|
القص الموجز والتنغيم التركيبي
اسماعيل ابراهيم عبد
لهيكلة الكتابة عمقان ، أفقي وعمودي ، الأول يمثل الآليات الانتاجية
البصرية والثاني يمثل آلية تشعيب قنوات التوريد .. ويلتقي العمقان في
خزين الذاكرة التجميعية .. ثم يطلقان مبثوثاً تحليقياً بفهم وجداني
تطريبي وعقلاني انتقادي. ومما نعنيه ويعنينا هو ذلك التجميع الذكراتي
الفعّال بما يحتمله من طروحات فكرية ووجدانية ، وبما يؤول عليه من
أنعتاق غمري شبه صوفي ضمن الحالة الكتابية الذهالية الفنية . هذا ((
المُعنى )) قد يكون مظهر استثمار كياني من هيكل نوعي كالقص الموجز مما
يغني آليات الفهم التي تصنع الوجد التكويني في تركيب خلائطي يحيل
مباشرة الى استثنائية السرد ، والذي هو خلق ، والخلق هو ثمرة التوازن
بين العقل والعاطفة ونئي بالذاتية عن الفنية ، كما يؤشر ذلك اليوت.
مَثَلُ هذه الفنية مَثَلُ تنغيم سردي نعنيه .. يخلق تتابعيته وموجيته
عبر المستويات التالية:
1-الانشاء التركيبي لصيرورة الايجاز
: في لحظة الانشاء تستحضر المقدرة الذاتية ، ثم تُستَدَر ألفاظ
الافتتاح .. ثم يستجلب هيكل حكاية .. ثم تُمتّدُ اليد لجس صفات الشخصية
.. وعند نمو متركبات الانشاء تتراكم ، شيئاً فشيئاً صيرورتا ، الحكاية
ونسيجها فيتصاعد الانشاء المثالي في ما يشبه تذويب الذات في دقائق أو
ذرار التشاكيل المظهرية لجزئي ، الحادثة الكبرى ، وذروة فعل الشخصية ،
ثم يزداد التركيب خطورة عند الاقتراب من نقطة النضج السردي.
وهنا يستذكر الشكل السردي الأمثل فناً ونصاً وتوصيلاً ، أي يُتبنّى سرد
أختماري . لكن حالة الانغمار الفني لن تكتفي بكيفية الاكتمال الأخير بل
تتبدى أمامنا بعدّة ترسيمية تمكن من استمرارية تشكيل التوزيع النوعي
للأنشاء .. وأثناء هذا نتحسس وجود حاجة لصيرورة أدماج وأعادة برمجة
لشمول الانتاج ، ولكننا ، في أنبهارنا في أنشائنا الأولي هذا ، لن
نتوقف عند مراجعة التشكيل بل سنفكر ببدائل حلولية أتصالية أختزالية ،
حيث نعمل بكل الجهد المطلوب لتخريب الصيرورة التشكيلية الأولية ،
بأعتبارها لم تحقق فهمنا ونهمنا وتوقنا لعمل نموذجي ، كان فكرة مُثلى
في ذهننا . وهكذا سنفاعل ثانية عناصر التشكيل بربطها ببناء فني فكري
عقلاني بالاطباق (حذفاً وتصويباً واضافة ) على مستنسخنا الكتابي بما
يحقق صيرورة جديدة ناتجة عن تمهيد المظهر الأولي نسميها (( صيرورة
الايجاز )) التي تناغم تكوينها مع تموج النص بتركيبه الموجز.
لنلاحق قصة تسلل / للقاص عبد الكريم حسن مراد ( في جريدة الصباح ليوم
28/3/2007 ) ( ) ( ذات ليلة افاق على صوت صرخة فزع . حمل نفسه ورمى بها
الى الزقاق ليستطلع أمر تلك الصرخة : فبهتَ مذهولاً . كان ظله ، بعد أن
حاصره كلب أسود ، قد تسلل الى الشارع في غفلة منه ليشمَّ شيئاً من
الهواء.
أذا ما أدركنا أن صرخة الفزع مكتومة ( دائماً ) فأننا نقدر للقاص
تبديله الظل بالمشخص ، والشخص بالكلب !! نقدّر له كيفية رسمه للتقارب
بين أن يشم الكلب هواءاً ويشم الشخص هواءاً فالشم بينهما تنفيس ( فطري
) ، بالنسبة للكلب ( فطري غريزي ) وبالنسبة للشخص ( نفسي ترفيهي ) ..
النص كتشييد يحيلنا الى علاقات سابقة ، تكاد تظلل كل فقرة من هذه
المشادة المشهدية . فمنذ اللحظة ، اللقطة الأولى ، ( ذات ليلة ) أحالنا
الى مقاربات تم تزجيتها بايجاز واقتصاد ، للزمان والمكان ، ولتبثثية
السرد حين تذكرنا بمقولات افتتاحية أوجزها بـ ( ذات ليلة ) ، أختزالاً
واختياراً من بين مقولة ( في ذات مصادفة في ذات ليلة - أو - كان يا
مكان ... الخ ) . ثم يستمر في أيجازاته واتصالاته الموردية في قوله (
أفاق على صوت صرخة فزع ) . التي أوجزت محايثات مثل ( حلم بصرخة فأفاق
على صوتها ، / أو / حين نام أستعاد حادثة قتل فأفاق على صوت صرخة / أو
/ في هدأة موت ورعب أفاق على صوت صرخة .. وقد تكون أحتمالية القول
التالية هي الأقرب : حين نام كان هاجسه منظر المستغيث به من القتلة ..
فأفاق على صوت صرخة ... وهكذا..
ويمكن أن تتجمع مثل هذه الاحالات باعتبارها مكوّناً سابقاً للتظهير ،
وبها تمتليء الصيرورة الأولية . والتي قام الكاتب بتغيير أتجاهها
بعقلانية فنية فكرية ليوجهها ثانية نحو تعتيم جديد ذلك هو (( أفاق
ليستطلع أمر تلك الصرخة )) هذا الأيهام الجديد يجر بالفكر نحو غاية
تجسيد المكان (( الزقاق )) لكنه طعن فهمنا بوعي أخر هو ((بهتَ)) (( كان
ظله يحاصره كلب فيتسلل الى الشارع )) وطبعاً ما من كلب ، ولا ظل ((
غيره )) ، كما نعلم أن الوقت ليل ، والليل أصبح يظلل الموجودات بالسواد
.. وكما أنه ما من كلب يشبه الليل ألاّ النفس البشرية وهكذا جرنا الى
فكر ترددي لحالات الاهتزاز الاستلابية حين ساوى بين الظل ( الشخص )
والليل ( الشخص ) والكلب ( الشخص ) في حالة أنطلاق نحو الهواء ، ليشم
الكلب رائحة الغذاء ، والظل رائحة الظلمة والليل رائحة (( الجور ))
والشخص هو الوحيد الذي جمع هذه الروائح في توقه لرائحة الحرية أو رائحة
بشر أخرين يضمهم كلب الليل حطامات سوداء.
عند النظر الى سلسلة الفخاخ وسلسلة تعتيم الوعي سنجد أن القاص وضع
صيرورته الأولية تمريناً لصيرورات عدة أظهر من خلالها الصيرورة الكبرى
التي جمعت وبثت الوعي النهائي ( كان ظله ، بعد أن حاصره كلب أسود يتسلل
.. ليشم ((شيئاً)) من الهواء ) باعتبارها مبثوثة وعي سردي نمائي صيرّ
مجّمع النسيج بنية أختمارية أدائية لأوهام كثيرة لا نهائية السرد.
2-الأنشاء النموذجي لصيرورة التراسل.
تبئير صيرورة النموذج ، عند وضعها في حالة أرسال تأخذ بضرورة خلخلة
(الَمحلَلَة) . وجعلها حركية عمق نحو مخزون تراكمي بمركز يساوي محيطاته
من حيث (( الّلم)) والتفريط كما يخرّج المبثوث ، سواء رسالة أو خطاب ،
بدورانية تنازلية أو تصاعدية تبدأ من مأثرة قولية تتلاحق جزئياتها ، ثم
تتلاحم أثناء ذلك في تنافس المثول في صيرورة الإخبار غير المباشر ..
وأثناء هذا ستموت قصيصات التجريب وتنمو قصيصات الأبتكار .. وهذه
الأخيرة تتصل بطرفي ميزان المعنى ، الدال والمدلول لتعيين النص (( الذي
يحدد العلاقة النصية التي هي من صلب مادتهما وشكلهما ، والتي تقاربه
أحياناً كمحفز خارجي أو داخلي )) كما يقرّهُ بياغورو في كتيب ((
السيمياء ))( ) ، ومن ثم يقام الترابط بين الموضع الخارجي للنمط
والاتصاف الداخلي للتخمين . مما سيجعل للنهاية وجود تراسل قائم بذاته
لا يقل عن اهمية محتوى الرسالة . وقد يعوض هذا الابلاغ المتتالي شبه
المبرمج فيحيط كيان المضخوخ الحكائي بتضمينها اجراءات المرسل وحقوق
المتسلم بشرط سلامة وصول الرسالة بهميّها الجمالي والأتجاهي (
الانحيازي الانساني).
ولأن لا ثابتية في تخطيط الكتابة ، ولأن ذهنية الأنتاج هي نفس ذهنية
الارسال فأن التبعثر (( المنضبط )) هو حالة (( شد )) و (( لم )) و ((
سبك )) و (( تعويض )) اجناسي يوجب الأمتثال الى تصيّر نمائي يبدأ من
ذهنية (( الموَّرد )) ويتوزع عبر لازمات الشرطية النغمية للانتاج
النوعي ، ثم يقرر جهة وطريقة التسليم ... فتستقيم وحدة التنغيم بتردد
صداها بين ( بث وموضعة وفهم ) ثم تنعكس صورة الفهم الى تنغيم أخر بدءاً
من ذهنية ووعي المتسلم ، ومن ثمَّ تمرر في قناة التشكيل المختلط
(متساويات التساهم بين المرسل والمتسلم ) وهي الاخرى تنتمي لاشتراطات
متغيرة المستوى .. ثم .. يتركب جراء الارتداد المروري هذا نوع جديد من
فروضات الرضا أو الانسجام أو التقاطع ، فيصير التبئير حلقياً
وموَصّلياً ومتعامداً على سطحي البث والفهم ، وأعني أنه أكمل صيرورة
الارسال بتكليف النموذج لمسؤولية توصيل طبقات الوعي النموذجية التي
تحقق للفهم أنضواءه لمدركات النوع داخل وعاء مظهره وأشكاليات أدائه ..
أما المنتج فقد ينقلنا فكرياً الى فكرة تعظيم قوى السرد بخلخلة منطق
الكيان السردي ( رسالة السرد ، ورسالة الجمال ) .. هذا إذا التزم موضع
السرد بالايجاز التالي:
السرد = بؤرة الحكاية = مثالية الفهم..
والتي هي من الناحية التنفيذية تعادل:
لغة الارسال = تسريب جمل الحادثة = تنغيمات الذهال الفني..
وهي تحفظ هيكل المثلث القصصي في علائقية (الشخص - الحادثة - الذروة )
كيان ترنيمي كموجة ذبذبية عن ( تراسل أولي تراسل ثانوي
صيرورة عليا البث) بهكذا فهم ستتصل بمثالنا التالي قصة المسدس القديم /
للقاص حسين علي غالب في جريدة الزمان ليوم السبت 42/3/2007 والتي تأخذ
التتابع التالي: مسك الأب مسدسه القديم ويمسحه بشدة ودقة بمنديله
الأبيض الخاص . يتقدم الابن نحو أبيه . يتوقف ، يطالع أباه وهو يمسح
مسدسه القديم قال الابن : أبي أرجوك أن تترك مسدسك ودعنا نذهب للحفل ..
يصطدم الأب .. يفقد توازنه .. يقع المسدس على الأرض .. يخاف الأب عليه
.. يبدأ يمسحه بشدة .. قال الابن : دعنا نجلس ثم امسح مسدسك أرجوك..
شد الابن يدَ أبيه بقوة ليوقفه عن مسح المسدس ، ترنح الاب ولمست يده
الزناد. أنطلقت رصاصة أصابت قلب الابن.
صرخ الأب .. النجدة .. نظر الابن المرمي على الارض الى ابيه ، حرّك يده
وأمسك المسدس قائلاً : هو ابنك ولستُ أنا!!
وتوقف عن الحركة.
منهج الحسين الفكري نموذجا ثراً ومعيناً
لا ينضب
الدكتور حميد ادم
شاءت ارادة الباري عز وجل ان يختار العينات المثلى لكي تكون نبراسا
يهدي الى سبل الرشاد وذلك عند من حكمت عنده ملكة العقل، ولم يتق السمع،
وهو شهيد، فاختار جل وعلا عترة الرسالة (ع) لكي يكونوا عنوانا لتلك
النموذجات، فكان الحسين (ع) عينة لهم فلربما تميل الشمس الى الكسوف او
ينخسف القمر، فينتفي او يقل الشعاع او الضوء عن الارض غير ان الحسين
(ع) يسطع فكره، ويطغى ينبوعه فيهتدي الحيران، وينهل الظمأن، او موضوع
واقع قدر، بل هما قضاء الله في ان يكذب الموت فيخلد الحسين فيقول
الشاعر
كذب الموت فالحسين مخلد
كلما مر الزمان تجدد
فالحسين منهج وسلوك حي في ضمائر النخبة الخيرة من ابناء البشر في اصقاع
الدنيا باسرها، لا يقتصر في تطبيق فحوى فكره على طائفة او دين،
فالهندوس اقتدوا بنوره، ومعين فكره، ونال البوذيون من فلسفة نهجه،
واغترف الصينيون من نموذج تضحيته، فصار السلوك وتخطى الزمان والمكان،
فكانت امه فاطمة (ع) سيدة نساء العالمين، وكانت الصديقة مريم (ع) دون
مجد فاطمة..
انت الحسين ودون مجدك في الورى
مجد المسيح ودون امك مريم
فاذا كان ذلك المجد مصدره ابي الاحرار، فحري لمن يسعى سعيه او ينهج
نهجه، ان يجدد ثورته، لكي يرتشف من ينبوعها العذب، ما يشفي غليله،
ويطفأ نار وجده، ورأينا ان نلقي بعض اراء دلونا فنقول:
وسمعتك الصوت المجلجل دائماً
شوقا الى الحق المبين نشيدا
ورأتيك النفس العظيمة لم تصر
اسدا على من قاتلوك شديدا
بلغت رفاتك ركب كل مسارع
يطفو على سطح المحيط عتيدا
فتلك مثلك، وذلك صوتك يبقى على مر العصور والازمان، ويتعدى المكان الى
مواقع الارض، حتى تقوم دولة الحق، وتكون الراية في نهاية مطاف الدنيا
بيد احفادك فاللهم نسأل حسن المآب، ولا حول ولاقوة الا بالله.
دار ثقافة الاطفال
عبد السلام الچجلبي
صدور (سلسلة قصصية عن (حلم الحمار)
صدر عن دار ثقافة الاطفال بوزارة الثقافة عدد من السلسلة القصصية كتاب
جديد بعنوان (حلم الحمار)..
وضمت صفحات الكتاب التي كانت من تأليف (عادل الصفار) مجموعة قصصية منها
النصيحة ، والشجرة الحزينة، واشياء اسعد، ولم تعد صغيرا يا ابني، فضلا
عن قصص اخرى عن عين الغابة، والبيت وجمال القمر، وقد جسدت هذه القصص
لوحات فنية مميزة بريشة الرسام المبدع عبد الحليم ياسر علما بان هذه
السلسلة تقدم للطفل اجمل ما يمتعه باخراج فني رائع والوان جميلة.
صدور عدد جديد من مجلتي (العدد الذهبي)
احتوت صفحات العدد الجديد من مجلتي والصادرة عن دار ثقافة الاطفال
بوزارة الثقافة مختلف المواضيع التي تحلق بعالم الطفولة.
وبدات صفحاتها الاربعين بصندوق الدنيا وقصص شيقة منها نبهان واللصوص
والحمار يتعلم درساً، وحكاية جدو وليلى ، والكلب والدب الذكي، فضلا عن
صفحاتها الثابتة: الوان واصدقاء المجلة ورياضة وغيرها من المواضيع..
قصة قصيرة
ذُبـــولْ فَنـــنْ
علي خضر الساعدي
في رحبة الدار العتيق , وبعد القيلولة , نظرت سلمى الى شجرة التوت
الوارفة المغروسة في الركن الشمالي للدار تحكي الزمن . سقى والدي
عروقها بدَمهِ و عَرقهِ , انه غرسها بعناية لتكون درساً شاخصاً ,
واضحاً لنا , في تحمل المشاق والمتاعب . كان يقول لي مشدداً في القول
قبل رحيله , ونحن نتجاذب أطراف الحديث الممتع كالعادة وقت العصر .
أبنتي سلمى , أنظري الى هذه الشجرة الباسقة , أن دمي يسري يغذي عروقها
مع الأيام , فلا تفرطي بها أو أن أحدكم يتعالى مدعياً الفهم , ويحاول
أقتلاعها بحجة أنها تقض عليه مضجعه , أو تضايقه , متذرعاً بأنه سيغرس
نبتة أخرى تليق بالمكان . فتفقدون هذا الفيء المنعش الناعس , الذي يظلل
رحبة الدار و يكلل هامتهُ العتيقة الأزلية , فتطير و تتبدد , كل معاني
الألفة والمحبة من قلوبكم , كجمع من الطيور باغته الصياد على حين غرة
.. فحذار .. حذار .. من تدنيس جذرها بشروركم , أو قلعها فأن الدار
ستهتز , وتعصف بها ريح الحقد , وتصبح أسسهُ وجدرانه قلقة بدون حماية ,
وينفرط عقد جمعكم , فتذوي أغصانها , وتدوس أوراقها الأقدام الغريبة و
الطارئة , وتفقدون ثمرها وتنسون طعم مذاقه الحلو . فهو زادنا و فاكهتنا
لسنين خَلتْ ..فخذي حذرك , بعد رحيلي , أن ينكسر منها فنن أو يذبل ,
فأني أراها ملاذكم و أنسكم , وملاذاً آمناً للعصافير , وأنا أرقُب حركة
يده المعروقة و أنامله المرتعشة تقلب مسبحته ينقر حباتها كما تنقر الحب
الديكة , مأخوذةَ بمعاني الحكمة تنطق بها شفتيه بعفوية نادرة , من رجل
أمي , شارف على العقد السابع من العمر , تجلت من بين نبراته المشحونة
بالتهجد و الحسرة , فتخاذلتُ , وخانتني الفطنة أن أجد مفردة مناسبة
أردُ بها على ما فاض من شجونه الجياشة . فلذت بصمتي تبجيلاً له , وسكت
, والآن وقد عاودتني الذكرى وخوفا عليها من الصدأ أطلقت لها العنان
بسخاء فلم تبخل علي بأن منحتني رؤية خياله متربعاً فوق كرسيه الهزاز
يدخن غليونه الأبنوسي بتؤدة , وبنفس المكان فأهتزت دواخلي , كأني أراه
يحدثني الساعة , يحثني على المتابعة و الدرس ويقول : أنك سويداء القلب
, يا سلمى . فطفرت بغفلةٍ مني دمعة بلورية ظاهرة للعيان لم أستطع أن
أكفكفها , حينها جفلت واقفة , على أثر صرير الباب الخارجي , فدخل عمي ,
بهامته الحنطية المشربة بالحمرة , وشاربه المفتول وعبائته المطرزة
بخيوط ذهبية تسرُ الناظر أستقرت بوقار تعلو منكبيه , وهو يلقي عليّ
التحية كان آخر العنقود لجدتي , أم أبي , فقال : الله .. الله .. لقد
كبرتي , أصبحت عروسة , يا سلمى وبخطا وئيدة توسطنا باحة الدار يلفنا
الصمت , فأنبرت والدتي على أثر هذه الجلبة الطارئة , فشجعتني بنظراتها
أن أتلمس , أجد , لي مخرجاً وأنتهزتها فرصة , و أنزويتُ في حجرتي ,
وتركتهما يتحاوران بشأن دين كان بذمة والدي الراحل , على ما أظن , ولكن
خاب فألي , فقد كان الحوار الذي أكتنفه الهمس و الحذر حول طلب يدي من
والدتي , لأبنه محمود الذي يكبرني بخمس سنين , كثيراً ما كان يتشاجر
معي , كوني متفوقة عليه في الدراسة . كنت لا أحبه , و لا أميل الى
صحبته و رؤيته , فكيف سأكون حليلة له , مستحيل , وقبل فترة قصيرة ,
علمت من والدتي أنه لخيبته المتكررة , لم يفلح بشئ من المعرفة و الفهم
, يمارس عملاً حراً في دكان صغير لوالده , أحتل منعطف الزقاق . فتألمت
و كظمت غيضي , ولمحت عدم الرضا في عيونها , فندبت حظي , وقلت في سري
لقد صدقت نبوءة والدي , أنا هو ذا الفنن الذي أنكسر الآن , وفي طريقه
للذبول , وقد سهيت , و فاتني أن أسقيه من عصارة ذهني , وفراستي التي
تطبعت بها من طبعه , وقد تراءت لي روحه تحوم بين الأفنان , وأنا أعدها
بصبرٍ طويل , أبحث أفرق , في البعد بيني , ومحمود أبن عمي ,أو أتلمس
ملاذاً في عشٍ فارغٍ لعصفورٍ هجره لتوَه يسترني و يحميني من ظلم الأيام
. و أنا أستمع الى شقيقتها عائدة الى أوكارها قبل الغروب . وتمنيت أن
أدفن روحي بالحيا الى جذورها , لعلي أتنسم , أشم رائحة دم أبي الذي سقى
و رعى الجذر الأصيل , و حافظ عليه سليماً معافا , مذ كنت طفلة أحبو بين
يديه , فعدت الى روحي مشدوهة , وقلت : سأكون شجاعة و أتمسك بالرفض ,
بعد أن أستشف رأي والدتي , فأني رأيت ثناياها و بريق في عينيها ينم عن
عدم القبول به , وهي تبوح لي بسر الحوار المهموس بينها وعمي .. وعند
المساء و بعد العشاء , لبست رداء العقلانية وتقمصت شخصية الحكيم ,
فأزدحمت المعاني في دماغي , وخفت أن لا أجيد صنعة التقمص و أعارني
الذئب شئ من طبعه المجبول على المراوغة , ولو بشكل مؤقت , وأنا أرد على
مساجلة أمي التي لا تنقطع لمحاولة أقناعي بالقبول تارة , و تارة أخرى
تسدي لي النصائح كالمطر تنهال على مسامعي قائلة : أذا كان هوى المرأة
نابع عن تجربة وقناعة لها جذور قوية وراسخة في التربة كهذه الشجرة التي
تركها والدك درساً بليغاً لا ينسى , وهو يزرعها كنت يائسة و غير مقتنعة
, لكنه , قال لي : لاتخافي يا فضيلة أصبري فأنها لن تموت ستنمو وتكبر
تحت رعايتك من بعدي , وستثمر و أنها أمانةَ في عنقكِ , وها .. أنتي
ترينها بأم عينيك تظلنا يافعة عالية ومثمرة , فأحرصي , ولمي شعثك و
تستري على عيالكِ , أريدك هكذا لا تتسرعي في الحكم من خلال المظهر ,
فعليك بالجوهر . و أعلمي أن مصيرك بين يديك , و أن كل بناء أذا بُنيّ
على العاطفة المحشوة بالغش و الخداع و الكذب يكون مصيره الفشل و السقوط
, فتريثي , و لا تكوني أسيرة حمى الرغبة و الهوى , فيموتُ جذرك , وتذبل
فروعك , وتفقدين الثمر الصالح , عندها لا نستطيع لا أنا و لا أنتِ أن
نرأب هذا الصدع , أو نرد ما أنكسر , أو نصد رياح العاصفة المجنونة
فتقتلعك من الجذور الخاوية المبنية على هشاشة الغواية فنفقد الأمل ,
بعد أن ضيعنا الأصل , و ليس بمقدور الدموع أن تغسل غلطتك و تباتين
أسيرة حيرتك , فأنبهرت , وشدتني حبال صراحتها المتفتقة عن الفطنة
والخبرة والتجربة و عجبت كيف أن هذه الفطرة العفوية من أنسانة بسيطة
تنتج قريحتها هذا الكم من المعاني المحكمة لفن الحياة .
على طريق المدينة
علياء المالكي
الكل أضاع الطريق إلى مدينتنا
الشوارع معبدة ٌ بالليل
العشاق رحلوا
لم يبق مكان ٌ
كي تكتبَ الذكرى
لتكسر الأحلام
صوتُ انفجار
للضوء المنبعث من حرائقنا
همس ُ اشتعالات البقاء
وجوهٌ أخرى للخوف المعتق في بوصلتي
مدينتي
رغم شحوب فجرك المرهق بالحزن
رغم نحول يديك الملوحتين بالحب
ستنامين معي
هذه الليلة لن يرحلَ احد ٌعن عالمنا
دينتي
استرخي على سمائي السابعة
سأكون جوارَ جداولك البيض
أنهلُ من حلم لا ينتهي
ترتفع الدنيا
تنبثق السلالم المؤدية ُ إلى طريق العاصفة
تأخذنا .. إلى هناك
عند القمر المطري
قبل أن تقطف زهور ذاكرتي
قبل أن اجمع مدني
في حقيبة راحلة
أغنيات ٌ تنتظرُ
على شرفة الماضي
رقصة َ العيد
إيقاع ٌ يتمشى
في قلب شوارعنا .. همسا ً
يخافُ الاغتيال
سؤال ٌ
وسؤال
في آخر المذنب الملتهب ِ
آلافُ الأسئلة
في كتب الوراقين
في نزهة الحبر المترسبْ
في شيخوخة الزمن الآتي
بعض الأجوبة
في مدينتي الثكلى
لم يزل
معبد ُ الأحزان قابعا ً
تحت المطر
بانتظار الأمل المثقل بالغد
لم يبق من الخوف شيء
لم يبق من الطريق إلى مدينتنا
غير القليل من النبض
والكثير جدا ً
من الأحلام |