|
مفهوم (البداء) في عالم الخلق والتكوين
السيد هاشم الموسوي
استعمل مصطلح (البداء) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للدفاع عن
الفهم الإسلامي مقابل اليهودي,والفكر الفلسفي المتأثر بالفلسفة
اليونانية,وبعض المدارس الكلامية كمدرسة المعتزلة,أثار هذا المصطلح
شبهة فكرية عقيدية لدى البعض من الكتاب,وأصحاب الآراء والمذاهب
العقيدية في الصف الإسلامي,ولم تقف حدود هذه الشبهة عند الاستفهام
والمناقشة والرد العلمي,بل اسيء فهم المصطلح,واضيف الى إساءة الفهم
تصورات ناشئة عن روح الخلاف والمواجهة القبلية بين هذه المدرسة وبين
مدارس فكرية اخرى.
ففهم القول بالبداء بأنه قول بتغيرعلم الله لخفاء المصالح
عليه,وبالتالي نسبة الجهل إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وهكذا تدخل النزاع والخلاف في تشويه الحقيقة,وتحويل الموقف من خلاف بين
الفكر الإسلامي الذي قادته أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبين الفهم
اليهودي المحرف وبعض الاتجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة الى تهمة
فكرية تلصق بأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفهمهما لهذه
المسألة.استعمل مصطلح (البداء) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
للدفاع عن الفهم الإسلامي مقابل اليهودي,والفكر الفلسفي المتأثر
بالفلسفة اليونانية,وبعض المدارس الكلامية كمدرسة المعتزلة,أثار هذا
المصطلح شبهة فكرية عقيدية لدى البعض من الكتاب,وأصحاب الآراء والمذاهب
العقيدية في الصف الإسلامي,ولم تقف حدود هذه الشبهة عند الاستفهام
والمناقشة والرد العلمي,بل اسيء فهم المصطلح,واضيف الى إساءة الفهم
تصورات ناشئة عن روح الخلاف والمواجهة القبلية بين هذه المدرسة وبين
مدارس فكرية اخرى.
ففهم القول بالبداء بأنه قول بتغيرعلم الله لخفاء المصالح
عليه,وبالتالي نسبة الجهل إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وهكذا تدخل النزاع والخلاف في تشويه الحقيقة,وتحويل الموقف من خلاف بين
الفكر الإسلامي الذي قادته أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وبين الفهم
اليهودي المحرف وبعض الاتجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة الى تهمة
فكرية تلصق بأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفهمهما لهذه
المسألة.
ولإيضاح هذه المفردة العقيدية,وبيان الفهم التوحيدي في مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام),نعرف ولو بإيجاز,بمعنى البداء ونشأة المصطلح ونسبة
البداء الى الله سبحانه.
البداء في اللغة: بدا الشيء بدواً وبداءً:أي ظهر ظهوراً,قال الله تعالى
: ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون).
«البداء:ظهور الرأي بعد أن لم يكن,واستصواب شيء علم بعد أن لم يعلم.
ويقال بدا لي في الأمر بداء,أي ظهر لي فيه رأي آخر».
البداء في الاصطلاح: وإذا كان هذا معنى البداء في اللغة,فلنتابع
استعمال كلمة (البداء),ونسبتها الى الله سبحانه بلسان الشريعة
ومصطلحها,وإذا شئنا مثل هذا التحقيق فسنجد أن الرسول الكريم محمداً (ص)
هو أول من نسب (البداء) الى الله سبحانه,في الحديث الآتي الوارد في
البخاري:»عن أبي هريرة:أنه سمع رسول الله (ص) يقول:إن ثلاثة في بني
إسرائيل:أبرص وأقرع وأعمى,بدا لله أن يبتليهم ,فبعث إليهم ملكاً,فأتى
الأبرص فقال :أي شيء أحب إليك؟قال :لون حسن,وجلد حسن,قد قذرني
الناس,قال : فمسحه فذهب عنه,فاعطي لوناً حسناً,وجلداً حسناً,فقال :أي
المال أحب إليك؟قال:الإبل-أو قال :البقر,هو شك في ذلك:أن الأبرص
والأقرع:قال أحدهما الإبل ,وقال الآخر البقر- فأعطي ناقة عشراء,فقال
:يبارك لك فيها.وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب اليك ؟قال :شعراً
حسناً,قال :فأي المال أحب اليك ؟قال : البقر,قال :فأعطاه بقرة
حاملاً,وقال : يبارك لك فيها.وأتى الأعمى فقال :أي شيء أحب اليك ؟قال
:يرد الله الي بصري,فأبصر به الناس,قال: فمسحه فرد الله اليه بصره,قال:
فأي المال أحب اليك ؟قال: الغنم,فأعطاه شاة والداً,فأنتج هذان وولد
هذا,فكان لهذا واد من إبل,ولهذا واد من بقر,ولهذا واد من الغنم,ثم إنه
أتى الأبرص في صورته وهيئته ,فقال : رجل مسكين ,تقطعت بي الحبال في
سفري,فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك,أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن
والجلد الحسن والمال,بعيراً اتبلغ عليه في سفري.فقال له: إن الحقوق
كثيرة,فقال له :كأني أعرفك,ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك
الله ؟فقال :لقد ورثت لكابر عن كابر,فقال : إن كنت كاذباً فصيرك الله
الى ماكنت.واتى الأقرع في صورته وهيئته,
فقال له مثل ما قال لهذا,فرد عليه مثل مارد عليه هذا,فقال: إن كنت
كاذباً فصيرك الله الى ماكنت.وأتى الأعمى في صورته,فقال :رجل مسكين
وابن سبيل,وتقطعت بي الحبال في سفري,فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم
بك,أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري,فقال : قد كنت اعمى
فرد الله بصري,وفقيراً فقد أغناني,فخذ ما شئت,فو الله لاأجهدك اليوم
بشيء أخذته لله,فقال :أمسك مالك,فإنما ابتليتم,فقد رضي الله عنك,وسخط
على صاحبيك».
وروي عن أبي موسى الأشعري أن النبي ( ص) قال :» يجمع الله (عز وجل)
الامم في صعيد يوم القيامة,فإذا بدا لله (عز وجل) أن يصدع بين
الخلق,مثل لكل قوم ماكانوا يعبدون....».
وبذا نفهم أن الرسول الهادي (ص) هو اول من استعمل كلمة البداء وأضاف
معناها الى الله سبحانه.
ولنستمع الى الشيخ المفيد وهو يوضح معنى البداء الذي آمنت به الإمامية
واعتقدته,قال :»أقول في معنى البداء مايقوله المسلمون باجمعهم في النسخ
وأمثاله من الإفقار بعد الاغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد
الإحياء وما يذهب اليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والأرزاق
والنقصان منها بالأعمال,فأما إطلاق لفظ البداء فانما صرت اليه بالسمع
الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله (عز وجل),ولو لم يرد به سمع
أعلم صحته ما استجزت اطلاقه كما انه لو لم يرد علي سمع بان الله تعالى
يغضب ويرضى ويحب ويعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه,ولكنه جاء السمع به
صوت اليه على المعاني التي لاتأباها العقول,وليس بيني وبين كافة
المسلمين في هذا الباب خلاف,وإنما خالف من خالفهم في اللفظ دون
ماسواه,وقد اوضحت من علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام,وهذا مذهب
الإمامية بأسرها,وكل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم
دون المعنى ولايرضاه».
إلا أن إساءة فهم المصطلح قد جرت الى حوار طويل بين الشيعة الإمامية
والذين اختلفوا معهم من الفرق الإسلامية كالأشاعرة وغيرهم خلافاً
لفظياً في استعمال هذا المصطلح,هذا المصطلح الذي بني على أساس استعمال
الرسول الكريم محمد (ص) له,أما دلالته ومعناه,( فإن الرأي الإمامي
انطلق في فهمه من الرد على الفكر اليهودي المحرف الذي يذهب الى أن يد
الله مغلولة : (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم...) وهو غير
قادر أن يحدث شيئاً في الخلق بعد أن فرغ منه وخلقه,واتخذ طابعه
النهائي,فرفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلق مايشاء,وكما
رفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلق,رفضوا أيضاً النسخ في
التشريع كأساس عقيدي لرفض الإيمان بنبوة محمد (ص) القائمة على أساس نسخ
الشرائع السابقة ووجوب اتباع شريعة القرآن).
وقد استدل الشيعة الإمامية بالحديث النبوي الآنف الذكر على استعمال
المصطلح لفظاً ومعنى وعلى الآيتين الكريمتين آية النسخ والتكوين: (
يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
والنسخ هو بداء تشريعي أي تغيير في التشريع,والمحو هو بداء تكويني أي
تغيير في التكوين,إذ لاينسخ إلا ماهو كائن ومثبت في عالم التحقق
التكويني.
وهكذا يتضح أن الشيعة الإمامية استعملت مصطلح البداء بعد أن استعمله
الرسول الكريم محمد (ص) وفهمته بأنه مرادف للمحو والنسخ والتغيير,وقد
قال الله تعالى :( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ).(
الرعد / 11).
فقد أوضح سبحانه أنه يمحو ويغير أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية والبلاء الشخصي...الخ إذا ما غيروا مابأنفسهم.
وجاء في الحديث الشريف أن الله سبحانه يبسط الرزق وينسىء في الأجل لمن
يصل رحمه,فأوضح بذلك أن التبديل والتغيير متوقف عل فعل هذا
المعروف,وذلك هو مصداق البداء الذي قالت به الإمامية.
روى أبو هريرة عن النبي (ص) قال:»سمعت رسول الله(ص) يقول : من سره أن
يبسط له في رزقه,وأن ينسأ له في أثره,فليصل رحمه».
ولنقرأ جملة من بيانات الإمام الصادق (عليه السلام ) لمفهوم البداء
وتفسيره للآية التي تحدثت عنه.
عن منصور بن حازم قال :»سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يكون اليوم
شيء لم يكن في علم الله تعالى بالأمس؟
قال :لا,من قال هذا فأخزاه الله.
قلت :أرأيت ماكان وما هو كائن الى يوم القيامة أليس في علم الله؟قال:
بلى,قبل أن يخلق الخلق».
وروي عنه قوله (عليه السلام):»من زعم أن الله (عز وجل) يبدو له في شيء
لم يعلمه أمس فابرؤوا منه».
وعن عبد الله بن سنان أن الامام الصادق (عليه السلام ) قال:»مابدا لله
في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له».
مبادئ الحوار في الإسلام
كامل الهاشمي
التأسيس القرآني لمبادئ الحوار:
قال تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل/125).
وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ *ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ *ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (الحج/8-10).
متطلبات تهيئة أجواء الحوار:
(عن مسير، عن أبي جعفر (ع) قال: قال لي: أتخلون وتتحدثون وتقولون ما
شيء تم؟ فقلت: إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شيءنا، فقال: أما
والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، أما والله إني لأحب ريحكم
وأرواحكم، وإنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد)
الكافي، الكليني ج2، ص187.
و (عن إسماعيل البصري قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: تقعدون في
المكان فتحدثون وتقولون ما شيء تم وتتبرؤون ممن شيء تم وتتولون من شيء
تم؟ قلت: نعم، قال: وهل العيش إلا هكذا) الكافي، الكليني ج8، ص229.
(وعن أبى بصير قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: رحم الله عبدا حببنا
إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يرون محاسن كلامنا لكانوا به
أعز وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط
إليها عشرا) ن م.
الأدب مع الآخر أصل في الحوار:
(في توحيد المفضل أنه لما سمع المفضل من ابن أبي العوجاء بعض ما رشح
منه من الكفر والإلحاد، لم يملك غضبه، فقال: يا عدو الله، ألحدت في دين
الله، وأنكرت البارئ جل قدسه- إلى آخر ما قال له. فقال ابن أبي
العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبت لك الحجة
تبعناك، وإن لم تكن منهم، فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد
الصادق، فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا.
ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في
جوابنا، وإنه للحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا
نزق، يسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا
وظننا أنا قد قطعناه أدحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به
الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه
فخاطبنا بمثل خطابه) مستدرك سفينة البحار- الشيخ علي النمازي ج3ص183.
الحوار لا يكون بالجهل:
قال الإمام الصادق(ع): (لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم،
ويضعون الأشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، وآخرين يعتمدون الكذب
علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم، ومنهم قوم نصاب
لا يقدرون على القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند
شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصابنا ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه
من الأكاذيب علينا التي نحن برآء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا على
أنه من علومنا فضلوا وأضلوا وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد عليه
اللعنة على الحسين بن علي (ع) وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح
والأموال، وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون،
ولأعدائنا معادون يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم
ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب) بحار الأنوار- العلامة المجلسي ج2
ص88-89.
الرضا في المفهوم الاسلامي
د. محمد رفقي عيسى
ثمرة الجهد في الدنيا والآخرة وغاية الحياة وهو من أعلى مقامات
المقربين ومنتهى الإحسان في العمل والمكافأة وفي الحديث إن الله تعالى
يتجلى للمؤمنين فيقول: (سلوني فيقولون رضاك..) والدعاء لا يخرج صاحبه
عن مقام الرضا إلا إذا كان قائماً على الاعتراض على القضاء أو افتراض
أفضلية الهوى على تقدير الله سبحانه وتعالى لأنه بذلك يكون دليلاً على
عدم الرضا. والقواعد الشرعية هي أساس تحديد مجالات الرضا ومن ثم فإن
معيار تحقيق الرضا ليس ذاتياً أو مطلقاً وإنما يحدده الشرع ويربط بينه
وبين الوسيلة والسبيل.
ولذا كان الرضا بالمنكر معصية والرضا بالعسر لما يتوقع من اليسر أمر
تعبدياً. وقد أورد الغزالي في إحيائه كيفية الجمع بين الرضا والكراهة
(فإن قلت قد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى فإن كانت
المعاصي بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قابع في التوحيد وإن كانت
بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى، وكيف السبيل
إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا
والكراهة في شيء واحد. فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن
الوقوف.
على أسرار العلوم وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكرات
مقاماً من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو جهل محض بل نقول الرضا
والكراهة يتضادان إذا توارد على شيء واحد على وجه واحد فليس من التضاد
في شيء واحد أن يكره من وجه ويرضى به من وجه.. وكذلك المعصية لها وجهان
وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فيرضى به من هذا
الوجه تسليماً للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ووجه إلى العبد
من حيث أنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتاً عند الله وبغيضاً عنده))
وكذلك الأخذ بالأسباب وبذل الجهد هو من الرضا وليس اعتراضاً عليه.
والرضا المتبادل بين الخالق والمخلوق هو الفوز العظيم وهما ليس أمران
متضادان أو منفصلان وإنما تقوم العلاقة بينهما على أساس أن أحدهما موجب
للآخر وتحقيقهما قمة المقامات، (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز
العظيم) المائدة/ 119. (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية
مرضية..) الفجر/ 28، وهي المكافأة التي يلقاها حزب الله ومَن اتبع هواه
(والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) التوبة/ 100، (رضي
الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله) المجادلة/ 22.
ولا نجد بين المتحدثين عن غاية السلوك الانساني أو الجهد البشري من
يرفض اعتبار الرضا كغاية ولكن اختلافهم يكون دائماً ـ وهو معنا كذلك ـ
حول معيار تحقيق هذه الغاية ومجالها. فبينما يتحدث البعض عن إرضاء
غريزة ما أو غرائز معينة كمبعث لتحقيق الرضا أو إشباع حاجات دنيوية
كسبيل مؤدية إلى الإحساس بالرضا نجد أن الرضا الوقتي الذي يورث عدم
الرضا أو الرضا بالنتيجة المقترن بعدم الرضا عن الوسيلة أو الرضا
الذاتي المؤدي إلى مقت الآخرين ومقتنا إذا ما كنا في مقامهم اعتماداً
على معيار ذاتي لا يمكن أن تكون ثمرته دائمة شاملة ودوام الرضا وشموله
لا يتحقق بالرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها لما فيها من تغير
وتبدل ولذا كان الإيمان بالآخرة وتحقيقه فيها ضرورة عملية وكما سبق أن
بينا فالأحوط من الناحية المنطقية ألا يرفض الملحد أمراً لا يرى قيام
دليل يقيني قطعي ع ليه ولم يقم على نفيه دليل قطعي. وهو ما يجعل الرضا
كمعرفة وحال وعمل بعيد المنال عليه.
والرضا بمستوى الكفاية مدعاة لإرضاء الله ببذل الجهد في حدود الاستطاعة
ومن ثم يضمن استمرار الجهد لتحقيق الرضا المتبادل، ومن ثم ينشأ تقدير
الفرد لقيمة الجهد المبذول في إطار الشكر المؤدي إلى مستويات أعلى، حتى
يصل الفرد للرضا عما يفعله لنفسه ولغيره إرضاء لربه والاستمتاع بما أحل
الله وإيماناً بوحدة الخلق حتى يصل إلى (تكامل الـ نحن) فيسلك بها مقام
الرضا الكامل عما أخذ وعما أعطى وعما ينتظر، (ومَن يعمل الصالحات وهو
مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً) طه/ 112. |