|
(الضالان) في غابة شيكاغو لمحمود سعيد
اسعد الخفاج
يدفعني لكتابة هذا الانطباع عن رواية (الضالان) ، آخر روايات الكاتب
العراقي محمود سعيد، قناعتي بأن الرواية تمثل سجلاً درامياً واقعياً،
لحالة الغربة المريرة التي يعاني منها المنفيون العراقيون، وبالخصوص
المثقفون والكتاب والواعون سياسياً منهم ، الذين قدموا إلي هذه المدينة
الغريبة، بتقاليدها وحضارتها، طلباً للأمان والحرية، بعد حرب تحرير
الكويت. ولمشاركة القارئ في الاستمتاع بهذه الرواية، نذكر في البداية
وصفاً للفضاء الذي حدثت فيه. فما هي عناصر المكان والزمان والبشر
والعلاقات الاجتماعية التي تشكل خلفية الأحداث، والرابطة الجدلية بين
تلك العناصر المكونة لهيكل العمل الفني قيد القراءة؟: شيكاغو الكبري،
عبارة عن منطقة مفعمة بالنشاطات الصناعية والتجارية الكبري بمقاييس
الولايات المتحدة. وضمن هذه المنطقة تقع مدينة شيكاغو بأبنيتها وناطحات
سحابها ذات الهندسة المعمارية المتميزة علي تخوم بحيرة مشيغان الواسعة
المتصلة ببحيرة أيري ثم بالمحيط الأطلسي. ويسكنها نحو ثمانية ملايين
إنسان يتميزون بتعدد أثنياتهم، وانعدام تفشي روح العنصرية بينهم، كما
هو معروف في ولايات الجنوب! ويقدر عدد أفراد الجالية العراقية فيها
بمئة ألف، معظمهم من الآشوريين، الذين استقروا هنا، وأصبحوا جزء لا
يتجزأ من المجتمع الأمريكي. ويشاطرهم في اندماجهم بالوطن الجديد حوالي
خمسمئة عائلة عراقية ممن جاءوا للدراسة خلال السبعينيات وفضلوا البقاء
هنا، وجلهم من الأطباء والتكنوقراط ورجال الأعمال الأثرياء. وهناك نوع
ثالث من المغتربين، وهم لاجئو التسعينيات، الفئة المنفية مرتين: مرة من
بلدها العراق، ومرة إلي داخل (الغابة)، التي ترمز في رواية (الضالان)
إلي الضياع والانعزال والفاقة وحالة النفي داخل المنفي! هؤلاء فئة من
المنفيين الذين لاحقتهم لعنة الأزل (الفقر في الوطن غربة، والغني في
الغربة وطن) ، تركوها كما يترك حيوان أليف ذكي، يعتني بنفسه، يكفيهم
مؤونة الاهتمام به، يطبخون أطعمة لذيذة لكنها مليئة بالبهارات، تلهب
فمها، تجعلها تلهث بضع ثوان وهم يضحكون). جاءت تلك الفئة من المنفيين،
وترصد الرواية عدداً منهم كالبطل الرئيسي عمر وجميل وحسن وفوزي وحبيب
وحيدر وغيرهم، جاءوا إلي شيكاغو، وبدؤوا حياة قاسية فيها، حيث لا أشغال
مضمونة ولا أمان ولا استقرار، ولا وطن! لم يجدوا هنا، في أغني دول
العولمة، بلداً آمناً كما وعدتهم الأمم المتحدة. (لا سبيل لإنقاذ
الضحية في هذه المدينة اللعينة! لماذا أوقعه القدر فيها؟)،.
يخترق محمود سعيد عالم شيكاغو أو غابة المنفيين العراقيين مستفيداً من
براعة القلم وخصوبة الخيال وقدرته الجيدة علي الربط والتحليل والأقران،
فيقدم لنا، بحق، عملاً فنياً رائعاً، ممزوجاً بالنقد اللاذع علي لسان
الراوي (السارد)، متقمصاً شخصية البطل عمر، للمجتمع الأمريكي العولمي،
الذي يختلف كلياً عن المجتمعات الأوربية، حسبما يعتقد، إذ نقرأ للبطل
في أكثر من مناسبة وهو يقول (أحتقر التكالب من أجل الدولار، لذا أريد
الهرب إلي السويد)! أو (هذه هي أمريكا السوداء.. يهددون أنهم سيضعون
أسمك علي القائمة السوداء أن لم تدفع)، أو:(بالإضافة إلي التمييز
العنصري ضد الأجانب). أو (سأغادر بعد أسبوع إلي السويد، سأترك أميركا
وشرورها لمن يستطيع مقاومتها. ويبرر الكاتب نقده الحاد ذلك بجعل القارئ
يستشف معاناة الغربة المزدوجة التي يصورها عمر لكاثي بمرارة وسخرية كل
مرة يتحاوران فيها. وفي مناسبة أخري يعزز جميل، وهو صديق لعمر، وجود
المعاناة المستمرة التي لحقت بالبطل، حيث يقول مخاطباً إياه (كنت تبحث
عن عمل عبثاً منذ فصلك بعد 11 أيلول (سبتمبر) وحتي الآن.
عمر وكاثي
تتحدث الرواية عن الضالين: ، وهما الشخصيتان الرئيسيتان فيها. الأول،
أي عمر، الكاتب البالغ الثالثة والستين من العمر، وبعد أن هاجر من بلده
الأصلي قاطعاً آلاف الأميال عبر البحار والمحيطات، طمعاً في وطن بديل
آمن يأويه ، أكتشف أنه ضل السبيل إلي الاستقرار والأمان والعيش الكريم.
ولكي ينجو من جحيم شيكاغو بعد أن عجز عن أيجاد المأوي والعمل المناسب ،
أضطر إلي (الهجرة) منها إلي أعماق غابة معزولة مظلمة ، تملؤها برك
المياه الآسنة، ولا يأمن دخولها حتي أفراد العصابات من القتلة
والمجرمين وتجار المخدرات. أتخذ بطل الرواية من الغابة المتروكة بيتاً
منعزلاً له بل وطناً ينصب فيه الشباك والفخاخ للدفاع عن نفسه. ولكي
يقنع نفسه أنه موجود في قارة الحلم الأمريكي، العالم الجديد ، أقام له
هناك خيمة أخفاها بين الأحراش، و بات يجلب الماء بالأوعية بالدلو
للاستحمام والحلاقة وتنظيف الأسنان بين الأشجار الكثيفة. وإذا اشتهي
شرب القهوة، فأنه يلجأ إلي (مطبخه) المتنقل، سيارته القديمة الحافلة
بالطعجات ، والتي أحضرها معه إلي موطنه الجديد المخفي ، ليحضر له
فنجاناً ساخناً منها يحتسيه علي جذع مخلوع متيبس، منصتاً إلي تغريد
طيور الكاردينال الحمراء ، ومتعرضاً إلي لسعات كل أنواع الحشرات والبق.
وبدون مقدمات أو معرفة سابقة ، داهمه القدر بالشابة الحسناء كاثي
(الضال الثاني في الرواية) في عزلته المحصنة بالحبال الموتورة للدفاع
عن النفس، لتشاركه خيمته وغابته المعزولة ، والحياة البدائية التي
يحياها. كاثي فتاة في العشرين فائقة الحسن والدلال ، تفتن عمر من أول
نظرة بشعرها الأحمر وقوامها الرشيق الفتان وغنجها الذي لا ينتهي!
تنقلنا الرواية ، بانسيابية وعفوية مقصودة ، إلي عالم شيكاغو (الحقيقي)
، كما تراه عين الكاتب: الفقر والتشرد وفقدان الأمان،، ، يستخدمون
سيارات الليموزين لتنقلاتهم الخاصة ، وهذه إشارة إلي النفوذ الواسع
الذي يتمتعون به ، ويتواطأ معهم رجال البوليس في (تجارتهم) لقاء نسبة
من الأرباح! تدلنا الرواية برمزية مقصودة علي قوة الإرادة للبطل
الرئيسي عمر، الذي أضفي الكاتب عليه كثيراً من خصائصه الإنسانية، فجعله
يبدو متفائلاً ولم يكن مهزوزاً أو محبطاً أو مستسلماً ، لوطأة الغربة
المزدوجة. ولكي يحقق هدفه هذا أباح الكاتب له انفلاته العاطفي
اللامحدود .
طريق الخلاص
وبالرغم من الحالة المتردية للمجتمع الشيكاغوي، كما توضحه الرواية، نجد
الضالين سرعان ما يجدان سوية، وبتدبير من العقل الأنضج، عمر، بداية
طريق الخلاص من واقعهما السيئ، دون مساعدة الضمان الاجتماعي المفقود في
شيكاغو! وتتجلي قدرة الضال عمر علي البقاء وتحدي المصاعب، وممارسة حياة
طبيعية منظمة، حتي في أحراش الغابة الموحشة. وهنا يتجلي شيء عريق، من
التربية المتحضرة العراقية الأصيلة، في سلوك بطل الرواية عمر، منعكساً
علي تعامله مع كاثي (الضال الآخر) يلتزم محمود سعيد في روايته
(الضالان) منهج التلاحم والانفصام والتفاعل الجدلي بين المتناقضات، كما
في موقف عمر الإنساني من الفتاة و موقف جورج الشرير منها، بين الشباب
والحيوية اللتين تتمتع بهما كاثي وبين شيخوخة عمر وشعوره بالموت الآتي
إليه بالحتمية الوراثية لا محالة. بين جمال الطبيعة في الغابة وروعة
الطيور ورونقها وبين حالة الغربة والانعزال والظلام الدبق فيها.
وأخيراً العلاقة الجدلية بين عظمة أمريكا القائدة للعولمة، بناطحات
سحابها والأعداد الأسطورية للسيارات وعمران شيكاغو من جهة وبين البؤس
والضياع اللذين يعيشهما الناس هناك أمثال العجزة والمتشردين وأفراد
العصابات . ويوظف الكاتب ببراعة ظاهرة كل العناصر الإيجابية في هذه
المتضادات لتحقيق أهداف البطل عمر الذي يمتاز بالإيجابية و بالثقة
بالنفس والعزيمة والإرادة. الرواية هي عرض للصراع ضد الظروف والأقدار،
صراع بين الشخصيات (بين جورج وبين ضحاياه)، صراع داخل الشخصية الواحدة
وفي إطار التصارع الداخلي للشخصية الواحدة، وبالرغم من جهود عمر في
الظهور أمام رفيقته الضالة الضعيفة كاثي بمظهر القوي الحازم، نجد
الكاتب وكأني به قد أستدرك ذلك ليخفف من هالة الشعور الوهمي بالإيجابية
الكاملة التي غمر فيها بطله الضال المعذب عمر. فيذكرنا بهيمنة الحالة
السوداوية عليه، وهو لا يتورع عن ذكرها أمام كاثي خلال تمتعه باللحظات
السحرية اللذيذة كما في صفحة 194(أؤكد لك أنني أعيش فيما بعد نقطة
الصفر، مات والدي في الثالثة والستين، وعمري الآن الثالثة والستون،
يعني ما أعيشه بعد الآن مسروق من القدر). وطفحت قوة عمر السحرية منه
لتشمل الضالة كاثي، التي، علي الضد منه، لم تزل أسيرة مطيعة مستسلمة
للقيود الخارجية، خانعة لشروط الحياة في شيكاغو ، عبوديتها لجورج،
اليأس من الحصول علي مهنة شريفة، استحالة الزواج من شخص مخلص وإنجاب
الأطفال، وغير ذلك. من جانب آخر، فأن الضال الأكثر وعياً، عمر، يمتلك
بفعل خلفيته السياسية الواعية قدراً من العزيمة، يمكنه من أن يحول
الضحية كاثي إلي مشروع للثأر من واقع المجتمع.
التركيب اللغوي لشعر السيّاب
مهدي شاكر العبيدي
عثرْتُ بكتابٍ يحمل عنوان ( التركيب اللغوي لشعر السياب ) لمؤلفه
الدكتور خليل إبراهيم العطية في إحدى المكتبات بدمشق اعتادَتْ منذ
تأسيسها ـ على ما يبدو ـ ترويج الأدبيات والمطبوعات المعنية بشؤون
الأديان والمذاهب والطوائف والفرق والحركات النازعة لإحداث الجديد
والموائم لقيم العصر في مواقفها وتوجهاتها ، كي لا تظلَّ النظرة حيال
أقطابها ووجوهها على حالها من وسمهم بالارتجاع والجمود ، واحتذائهم في
سلائقهم للمبادئ السَّلفية ، وتردُّدهم في التكيُّف والمستجدات
الحضارية وقبول فاعليتها في حياة المجتمع الإسلامي ، فاستغربْتُ لذلك
أو منه ثلاث مرَّات ؛ فأمَّا الأولى فلأنـَّه لمؤلف عراقي وقد أصدرته
دار المعارف للطباعة والنشر بتونس ، وأخرجته بهذا الشَّكل الرَّائع
الجميل بدءا ً من الحجم المناسب والتغليف القشيب ، وانتهاءً بهذه
الحروف الطباعية الأنيقة والمستخدمة في إنجازه على أتمِّ ما يكون
الإنجاز من البداعة والرَّوعة ، وتشويق القارئ للوقوف على وجهة نظر
جديدة بصدد شعر بدر شاكر السياب بعد أنْ شغف الدَّارسون في تحليل نتاجه
الغزير وذهبوا مذاهب شتى في تقويمه ، وتوزَّعَتْ آراؤهم وأحكامهم بين
أنْ يستدلَّ فريق منهم بإبداعه وجدَّته وقوة تصويره وتمثيله طريقة
مستحدثة في الأداء والنسج الشِّعري ، تجاوزَتْ منوال الشُّعراء
الرُّومانسيينَ والرَّمزيينَ ممَّن لزموا نفس الشَّكل التقليدي
المتوارث ، غير أنـَّهم أوفوا على شيءٍ من الطلاوة والرَّهافة
الوجدانية في تعبيرهم ، وجاوزوهم لحدِّ الغلو والإسراف والمبالغة في
الاتصال بالحياة وتناول موضوعاتها وجعلها من أغراضهم الشِّعرية ، وبين
أنْ يزري فريق آخر ويهوِّن من صنيعه الفني وتجديده الشِّعري ويتحرى
هناته الأسلوبية ، عادا ً كلَّ ما استخدمه في قصائده من رموز وأساطير
هو مقحَمٌ ومفروض على سياقها وقاصرٌ عن تمثيله وقيامه بوظيفةٍ ما ،
ويتطرَّف أكثر فيشين بالقالب الجديد الذي يختلف الأدباء والناقدون حول
تشخيص أيٍّ من الشُّعراء سبق غيره إلى هذا اللون من البيان وابتدعه
بدعوى تجديد الشِّعر العربي وتطويعه لمقتضيات العصر..وأمَّا الثانية
فلأنـِّي بُوْغِتُّ بأنَّ ما بيدي الآن هو الطبعة الثانية المفروغ منها
عام 1999م ، بعد أنْ طبع ببغداد عام 1986م ، دون أنْ أخلص إلى دراية
وعلم ٍ به ، لأنَّ المنابر الإعلامية وقتذاك كانتْ موقوفة على
المجهودات الحربية أكثر من انشغالها بالدِّعاية للمشروعات الثقافية ،
ويجوز أنـَّه خلال المدَّة بين ذينك التاريخين ِ مكث المؤلف في تونس
أستاذا ً للآداب العربية في جامعتها على سبيل الانتداب من جامعة البصرة
، فوافى تلك الجهة الناشرة بنسخة منه لتعيد طبعه ثانية ، وانتهَتْ منها
دون أنْ يصل إلى يده نموذج منها ، فقد غادر هذه الدُّنيا الفانية
إبَّان تلك الآونة ، وكان في وفرة من الصِّحة والعافية والتظاهر
بمحبَّة الحياة والإقبال عليها ، مع أنـَّه ينطوي على شجن ٍ وهم ٍ لاعج
ٍ مأتاه إشفاقه من وجود أحد أشقائه في المهجر وفرقه من احتمال تعرُّضه
للمساءلة عن عدائه ومناوأته للسُّلطة القائمة وتنديده بسياستها من خلال
الإذاعات الخارجية لا أنْ تعُفَّ وتدين كلَّ إنسان بجريرته .
والباعث الثالث والأخير لهذا الاستغراب فلعلـَّه أبينها وأسدُّها
وأقمنها بالتدبر والالتفات والارتياب بغايات كاتبه من ورائه واكتناهه
بغيته ونزوعه لدراسة شعر السياب وتفلية نسيجه الفني ، والانتهاء منه
إلى القطع بترسُّله بمحض العفوية والصُّدور عن الطبيعة الخالصة مراعيا
ً ملتزما ً للفصاحة العربية ، وموفيا ً محيطا ً بشرائطها وعناصرها ، أو
خلاف ذلك من الإخلال بالقواعد الصَّحيحة التي جرى عليها السَّابقون في
تجسيد خواطر نفوسهم ، وعوَّلوا في تعبيرهم على ألفاظ ومفرداتٍ لا وجود
لها في العربية ، أو لم يتداولها العرب وينبو عنها ذوقهم وفطرتهم وما
يلحق بهذه الخصيصة من إقحامهم بقالبهم الإشارات والرُّموز والحكايات
الأسطورية ، فتبين مقطوعة الصِّلة بها دون الإيحاء والتدليل على قيامها
بوظيفة ما ، منتحلينَ لتورُّطهم في ذلك مسوِّغات شتى من قبيل كلفهم
بالاستعارة والمجاز والفنون البلاغية الأخرى قصد الإيهام باحتوائهم
محصولا ً ثقافيا ً غزيرا ً من الثقافات الإنسانية وانفتاحهم على العالم
، وإلا فعهدي بالمرحوم الدكتور خليل إبراهيم العطية أنـَّه من حماة
التراث اللغوي في بلده وأحرص في اهتماماته الفكرية على إيلاء النتاجات
المعنية بموروثات السَّلف وتحليل معطياتهم منه إلى العناية بآثار
المحدثينَ ، لأنَّ تلك تتميَّز من وجهة نظره وغيره من المنصرفينَ
لإحياء كتب الأقدمينَ ورسائلهم ، بالأصالة والقوَّة والعمق والإشراق
والصِّحة والبهجة والتمام إلى غيرها من المواصفات والسِّمات ، وتنبي عن
أنَّ منتجيها ومبتدعيها يستوحونها من واقع حياتهم ولم يتعجـَّلوا في
صياغتها وحبكها والإبانة عمَّا يخامرهم ويساورهم من خواطر وخلجات ومعان
ٍ ، دون أنْ تختمر في وجدانهم ويستوثقوا من قدرتهم على التجسيد
والإفصاح على شاكلةٍ تعكس أنصبتهم من تفهم موضوعهم واحتوائه والإحاطة
بأسبابه ، وتشي بحماستهم واندفاعهم وحيويتهم ، وتنمُّ عن مقدار جهدهم
واستغراقهم في صقل مواهبهم وتثقيف عقولهم وإفعام نفوسهم بالتطرية
والرَّهافة والرِّقة حيال كلِّ ما ينزل بالآدميينَ من حولنا من بأساءٍ
وضيم ، مجانبينَ طرائق شباب الأدب هذه الأيَّام في الاقتصار على قراءة
الأعمال الأدبية الهابطة والسَّطحية والتي لا تغني في شحذ الملكات
الذهنية وترقية العقل وتهذيب الوجدان ، مندفعينَ في ذلك ومنصرفينَ له
بعامل حبِّ الاشتهار والظهور.
لذا أقطع بأنـَّه بانصرافه لقراءة شعر السياب بمجموعه وإمعانه نظرا ً
لتراكيبه اللغوية ومعاينة ما أوفى عليه من صور التجديد ولو بالميل إلى
استخدام ما لم تألفه العربية الفصيحة في استعمال أدواتها ، وغير مبال ٍ
ولا مكترث أصلا ً بما حظي الشَّاعر به في حياته من إعجابٍ عَمِيَتْ معه
عيون المعجبينَ عن الفطنة والالتفات والتنبُّه على سقطاته وهنواته
اللغوية ، رام منها تحذير القرَّاء من الغلو والتسرُّع في مشايعة كلِّ
بدعة جديدة في الحياة عامة والثقافية بوجه خاص.
قصة قصيرة
بقايا حلم
اسعد اللامي
كان مرأى الصالة عند الافتتاح مذهلا، أدهشه الجمع الغفير، النساء على
وجه الخصوص، نساء بَدَونَ مثل نجيمات مزهرات سابحات في سماء الصندل
والبخور الثمين، بيض بشعور ذهبية وعيون زرق، وسمراوات بلون مساءات
الجنوب ذوات عيون سود كماسات الزنج، واخريات غيد بعيون ضيقات مليئات
بالمكر والرغبة. ليل خرافي شبيه بالاساطير، الغرفة الباذخة بنوافذها
الواسعة المطلة من علٍ على افياء المدينة، والسرير الملكي الوثير،
ابتسم بخبث حين مر في ذهنه خاطر «أن لويس الرابع عشر لم ينم على هكذا
سرير» رغم أنه يدرك في قرارة نفسه بأن أيما سرير مهما كان مترفا ووثيرا
سيكون في منتهى البؤس والرثاء ما لم تعبق في ثناياه رائحة امرأة! ولكن
لا بأس.. هذه ليلتي الاولى في المكان، هي ليلة الجوس الخجول ولربما
تعقبها ليال أخريات مفعمات بالجرأة والاقتحام هكذا كان يفكر وهو يسلم
نفسه لرقاد لذيذ تحت الاغطية الوثيرة بعد سفر بري طويل. في الصباح
الباكر كانت أصابع الحلم تنسل نحو يده، توقظه برقة متناهية من رقاده
وهي تهمس له.. هيا الى البحر نهض على عجل ودلف نحو الحمام الباذخ، دوزن
صنبوري الماء البارد والساخن في الحوض الابيض المتلامع بعد ان أذاب
قليلا من أملاح البحر الميت في المياه حتى إذا تماوجت الخضرة المزرقة
إندس ببدنه في السخونة اللذيذة وغفا في مقيل يشبه مقيل جاموس المعدان
في أهوار الجنوب!! في هدأة أغفاءته وخزه قلبه إذ تذكر أنه تارك خلفه
مدنا بأكملها نهبا للترقب والحذر والخوف من موت متربص في الطرقات، وبيت
صغير عائم في الظلام تلوب فيه مثل حمامة امرأة صغيرة يحتمي تحت ظل
أجنحتها صغار مرتعبين. أطال في رؤاه الفزعة فامتدت أصابع الحلم ثانية،
هذه المرة كان ضغطها اشد وهي تهمس بصوت خالطه بعض من نفاد الصبر.
والبحر.. ألم يكن أحد احلامك.. أم تراك نسيت؟ طرطش الماء على الرخام
الصقيل بعد أن هبَّ عجلا ومضى يرتدي أأنق ثيابه وكأنه على موعد مع
امرأة العمر شق عليه وصالها ردحا طويلا حتى جاد الزمان بفرصته الفريدة
للقاء. أدار أكرة الباب النحاسية المدورة، ودبت خطواته بتؤدة في الرواق
الطويل، الصمت يلف أرجاء المكان، لا شيء غير الشخير الرتيب المنبعث من
وراء الحجرات ورائحة الصندل العابق في بحر الهواء الراكد في أرجاء
الفندق المنتصب كعمود من ضياء زجاجي أزرق فوق قاعدة الرخام الاسود
الصقيل عند المصعد تعمد الضغط على زر الطابق الاول مؤثرا الهبوط نحو
فسحة السلم الواسع الدرجات والمطل على الصالة مستعيدا صورتها في الامس،
مع الصباح كانت الصالة خالية الا من أطياف نجيمات الامس، ألقى من مكانه
المرتفع نظرة ملؤها الفخار وشرع يهبط الدرجات الرخامية برأس مرفوع يليق
بفاتح منتصر لاسوار مدينة عصية. عند الباب الزجاجي، أنحنى له البواب
مبتسما بعد ان ألقى تحية الصباح، ثم أردف بملامح لا تخلو من نباهة
عالية ودماثة خلق أكسبتها إياه سنوات عمله الطويلة في التعامل مع شتى
أنواع البشر. أراك مبكرا يا سيدي نعم، هذا صحيح، بل ربما تأخرت قليلا..
أجابه. أضاف البواب بأدب جم اود الاعتذار منك ياسيدي.. عما سببته
البارحة اوه.. لا داعي للاعتذار.. كنت تؤدي واجبك فحسب.. رد بود. عاود
البواب حديثه متسائلا: ولكن ليسمح لي سيدي بالسؤال، الا يؤلمك حملها في
جسدك؟ لم يرد عليه بشيء، اكتفى بالربت على كتفه والابتسام وحين هم
بالخروج، امتدت يد البواب وأطفأت جهاز الكشف عن المعادن ثم أنحنى له
مرة ثانية مبتسما ابتسامة ذات مغزى. البارحة حين هم بدخول الفندق للمرة
الاولى، رن جهاز البحث عن المعادن، نبهه البواب الى ضرورة تفريغ جيوبه
من أيما قطعة معدنية تثير حفيظة الجهاز، ألقاها جميعا على طاولة في
الجوار وعاود الدخول ثانية لكنما الجهاز أبى الا الصراخ.. وفعلها في
المرة الثالثة. حينها تنبه لامر كاد أن ينساه، قال للبواب بضيق:لا
فائدة، المعادن في داخلي، ولن يكف الجهاز عن صراخه ما دمت أمر من
أمامه. لم يفهم الامر، بل ربما تصوره على نحو أثار ريبته، مما دعاه
لإخبار مسؤول الامن في الفندق الذي هرع هو الآخر مستفسرا. قال لمسؤول
الامن بهدوء وهو يشير نحو جسده أنها الشظايا.. فغر الرجل فاهه مندهشا،
وهو يردد الشظايا؟!.. نعم، أجابه مؤكدا وهازئا في نفس الوقت شظايا
الحرب.. أحمل نثارها في جسدي من قمته حتى اطراف أصابع قدمي..! شوارع
المدينة في الصباح المبكر يلفها الصمت والندى الآتي من البحر، ليس سوى
طير أبيض وحيد بكّر في التحليق عاليا في الزرقة التي بدأت للتو
بالنهوض، فوق رأسه تماما، بدا جذلا بشكل غريب وهو يفرد جناحيه ومنقاره
الاحمر الجميل يلصف تحت وهج الشمس التي ولدت للتو من رحم البحر. في
سنواته الاولى استولى عليه حلم السفر وملك لبه بشكل عجيب، كان يحلم
برؤية كوبا أو اسبانيا الاندلس بالتحديد، غرناطة على وجه أدق، لم يدفعه
الى ذلك الهوس، التأثر بأحد أسلافه الغابرين ممن عاد من أحدى غزواته
محملا بثلاثين ألف عذراء من نبيلات الأسر القوطية ألقاهن دفعة واحدة في
أحضان مليكه الجالس على عرشه في دمشق. بل كان تحت تأثر كامل بأشعار
لوركا جعله يتحرق شوقا لرؤية القمر الاندلسي الذي يهرب خائفا قبل أن
يمسكه الغجر ويصنعوا من بريقه أقراطا وأساور. كان يود رؤية البحر
الازرق الواسع الكبير، يتجول على شواطئه اللازوردية ويرى الخلاسيات
الفاتنات وهن يتغنجن بدلال على الساحل الرملي الفسيح يحملن زهورا،
يومئن بها ويبتسمن ابتسامات ذات مغزى. في رحلته الاولى نحو تلك الأصقاع
بعيدا عن ارض بلاده كانت (الايفا) تهتز مع تعرجات الوهاد الكالحة وتنوص
اجزاء هيكلها فتثير فيه مزيدا من القرف تزيده نصائح العريف الدميم
بكرشه المتدلي والذي لم يستطع نطاقه الاخضر من ضبط أندلاقه.
خذي الورد
فيصل المحنا
خذي الورد من قاطف _قاطف
وردي الشذى في صدى هاتفي
تعالي نذوب بين الشتاء
على قبلة رقصة الاسف
ونرسم في الغيم همس الربيع
رسائل تموز للعازف
نلون بالصمت بوح الخريف
شبيهين من شيبنا الزائف
ونبني على الشمع اوطارنا
من الماء والورق التالف
نلم الشتيتين من سكر
ضحوك ومن لاذع كاسف
كنحلة نيسان نجني الرحيق
شفائين من خصرها الراجف
غد جاء امس الى حينا
عن الان يسأل من سالف
فتحت نوافذ دفء المساء
فيالي من جاهل عارف
وانصت اصغي وباب الضمير
تباعد عن نبضه الازف
فمفتاحه جمرة في يدي
وقفلاه من برد نازف
فأخشى على الجمر ان ينطفي
وليس على الثلج بالخائف
ولي سعفة في مرايا السحاب
تعالت على رملها الزاحف
تمنيت ان تنتمي نخلتي
الى البحر والشجر الوارف
تحدثني جارتي عن فتى
يغازل عن معجم واصف
يضيء بفستانها عطره
شرودا من الكلم الخاطف
ينث الرذاذ بنافورتي
ويصبو لتيارها الجارف
وكنت الى قلبه اقتفي
شحوبا من الحلم الطائف
يترجم بالصمت وجد الشجون
ويمشي كما الثابت الواقف
يشف اذا رف ثوبي له
زمانا تليدا الى طارف
يعلمني الحب اذ ينتشي
على شفة العاطش الراشف
فألقى السنابل بين الضفاف
وفر لمستقبل انف
وكان يسافر قبل الرحيل
فهاجر عن صبره الالف
بومض اللسان يذيب العقيق
رمادا على اللاهب اللاهف
فما احترقت كفه باليمين
فما هو بالحانث الحالف
وان فاق من سكرة المنتهى
رمى الكأس بالعنب الناطف
يسامر (يثرب) في القريتين
ويغري الدوالي في (الطائف)
يقول اذا درت شمل الفصول
يدور على محوري العاكف
حرام علي الهوى ان يداف
مع السم بالعسل الذائف
جناحي اذا صف في عاصف
يبين لعرابها القائف
ليشعل ياقوته للاصيل
وللمشرق الواعد الهادف |