الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (928) الاثنين 25 محرم 1431هـ/11 كانون الثاني 2010م

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة السادسة

ووصلت إلى منتهاها في شخصية " الصاحب بن عباد " الذي تولى زعامتي الاعتزال والتشيع في النصف الثاني من ذلك القرن الذي تسنمت فيه الحضارة الإسلامية مكان الذروة . فإذا ما تعرض المؤلف الكريم للحديث عن ( توحيد الصفات ) " ص 14 " في ذات الله تعالى فإنه يذكرنا بعقيدة المعتزلة في القول بتوحيد الصفات ، ومن أجل هذا أطلقوا على أنفسهم أهل التوحيد فالإمامية والمعتزلة يشتركان في القول بأن الصفات هي عين الذات . أي أنه سبحانه بصير بذاته ، سميع بذاته ، قادر بذاته ، وهكذا لا يفرقان بين الذات والصفات ، وأصحاب هذين المذهبين لهم عذرهم في ذلك عندي إذ أن التفريق بين الذات والصفات كثيرا ما يحمل العقول إلى الالتباس ويوقع الأذهان في معنى الاشراك. وهذا مما لا شك فيه - من روائع تأملاتهم في التوحيد . وكذلك نلحظ مثل هذه الروابط المتينة بين الإمامية والمعتزلة فيما تعرض له المؤلف من عقائد تتعلق بمعنى " العدل الإلهي " من نحو ( وجوب فعل الجميل ) على الله تعالى ، ونحو ( وجوب ترك القبيح ) منه تعالى. فإنهما ما قالا بهذه المقالة إلا تحرزا عن نسبة الظلم إليه سبحانه . ومن ثم يتأول الإمامية استشهاد أهل السنة بقوله تعالى " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " ، وهم بحكم هذه العقيدة لا يرتضون قول الإمام أحمد الدردير - أحد أعلام السنة والتصوف في القرن الثاني عشر - حين يقول في خريدته : ومن يقل بفعل الجميل وجبا * على الإله فقد أساء الادبا ومع هذا فأنا - أيضا - آخذ لهم في ذلك العذر كل العذر للذي تنطوي عليه أفئدتهم من جميل القصد وهو التحرز من نسبة الظلم إليه سبحانه . ولو كان ذلك من قبيل توهم الظلم . والحق أن لكل من الطائفتين : المعتزلة والشيعة الإمامية في جانب وأهل السنة والصوفية في جانب آخر - وجهته في الثناء على الكمال  الإلهي ، فالمعتزلة والإمامية يؤثرون الدفاع عن جانب " العدل الإلهي " أما أهل السنة والصوفية وجماعة من السلف الصالح فإنهم يؤثرون جانب الدفاع عن " الحرية الإلهية " أي الحرية المطلقة لله سبحانه ، وهي الحرية التي لا تقيدها قيود ولا تعلوها قوة أخرى والتي يستشهدون لها بقوله " لا يسأل عما يفعل " . ولكل من الجانبين المتضادين - في نظر المنهج العلمي الحديث - وجهة هو موليها . ويلحق بهذا القدر قول المؤلف في " القضاء والقدر " وهل الانسان مسير أم مخير ؟ أو على حد تعبير الإمامية : هل الانسان مجبر أو مفوض ؟ وهذا المبحث وإن كان شديد الارتباط بفلسفة العدل الإلهي التي شابههم فيها المعتزلة ، إلا أننا نلحظ على الإمامية في هذا المقام أنهم يسلكون مسلكا آخر ، مسلكا وسطا .

فلا يقولون بالجبر المطلق الذي قال به فريق " الجبريين " الملقبين بالجهمية ، كما أنهم لا يقولون بالتفويض المطلق الذي قال به فريق " المفوضين " الملقبين بالقدرية من المعتزلة .

أما عن عدم قولهم بمقالة الجبريين فلأن القول بالجبر ينفي عن الانسان الإرادة والاختيار أصالة ويجعله لعبة في يد الأقدار أو كالريشة في مهب الرياح. وإذا كان كذلك صار حساب الله له - في عرفهم - عما يرتكبه من خطأ ظلما فاحشا لأنه لا سلطان له حينئذ في اختياره ولا إرادة له تمنعه من الوقوع في ذلك الخطأ . فهم ينكرون هذا الجبر لأنه ينفي عن الله صفة العدل ، وفي هذا يقول الشاعر معبرا عن ذلك : ألقاه في اليم مكتوفا وقال له * إياك إياك أن تبتل بالماء وأما عن تركهم رأي القائلين بالتفويض المطلق والاختيار المطلق فلأنه يجعل المرء في أفعاله وأقواله مستقلا عن إرادة الله وقدرته ، فهو - في نظرهم - رأي المفوضين والقدريين الذين يقولون إن الانسان يخلق أفعال نفسه ، دون تدخل لقدرة الله في هذا الفعل ، وقد أورد بعض نقاد العقائد أحاديث في ذمهم ، منها قوله عليه السلام : " القدرية مجوس هذه الأمة.

ومن هنا نعلم أن خطأ الجبريين ينصب في نفي صفة العدل عن الباري سبحانه لأنه يحاسب الانسان على أفعال هو موجدها فيه دون تدخل للمخلوق في ذلك. أما خطأ القدريين فينصب في نفي قدرة الله وسلطانه على مخلوقاته ، وكلاهما متطرف بعيد عن الحقيقة كل البعد . فإذا كان الإمامية يقولون بمقالة الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه : " لا جبر ولا تفويض ولكن أمرا بين أمرين " فإنهم يتفقون مع إخوانهم أعلام السنة كل الاتفاق ، ذلك أن أهل السنة يقولون بمثل مقالتهم ، ويصرحون بأن للانسان جزءا اختياريا ، فهو ليس بالجبر المحض ولا بالخالق لأفعال نفسه. وأشهر القائلين بهذه المقالة الإمام أبو الحسن الأشعري وقد حاول الإمام فخر الدين الرازي أن يفلسف التوفيق بين مذهب الجبر ومذهب التفويض حتى أثر عنه أنه كان يقول : " الانسان مجبر باطنا مخير ظاهرا " . وهذه مقالة دقيقة لا تخفى على الراسخين في العلم والعارفين بتفاصيل العقائد الإسلامية .

وهناك صورة خامسة نختم بها حديثنا في هذه المقدمة ، هي قول الإمامية في " البداء " ومعناه الظاهر فعل الشئ ثم محوه ، وقد قال به الإمامية في حق الله تعالى حتى أثر عنهم : " ما عبد الله بشئ مثل القول بالبداء " . ولما كان البداء من صفات المخلوقين لأن فعل الشئ ثم محوه يدل على التفكير الطارئ وعلى التصويب بعد الخطأ وعلى العلم بعد الجهل فإن كثيرا من المفكرين سفهوا عقول الشيعة في نسبة البداء إلى الله سبحانه والشيعة الإمامية براء مما فهمه الناس عن البداء ، إذ المتفق عليه عندهم وعند علماء السنة أن علم الله قديم منزه عن التغيير والتبديل والتفكير الذي هو من صفات المخلوقات ، أما الذي يطرأ عليه التغيير والمحو بعد الإثبات فهو ما في اللوح المحفوظ بدليل قوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت ” .

ولنضرب مثالا لذلك يبين معنى البداء عند الإمامية : فلان من الناس كتب عليه الشقاء في مستهل حياته ، وفي سن الأربعين تاب إلى الله فكتب في اللوح المحفوظ من السعداء . فالبداء هنا محو : اسمه من باب الأشقياء في اللوح وكتابته في باب السعداء. أما ما في علم الله فيشمل جميع تاريخ هذه المسألة من إثبات ومحو بعد التوبة . أي أنه سبق في علم الله أن هذا الشخص سيكون شقيا ثم يصير سعيدا في وقت كذا حين يلهمه التوبة . إن البداء الذي يقول به الإمامية هو قضية الحكم على ظاهر الفعل الإلهي في مخلوقاته بما تتطلبه حكمته .

فهو قول بالظاهر المتراءى لنا ، وإذن فوجه الإشكال في الذين خطأوا الشيعة في قولهم بالبداء إنما جاء من زعمهم أن الشيعة ينسبون البداء إلى علم الله القديم لا إلى ما في اللوح المحفوظ. ولعلك بما قدمته لك من بيان ضاف تكون وقفت معي على ما في عقائد الإمامية من وجاهة في قولهم بالبداء ، وما في تفكيرهم من عمق في الحكم به لأن معناه - في نظري - أن الله سبحانه يطور خلقه وفق مقتضيات البيئة والزمان اللذين خلقهما وأودع فيهما سر التأثير على خلقه - ولو ظاهرا - إن القول بالبداء هو المقالة الوحيدة التي نستطيع بهديها أن نفسر لك سر الناسخ والمنسوخ في القرآن ، كالحكمة فيما ورد من آيات تحريم الحمر ، وكيف تدرج ذلك التحريم في صورة مراحل ليعالج سبحانه بذلك اعوجاج النفس البشرية ويخلصها من قيود العادة المستحكمة شيئا فشيئا حتى يتحقق لهذه النفس صلاحها ، ولو حرمها مرة واحدة لكان في ذلك ما فيه من مشقة على النفس ! فذلك هو اعتقاد الإمامية في البداء .

ويسرني أن أنوه في هذا المقام ما أزمع القيام به من تقريب بين المذاهب الإسلامية في كتاب مفرد أرجو بتوفيق من الله أن أوضح فيه إلى أى حد تنفق هذه المذاهب في الجوهر والأهداف وإن اختلفت في المظهر والطرائق .

وبعد فإني أهنئ الأستاذ المؤلف فيما وفق فيه من الجمع بين المنقول والمعقول في عرض عقائد الإمامية ، وفيما أتحف به قراء العربية من ثقافات عقيدية عن الإمامية جمع فيها بين الاحتجاج للرأي والإجادة في الأداء. وفي هذا القدر كفاية لمن أوتي حظا من الإنصاف والتأمل . دكتور حامد حفني داود أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن والمشرف على الدراسات الإسلامية بجامعة " عليكرة.

 

 

المنهج العبادي للإمام علي (ع) في خطوطه الأساسية

وإلى منهجه العبادي الملتَزَم أشار الإمام الباقر (ع) بقوله: (( .. وما ورد عيه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه)). وقد ورد عن الإمام علي (ع) ذاته: (( .. وإنما هي نفسي أروِّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر)). وفي حديث ضرار بن ضمرة لمعاوية بن أبي سفيان حول شخصية الإمام (ع) تجسيد لهذه الحقيقة، فمما جاء في حديثه (( .. كان والله صواماً بالنهار قواماً بالليل))...وحيث أن التوكل على الله تعالى زاد المتقين، واليقين بالله شعار المؤمنين الصادقين يملأ قلوبهم بالثقة والاطمئنان والعزة والارتفاع على جميع عقبات الحياة. فقد كان أمير المؤمنين (ع) قائداً لأهل اليقين بعد رسول الله (ص) ويعسوباً للمتوكلين. وهذه سيرته العطرة تتحفنا بالعديد من الشواهد في هذا المضمار.

فعن الإمام الصادق (ع) قال: كان لعلي (ع) غلام اسمه قنبر، وكان يحبّ علياً حباً شديداً، فإذا خرج علي (ع) خرج على أثره بالسيف فرآه ذات ليلة، فقال له: يا قنبر ما لك؟ قال: جئت لأمشي خلفك، فإن الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين فخفت عليك. قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ قال: لا بل من أهل الأرض.

قال (ع): إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلا بإذن الله عزوجل فارجع. فرجع. وعن أبي عبدالله (ع) قال: ((إن أمير المؤمنين (ع) جلس إلى حائط يقضي بين الناس. فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنه معور.

فقال أمير المؤمنين: حرس امرأ أجله. فلما قام أمير المؤمنين (ع) سقط الحائط.

وكان أمير المؤمنين (ع) مما يفعل هذا وأشباهه، وهذا اليقين)).

وعن سعيد بن قيس الحمداني قال: ((نظرت يوماً في الحرب إلى رجل عليه ثوبان، فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين (ع). فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع؟ فقال: نعم يا سعيد بن قيس، إنه ليس من عبد إلا وله من الله عزوجل حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شيء)). هذا هو علي (ع) في قوة يقينه بالله تعالى وشدة توكله عليه سبحانه.

ـ مصاديق من زهد الإمام (ع):

ولقد كان الزهد معلماً بارزاً من معالم شخصية الإمام علي (ع)، وسمة مميزة زيَّنه الله تعالى به فعن عمار بن ياسر (رض) قال: قال رسول الله (ص) لعلي: ((إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب منها، هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ ـ تعيب ـ من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً، ووهبك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً)).

وقد كان من شواهد تلك الصفة التي حباه الله تعالى بها:

أن زهد الإمام (ع) عن كل لذاذات الحياة وزينتها وتوجه بكل وجوده نحو الآخرة، وعاش عيشة المساكين وأهل المتربة من رعيته. لقد زهد الإمام (ع) بالدنيا وزخرفها زهداً تاماً وصادقاً: زهد في المال والسلطان، وكل ما يطمع به الطامعون. فلقد عاش في بيت متواضع لا يختلف عما يسكنه الفقراء من الأمة، وكان يأكل الشعير، تطحنه امرأته أو يطحنه بنفسه، قبل خلافته، وبعدها حيث كانت تجبى الأموال إلى خزانة الدولة التي كان يضطلع بقيادتها من شرق الأرض وغربها. وكان يلبس أبسط أنواع الثياب، فكاد ثمن قميصه ثلاثة دراهم.

ولقد بقي ملتزماً بخطه في الزهد طوال حياته، فقد رفض أن يسكن القصر الذي كان مُعداً له في الكوفة حرصاً منه على التأسي بالمساكين. وهذه بعض المصاديق كما ترويها سيرته العطرة:

فعن الإمام الصادق (ع) يقول: ((كان أمير المؤمنين أشبه الناس طعمة برسول الله (ص) يأكل الخبز والخل والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم)). وعن الباقر (ع) قال: ((ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعاً ولا أورث بيضاً ولا حمراً)). وعن عمر بن عبدالعزيز قال: ((ما علمنا أن أحداً كان في هذه الأمة بعد رسول الله (ص) أزهد من علي بن أبي طالب، ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة)).

وعن الأحنف بن قيس قال: ((دخلت على معاوية، فقدم إلي من الحلو والحامض، ما كثر تعجبي منه، ثم قال: قدموا ذاك اللون، فقدموا لوناً ما أدري ما هو ... !

فقلت: ما هذا؟

فقال: مصارين البط محشوة بالمخ ودهن الفستق قد ذر عليه السكر!!.

قال الأحنف: فبكيت.

فقال معاوية: ما يبكيك؟

فقلت: لله در ابن أبي طالب، لقد جاد من نفسه بما لم تسمع به أنت ولا غيرك!.

قال معاوية: وكيف؟

قلت: دخلت عليه ليلة عند إفطاره.

فقال لي: قم فتعشّ مع الحسن والحسين، ثم قام إلى الصلاة، فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه، فأخرج منه شعيراً مطحوناً، ثم ختمه.

فقلت: يا أمير المؤمنين لم أعهدك بخيلاً، فكيف ختمت على هذا الشعير.

فقال: لم أختمه بخلاً، ولكن خفت أن يبسَّه الحسن والحسين بسمن أو إهالة!.

فقلت: أحرام هو؟

قال: لا، ولكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم في الأكل واللباس، ولا يتميزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير، فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه، ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً)). وعن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي (ع) بالكوفة، وبين يديه رغيف من شعير، وقدح من لبن، والرغيف يابس. فشق عليَّ ذلك. فقلت لجارية له يقال لها فضة: ألا ترحمين هذا الشيخ، وتنخلين له هذا الشعير.

فقالت: ... إنه عهد إلينا ألا ندخل له طعاماً قط .. !

فالتفت الإمام إليّ وقال: ما تقول لها يا ابن غفلة، فأخبرته ...

وقلت: يا أمير المؤمنين ارفق بنفسك.

فقال لي: ويحك يا سويد؟ ما شبع رسول الله (ص) وأهله من خبز بُرٍّ ثلاثاً تباعاً حتى لقي الله، ولا نخل له طعام قط))...

وعن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس قال: رؤي على علي (ع) إزار مرقوع، فعوتب في ذلك. فقال: يخشع له القلب ويقتدي به المؤمن.

وعن الغزالي يقول: ((كان علي بن أبي طالب يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل ولا يجد غيره)).

هذا هو علي في شدة زهده ورغبته عن الدنيا وزخارفها، وفي عظيم اقتدائه برسول الله (ص) وفي مواساته لأهل المتربة من أمته (ص)، فهل حدثك التاريخ عن زعيم كعلي (ع)؟ تجبى إليه الأموال من الشرق والغرب، وعاصمته الكوفة ـ تقع في أخصب أرض الله وأكثرها غنى يومذاك، بيد أنه يعايش أبسط عيش مواسياً لأقل الناس حظاً في العيش في هذه الحياة ... يأكل خبز الشعير دون أن يخرج نخالته .. ويكتفي بقميص واحد لا يجد غيره عند الغسل ... ويُحرم على نفسه الأكل من بيت المال .. ويرقع مدرعته حتى يستحي من راقعها مجسداً بذلك أرفع شعار للزاهدين: (( .. فوالله ما كنزت من دنياكم تِبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوب طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منه كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى وأوهن من عفصة مقرة)).

ـ صدقة الإمام (ع):

ولا نريد أن نذهب بعيداً في ذكر الشواهد على تعاهد الإمام علي (ع) لأمر الصدقة، قبل أن نستقي من القرآن الكريم نماذج من صدقة الإمام (ع) عطرتها آيات الله تعالى بالثناء الجميل، ورسمت أبعاد الثواب الإلهي العظيم الذي لا يعلم مداه غير الله الذي أعده تبارك وتعالى لأمير المؤمنين (ع).

ففي حادثة إطعام علي (ع) وأهل بيته (ع) للمسكين واليتيم والأسير على مدى ثلاثة أيام وإيثارهم لهم على أنفسهم، واكتفائهم بالماء وهم في أيام صوم متتالية .. تنزلت آيات الله تعالى مسجلة أعظم مآثر علي (ع) في ضمير الوجود حيث ستبقى ترددها الآفاق والألسنة وصفحات المجد ما شاء الله تعالى.

(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) الإنسان/ 8 ـ 12.

وليس المهم في الأمر حجم ما قدمه الإمام (ع) لأولئك المحتاجين، فإن الكثير من الناس يبذلون أضعاف ذلك. ولكن شتان بين مَن ينفق لوجه الله خالصاً دون شائبة، وبين مَن ينفق من أجل غرض دنيوي أو جاه أو ذكر يشاع بين الناس. كما أنه شتان بين مَن ينفق كل ما لديه وهو أحوج ما يكون إليه وبين مَن ينفق بعض ما لديه... وهكذا يختلف التقويم عند الله تعالى بين ذا وذاك.

وفي حادثة تصدق علي (ع) بخاتمه على مسكين استبدت به الحاجة، فطاف على الناس فلم يجد مَن يسد خلته، فأشار إليه علي (ع) وهو يصلي في مسجد رسول الله (ص) ووهبه خاتماً في يده. فنزل القرآن الكريم على رسول الله (ص) مبيناً فضل ما أقدم عليه الإمام (ع) واستعمل القرآن المناسبة لإرشاد الأمة إلى أن علياً (ع) مرجعها الفكري والعملي بعد رسول الله (ص): (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومَن يتول الله ورسوله والدين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) المائدة/ 55 ـ 56.

وهذه الآية الكريمة من أكثر النصوص دلالة على أن العمل الصالح في منظور الله تبارك وتعالى إنما هو بدوافعه لا بحجم منافعه. فليس المهم أن تعطي كثيراً، ولكن الأساس في الأمر نية العطاء فالتقييم الرباني إنما يدور مدار النية حيث تدور، فكلما اقتربت من الله تعالى وابتغيت رضوانه كان ثوابك أعظم وأجل ..

ومن المناسب أن نطرح إضافة إلى ذلك مصاديق من سيرة الإمام (ع) في هذا المضمار مما روته كتب التاريخ:

فعن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: ((كان أمير المؤمنين يضرب بالمر ـ المسحاة ـ ويستخرج الأرضين، وأنه أعتق ألف مملوك من كدِّ يده)). وعن أيوب بن عطية الحذاء قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: ((قسم نبي الله الفيء، فأصاب علياً أرضاً، فاحتفر فيها عيناً، فخرج ماء ينبع كهيئة عنق البعير، فسماها ينبع، فجاء البشير يبشر. فقال (ع): بشر الوارث هي صدقة بتة بتلاء في حجيج بيت الله، وعابري سبيل الله لا تباع، ولا توهب ولا تورث فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)). وعن أحمد بن حنبل في الفضائل: ((أنه كانت غلة علي أربعة ألف دينار فجعلها صدقة)). والحديث عن حرص الإمام (ع) على تعاهد أمر الصدقة في سبيل الله تعالى يذكرنا بالنفس السخية التي يمتاز بها أمير المؤمنين (ع). فكثرة أدائه للصدقة وشدة بذله لها وإن كان يعكس صورة صادقة عن جود الإمام (ع) وسخائه، إلا أن سيرته العطرة تكشف إلى جانب ذلك وجهاً آخر من شخصية الإمام العظيم. فقد كان (ع) أسخى من الغيث على الأمة التي عايشها لا نقصد بهذا جوده بنفسه من أجل حفظ الرسالة ومسيرة الإسلام التاريخية، ذاك الذي يتجلى عبر البطولات التي أبداها (ع) في حروب الإسلام كلها، فحديث كهذا .. يتطلب بمفرده سِفراً كاملاً، وإنما نقصد ما يتعلق بالسخاء بالمال.

فلقد اعترف بجود الإمام (ع) وسخائه اشد الناس عداوة له: معاوية بن أبي سفيان الذي ما برح ينسج الأكاذيب والافتراءات لتشويه سمعة الإمام (ع) غير أنه لم يستطع أن ينكر فضيلة الجود عند علي (ع) فقد قال له يوماً مخفى بن أبي مخفى الضبي: جئتك من عند أبخل الناس، فقال ابن أبي سفيان: ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس، لو ملك بيتاً من تبر ـ ذهب ـ وبيتاً من تبن لأنفد تبره قبل تبنه. ويقول الشعبي يصف الإمام (ع): كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال لا لسائل قط.

ـ الجهاد في سبيل الله:

وحياة علي أمير المؤمنين (ع) كلها جهاد في سبيل الله تعالى في مرحلة الدعوة، وبعد قيام الدولة الإسلامية، وإذا كان قد وقى الرسول (ص) بنفسه وفداه بوجده وتعرض لأخطر تآمر جاهلي على حياة رسول الله 0ص) عند مبيته على فراشه في ليلة الهجرة المباركة، من أجل أن يصرف عنه شر عتاة الجاهلية. فإن علياً قد تحولت حياته بعد الهجرة إلى المدينة المنورة إلى حلقات متسلسلة من ذلك النوع الجهادي العظيم، فقد كان حامل لواء الزحف الإسلامي في كل غزوات أخيه رسول الله (ص) وطليعة المجاهدين في ساحات الجهاد، وكلما حزبت الأمور وحمي الوطيس انتدبه رسول الله (ص) لكشف زحف العدو عن حياض المسلمين ...

وكانت كل مواقفه الجهادية من النوع المصيري الذي يحمي الرسالة ويكشف عنها خطر التصفية المحقق والإجهاز الخطير على وجودها، تجلى ذلك في بدر الكبرى حين صفى الكثير من رؤوس الوثنيين وملأ بها ساحة المعركة.

وفي ((أُحد)) حين أطبق جيش الضلال على معسكر الإيمان وكانت الغلبة للعدو، نهض الإمام (ع) بدور عرقلة تقدمهم حيث بادر إلى تصفية حملة الألوية من بني عبدالدار واحداً تلو الآخر.

وفي غزوة الأحزاب حين بلغت القلوب الحناجر وبلغ الضيق والهلع بالمسلمين كل مبلغ نهض الإمام (ع) بالأمر وأرهب العدو وأعاد للمسلمين الثقة بالنفس حين قتل أبرز قوادهم عمرو بن عبد ود العامري.

حيث كان قتل العامري حداً فاصلاً بين المعسكرين إذ تلاه انهزام جيش الأحزاب مع ما امتاز به من ضخامة في العدد والعدة ..

وعلي (ع) هو الذي اقتحم حصون خيبر ودخل عليهم عنوة، ففتح الله على يديه حصون اليهود الرهيبة. وكم أسطر لك من بطولات علي (ع) وصفحات جهاده المشرقة التي تشع بالمجد والعزة والإخلاص؟. فدونك تاريخ الإسلام في عصره الأول: في عهد رسول الله (ص) فأنعم النظر في صفحاته كي تحدثك بفضل علي (ع) على الإسلام رسالة، وأمة، وتاريخاً.

على أن الجانب المعنوي في جهاد علي (ع) ليس مجسداً في حجم البطولات وعدد المعارك التي خاض غمارها فحسب وإنما في صدق النية وحجم الإخلاص الذي امتلأ به قلب علي (ع) وهو يخوض تلك الحروب ببسالة فائقة وشجاعة نادرة وصمود لا يرد.

ومن أجل ذلك كان القرآن الكريم يثني على تلك الروح التي كان يحملها أمير المؤمنين عبر كفاحه من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض. فها هو القرآن الكريم يثني على علي (ع) يوم فدى بنفسه رسول الله (ص): (ومن الناس مَن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) البقرة/ 207.

ويكشف بعمق عن صدق نية الإمام (ع). وهاهو كتاب الله العزيز يقطع بأن جهاد علي (ع) وبطولاته وتضحياته كانت أجل الله وإعلاء كلمته في دنيا الناس، ولا يمكن أن تقرن بأي لون من ألوان العمل الآخر. فبسبب الثمن الباهظ الذي يتطلبه الجهاد، وبسبب الدافع الإيماني المخلص الذي لا تشوبه شائبة راحت آيات الله تعالى تحدد الموقع الرفيع الذي يحتله علي (ع) في دنيا المتقين: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) التوبة/ 19.

فعلى أثر حوار تفاخري بين طلحة بن شيبة والعباس بن عبدالمطلب، قال في طلحة: أنا أولى الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي.

فقال العباس: أنا أولى، أنا صاحب السقاية والقائم عليها!

وفيما كانا يتفاخران مرّ الإمام (ع) فافتخر عليهما بقوله: ((لقد صليت قبل الناس وأنا صاحب الجهاد)). فنزل قول الله تعالى في ذلك كاشفاً عن المستوى العظيم الذي يتبوأه علي (ع) من ناحية عمله الإسلامي: ضخامة وإخلاصاً، بعداً وجوهراً.

 

 

الإنسان بين الدعاء والمسؤولية

جاء الإسلام كُلاً مترابط الاجزاء، ووحدة عضوية متكاملة المفاهيم، والخطر كلّ الخطر على تلك المفاهيم أن تؤخذ مجزّأة منفردة، ثمّ يتم تقويمها والتعامل معها وهي بهذه الصورة المبعثرة .

فالمفهوم في الإسلام لا يكتمل معناه، ولا تدرك أهدافه، ولا يمكن إعطاء تقويم صحيح له، إلاّ بعد ربطه بكل ما يتعلّق به من مفاهيم مترابطة معه، متناسقة مع أهدافه، مكمّلة لوجوده، ضمن صيغة الوحدة الفكرية في الإسلام .

ومن تلك المفاهيم التي أسيء فهمها بسبب اقتلاعها، وافرادها منفصلة عن جسم الوحدة الفكرية، هو مفهوم «الدعاء» .

فقد أثار الكثير من الذين تعاملوا مع هذا المفهوم ـ تعاملاً منفصلاً عن بقيّة مفاهيم الإسلام ـ أثاروا شكوكاً حول الدعاء، منها:

1 ـ إنّه وسيلة للاتكالية، وتجميد لطاقة الإنسان ، وشلّ نشاطه، وإشاعة لروح الكسل والخمول، بالاعتماد الغيبي على الله، وعدم ممارسة الإنسان لدوره وواجبه .

2 ـ إنّ الدعاء دعوة إلى فرض الدور السلبي على حياة الإنسان وتجميد قوانين الطبيعة والوجود التي تتحكم في الحياة، وفي مصير الإنسان ، وبذلك ينتهي دور الإنسان التاريخي، بتعليق إنجاز المهام المنوطة بالإنسان على الله تعالى، مع انسحاب كامل لقوى الإنسان وجهوده في ميدان الممارسة، وإنّ أمة ترضى بالدعاء ـ بالقول والضراعة ـ بديلاً للجدّ والتفكير والعمل والنشاط، لهي أمة تحكم على نفسها بالفناء والموت العاجل، وتمحو دورها الإنساني ـ بدعائها وضراعتهاـ

ذلك ما يقال ويكثر ترديده حول فكرة الدعاء .

إلاّ أنّ الإسلام بوحدة أفكاره ونقاء مفاهيمه، يقوم بأكمله ردّاً حاسماً على هذه الشبه والتخرصات التي يطلقها المتجنّون عليه .

فالإسلام حينما شرّع الدعاء، شرّع العمل كذلك، وبيّن مسؤولية الإنسان وواجبه المترتب عليه، فقرّر التزامه بإجراء قوانين الوجود، والتطابق مع سنن الحياة التي أودعها الله في هذا العالم، فما من شيء يتحقق إلاّ ويحتاج الى سبب، وما من حادث يحدث إلاّ وله محرّك .

فالنتائج لا تنزل من السماء، وليس معنى الدعاء تعطيل قوانين الوجود، والدخول في دورة سبات لانهائية، والاكتفاء برفع اليدين الى السماء، وإذا شئنا المزيد من الايضاح وبيان موقف الإسلام من هذه القضية الخطيرة، فلنقف على رأيه الصريح، وردّه الواضح على تلك التصوّرات الشاذّة، ولنقرأ فصلا من كتاب «جامع السعادات» للعلامة الشيخ محمد مهدي النراقي ـ أعلى الله مقامه ـ، لما فيه من بحث ونصوص توضّح معنى التوكل ـ في الإسلام ـ سواء في حالة الدعاء، أو في غيره من الحالات، وتبين علاقته بالاسباب الطبيعية .

قال رحمه الله: (الاسباب التي لا ينافي تحصيلها ومزاولتها للتوكّل هي الاسباب القطعية أو الظنية، وهي التي يقطع، أو يظن بارتباط المسبّبات بها بتقدير الله ومشيئته، ارتباطاً مطرداً لا يتخلّف عنها، سواء كانت لجلب نفع أو لدفع ضر منتظر، أو لازالة آفة واقعة، وذلك كمدّ اليد الى الطعام للوصول إلى فيه، وحمل الزّاد للسفر، واتخاذ البضاعة للتجارة، والوقاع لحصول الاولاد، وأخذ السلاح للعدو ـ وقاية لمواجهة العدو ـ والادخار لتجنّب الاضطرار، والتداوي لازالة المرض، والتحرّز عن النوم في ممر السيل ومسكن السباع وتحت الحائط المائل، وغلق الباب، وعقل البعير، وترك الطريق الذي يقطع، أو يظنّ وجود السارقين، أو السباع الضارة فيه، وقس عليها غيرها .

وأما الاسباب الموهومة، كالرقية، والطيرة، والاستقصاء في دقائق التدبير، وإبداء التمحلات لاجل التبديل والتغيير، فيبطل بها التوكل).

وهكذا يتضح لنا أن الدعاء: وهو طلب عون الله، والتوكّل عليه، لا يعني تعطيل الاسباب، وترك السعي من قبل الإنسان ، وتجميد نشاطه، واللجوء الى الكسل والخمول بدعوى الاعتماد على الله، وكما رفض الإسلام تعطيل دور القوانين والاسباب الطبيعية من قبل الإنسان ، رفض كذلك اللجوء الى الاوهام والخرافات في معالجة المواقف، وتحصيل الاشياء التي يريد الحصول عليها، لانّها ليست من قوانين الطبيعة، ولا من أنظمة الوجود التي أودعها الله في هذا العالم، وليس لها أي دور تأثيري في سير الحوادث، أو اعطاء النتائج، وقد اعتبر الإسلام تعطيل دور الإنسان ، وعدم أدائه لواجبه ومسؤوليته، وعدم تسييره للحياة وفق قوانين الطبيعة التي أودعها الله في الوجود، مخالفة لحكمة الله وإرادته، واعتبر هذا التعطيل متعارضاً مع إجابة الدعاء، وعقيدة التوكل .

ولكي يكون رأي الإسلام واضحاً في هذا الموضوع، فلنتابع القراءة في كتاب «جامع السعادات» فلنقرأ قول المؤلف ـ رحمه الله ـ :

(إعلم انّ التوكّل لا يبطل بالاسباب المقطوعة والمظنونة مع أنّ الله قادر على إعطاء المطلوب بدون ذلك، لانّ الله سبحانه ربط المسبّبات بالاسباب، وأبى أن يجري الاشياء إلاّ بالاسباب، ولذا لما أهمل الاعرابي بعيره، وقال: توكّلت على الله، قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اعقلها وتوكل). وقال الصادق (عليه السلام): (أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالاسباب التي سبّبها بذلك، وأمرهم بذلك).

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق