الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(1020) الخميس 12 جمادى الثاني1431هـ/27 آيار2010م

ثقافــــة

المشهدية السردية في(هياكل خط الزوال)

علوان السلمان

السرد فن متميز بقدرته على تصوير الواقع واستلهام تناقضاته من خلال دائرة اكثر اتساعا..كونه يتمتع بشموليته لخريطة الحياة وقدرته على رصد العلاقات بحضور الذهنية المستلهمة لواقعها من خلال امتلاكها القدرة على استبطانه والخروج به من دائرته والحدث ..كون العمل السردي لا يقتصر على تحقيق وظيفة جمالية بل تصوير الواقع والتحفيزلاساسات واقع جديد..   ورواية(هياكل خط الزوال) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية/2009 لمبدعها مهدي علي زبين اعتمدت اسلوب المشاهد او اللوحات السيمية..اذ اشتملت ثلاثا وثلاثين مشهدا خلت من العنوانات وتركتها للمتلقي كي يكون مشاركا في بناء العمل ..وهذه المشاهد يربطها ببعضها خيط رفيع من الواقع ويوحدها سياق فكري يكشف عن براعة الراوي العليم التي تظهر في بناء مشاهده دون ان تفقد صلتها الوثيقة من الداخل..  وهي تحاول تبرير امتداد زمن السرد وتدور بلغة ضمير المتكلم..

اقتفي متخبطا اثر سيدي الكبير وولده..خط سيرهما متعرج..وغير مألوف..الارض ترتفع من حولي وتنخفض..الرياح تنثر علي حبات رمل خشنة..اعبر انبوبا اسود كبير الحجم لا ارى بداية له او نهاية..) /ص5    فالسرد يتوزع بين الواقعية القائمة على التحفيز والرمزية .. انه ينزع الى استخدام الرمز الواقعي الجزئي..اضافة الى انه لا يفصح عن مكانية محددة..مع اعتماد اسلوب التداعي للحدث..

يعسوب اسود كبير صوته مزعج يمزق هواء المدينة مصدرا فرقعة عالية..يأتينا منه صوت متموج من مكبرات يوجهها باخلاء بيوت المدينة من ساكنيها عصرا ولايسمح لاحد البقاء فيها..

ـ اين نذهب؟ تقول الابنة.

ـ الى بيت اختي.. ليس امامنا خيار

ـ والكلب

ـ نأخذه معنا ..يرافقنا..

الرواية تبدأ برحلة فتتجاوز المألوف للوصول الى حالة غير مقترنة بمقاسات عادية ..اذ اندفاع باتجاه اختراق سكونية الحياة وتصدعها لكي تتجلى ملامح الشخصية التي تتمركز في العالم الداخلي له..اذ يختار العمق للمغامرة التي يرتضيها والتي تشكل البعد الآخر للفكر الناضج..الرافض لشريعة القتل والقهر والاستبداد واليأس..

اشرع بتغطيته ..احرك التراب بهدوء وانا غير مصدق انني ادفن شخصا حبيبا يعطيني املا جديدا في الحياة ..) فالسرد يتمركز حول شخصية مركزية وتلاحقها اضاءة الروائي عبر حلقات محورية يرسم من خلالها ابعاد هذه الشخصية..ويؤكد حضورها على مساحة واسعة من جغرافية السرد.. اذ ان دخوله مختبرات الحياة يحقق الوصول الى هدفه عبر تفاعل صميمي مع واقع الحياة..

فالرواية تبدأ في مستوى الوعي لكنها تغيب في لقطات داخل مستوى اللاوعي لتكشف عن الوهم الذي يتحرك مع الواقع..فالشخصية متجانسة مع نفسها ووعيها لكنها تظل منقسمة على ذاتها بين تجسيد هذا الوعي وسلوك اللاوعي والخروج بالسرد من انتفاء الفعل الى القدرة على الفعل..

لذ فهو يتميز بواقعيته التسجيلية الحية التي تتسم بالحركية ..اذ فيها يتحرك رفض الشخصيات على مستويين متوازيين: اولهما مستوى الوعي الشخصي وثانيهما مستوى الوعي الجمعي الذي يتجسد داخل الواقع الاجتماعي ومسيرة الحياة.. وهذا يكشف عن امكانية السارد في رصد الموقف الاجتماعي لواقع الانسان من خلال اسلوب الاسترجاع وتيار الوعي...

باسقات النخيل امامها..خلفها بحر من الظلام..ادور حولهم على اطرافي بخفة.. لا اريد لحركتي ان تسمع وتقلق راحتهم.. ولكن نباح الكلاب لا ينقطع.. اتقلب امام سيدتي..استأذنها.. استعد.. ادير رأسي نحو الواحة ..اقف واثقا من نفسي..

 ـ الى اين تتركنا..

فالسارد لايفجر الواقع من خلال وعيه بل ان اللغة هي التي تحقق هذا الوعي القائم على التجربة مع وعي موضوعي للواقع الذي تصوره.. وبالتالي فان الكشف عن هذا الواقع يأتي من داخل النص لانه خاضع لمنطقية الاحداث المتراكبة مع الواقع النفسي الذي يختمر داخل الشخصية.. لذا فالسرد يجري من خلال مونولوج داخلي والذي يعني حضور الشخصية الروائية التي من خلالها يركز الروائي على الهم الاجتماعي كمحرك فاعل ومؤثر في توظيفه داخل بنيته السردية..فيخط منهجا واقعيا فيه يتخذ الفئات المسحوقة كقوة محركة مضمونا.. اذ يستحضر الهم الشعبي واللغة المحكية المفصحة مع توظيف السرد المركز المعتمد اللغة الشاعرة في وصف طبيعة العلاقات والصراع القائم داخل بنية المجتمع..اضافة الى ذلك انه يمتلك قدرة على التكثيف وخلط الخيال بجسد الواقع مع اعتماد الرمز القادر على الاشارة من خلال السردية التي اعتمدت نسقين سرديين :اولهما واقعي وثانيهما تخيلي.. والانموذج الانساني يبرز فيها كوحدة فاعلة من خلال انبثاقه من واقع التشظي متخليا عن الذاتية...

لقد استطاع السارد التقاط الواقع الاجتماعي بشكل متميز من خلال لغته الحوارية المستخدمة للمنولوج الداخلي للكشف عن دواخل الشخصية وتفاعله مع الخارج باستخدام الطبيعة لرفع حدة الصراع والتخفيف من ثقل الواقع النفسي الذي تعيشه الشخصية.

 

 

الانتماء للإنسانية..مصطفى جمال الدين نموذجاً

عماد كامل

يعد الأدب عامل مهم في صناعة الحضارة الإنسانية،لأنه يسهم في الارتقاء بالواقع الثقافي من خلال عكس التجربة الشعورية للمجتمع.لذا فقد أسهم الأدب بشكل عام والشعر منه خصوصا بشكل فاعل في مواجهة التحديات التي تواجه المجتمع،عبر ممارسة عملية الكشف والتعرية للسلوكيات المنحرفة. ومن الشخصيات الأدبية التي سخرت شعرها لخدمة المبدأ الذي كان يؤمن به وهو(الإنسان أعلى قيمة في الوجود) الشاعر مصطفى جمال الدين،ولعل مثل هذا المبدأ الذي عكسه الشاعر في شعره من المبادئ التي يصعب تحقيقها في العراق بل وفي اغلب الدول العربية لأنها لا تزال تعيش تحت وطأة أنظمة حكم تمارس القمع،وتغيب فيها حق المواطنة وحقوق الإنسان، وفي خضم الأزمة الحادة بين الشعب العراقي والسلطة تشكل وعي جمال الدين، وأصبح التغيير هاجسه ومصدر قلقه الدائم، فصاغه شعرا يعكس من خلاله مأساة شعبه.

اذ يمكننا ان نلاحظ التمرد والسخط على الواقع والنقمة على الحكام في قصائده المتنوعة التي نظمها في أكثر من مناسبة،فهو يرى ان الحرية كأشعة الشمس يجب أن تمنح لكل وطن ومواطن، في حين نرى كثير من الشعراء الذين عاصروا مصطفى جمال الدين سخروا شعرهم لخدمة النظام فمجدوا شخصه ومواقفه القمعية رؤية جمال الدين لازمة المواطنة في العراق: ألازمة هي تعبير عن عدم التكيف مع وضع غير عادي يرتسم على مرايا النفس فيحدث نوعاً من الاغتراب والإحساس بالضياع وكذلك هي عملية فصل وقطع عن حالة مألوفة،وهذا الفصل يصاحبه قلقا واضطرابا على المستوى النفسي والاجتماعي،إلا إن الأزمات في الوقت ذاته تفعل وتنشط العقل لكونه يبحث عن مخرج لتلك الأزمة التي يمر بها الفرد أو المجتمع. ويمكننا القول إن المجتمع العراقي هو مجتمع متراكم الأزمات لذا فأنه يعجز عن خلق حلول مناسبة،وتراكم الأزمات إلى حد الاستعصاء دلالة على التردي، ولكي تكون للازمة نهاية فلابد أن يقوم بين الواقع والفكر جدل التحدي والاستجابة،فالفكر الذي يرفض أن يكون انعكاسا للواقع،يمتلك القدرة على التخطي وطرح البديل باعتماده على بذور التغيير الكامنة فيه،من هنا يضطلع المثقف بدور لا يقل أهمية عن السياسي في مواجهة ألازمة مع إن لكل منهم خصوصيته وأدوات اشتغاله إلا أنهما يتفقان في غاية واحدة وهي تجاوز الواقع وتغييره. وغياب (المواطنة) واحدة من الأزمات التي مر بها المجتمع العراقي ولا يزال يكتوي بنارها وهي والتي أدت بدورها إلى تقليص الحريات الفردية والجماعية،وهذا الموضوع شغل مساحة كبيرة من شعر مصطفى جمال الدين لأنه كان يرى إن الحرية هي المناخ الصحي الذي تنمو فيه الأفكار لذا يقول في قصيدته بغداد: بغداد آن لك الأوان لترجعي ما ابتز منك الحاكمون وزوروا فوراء مجد يرفعون ضمائر تعنى بصدق حديثه وتفسر فتنقذي(ذهبا) يؤطر عصرك الزاهي بما يعشي العيون ويبهر هل كان إلا من(حديد) همه حصد النفوس ليستقر(المنبر إلى أن يقول المال بين يديه،يطرب أغيد ببليغ رنته،ويرقص احور فإذا تطلع (للسواد) بريقه بح الرنين به،وغاض العصفر وقد اختلف المفكرون في سبب غياب المواطنة فمنهم من ربط ظهور هذه ألازمة بتصدّع البنى الاجتماعية والانهيار الاقتصاديوآخرين يعزونها (إلى القيادة السياسية التي تصدرت المجتمع قبل الاستقلال وبعده والواقع المزري للمواطنة في المجتمع العراقي كرس الظلم والاضطهاد لأنها كانت وقفاً على فئة قليلة من الناس، احتكرت لنفسها حق السيادة على الشعب، فجعلت من المواطن أداة استغلال يعيشون كالسائمة، دون أن يكون لهم حق في أن يحسُّوا أو يفكروا في هذه المواطنة القائمة على الاحتكار، فخلقت لها امتيازات وحقوقاً أبدية على الأموال والرقاب معاً، فأخضعت القوانين لمشيئتها، وحالت بين المواطن وبين التطلع لحياة أفضل. من هنا فأن العلاقة بين الفرد والدولة حتما ستكون علاقة سيئة،اذ يسودها القهر والتسلط،ويتولد لدى المواطن شعور بالغربة،وغياب الحس الوطني،مما يولد ظهور التمرد كرد فعل على الواقع المأساوي،لان التمرد الاجتماعي لا يختلف عن التمرد السياسي من حيث هدفه الواضح ومنطقه الواعي.وهذا الواقع استطاع أن يؤثر على المنظومة الثقافية للمجتمع العراقي جاعلا منها منظومة ثقافية شاملة،استطاع النظام من خلالها أن يكرس مفهوم الطائفية والعشائرية،لذا فأن جمال الدين كان ينظر إلى الثقافة على إنها أداة للنهوض والمواجهة، إنتاج وإبداع،وليس استهلاك وتكرار، كان يرى إن الثقافة هي السلطة،وليست الثقافة أداة بيد السلطة. ومن محاولاته الفذة التي استطاع من خلالها نشر الثقافة المنفتحة على الآخر, المبنية على التجديد إسهامه الفاعل في المطالبة بتجديد المناهج الحوزوية والتطور في إدارة شؤونها بما تقتضيه ظروف العصر،فيقول عن إحساسه بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقه كشاعر منافح عن هذه المدرسة التي ينتمي إليها(كنت أحس بعمق الاهتزاز الذي تتبطنه مقررات هذه الجامعة الدينية،وجمودها،وعدم أخذها بأسباب التطور المطلوب، لذلك كان شغلي الشاغل كشاعر يستطيع أن يوصل فكرة للناس بأقرب وسيلة،وأكثرها إثارة لحماس الذين يشعرون مثلي بهذا النقص والجمود،أو هم على استعداد للشعور به،لذلك حشدت كل طاقتي وأنا أشارك بكثير من حفلاتها العامة،أن أثير هذا الموضوع،وبخاصة في الحفلات التي تعقد لتكريم احد مراجع الدين أو تأبينه)الوطن في مفهوم جمال الدين مذ وجد الإنسان أصبح يعبر عن وجوده تعبيرا اجتماعيا،إذ قدم من خلال ولوجه في دائرة المجتمع بعض من رغباته الفردية من اجل الجماعة التي ينتسب إليها.وقد تعددت ظاهرة الانتماء ضمن المجتمع الواحد وتأطرت بأطر مختلفة منها العشيرة والقبيلة،وتولدت نتيجة لهذا الانتماء روابط اجتماعية ورثها السلف عن الخلف وفق الحيز المكاني والزماني الخاص بكل مجتمع. ويشترك المنتمين ضمن الدائرة الواحدة وان كان خارج دائرة الوطن الواحد بعوامل عدة منها اللغة والدين،أما الانتماء إلى الوطن فيعني الشعور الذاتي الذي يشعر من خلاله المواطن انه جزء من وطنه الذي يعيش فيه،ويعزز انتماء المواطن بقيمة انتماءه لوطنه كلما أصبح المستقبل أمامه أكثر استشراقا لذا يرى بعضهم إن الانتماء كي يكون إنسانيا لابد من إدراك الماضي والحاضر واستشراف المستقبل ليكون من خلاله وعيه التارخي. وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى الفرد في المجتمع تمكن من خلاله التعبير عن أصالته وذلك عبر هضم موروثه الثقافي والسعي إلى تطويره وفق الوسائل الحديثة ليتمكن من الإسهام مع المجتمعات الأخرى في توسيع آفاق التقدم الحضاري.

 

 

قصة قصيرة

الكابــوس

أحمد خلف

اضف تعليق في بادئ الامر ، روعني المشهد بما احتواه من غرابة وانا ادفع الباب بعنف ، فاجأتني البنت الكبرى في غرفتها ، صرخت بوجهي وانا اقف حائراً امامها قبل فتح الباب بالقوة التي عهدتها بنفسي ، دفعتُ الباب وتعرت الصورة كما تتعرى الروح من ستائرها ، والفم مفغور الى مداه ، ضاع منه الصوت واختفت نبرة الاحتجاج العليلة ، العينان جاحظتان ، ثابتتا النظرة على المشهد الفجائي ، صحت بصوت تلاشت منه قوته وتوارت اشارات التهديد ، اصبح مجرد صوت خائب:

ـ ماذا ارى ؟ يا الهي ، تكلمي.

لم اتلق جواباً ، انما نظرة مستريبة تكفي لتلقم امثالي من الرجال حجراً ، اولئك الرجال الذين ضيعوا من اعمارهم اكثر من ثلاثين عاماً في تلقي الاوامر الصارمة ، في جيش عرمرم.

يدي لا تزال تقبض على اكرة الباب ندت مني صيحة مفزعة:

هزت البنت رأسها علامة الموافقة على السؤال الذي لم تجد فيه معنى ؟ ولم تكن موافقتها لإجتناب الفضيحة:

ـ ألا يبدو رشيقاً وجميلاً ، يا أبي ؟

القيت عليها بقية قطع الثياب لترتديها على عجل ، بينما لاذ الطاووس بين الافرشة والوسائد والثياب المتناثرة ، بفوضى وعدم اهتمام ، رفع لي رأسه من بينها ، ليندس ثانية بين الحاجيات القريبة من ذراعيها وحين كشفه الضوء الساطع الذي كان المصباح الصغير يرسله ليعري الموجودات في الغرفة ، ارسل الطائر نظرة ارتياب نحوي ، وجناحاه مضمومان بحذر شديد الى جنبيه:

ـ لقد افزعته يا ابي ، ارجوك..

ـ كيف دخل وماذا يفعل هنا ؟

ـ لن تؤذيه .. لن تفعل ذلك ابداً.

في تلك الاثناء ، ارتمت البنت برفق على طائرها واخفته بجسدها من الاعلى ، بات من العسير رؤيته ، لست ادري لماذا خيل اليَّ ، انه يمد لسانه لي من تحت جسد البنت المتهالكة عليه ، ساخراً من محاولاتي المتكررة ، في مطاردته بينما ينفض ريشه الزاهي تحدياً لأمثالي من الرجال الذين امضوا ردحاً كافياً من الزمن ، وهم في شغل عن بقية حياتهم ، ليس امامهم سوى تنفيذ الوصايا والاوامر الصارمة . لاشك ادركت البنت عجزي في التحكم بمصير الطائر . كان يحتل الحجرة كلها في حضوره او ظهوره امامي حتى في تواريه بعيداً عني ، احسه يكتم انفاسي بوجوده مع البنت ، كان يصر على ان يريني عن كثب ريش الوانه الزاهية ، الخداعة في بريقها.

البريق ، كنت في ما مضى اميل كثيراً نحو الاشياء التي ترفل ببريقها الخاص ، بريق الذهب او خيوط الشفق ، التماعة القذيفة في ليل العراء المتناهي ، بريق اشعة منعكسة على سطح المياه حين تستسلم في صفاء الى الوجود المشع ، وليس الريش الرخيص المتلاشي ، المتطاير في العراء . تمنيت لو استطعت الحديث معه ، ان اعنفه واطرده ، اوقف غليان طيشه وتواجده الطارئ داخل الدار ، لكن سدى ضاعت محاولاتي كلها:

ـ لن يأتي النهار الا ويكون قد غادرنا نحو الخارج.

اهتزت خصلات شعرها دون موافقة اكيدة ، تلمست جزعها ، اعادت الطائر الى وضعه على فراش سريرها ومنحت نفسها استرخاء باذخاً ، كان الطاووس ادرك معنى الكلام ، وراح يشاركها بذخ الساعة تلك.

ـ لا اريد رؤيته يعيش معنا.

ربتت يد قوية على كتفي ، التفت وجدت وجه الزوجة مكفهراً والنعاس غلف بشرتها بنوع من الوجوم:

ـ عد الى فراشك يا عزيزي.

ـ انظري ماذا جلبت ابنتك من بلاء لنا ؟

ـ ارجوك دعنا من النصائح يا رجل.

قوضت نبرة صوتها فكرة الاستمرار في الكلام ، التفت البنت بغطاء فراشها محتضنة الطائر بين ذراعيها ، هيئ له ان يشيعني بنظرة استخفاف هازئة ، ها هو يشاركنا مساحة الدار ، وينام في غرفة ما تخيلتها تغدو ميداناً لأفعاله وملاذاً لنواياه ، كيف يمكن لي دفع البنت للتخلي عن حماقتها معه ؟ هل تراها تطامنت اليه وعاشرته لأيام مضت ؟ كم من الوقت سيبقى معنا في الدار ؟ ترى هل البنت وحدها من ارتضت بوجوده معنا ؟ اليست الزوجة من جانبها تواطأت مع بقية افراد العائلة ، ترى اين البنت الاخرى واين الولد ؟ كان النعاس الشديد يغالبني وقد استولى عليَّ حقاً ولا مفر من الركون الى النوم لا محال.

في الليل حلمت بالطاووس خلال نومي المتقطع ، اضطرتني الزوجة الى الاستيقاظ لكي اتخلص من الكابوس الذي الم بي.

وقالت لي : كنت تصرخ في نومك وتتقلب في الفراش . انهض.

لم اجبها بشيء.

فكرت جاداً في اهمال الرد عليها ، رأيت نفسي اسيراً وسط طريق ميسمي طويل محفوف بالحفر والاخاديد بين خطين طويلين من المقابر ، مقابر وكثبان وحفر متناثرة على امتداد الطريق ، والغبار يغطي الموجودات من حولي رأيت ( كما يرى النائم ) رجلاً يبكي وامرأة تنوح ولما رأياني اتقدم وسط مقابر اكلها الزمن واخرى شيدت من الآجر والطابوق وقد طليت بالقير ، فزع الرجل واطلقت المرأة ساقيها للريح وهي تعول ، وكدت امسك بالمرأة لولا صراخها الذي افزع الموتى في رقادهم ، شتمني الرجل وسدد اليَّ سيل من الحجارة التي لم يصلني منها شيء ، بل تناثر معظمها في الهواء ، ولما سقطت على وجهي وانا اجري مسرعاً للامساك بالرجل ، ادركت اني اركض ملهوفاً نحو نفسي ، اذ تبين في الحقيقة ان الرجل لم يكن في  الا انا ، اما المرأة فلم اعد اعرفها من اين اتت والى أي الجهات ذهبت ، رغم انها تركت وراءها آثاراً لا تمحى ولا يزيلها الزمن ، وعاهدت نفسي اذا ما رأيت المرأة في مرة قادمة ، لن ادعها تهرب او تفلت من يدي ، وقلت لابد من معرفة كل شيء يدور من حولنا ، امرأة او رجل ، طائر او حيوان يدب على اربع ، لا مجال للتهاون بعد الآن ، رغم ان الحنين الى البيت ظل يلازمني طيلة الوقت المنصرم وخلال ذلك كله ، سمعت الزوجة تنصحني بتناول قدح من الماء البارد ثم علي الذهاب الى دورة المياه لأزيل عن نفسي هذه الغمامة.

ـ لن تزول هذه الغمامة ما لم اتخلص من ضيفنا غير المرغوب فيه.

رأيت ذراعها العاري يلوح في فضاء الحجرة:

ـ لن تنفعك كل الوسائل يا عزيزي.

كان احد معارفي يردد على مسامعنا ، في وقت قريب : لا خلاص لنا من طواويسنا ، ولا قبولنا بها بالامر الهين ، فكيف الحل اذن ؟ ولم يعطنا حلاً بل لجأ الى الصمت ليتركنا في حيرة من امرنا . ولأيام عدة خيل اليَّ فيها ان من قال تلك العبارة : هو طاووس بيتنا وليس شخصاً آخر .. اراه كل صباح يتبختر ويتهادى في الممرات وبين الغرف ، كأنه صاحب الدار او مالكه ، ولم يمنعه الحياء السخريه المعلنة من بعض عاداتنا او تصرفاتنا ، رغم انه لم يتحدث معنا وجهاً لوجه ، بل يرسل طلباته على هيئة شفرات يعوزها الوضوح ، وبالنسبة لي لم اتسلم منه اية علامة او اشارة في مغادرة البيت فكرت في محادثته واقناعه لكنه ظل يزوغ ويراوغ في كل مرة يصادفني فيها وجهاً . يا الله كم يبدو شاذاً وغريباً في كل ما يصدر منه ، حتى صمته بدا ثقيلاً ويكتم الأنفاس . وخُيل اليَ ان وجوده يترسخ او يكاد يصبح ازليا ما دام هناك من يحميه ويرعاه ، اذ ليست البنت الكبرى وحدها ترغب في وجوده ، بل البنت الصغرى ايضاً ، وكثيراً ما وجدتها تمسح برفق على جناحيه ، تداعبه ، وتلامس بأطراف اصابعها الرقيقة الوان ريشه الناعم:

ـ يا الهي ما احلاه وابهاه بيننا.

تلك عبارتها المحببة الى نفسها ، عبارتها التي تدفع برمال هائلة في انحدارها الفجائي تنهال على جسدي رماد وغبار يلف الكون حولي كلما شاهدتها تحتضن الطاووس وتبدي ما في وسعها من عناية به ، جهدي ينصب في ألا يطأ غرفتي الخاصة ، الا يحتل أي جزء منها ولو بسعة اصابع اليد مجتمعة ، والحق ، كانت الزوجة تدفعني الى التحلي بالصبر وطول البال ، وانه مجرد طائر لا يجلب لنا سوءاً ، الا تراه سلوى البنتين ومبعث سرورهما . قلت لها : لابد من ان تحل الساعة وهي آتية لا ريب فيها.

حدث هذا في الايام الاولى لدخوله الدار ، غير انه بدلاً من طريقته مع افراد الاسرة ، ادرك رعاية البنت الكبرى له ، وقد تلمس اذعاني لطلبها في بقائه ولم تبخل البنت الصغرى عليه بالعطف والمؤازرة وان كانت تختفي في غرفتها وتغلق عليها الباب لساعات طويلة وربما لأيام ولا تدع احد يطأ ارضها ، حتى وان كان يقف امام بابها ، فهي لا تفتح ابداً ، انما ندرك كلنا ، ان لا مجال لدخولنا عليها ما دامت لا تسيء لأحد ولا تطلب منا شيئاً ، كانت تكتفي بعزلتها في بعض الاحيان ، ونحن نعرف تماماً ، اهتمامها وعنايتها بأشيائها الخاصة مهما بدت ضئيلة او ليست ذات بال ، لكن لا احد يخترق هذه العزلة ويبدد حرمتها ، ربما يعلم في قرارة نفسه انه طائر جميل ويبدو في بعض الاوقات مهذباً ورقيقاً ، لكنه لا يكف عن طلباته في ان يكون حاضراً بيننا ، وقد يضطر للتدخل في شؤوننا ، ومن الطريف انه راح يجاهر بأفعاله بلا مواربة حتى انه اتخذ له مكاناً على مائدة الطعام ، في المقعد المواجه لمقعدي تماماً ، ظل يزوغ ببصره بعيداً عن نظراتي المتابعة لحركته ، تلك النظرات الشزرة المليئة بالتأنيب والاساءة غير المباشرة له .

 

 

وصــــــول

زاهر موسى

لا يتسع الباب لفرحتي

لن ادخل اليوم

سابعثر خطوتي

كي لايتعقبني احد

فاصل الى عينيك

كليل مفاجئ

ها قلبي يمشي نبضة نبضة

وضفيرة الشارع تؤرجحني

شيبة

في المغيب

تلاحقني السيارات

تخدش صمتي

بمحركاتها اللاهثة

ويعتصرني جندي

لا يعلم

ان قيافة الشارع

نياشنها خطاي

لا يعلم

ان ثغرك لا يحتاج الى وزراء

كي يحكمني.. ولايعلم

انهم يسهرون لكي نسهر

وامر

الابواب لا تطرق في الليل

انها تعانق او تركل

فزائر الليل.. اما انا او هم

وامر

فتجتاحني نافذتك

كبقعة ضوء

في قميص الظلام

وانا احمل

فرحتي

وضفيرة الشارع

والجندي

..

..

..

..

..

..

..

..

فلا امر

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق