|
العشوائية الإيقاعية والتدوير في
القصيدة الحديثة
علاء هاشم مناف
البنية الإيقاعية هي صياغات من التماثل الإفتراضي الذي يقع في المجال
الأوسع من العروض الشعري، وهي إنعطافة تؤكد مظهراً يتكرر بإطار زمني،
وتكون مكوناته وعناصره أداة من العلامات والإشارات الصوتية والموسيقية
، كالأزمنة المشدودة والمتداخلة بكم من الإيقاع بالمعنى الموسيقي للكم
وهذا لا يتوفر إلا بإقامة مزدوجين من الكمية تكون العلاقة بينهما تشمل
التحديد الواضح والدقيق من حيث عملية الاستغراق الزمني لكل منهما،
والمزدوجة هي أيقونة وزنية تشكل أبسط أشكال التغاير الكمي الذي يفترض
توفره، وقد تكون عناصر الكم المزدوجة أكثر من طرفي مزدوجة كما في
النظرية الموسيقية وهذا المزدوج الثاني الذي يتخذ الشكل الإيقاعي وهو
نتاج صورة خالصة من الكم كما قلنا لتحقق الصفاء والخلاصة الكمية على
أساس من التعادل بين الوحدات الإيقاعية وهي ناتجة من تركيب عدد من تلك
العناصر الكمية وهي بالمقابل لا تستند إلى تلك الترتيبات والمكونات
الزمنية ضمن إطار الوحدة المستقلة ولكن القرار التعادلي الكمي يكون بين
وحدتين مثال على ذلك ورغم الاختلاف في تركيب النوى.
والايقاع كما هو معروف يقع في الجانب الاحتمالي للبنية الايقاعية "
المتكررة والمتجاورة" داخل زمنية بنوية متناسبة بالشكل التعاقبي ،
ولازال الإيقاع يسير في أطرٍ ضيقة ومحدودة لا يتجاوز الأسس العامة
للإيقاع الشعري باعتباره هو المقدمة الحيوية والمهمة التي لا تخلو منه
أية لغة كُتب فيها هذا الشعر، والإيقاع يتشكل من إعادة للمنظومة
الصوتية المركبة بالمعجم الموسيقي وبالدلالة اللغوية ، ثم يأتي الوزن
الموسيقي في حدوده الكمية كما قلنا وبالكيفية المرتبطة زمنياً، ويتم
ترشيحها على أساس الرجع والتكرار الذي يحدث في الصدى، فهو إشارة
للعناصر التناسبية المتكونة من هذه الخلاصات الايقاعية ، والتأسيس يتم
على التكرار المستمر للعناصر المختلفة في تركيب النوى وإنه نوع من
المنظومة العشوائية التي لا تخضع لمتطلبات الذوق الذاتي أحياناً بل
تتحقق أحياناً بالشكلية ، من هنا كان للمعنى العروضي مترجماً فعله
الإيقاعي على أرض الواقع الشعري . وإن دراسة العروض في الشعر العربي
تحول إلى قوالب جاهزة لنمطية تحدد الكم الزمني الذي تستغرقه دلالة
المعنى في الشعر وفي حدود المعاني والصور. وكان الابتعاد عن الجانب
الجمالي في الايقاع سبب تأخرا في العملية الجوهرية، ومن المعروف في كل
اللغات يكون الوعي الشعري متاتٍ من الوعي الايقاعي، فالجزئي هو جزء من
الكلي على مستوى العروض داخل الايقاع ، من جهة أخرى فإن البنوية
الداخلية للغة الشعرية التي يتم فيها بناء منظومة نحوية راجع إلى
البنية اللغوية التي تقوم بتأسيس الجملة المقطعية حسب ما يقرره الايقاع
، كذلك يتأثر التركيب وتطول الجملة المقطعية الشعرية أو تقصر حسب ما
تقتضيه الحرية في بناء القصيدة الحديثة التي تتأسس على كم التفعيلات
القانونية وفقاً للنمذجة الإيقاعية. من القصائد الطويلة التي تتبنى
الأشطر المدوّرة داخل جملة مقطعية طويلة تؤلف شطراً واحداً أو أشطراً
يلفها التدوير وهي في حقيقة الأمر إذا نظرنا إليها فهي كلها شطراً
واحداً ، وفي الشعر الحديث تكون عملية التدوير عملية اعتباطية تفتقر
إلى الاختلاف في الايقاع لأنها خالية من التفاصيل الاستنباطية قياسا
إلى العروض العربي ونزولاً إلى الذوق البدائي ، والظروف الجديدة في
الطبيعة البيئية البدائية يستوجب أن تتطور الآلية القواعدية لمنظومات
الإيقاع العروضي. والعشوائية التدويرية في الشعر الحديث تأخذ منحنيات
عديدة ولها أسبابها الموجبة في التشديد على الخلاف في الاشارات
الايقاعية لأنها تتحقق بدرجات إعتباطية لسبب بسيط، هو أن القصيدة
الحديثة تتحدد بأصطلاحية الشطر الواحد والشطر الواحد من حيث الدرجة
النسبية في الإشارة الايقاعية يكون مستقل ولا يمكن تدويّره داخل هذه
الأشكالية العروضية عند العرب وهو يتماشى مع معنى الدلالات التدويرية
التي تقع في آخر الشطر وهي كلمة قسم منها في الشطر الأول والقسم الآخر
في الشطر الثاني ، وهذا بالتحديد يعود إلى القصائد ذات الشطرين . إذن
التدويّر عملية تلازم القصائد التي تنظم وفق نمطية الشطرين وبأسلوب
القصيدة العمودية مثال ذلك:
قول المتنبي:
وحقوق ترُقّق القَلْبَ للقّلْـ
بِ ولو ضمنتْ قُلُوبَ الجمادِ
هذِهِ دَوْلة المكارمِ والرأ
فةِ والمجدِ والندى والايادي
وقول الحرث بن حلزة في معلقته
فَرياض القطا فأودية الشُّرْ
ببِ فالشعبتانََِِ فالأبْلاءُ
مَن لنا عِنده من الخير آيا
تٌ ثلاثُ في كُُلِّهن القضاءُ
وقول المنخلًّ بن الحرث اليشكري
لا تسألي عن جُلُ ما
لي وآسألي كرمي وخيرْي
وفوارسً كأوارِ حـ
رَّ النَّار أحلاسِ الذُّكُورِ
إضافة إلى الإطلاق الذي يحصل في عملية التدوّير والذي يبدأ في الشطر
التالي بنصف الكلمة كما في الأمثلة أعلاه وهذا لا يجوز في الشطر الواحد
إنما ينطبق على البيت الكامل في الشعر العمودي لأشطره، لأنه يبدأ
دائماً بكلمة لا بنصفها .ومن خصائص التدوّير في القصيدة الحديثة هو
القضاء على القافية.
بين النبر والتدوير
هناك إشكالية تتعلق بالنبر اللغوي كما حصل في اللغة العربية قبل هذا
القرن. والنبر الشعري كان قد تجلى عند العرب في الإلقاء قبل هذا القرن
كذلك يعزوها بعض الباحثين أن البداية كانت مع الشعر ومع اللغة ،
والفرضية الثالثة تقول : إنها بدأت وفق الخصائص الإيقاعية " للقرآن"
كانت قد جسدت حقيقة النبر اللّغوي والإيقاعي ، أما النبر الشعري ،
فالقرآن لم يكن شعراً وإن ورد موزوناً ، من هنا نريد أن نصل إلى محصلة
منطقية بأن نبر القرآن ليس هو النبر الإيقاعي في الشعر إلاّ أن القرآن
كان متحداً بألنبر اللّغوي وهذا إحتمال ، وقد طور هذا النبر اللّغوي في
إطار الظواهر اللّغوية المختلفة . مثل الأبدال، والإعلال، والقلب، وقد
نصل إلى حالة من نمط الأشارات من هذه الظواهر الإيقاعية الصرفة
المتعلقة بالنبر وتفاصيله اللغوية وعلاقة كل ذلك" بعملية التدوّير" في
القصيدة الحديثة إنطلاقاَ من النبر اللغوي والنبر الشعري ، وهذا يتم
تحديده بالتركيب الصوتي وتحليل صيغ المشتق في اللغة العربية وإكتناه كل
أفعال العوامل المكتسبة وكل صيغة ذات الارتباط الصميمي بخواص النبر( )
ولنا عودة أخرى إلى هذا الموضوع. والقصيدة الحديثة تجاوزت القيود
وتجاوزت النبر اللّغوي والنبر الشعري في الإطالة الإيقاعية ، ويستطيع
كاتب القصيدة الحديثة أن يطيل الشطر الإيقاعي دون التدوّير بدلاّ من
كتابة شطر ذات ثلاث تفعيلات مدوّرة ليلحقه بثلاثة تفعيلات آخرى بشطر
واحد، فإنه يستطيع أن يجمع الشطرين في شطرٍ واحٍد ذي ست تفعيلات وهذا
مباح في الشعر الحر والتدوير ليس ملازماً لتلك الإشارات من العبارات
الطويلة ، قد تكون العبارة قصيرة ويقوم الشاعر بتدوير البيت الشعري ،
والتدوّير لا يتصل بأنماط الطول للعبارات ، فهو يقوم بشطر الكلمات إلى
شطرين وكل من هذه الكلمات يضعه في تفعيلة ومن ثم تبدأ المطبات في
الأشطر ، وقد تظهر العبارة في منتصف الشطر المدوّر وتنتهي في النصف
الثاني ، ثم تبدأ عبارة أخرى في منتصف الشطر المدوّر الثاني ثم تنتهي
في الشطر ا الذي يليه، من هنا تكون الصلة مقطوعة بين التدوّير في الطول
أو القصر للعبارة.
نعود الآن إلى موضوع النبر، النحاة لهم رأي، إن الأمر متعلّق بالنسبة
إلى التدوّير بألتركيب الصوتي سواء بالحذف أو في نظائره في عملية النبر
في مثال الإبدال، والأعلال، القلب كما قلنا قبل قليل ، هناك إمتحان
للنتائج قد تكون وراء هذه الظواهر، منظومة إيقاعية صرفة ترتبط بألنبر
وموقفه وموقعه من التدوير وهي قضية الحذف للتفعيلة بدل الإطالة في
تفعيلة الشطر واختصارها بدل الشطرين بشطر واحد كما قلنا، وإن أسباب
الحذف تعد موضع دراسة في نظائر الأبيات المنبورة سواء بالأفعال أو
بالكلمات المنبورة دون ثقل وهو لا يتحقق في النطق دون الثقل الظاهر لأن
النبر إثقال وضغط وصعوبة في تحقيق النطق الجزئي ، والخلاصة في هذه
القضية هو وضع إنفتاح حتى يقوم الشاعر بإيراد أكثر من ست تفعيلات أو
ثمان في الشطر الواحد، إن هذا الموضوع يعطينا نتيجة مفادها أن الصعوبة
تكمن في النطق وصعوبة ثقيلة بالإسقاط للإيقاعات ، لأن هذا الاسقاط
مرتبط بالتركيب الصوتي وبالجملة المقطعية الشعرية ويؤدي ذلك إلى فقدان
الغنائية حدتها وتأثيرها بعد إن تتراكم التفعيلات ولا وقفة عروضية
بينها، إضافة إلى تواتر التفعيلات ، وهذا يعد ظاهرة للتواتر بين
التفعيلات لأنها تترك أثراً سيئا على المخارج الصوتية ورتابة في
الإيقاع( )،في عملية النبر هناك إرتباط بين الصوت المقطعي والمعنى الذي
تعبر عنه الكلمة، فالتركيب الصوتي والنبر اللغوي الأول للكلمة ، والنبر
في المقطع اللغوي الأول هو ذات دلالة معينة" وإعتبار التركيب الصوتي
الثاني لها، والنبر على حدود الكلمة المقطعية في الثاني، ذا دلالة
أخرى؟"( ) فالإحالة تكون على مستوى الدلالة ، والاستبدال يتم وفق
المستوى النحوي ، والإحالة تتعلق بدلالة التفعيلة وهي العماد اللغوي
وصيغة خاصة تتحقق " بالضمائر واسماء الأشارة والفاظ المقارنة التي
أعتبرت خطأ من الإحالة "رغم إن الاستبدال ظاهرة نحوية فهي محكومة
بقواعد نحوية ووزنية إيقاعية، وهي تستند إلى نظرية النحو النظامي
الوزني، والاستبدال الوزني يتحقق بشروط المطابقة بين المستبدِل ،
والمستبدَل منه وهو خلاف الإحالة النحوية في البيت الشعري القديم
المستند إلى الشطرين، ويتم إشتراك شطراه في كلمة واحدة بحيث يكون بعضها
في الشطر الأول ويكون جزء الكلمة الباقي في الشطر الثاني ، وأن العلاقة
المحورية هذه تستند إلى قيمة الاستبدال في اجزاء النص الشعري في
القصيدة الحديثة ، فتمثيل الإيقاع يؤكد العلاقة بين عمليتا الإستبدال
لأنها علاقة فنية إيقاعية تتعلق بين عناصر النص الشعري وتفعيلاته
وموسيقاه.
التدوير في شعر حسب الشيخ جعفر لقد كان النمط المفيد من زيادة عدد
التفعيلات في الشطر الواحد، وغالباً ما يوصف "بأنماط الإشارات
الإيقاعية" وتقوم هذه المنظومة من العلاقات على قاعدة" حامل الإشارة
ومدلولها إيقاعياً" وفق الإنموذج المفتوح للتفعيلات دون قيود ولكن وفق
الشروط القانونية للإيقاع أي ان النظام الأيقاعي
A
يحقق الشرط واحد ولا يحقق الشرط 2 فإن وصفه بأنه كميّ هو وصف غير دقيق
ويكون غامض الدلالة . ذلك إن الكمية في التعريف القانوني هي إصطلاح
موسيقي ثابت في دلالته، وليس من الدقة القانونية إطلاق هذا الاصطلاح
على ظاهرة لا تحقق الشروط الواجبة في الكمية ضمن التأليف الموسيقي،
والدلالة الدقيقة للمصطلح "كمي" حين نطلق على المنظومة
A
لا تتجاوز كون المنظومة تقع داخل خصوصية جذرية للمكونات الصوتية للغة
حيث تكون مقاطعها هو الاستغراق الزمني في خلق الازدواجية الايقاعية
الاختلافية التي تشكل الأساس التجذيري للانتظام النغمي في الشعر، ويتم
وصف خاصية ذلك الاستغراق الذهني في هذه الحالة ، بأنها تقع في الخاصية
الكمية المكونات اللغوية تميزها عن الخاصية الكيفية الأخرى لهذه
المكونات ( ) في العروض الشعري التقليدي ، ولكن أساس التنوع في أعداد
التفعيلات من الواحدة إلى العشر ولكن في الشعر العربي القديم تكون
الأشطر ذات خمس تفعيلات والشعر العربي وعبر مختلف مراحله التاريخية لم
يعرف الشطر ذات التفعيلات الخمس ، إنما كان التمثيل في الشطر يكون
بتفعيلتين كما في : الهزج ، والمجتث ، والمضارع ، أو يكون أستخدامه
لثلاث كما في الرجز، والرمل، والكامل، أو من أربع كما في الطويل،
والبسيط ، والمتقارب ، والخبب، وعند هذا وقف الشاعر العربي ولم نقرأ له
شطراً في خمس تفعيلات ، وأما في المجزوء فإن طول الشطر لم يزد على
تفعيلتين أو ثلاث ، وعندما يكون الشطر المجزوء" مدوّراً" فإن طول الشطر
يصبح في حقيقية الأمر" ست تفعيلات" وإن سمّيناه بيتاَ لأن التدوّير في
حقيقته وفي الشطر " الواحد حصراً" هو " شطر لا شطران"( ) وجاء التمثيل
المعاصر للشعر والخروج عن إيقاع الشعر العربي وأصبح السؤال غير ذي قيمة
وفقد منطقه الدلالي وأصبح الإحساس بالنسبة إلى المتلقي يتشكل بالصورة
الموجبة للإيقاع "في الشطرين" هو الحقيقة المطلقة ، وهذا الأحساس تم
وتكامل لا عن طريق الكم بل عن طريق "النبر" وهكذا أصبح النبر هو
الدلالة الروحية المتشكلة بالايقاع ،هذه الروح التي تجاوزت التركيبية
الكتلية ، لأنها تنبع من علاقات وعلامات أكثر جذرية من الناحية البنوية
لحركة الإيقاع في الشعر ، وتفاعل النوى، والنبر ليس تفاعلاً خارجياً بل
تفاعلاً داخلياً يقوم بتحدِّد الوحدات خاصة تحدِّد بداية " الموجة"
وقمتها ونهايتها والمتلقي في هذه الحالة يحس بوجود الوحدات ويحسها
إيقاعياً لكنه بالمقابل لم يكتشف هذه الطبيعة وفق كتلة التتابعات
وتحليلها على ضوء طريقة العروضيين . فالنبر حدد الوحدات الايقاعية عند
المتلقي وحدد الصورة الموجبة للكتل الوزنية في سياق شعري فيزيائي لأنه
سياق البيت المناقش كذلك حدود القصيدة التي ينتمي إليها. وتظهر إمكانية
النبر الشعري وبالطريقة الموسيقية والصياغة تمت على الشكل النهائي في
البيت
عباءة الشِعر .. عباءة عراقية
حسن النصار
حينما أمسح أصابعي من التعب.. ألمس بقايا الشعر تتناثر هنا وهناك..
وحينما أنفض رموشي من الغبار.. تنثال حبات الشعر على مشاعري.. هكذا
وجدتني من صغري، أتنفس الشعر الذي يعتلي صهوة القصائد.. وهكذا وجدت
قصائد الشاعر العراقي حسن رحيم الخرساني القصيرة المدى، أقول القصيرة
المدى لسببين، الأول: كونها تعالج الواقع المعيوش من سنوات العجاج
والحرب والموت والحصار رغم لا واقعيتها..
الآخر: لقربها من الذات فكراً لا عاطفة رغم لا ذاتيتها.. لذلك عدّ بعض
النقاد نصوص الخرساني كونية باعتبارها تطابق منطقة الخيال في زمنية
القراءة، بمعنى أقرب إنها تنطلق من كل مكان، وهي بهذا تكون نصوص كل
مكان.. أي نصوصاً كونية..
أما البعض الآخر فيقفون تماماً على النقيض واعتبروها نصوصاً محلية
تلتصق بأرضية الواقـع وتعالج مجمل مفاصل الـحياة وتداعياتها اليـومية
باعتبارها نصوصاً تحشر أنفها في كل صغيرة وكبيرة، لكن بلغة تترفع عن
اليوميات، بلغة تجر خلفها الحروف وتتعثر بها الكلمات.. إنها الصعوبة
التي تعالج الصعب.. وبما أنني على مساس بتجربة الصديق الشاعر الخرساني
منذ نعومة أظافره الشعرية، أؤكد: تنهض قصائد الخرساني كل صباح وتغسل
وجهها بماء الفراتين، وتمسح جبهتا بسعف النخيل وتصلي ركعتين قبل انبثاق
الفجر في مسجد الكوفة.. ببساطة إنها قصائد تلبس العمامة العراقية
والعباءة البغدادية. خصوصية النصوص تكمن في محليتها، وتوظف الأسطورة
كرمز لبعض الدلالات التي تحيل إلى الواقع المعيوش والأسطورة التي
تلبسها النصوص.. لا لأجل الزينة والتجمل قط، إنما لتوكيد قاعدة شعرية
وشعورية مترسخة في ذاكرة الأرض التي ورثها الإنسان البابلي... بابل
التي تمتد رقبتها إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد، بابل الحضارة والفكر
والإنسان... نصوص الخرساني تستقي مادتها من هذا الفكر ومن تلكم الحضارة
التي ورثها الشعر..
وأخيراً.. أظن أن خير من يقدم شهادة للمجموعة هي النصوص، وخير من يتكلم
عن النصوص هي شعريتها، ولنترك القارئ مع المجموعة، واظننا سنسمع شهادة
أخرى وطرحاً آخر مع أو ضد المجموعة.. ولا شك فإن هذا هو المرجو.. وهذا
هو ديدن الشاعر والشعر والمتلقي.
قصة قصيرة
منافي باهتة
خالد الوادي
سألتني عن مفهوم القسوة وما تعنيه لي .. لم اتردد بأجابتي وقلت:
انها احتقار لمشاعر الاخر .. بل هي انتقال الى ما وراء الانسانية وتحد
خطير لعوالم ضخمة لا تشبهها اي عوالم اخرى..
انها انتقال الى الوحشية وبغض للسلام..
لكني استغربت السؤال وقلت:
ما الذي يدفعك للخوض بهذا الجانب المظلم من الحياة .. عهدتك مسالمة
ووديعة..
اجابتني بهدوء وقد توشحت ببياض لا علاقة له بما يجري وقالت:
اشعر بغثيان هذه الايام يدفعني الى التوحش .. انا انزوي في اماكن خالية
.. حزينة .. لكن ما يؤلمني هو ذلك الشئ الذي يربطني بك .. لا اجد وصفا
له..
قلت:
انه الالتصاق .. اشعر اننا توأم سيامي لا يمكن فصله .. نجتمع دون
انقطاع .. نحوم في سماء واحدة .. نرغب بعضنا ونتشاكس كثيرا .. كوننا
ننحدر الى ذات القدر .. لذلك نحن نستمر دون توقف .. نتوجع ونرتعش الما
.. هكذا احبك واشعر بك..
نأت عني تطالع الساعة الجدارية التي توسطت جدار غرفتها الانيقة .. كانت
تتنفس بعمق .. ازاحت وشاحها الابيض جانبا .. فظهر شعرها بتموجاته
الموروثة من البحر .. بذات الغضب .. والسكون .. والطمأنينة .. والخوف..
قالت:
لا صحة لكلماتك المنتقاة بدقة .. انك بارع بالحديث المنمق .. تعلم جيدا
انني اضعف امام بوحك الشائك .. اخافك كبرق يداهمني غفلة .. لذلك
حاصرتني القسوة كحصار طروادة .. لا مفر من الاستسلام اليها..
تنحيت جانبا .. وهمست نفسي محاكيا انفعالاتها الرعناء .. وجدتها تهلوس
من حمى غاضبة .. اقتحمتني بلا رحمة .. شعرت اني ضئيل .. ضآلة نملة
تائهة..
وقلت:
حصارك كلحظتي هذه .. يشبه اوصالي المقطعة .. انك تنحدرين بسرعة الى
هاوية القلق .. تفكرين ولا تفكرين .. خائفة من قدميك المتعبتين ومن
ايامك المقبلة .. لقد تلاشت ملامحك .. تفرقت باتجاهات شتى .. انك بحاجة
الى عينين يتسعان اكثر لمساحات الضوء .. فانت تعيشين العتمة والوهم في
آن واحد .. ووهمك تلبسني ايضا وصرت كما انت متوهم .. لكني توهمتك
حبا..
تضائلت امامي .. وابتسمت ابتسامة تخفي خلفها حزنا عميق..
وقالت:
انك تحجمني .. وتصنع مني تمثالا بنحتك هذا .. كيف لي ان التصق بك ..
وانت لا تؤمن بتموجاتي .. فانا متموجة واعرف مقدار جنوني .. عليك ان
تفهمني اكثر .. الحيرة تأخذني الى مرافئ اجهلها .. واتمسك بها فجأة ..
اخاف ان استوطنك وتكون ملاذي الهش .. بك هشاشة اجهلها .. وحلمي ابعد
منك بكثير .. لذا قررت التوحش .. قررت ان انهشك لحما طريا .. وااشربك
دما ساخنا..
تواريت عن الرؤيا .. وانطلقت ابحث عن غابات القصب الساكنة .. اؤسس لزمن
جديد .. يبعثني حيا .. استنشق هواء نقيا .. والوذ بصمتي افكر حتى اكون
.. واكون .. كما كنت..
أغصان
د. سهام جبار
من ثقبٍ في قلبي
من بؤبؤٍ هاربٍ
من شرنقة التذكر السئمة
في جوف رأسي
مني
من رياضات الوصول إلى الجنون
وحقائب السؤال القديمة
في تطلّع هذه الرأس الصغيرة
ورَميِها الأرحامَ عنها
من جسدٍ عميق
كنتُه ثم انتثرتُ
علقةًًً أطاردها
ونقطةً ليست تُدرك
أطاردُ أيها الطيران
طيرانَكَ
أبحلقُ في سردِكِ ايتها
الأرض
أفصِّلُ جبالكِ أثواباً
والبحور
أحلِّق أيتها الحفر
أيها القاع
من ذبابةِ الضوء التي طمرتِ الثقب
ليرفرف
من جمود يدي
المتكسّرة لتكتب
من الكائنات التي تُري نفسَها
وأُري أنّي
مني
من كنسِ عقابِ طويل
بين الألفة والغرابة
وتوقّفٍ إثر مواصلة
ومواصلة إثر انفجار
من تناسيي كل ذلك
خرجتِ الأماكنُ
الى قدميَّ
خرج العالم الى الحفرة
ها أنا أغصان تتعلّق
بجسدي
ها أنا
هناك
ها أنا هنا |