|
بشِّروا ولا تنفِّروا ويسِّروا ولا
تعسِّروا
عائض القرني
هذا كلام الرسول المعصوم (وإعلان
صريح وخطاب واضح موجّه لحملة الإسلام، معناه التبشير بالدِّين الجديد
والتّيسير على الناس وعدم تنفيرهم بالغلظة والفظاظة، بل دعوتهم بالحكمة
والموعظة الحسنة وتذكيرهم برحمة أرحم الراحمين، إن العلماء والدعاة
وحملة الهم الإسلامي هم رسل سلام ورحمة في الحقيقة، فإذا خالف أحدهم
هذا المنهج وأصبح ينفِّر الناس بشدّته وقسوته ويقنّطهم من رحمة الله
فإنما لخلل في نفسه هو، وإلا فإن رسالة الإسلام رسالة حب وسلام ورحمة
وهداية، يقول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، ولهذا أنهى
إخواني من الدعاة الذين يهدِّدون الناس بخطبهم ويتوعَّدونهم وكأن
الرحمة والعذاب بأيديهم، والبعض يتكلم للناس بمثالية وتعالٍ، وكأنه في
برج عالٍ أو من فصيلة أخرى لا يذنب ولا يخطئ، والله يقول: (ولولا فضل
الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)، لماذا لا نعترف
بإنسانيتنا وقصورنا وعجزنا؟ ولماذا لا نخاطب الناس على أننا مثلهم وهم
مثلنا كلّنا بشرٌ نصيب ونخطئ، نذنب ونستغفر، ننجح ونخفق، لا أحد منّا
يملك الوصاية المطلقة على الإسلام، ولا أحد منّا هو الناطق الرسمي
الوحيد باسم بالدِّين، فليس عندنا في الإسلام (بابا) ولا (ماما) كلّنا
أهل رسالة ربّانّية عالمية هي رسالة سلام وإخاء وبشرى وهداية ورحمة، لا
أحد أذكى ولا أطهر ولا أنبل ولا أكرم من محمد، ولهذا ذكّره ربه
بالأسلوب الجميل في الدعوة فقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت
فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في
الأمر) إن كلمات الوعيد والتهديد في الموعظة والتّنفير والحِدّة
المتناهية معناها أن المتكلم لم يفهم إلى الآن مقاصد هذه الشريعة
المحمدية، فهو يتكلم على حسب طبيعته هو المركَّبة من الفظاظة والغلظة
والقسوة، فأخذ يعبِّر عن الإسلام لكن بفكرته التشاؤمية السوداوية وكيف
يصغي لخطابنا من نخبره أنه شرّير وأن الله لا يغفر له وأن النار تنتظره
ونمطره صباح مساء بالويل والثبور وعظائم الأمور، مع العلم بأن الكتاب
والسنة بشَّرا بالتوبة واللطف من الله والرحمة الواسعة والمستقبل
الجميل والمنقلب الحسن (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا
من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) إن
مفاتيح الجنّة بيد الله وحده جل في علاه، وهو الذي خلقنا من تراب وعلم
ضعفنا، وهو غني عنّا ومع ذلك دعانا بالرفق واللين ووعدنا رحمته وهو
ارحم الراحمين، فكيف يأتي بعضنا يستعرض علينا قدراته البيانية وملكاته
الخطابية ويحاصرنا بالتّبكيت والتأنيب والتّسفيه والتّجهيل؟ وفي الحديث
الصحيح أن رجلاً عابداً نصح أحد العصاة فلم يستجب له العاصي، فقال
العابد للعاصي: والله لا يغفر الله لك، فقال الله تعالى: من الذي
يتألَّى عليَّ؟ أشهدكم أني غفرت لهذا العاصي وأحبطتُ عمل هذا العابد.
إذاً أيها الإخوة الفضلاء دعونا نقدِّم بشرى للناس لهذا الدِّين الخاتم
ونجعله حلاًّ لمآسيهم ومشكلاتهم؛ لأن رسوله الكريم جاء كما وصفه
ربُّه(ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فمهمَّته إزالة
العُسر والمشقة والعنت وإدخال السرور والأمن والرضا والسكينة، إن ديننا
العظيم بريء من كهنوت الكنيسة التي تدعو إلى قتل الإنسانية في الإنسان
وتحريم ما أحلَّه الله ونسف مباهج الحياة وإلغاء إشراق الروح، ولهذا
قال الله عنهم (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فديننا غذاء للعقل
وزاد للروح ومتعة للعاطفة، ورسالتنا حياة للجسم ونور للقلب وسعادة
للدنيا وفوز في الآخرة وإصلاح للفرد واستقامة للأمة، فهو توازنٌ بين
الحقوق والواجبات، والفرائض والنوافل، والمكاسب والمواهب، والأخذ
والعطاء؛ لأنه نزل بميزان العدل (أن لا تطغوا في الميزان) فلا بد لمن
يدعو للهداية أن يفهم دين الله وأن يتفقَّه في شريعته سبحانه ليدعو إلى
الله على فهم عميق كما قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على
بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).
استخلاص المعنى الحسيني الاسمى في واقعة
الطف
علي حسين الخباز
الحلقة الاولى
عملية فهم النص التاريخي تأتي أثر فاعلية التلقي (تعامل، تفسير، تأويل،
وإعادة انتاج...) وعلينا أن ندرك ماتعرضت له هذه النصوص من تأويلات
سياسية عبر مراحل التأجيل التي مرت بها، والتي حاولت سلب استحقاقاتها
سعياً لإخراسها ومنعها من بوح الحقيقة، لكنها سعت هي الاخرى الى تمرير
تجلياتها الى الناس، بما يتناسب ومعطيات كل مرحلة زمنية
(اجتماعية،اقتصادية، سياسية، معرفية...) فيصبح من مهام الباحث الساعي
لقراءة تلك النصوص قراءة معاصرة الى الارتكاز على أدوات معرفية وتقنية،
تستطيع أن ترى جميع موازنات الموضوع وخاصة عندما تكون تلك المواضيع
مكبلة بالعديد من التأويلات القسرية ذات الصبغة السياسية مثل موضوع
الامامة، فتكتب بما يتجلى في فضاءات تحترم قداسة التاريخ، مثلما تحترم
المتلقي القارئ الحاضر او المستقبلي الذي سيأتي بعد أزمنة وأجيال
لإعتمادها كقراءة تداولية علة ما تكشفه الازمنة من مجمل القواعد
المستحكمة لتداول تلك النصوص.
نجد أن قراءة سماحة السيد (علي الميلاني) في بحثه الموسوم (الامام
الحسين إمامته وقضيته) وهو أحد بحوث مهرجان ربيع الشهادة العالمي
الخامس هي قراءة واقعية قرأ لنا من خلالها مصطلح الامامة والتي تعني
بكل أبعادها النيابة عن النبوة، وفي جميع شؤونها الدينية والدنيوية،وقد
اتفق المسلمون على ضرورة وجود إمام بعد رسول الله (ص) يقوم مقامه في
قيادة الامة وتعليمها وتزكيتها وهدايتها.ونعتقد أن هذه القراءة تسعى
لتوضيح المعنى الجوهري، ولتوضح سبل التجاوز التأويلي والقسري المسرف
لدلالاتها أي وضعت لتوازن آلية التداول لترويج السبيل الصالح، ولهذا
كان اهتمام العلماء الافاضل بهذا الموضوع لكون معرفة الامام الحق بعد
رسول الله ص توجب علينا طاعته، ليكون هو المنقذ والمرجع الديني
والشرعي، فصار لابد لنا من معرفة كيفية معرفة الامام، وهل تنظر لها كما
نظروا لها بضوء الوضعية المشخصة للمجتمع، وهي وضعية متحركة وتقودها
مستجدات تحدث عند كل جيل أم تنظر الى النص بإعتباره هو المكمن الحقيقي
لمفهوم الامامة، ومجالا واسعاً للسجال الرؤيوي حول هذا المفهوم يقول
النص القرآني: (وجعلنا منهم أئمة) الدخول الى عوالم هذا النص المقدس
عبر قراءة الامام أبي جعفر الباقر عليه السلام بأن المعنى مخصص لولد
فاطمة عليهم السلام، فنصل الى نتيجة مهمة لمعنى مضموني واضح دون
الاحتياج الى استشهادات لغوية أو ضخ تأويلات أسرية لتلميحات دلالية،
وأنما قراءة النص قراءة صحيحة توصلنا الى أن إمامة أئمتنا مجعولة من
قبل الله سبحانه وتعالى؛ فاللغة هنا أداة توصيل حملت فكرة دقيقة وواضحة
ومفردة (جعلنا) تكشف لنا هوية الجاعل وماهية الجعل، وهو الذي نصبهم الى
هداية الامة وقيادتها بعد رسول الله ص والنص القرآني نص غني بطبيعته
حمال أوجه، تحطمت على قصديته ماسعى اليه الكثير من المتحدثين والفلاسفة
من أجل صياغة معادلة التكافؤ بين الدال والمدلول؛ أي أن تلك الدلالات
تتجلى عند اظهار المعنى ويجتهد المعنى الاستنتاجي لتكوين الامامة كمنصب
إلهي كالنبوة، وكما لا تدخل الامة في تعيين النبي كذلك لا دخل للامة في
تعيين الامام والنص القرآني واضح في هذا المعنى دلالة وتأويلا، والغموض
التفسيري الذي يرتأيه البعض ماهو إلا ترسبات التأويلات السياسية...
قال الله تعالى لداوود عليه السلام: (إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم
بين الناس) القراءة الصحيحة لهذا النص القرآني كما جاء في البحث يضعنا
أمام الصورة المعبرة عن مفردة (فاحكم) لنجد أن النص يتكلم عبر اللغة
موضحاً أن معنى الحكم بين الناس أي السلطة التشريعية مكونة على الامامة
والخلافة والولاية، وجعل الحكومة كمفردة مرادفة للإمامة، ومثل هذه
القراءة لاشك أنها ترتقي الى مستوى أكثر سموا في احتواء الجوهر
المضموني، ويذهب سماحة السيد الميلاني الى تعميق المعنى المباشر
عبراستدلال استشهادي نراه يحمل سمات المعادل الموضوعي حين أراد بعض
رؤساء القبائل مقايضة بيعة النبي (ص) فقالوا: نبايعك على أن يكون الامر
لنا من بعدك، فأجابهم:إن الامر بيد الله وليس بيدي لنتأمل الامكانات
الكامنة خلف هذه المعادلة، والمتكون من الاستشهاد الرسالي، فنجد اولا
أن رد النبي (ص) تجاوز متطلبات الظرف الزماني والمكاني، والذي يتوضح
لنا أن ثمة احتياج عال الى معين أو ناصر ينصر النبي في تلك الظروف.
ومن المؤكد أن مثل هذا الرد سينهي
الكثير من الامال، ويجعل موقفها عدائياً ثم ننتقل الى مستوى توضيحي
آخرمختلف لنتأمل قول الرسول (ص): (ليس الامر بيدي) حيث نصل الى قصدية
المطلوب أن الامر بيد الله يضعه حيث يشاء، وهذا الامر يكشف قواعد
الخلافة بعد حياةالنبي (ص) وبعد هذا نذهب باتجاه منحى آخر لنجد أن هذا
التشخيص قد جاء حرفياً في سيرة ابن هشام وسيرة أبن كثير، واتفقا مع
غيرهم من علماء السنة بأن أمر الامامة والخلافة والولاية العامة بعد
رسول الله بيد الله سبحانه وتعالى لا بيد أحد ولا حتى بيد النبي نفسه
ونلاحظ أن استشهادات الباحثين الشيعة بتلك السير تأتي وكأنها مسوغات
مرور او محصنات فنية ضد أي قراءة ساذجة كسولة قد تهاجمهم مستقبلاً.
تكوينات البعد اللغوي تأخذنا الى
دلالات الحدث مقرونة بظرفي (زمان ـ مكان) لتكشف المعنى النصي والتفسيري
( الكشف والاظهار) وتوضيح معنى الآية عند الاستشهادات القرآنية وتوضيح
الشأن والقصة والسبب الذي نزلت فيه ومحاولة فهم النص... مع ادراك
المساحة التأويلية لكشف دواخل المعنى الحقيقي لجوهر الامامة والخلافة
والولاية العامة بعد رسول الله ص وانما هي شآن رباني بيد الله لابيد
احد وقد بين القرآن الكريم ان النبي (ص) يبلغ من قبل الله ولاينصب (يا
ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته...)
وتظهرالمساحة المفتوحة للمدى التأويلي الذي يبين انتقال النص الى مستوى
دلالي يعتمد على الامكانات الكامنة فيه والتي اضمرها النص فالزمان عند
خروج النبي (ص) من منى عند قفوره الى المدينة المنورة والمكان غدير خم
ـ وامر التبليغ هو امامة امير المؤمنين علي بن ابي طالب وولايته من
بعده.
نجد ان النص القرآني محصن فنيا ضد
القراءات السطحية الكسولة، فهو غير مستعد للاستلام السهل ليعطي المعنى
هيبة الادراك وتعتبر من المسائل الفنية... وقد كانت الولاية ضمن سياقات
التبليغ، واردف السيد (علي الميلاني) قائمة من المفسرين السنة من الذين
شهدوا على ان التبليغ كان معدا لامامة علي بن ابي طالب عليه السلام ..
كتفسير الطبري، وأبن ابي حاتم، وابن مردويه، وابي نعيم الاصفهاني،
والواحدي، وابن عساكر، والاسيوطي، والشوكاني... وغيرهم من اعلام
التفسير وادراكا لمبدأ التعليق الذي يضيف التوثيق غنى ودلالة؛ أقرن
السيد الميلاني تلك الاستشهادات بالمصادر التي ستكون قريبة عن مستوى من
مستويات القراءة ربط مفاهيم تأثيرية؛ المستند النصي الاستشهادي موقع عن
عدد من كبار الصحابة، ورواه عن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن
مسعود، وعن ابي سعيد الخدري والتفسير العلمي الذي يدرس الواقع المتحرك
بطبيعته كمعنى من المعاني النصية المحتملة والممكنة وفضاء يتسع لعدة
اجتهادات ...عبد الله بن مسعود يقول كنا نقرأ على عهد رسول الله (يا
أيها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربك أن عليا مولى المؤمنين).
ومثل هذا التشخيص الجريء يحتاج الى
شواهد تاريخية موثوقة كي لا تفرض قراءة ما او فهما ما على التفسير
المعلن كمعنى وحيد؛ السيد الباحث لايقول بهذا المعروض النصي لكن ينقله
بأمانة والغاية المعنى المراد؛ الدر المنثور ينقل لنا عملية تحريف
القرآن، إذ ورد في نصوصهم وفي رواياتهم عبد الله بن مسعود يقول: كنا
نقرأ على عهد رسول الله ـ والنص المستشهد به معلوم كمرجع سني موثوق
ويعتبر من المورد لتجلي المعنى في عرفهم... ويثير استجابة ادراكية بأن
المسلمين اجمعوا على ضرورة وجود الامام علي (ع) بعد رسول الله ليتولى
امورهم الدينية الدنيوية، وعندما يخاطب النص البحثي الجانب العقلي
الادراكي عند المتلقي سيعتمد على البرهان كي يؤثر التأثير المناسب من
حيث موائمة قيم استدلالية انتقائية توصل بنى المعنى الى ابراز الجوهر..
المواد المؤلفة لصورة المعنى المبني وسماحة السيد الميلاني يحمل الغاية
الأسمى معرفة الباري عز وجل وطاعته وعبادته؛ لقد سأل رجل الحسين عليه
السلام مامعرفة الله؟ فأجاب: معرفة اهل كل زمان امامهم الذي تجب عليهم
طاعته، فيصبح المعنى اكثر وقعا، نتيجة تكون اكثر محصلة، وأفضل تاثيرا،
لكونها معاني معلقة بادراك ذهني مقرون بمتعلقات وجدانية ولذلك نجد
السيد المؤلف راح يستحضر الشواهد القرآنية، ليعزز حضور اكثر من معنى
يصب في صالح المستوى الادراكي .
من هــو المثــقف ؟
حيدر الاسدي
يعرف بعضهم الثقافة بأنها مجمـوعة المعارف الإنسانية التي يكتسـبها
الإنسان وتؤثِّر في تفكيره وفي فهمه للأشياء، وعرف آخرون المثقف بأنه
الذي يأخذ من كل شيء شيء . يقول الصحفي الايطالي انطونيو غرامشي في
(دفاتر السجن) التي كتبها وهو يقبع في السجن : (كل الناس مثقفون، و
هكذا فان باستطاعة المرء أن يقول..و لكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف في
المجتمع) يختلف فهم وتفسير بعض المصطلحات في تقادم الزمن وتختلط
المعاني لتلك المفاهيم التي يكون بعضها دخيلاً على ثقافات المجتمع
المتقبل لتلك الأفكار والرؤى ،
وقد يسوء الحال في سيادة سوء فهم بعضها أو عدم التفرقة في ثوابتها
ومتغيرها ، بين مصاديق القضايا وتصوراتها ، وقد يكون منشأه نابع من
أيدلوجيات فكرية تتخذ منهجا فلسفيا معيناً في الحياة ، او لتطبع الصورة
المغلوطة في المجتمع وبالتالي يكون عرفاً سلبيا غير قابل للنقد حسب ما
يرى معتقدوه ،ومن المصطلحات التي باتت غامضة رغم تعدد التعاريف هو
مصطلحة الثقافة والمثقف وإشكالية المثقف والتقاطع والاتحاد مع أطراف
معينة بالمجتمع،وراح البعض يفسر ظاهرة المثقف الحق الفاعل واقعاً من
خلال مصطلحة (الانتلجسيا)، سمعت مؤخرا كلاماً غريبا لا يمت للثقافة
بصلة وهو ان الجامعات في العراق رسالتها الحالية تتقاطع مع المجتمع ،
رغم إننا ككتاب حاولنا كثيراً ان نناشد القائمين على مؤسسة ثقافية
كالجامعة ان يكون لها ثقلها بالمجتمع وان تحاول ان تنزل بطرق مختلفة
وبكل قواها الى المجتمع سواء عن طريق الندوات أو نقل المثاقفات العلمية
والإنسانية التي تصب في تصحيح مسار المجتمع خاصة في ظروف تعصف بالمجتمع
وغموض يملي الساحة ،يأتي حينها دور المثقف الجامعي رغم ان دوره الريادي
لابد ان يكون متفاعل باستمرارية،المشاع في بعض الأعراف ان المثقف يؤخذ
على اعتبارات ومن ضمنها المكان والمظهرية والوجاهة والدرجة العلمية
،فاغلب الاعتبارات هي قشرية وليست بجواهر ، ونقد هذه الحالة وئيد جداً،
فمثلا تسمى طبقة طلاب الجامعة مثقفون رغم انك لو تداخلت مع هذا المجتمع
تجد الثقافة تكون بينهم بدرجة نسبية قليلة ولا يصح وصف هذا المجتمع
بالمجتمع الجامعي المثقف ، بينما نرى هناك تهميش واضح وصريح للمثقف على
مستوى إفراد او حتى جماعات ومجتمعات معينة ،
عندما يكون الأديب لا يملك الا قوت يومه وبملابس رثه يصفه الآخرون
بالفقير وليس المثقف عندما يكون الحي الذي يسكنه معلمون وكتاب ولكن في
بيوت مهدمة بالية يقال عنهم حي الفقراء وليس المثقفون ، وقد تكون سبب
النظرة هذه هي نظرة بعين جغرافية عمرانية وان سلمنا جدلا بصحة هذا فهو
كذلك يكون جزءا من المشكلة كنظرة مائزة لتقسم اجتماعي معين يضيع فيه
مفهوم المثقف ، بينما من يرتدي القاط والربطة على مستوى فرد او حتى
مجتمع تجدهم يطلقون عليه لقب ( أستاذ) او وصفا دالا على انه مثقف ،
وهكذا الحال مع البقية ، أضف لذلك الأجيال المتأخرة التي تغطت تحت غطاء
المجتمع المثقف ودخلت تحت عباءته أيضا أساءت لهذا المفهوم ، مثلا طبقة
المعلمين الشباب الذين لا يفقهون من مهنتهم ورسالتهم شيئا هذه المهنة
الإنسانية التربوية التي توصف بالبيت الثاني ، فنراهم لا يجيدون
التعامل مع الطلاب الأطفال بينما لو عدنا للزمن السابق سنرى الخلاف
وهكذا أيضا تداخلت الإشكالية بنقد مفهوم المثقف بهذا المجتمع،بقي ان
نعي جيداُ ان المثقف الفاعل ليس من احتل منصبا معينا في مجال ما أو
ارتدى ملابس عصرية وعطور باهظة الثمن ،او امتلك لقبا علمياً فالمثقف
الذي يوظف تلك الثقافات التي امتلكها لصالح مجتمعه .
و ذلك الإنسان الذي يوظف مفهوم الإنسانية وفق منظار ينفع المجتمع
والصالح العام ،فهو يجب ان يتعامل بحضارية ومرحلية ، وان يتخلص من
الأغلال التي تربط بعض المثقفين مثل الصفات الذميمة كالتعالي والتكبر
والرياء والشهرة والبحث عن المجد بسرعة البرق ،فالمثقف لابد ان يكون
إنسان منزوع من كل الإمراض الفتاكة التي تصيب المرء حينما يحسب نفسه
صار شيئا مهما اجتماعيا ، أتذكر قصة طريفة ان شاعرا مغمورا مغرورا
ايطاليا ،أرادوا ان يكتبوا له عبارة تجعله لا ينزعج وان لا يزداد
غروراً فأرسلوا له رسالة تحت عنوان ( إلى اكبر شاعر في ايطاليا) ولم
قراها انزعج وقال ما هذا البخس بي ، وعندما سألوه لماذا قال ( انا اكبر
شاعر بالعالم وليس ايطاليا فقط) مثل هكذا يوجد الكثير ألان ، وهناك
مثقفين دخلوا كطارئ على العملية الثقافية وخاصة عندنا في العراق ،
وفتحوا صحف ومواقع ومؤسسات وباتوا يكتبون بها ويقتبسون من هنا وهناك
مقولات وينشرونها تحت أسماءهم التي يجعلوها في واجهة الصفحات الأولى
ليؤسسوا لأنفسهم جمهوراً لا حول ولا قوة ليطلق عليهم مثقفون .
وساعد على هذا عدم وجود الرقابة وتنحي المثقف الصادق جانباً ، وامتلاك
هؤلاء الأموال والوجاهة ؛ يقول الباحث سالم جبران في معرض مقالة كتبها
عن دور المثقف برؤية المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد :(المثقف، في نظر
إدوارد سعيد، هو المثقف الذي يملك ملكة المعارضة، ملكة رفض الركود،
المثقف هو الذي لا يرضى بحالة حتّى يُغَيِّرها، فإذا غيَّرها بدأ يحلم
بمواصلة التغيير. فقط في لحظة الإبداع يكون المثقف راضياً، وفي ما
عداها، هو غير راضٍ، هو رافض، هو قلق، هو متعطش إلى التغيير. والمثقف،
طبقاً لإدوارد سعيد، ليس المثقف في مجال ما، بل المثقف الذي يأخذ
موقفاً شمولياً من المجتمع. المثقف يحس إحساساً داخلياً، بأنه هو
(وحده!) المسؤول عن الإصلاح، عن التغيير، عن إلغاء الغبن، عن تدمير
الظلم، هو صاحب رسالة، وإذا لم يمارسها فإن وجوده يصبح زائداً، أو
فائضاً، أو غير ضروري.
وفي المحاضرة الأولى ضمن سلسة محاضرات (ريث) التي ألقاها المفكر
ادوارد سعيد في هيئة الإذاعة البريطانية وقد نشرت بعد ذلك بكتاب (
تمثيلات المثقف ) يقول :( ان خطر ان يغيب شخص المثقف أو صورته فى كتلة
التفاصيل ماثل "امام الاعين" وكذلك خطر أن يصبح المثقف مجرد شخص يضاف
الى جمع المتخصصين او مجرد شخصية فى الاتجاه الاجتماعي المثقف فرد له
دوره العمومى المحدد فى المجتمع الذي لا يمكن اختزاله ببساطة الى وظيفة
لا وجه لها، الى مجرد فرد مختص منشغل تماما بعمله...). فالمنعزل عن
الواقع المؤلم الذي فرض نفسه اليوم والذي يمر به العراق ليس بمثقف فهو
يهرب من محاولات التغير والإصلاح يهرب إلى حصونه وقلاعه العاجية التي
أسسها لنفسه يهرب إلى حيث مقولة ( لا دخل لي بما يجري ) ويختبئ خلف
كلمات لا معنى لها لا تسمن ولا تغني من جوع، نعم المثقف من يضع بصمات
التغير الأولى والإصلاح ويشترك بكل المجالات ليؤسس ويساعد على وضع لبنى
الإصلاح والتغير الشامل لمفاصل الحياة المنهكة بعد ان يمارس دوره في
نقد كل السلبيات لدى السابقين ، المثقف هو صاحب معرفة وثقافة ويسيطر
على سلوكياته وشخصيته ، فيبرز ثقافته في كلامه وحديثه وحواره عندما
يجاذب الآخرين النقاش ، وخاصة في المجتمع والوسط الذي يسكنه ، المثقف
يجب ان يحدد حدود ونظام علاقاته بالناس والمجتمع ومكان عمله ، وان يحدد
موقفه من القضايا السياسية المصيرية بكل وضوح .المثقف من ربى نفسه على
التعامل الاجتماعي الحسن مع المجتمع ومع عائلته ، المثقف من ينتفض
عندما يتطلب منه ذلك المثقف من لا يهادن ويجامل على حساب الحق ، وان
لا يرضخ لمتنفذي السلطة ، هذا هو المثقف الإنسان الواعي المدرك لما
يدور حوله من كل أمور ، الذي جمع الثقافات المختلفة لأجل هدف سامي
وغاية يرجى ان ينالها ويصل مبتغاه ، وليس المثقف من يزوق الكلام ،
وحينما تحل الصلاة تراه لا يعرف مقدماتها ولا أركانها . نعم على من
يقهقه لهذا المصطلح عندما يطلق عليه ان يراجع نفسه ويرى هل هو فعلا
مثقف ....؟؟!! ام هو كما يقال مثقف نص ردن ....او بلا ردن أصلاً
....لنغوص في نفوسنا وأعماقنا ونحاكيها بخلوة معها ونحاسبها عسى ان
نعود لرشدنا لكي نعرف ما هو دور المثقف في المرحلة الراهنة ؟
حق التعبير عن الرأي... الحدود والضوابط
احمد الجويد
تَعدُّ حرية التعبير عن الرأي احد اهم الحقوق الانسانية التي تكفلها
الدساتير، وتتضمن أغلب دساتير دول العالم الديمقراطية وحتى غير
الديمقراطية نصوصاً تؤكد على احترام هذا الحق وعدم المساس به، بينما
يَعدّه الإسلام حق وواجب في ذات الوقت استدلالاً بالآية الكريمة
(الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة، آية
(71)، ويرى البعض إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا
يقتصر على الأمور الدينية والعبادية والعقائدية فحسب، بل يمتد ليشمل
النشاط الإنساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسة
والثقافة والاقتصاد.
وبذلك يعتبر هذا الحق والواجب مقدس
لا يمكن مصادرته أو التضييق عليه، ومن يعمل على خلاف ذلك فانه يؤسس إلى
الاستبداد والدكتاتورية، غير أنه لا يجب لأحد أن يتعسف في استخدام هذا
الحق، كأن يتطاول أو يسب أو يسقط أو يحقر الآخرين بحجة ممارسة حقه في
حرية التعبير.
وبذلك أصبحت مسألة حرية التعبير عن الرأي مثارَ جدل في العديد من الدول
والمجتمعات، الأمر الذي دفع ببعضها لوضع معايير خاصة تمثل إطار عام
للمساحة الممكنة في التعبير كما هو الحال في الولايات المتحدة -على
سبيل المثال- التي وضعت المحكمة العليا فيها مقياسا لما يمكن اعتباره
إساءة أو خرق لحدود حرية التعبير، ويسمى باختبار "ميلر" الذي بدأ العمل
به في عام 1973 ويعتمد المقياس على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي:
1-إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع
يرون طريقة التعبير مقبولة.
2-إذا كانت طريقة إبداء الرأي لا
تعارض القوانين الجنائية للولاية.
3-إذا كانت طريقة عرض الرأي يتحلى
بصفات فنية أو أدبية جادة.
وبذلك يمكن إدراج حرية التعبير عن
الرأي تحت التعريف الآتي، أي هو (التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق
الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن
لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين
وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير)، كما يصاحب حرية
الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية
العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية.
ورغم إن للحرية الشخصية حدودها على الدوام، لكنها في بعض الاحيان بدلاً
من أن تثبت القيم الإنسانية مصدراً لحدود الحرية الشخصية ليتحقق
التوازن في المجتمع وفي الحياة البشرية، أصبحت المصالح المادية
والسلطوية هي التي تقرر تلك الحدود، وهو واقع قائم رغم كل ما ينشر من
مزاعم عن كونها حرية مطلقة، ولم يسبق تاريخياً أن وجدت حرية شخصية
مطلقة، ولا توجد في الوقت الحاضر في أي بلد في العالم على الإطلاق.
ففي الدول العربية على الرغم من وجود بنود في دساتير بعضها تضمن حرية
الرأي والتعبير إلا أنها لم تخرج عن إطارها الشكلي إلى حيز التطبيق،
حيث الانتهاكات الكثيرة لحرية التعبير في هذه الدول التي يُمنع في جلها
إن لم يكن كلها انتقاد الحاكم أو السلطة الحاكمة، وقد يتعرض الكاتب أو
الصحفي للسجن والتعذيب.
ولكون هذا الحق أثار جدلاً كبيراً
في العديد من الدول نتيجة أعمال العنف وردود الأفعال الكبيرة التي
أثارها التعبير ببعض الأعمال الفنية أو الكتب أو المسرحيات والأفلام
كما حصل للمخرج الهولندي "ثيو فان غوخ" والذي تم قتله في 2 نوفمبر 2004
على يد محمد بويري الدانماركي من أصل مغربي لإخراجه فيلماً قصيراً يمس
المعتقد الديني يصور فيه سوء معاملة المرأة في الإسلام وربطه بنصوص من
القرآن، وكتابة تلك النصوص على أجساد الممثلات، وكان سيناريو الفيلم
مكتوبا من قبل "آيان حرصي علي" عضوة البرلمان في هولندا وهي من مواليد
الصومال التي حاولت أن تنقل فكرة مفادها أن المرأة في العالم الإسلامي
معرضة للجلد إذا أقامت علاقة خارج إطار الزواج، كما إن الاغتصاب من قبل
أفراد العائلة وعدم جواز مناقشة ذلك بسبب قوامة الرجل على المرأة (بحسب
الفلم)، وغير ذلك من الأعمال التي أثارت أزمات سياسية واقتصادية بين
بعض الدول كما حدث من خلال عرض الصور الكاريكاتورية لشخص النبي محمد(ص)
من قبل فنان دنماركي أساء التعبير كثيراً في رسوماته منطلقاً من دوافع
سياسية وعنصرية.
كل تلك الأعمال وغيرها أدت إلى ضرورة وجود بعض الضوابط والمحددات
الأخلاقية والشرعية على هذا الحق، ومنها على سبيل المثال:
أ- عدم التعرض بالإساءة لمعتقدات الآخرين، كون المعتقد هو المؤثر الأول
في المشاعر الإنسانية، والإساءة له تثير ردود أفعال غير محسوبة من
أصحاب المعتقد.
ب- عدم تكفير المسلم والافتراء عليه، فإذا كانت حرية التعبير عن الرأي
حق للفرد فإن تكفير الإنسان المسلم هو مدعاة لهدر دمه وبالتالي سوف
يفقد هذا الإنسان حقه في الحياة مقابل احتفاظ الأول بحقه في التعبير.
ج- عدم التطاول على الذات الإلهية أو الأنبياء والرسل، كونها تصب في
نفس السببين أعلاه.
وبما إن حرية التعبير عن الرأي تفسر
بأكثر من معني بحسب طبيعة النظام السياسي وأعراف وتقاليد المجتمع
ومعتقداته الدينية فإننا نرى وضع ضوابط مقننة تكون بمثابة الإطار العام
الذي يستطيع الشخص التحرك خلاله والتي يمكن إيجازها بـ
1-أن يستهدف حق التعبير عن الرأي
الصالح العام للمجتمع وألا يُستَغل لأغراض مريبة.
2-أن يمارس هذا الحق بطريقة لا تستفز
الآخرين وبقدر من الحكمة، كما قال تعالى(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ) النحل 125.
3-أن لا يُستَََخدَم هذا الحق في
قضايا تدعو إلى إشاعة الرذيلة والفساد داخل المجتمعات.
4-الابتعاد عن منطق الاستبداد بالرأي
وألا يعتقد صاحب الرأي إنه على صواب دائماً في حقه بالتعبير.
5-أن لا يتم التعدي على حريات الآخرين
بالتحريض على القتل أو الاعتداء أو الاحتلال بحيث يتم سلب حقوق الآخرين |