداث متتالية محلية ودولية سمحت لنظام البعث أن
يفعل ذلك فقد كان للمتغيرات الدولية التي حدثت في الشرق الأوسط وأعقبت
الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1978، والثورة الإسلامية في إيران عام
1979، أن أعادت تشكيل خريطة المنطقة، بما ضمن للبعث الذي تفرد بالسلطة
آنذاك، دعما إقليميا وعالميا، لتنفيذ أجندة خطيرة يكون هو أداتها
الأولى ويتيح له أن يبدأ واحدة من أطول مراحل القمع والتنكيل وأقساها،
دون أن تجرؤ أية دولة، على التنديد بالمجازر التي أقاموها بحق الدعاة،
ولا بالانتهاكات التي فاقت حدود التصور، حتى بدا ـ وهو الواقع ـ أن
القوانين السماوية والوضعية كلها، لم تكن في حسابات نظام البعث من قريب
أو بعيد.
فضائح تأريخية
وفضلا عن حملات الاعدام التي طالت الدعاة وفقا لهذا القرار تشير
الوثائق الصادرة عن اجهزة نظام البعث الرسمية الى عمليات مراقبة اقارب
المنتمين لحزب الدعوة الاسلامية ومتابعتهم...
في هذه الوثيقة الصادرة بتاريخ 5/3/1988 ضوابط حزب البعث حول كيفية
التعامل مع أقرباء أعضاء حزب الدعوة: ((القيادة القطرية / مكتب أمانة
سر القطر
سري للغاية العدد: 24/19019
بتاريخ: 5/3/1981م
إلى القيادة الرئاسية في القطر كافة الموضوع/الضوابط الخاصة بكيفية
التعامل مع أقرباء المجرمين المحكومين من عناصر حزب الدعوة العميل.
تحية رفاقية لاحقا لكتابنا المرقم 32871 في13/8/1979 تشمل الضوابط
المبينة في ادناه منتسبي وزارة الدفاع الداخلية ورئاسة المخابرات
العامة ووزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية وكما يلي:
اقرباء المجرمين المحكومين بالاعدام من الدرجة الاولى يخرجون من
الاجهزة المذكورة
اقرباء المجرمين المحكومين بالاعدام من الدرجة الثانية يجري تعيينهم
متوخين بذلك درجة تأثرهم باقاربهم وعلى ضوئها يجري اخراجهم او ابقائهم
او نقلهم من الاجهزة اعلاه.
اقرباء المجرمين من المحكومين دون الاعدام يقيمون على اساس تأثرهم
ودرجة ولائهم للحزب والثورة.
تضاف درجة واحدة اعلى من درجتهم عند نقلهم او احالتهم على التقاعد
بصورة عامة راجين التفضل باطلاع واتخاذ ما يلزم.
ودمتم للنضال
الرفيق علي حسن مجيد
مدير مكتب امانة سر القطر
نسخة منه الى:
مجلس قيادة الثورة / المجلس الاعلى لامن الدولة مكتب السكرتارية
كتابكم المرقم 34/294 في 18/4/81 للتفضل بالعلم)).
وجرى تطبيق هذه التعليمات بل أنها طبقت بتطرف ومبالغة بحيث وصلت إلى
الأقارب من الدرجة السادس.
وثيقة شاهدة
تنص احد الوثائق على طلب معلومات عن احد العسكريين كون (ابن ابن عم
والده) من المعتلقين لانتمائه الى حزب الدعوة،
يقول نص الوثيقة الصادرة عن حزب البعث - المكتب العسكري / قيادة فرع
الشمال العسكري بتاريخ 22/10/1983:
صورة (الوثيقة رقم2) في صفحة138 ((سري
الى / مديرية الامن العامة
مديرية الاستخبارات العسكرية العامة
الموضوع / طلب معلومات
نرجو التفضل بتزويدنا بالمعلومات المتوفرة عن ج م ح غزاي حسين حافظ
المنسوب الى جناح اداري قاعدة فرناس الجوية لما يدعي توقيف ابن ابن عم
والده المجرم محمد حسن باهض عطوان لدى الجهات الامنية لانتمائه الى حزب
الدعوة العميل والساكن بغداد - الكرخ - مدينة الحرية الثانية شارع 256
مهنته طالب في كلية الهندسة / جامعة بغداد واعلامنا...مع التقدير
الرفيق كاظم نعمة سلمان امين سر فرع الشمال العسكري.
طرد انتقامي
بل إن الأمر وصل إلى حالات طرد موظفات لمجرد زيارتهن لمدرسة في المدرسة
نفسها للقيام بتعزيتها بعد إعدام نظام البعث ولديها كما تنص الوثيقتين
الآتيتين على ذلك: ((الجمهورية العراقية
المديرية العامة لتربية محافظة كربلاء الشعبة: ذاتية الادارة العدد:
11/1/36313
التاريخ: 19/12/1979م الى:ادارات المدارس في المحافظة كافة.
م/ فصل مدرسات.
ننقل لكم اعلاه نص الأمر الوزاري الصادر عن المديرية العامة للتعليم
الثانوي ـ الشؤون الادارية ـ ذاتية الثانوي ـ المرقم 73212 في
8/12/1979م، والمتضمن فصل مدرسات بسبب زيارتهن لمدرسة في المدرسة نفسها
للقيام بتعزيتها بعد اعدام ولديها القائمين بأعمال تخريبية ضد أمن
الدولة راجين اطلاع منتسبيكم على مضمونه لطفا.
عبد الكريم احمد حسن ع/ المدير العــــام نسخه منه:
شعب المديرية كافة/ لنفس الغرض أعلاه لطفا.
ذاتية الادارة.
لجنة المتابعة الملف الدوار.
أما الأمر الوزاري فيقول نصه:
((تنفيذا لقرار مجلس قيادة الثورة المرقم (1664) و المؤرخ في 2/12/1979
م تقرر فصل المدرسات المدرجة أسماؤهن وعناوين وظائفهن ادناه من الخدمة
لمدة سنتين اعتبارا من تاريخه اعلاه.
الاسم: العنوان:
رضية أحمد علي مدرسة اعدادية المأمون للبنات/ المديرية العامة لتربية
محافظة بغداد/ الكرخ.
نجية خضر جدوع مدرسة اعدادية المأمون للبنات/ المديرية العامة لتربية
محافظة بغداد/ الكرخ.
فوزية عبد الرزاق حسن مدرسة اعدادية المأمون للبنات/ المديرية العامة
لتربية محافظة بغداد/ الكرخ)..
الصدر .. قضية!!
لم يكن يوما عاديا
ذلك التاريخ الاسود
التاسع من نيسان
ثلم الدين
واستهلت الاحزان
التاسع من نيسان يوم صبر
يوم ثار واستشهاد
يوم حداد
* * *
على صدر العراق
خيم غمام اسود
واستل سف الغدر
يقطع أوصال السنين
ويقض مضاجع الآمنين
كان هنا يقيم الصدر
وعلى مشارفنا
ترابط حشود المؤمنين
يحذوهم امل
بسمع زئير الاسد
* * *
بنت الهدى.. يا راية زينبية
ما مات صدر العراق
اطمئني ايها العلوية
ها هي الشموع تنساب ضياء
يتوضىء بفيضها العراق
ويستظل بفيئها المؤمنون
ما مات صدر العراق
اطمئني يا نفحة فاطمية
كان وقعا..
كان صرحا ..
كان فجرا..
مازال يسمع دويه
سكتت مدافع الظالمين
واندثرت مملكة الطغاة
وظل الصدر.. كما كان قضية
* * *
سلاما ثم سلاما
ابدا .. بايعناك اماما
مواكبنا نحو الغري تشدو
وتنشد سلاما سلاما
ابدا .. بايعناك اماما
ايها الراقد ها هنا
ايها الرابض بضمائرنا
بصحونا واحلامنا
بيعة ابدية
لم تكن عاطفية
هي قصة سرمدية
عشقنا الحسين
ذو الوقفة الابية
كان صلب القضية
وانت امتداد لتلك القضية. |