الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(930)الاربعاء 27 محرم 1431 هـ/13 كانون الثاني 2010

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الثامنة

ذهب قوم وهم ( المجبرة ) إلى أنه تعالى هو الفاعل لأفعال المخلوقين فيكون قد أجبر الناس على فعل المعاصي وهو مع ذلك يعذبهم عليها ، وأجبرهم على فعل الطاعات ومع ذلك يثيبهم عليها ، لأنهم يقولون إن أفعالهم في الحقيقة أفعاله وإنما تنسب إليهم على سبيل التجوز لأنهم محلها ، ومرجع ذلك إلى إنكار السببية الطبيعية بين الأشياء وأنه تعالى هو السبب الحقيقي لا سبب سواه .

وقد أنكروا السببية الطبيعية بين الأشياء إذ ظنوا أن ذلك هو مقتضى كونه تعالى هو الخالق الذي لا شريك له ، ومن يقول بهذه المقالة فقد نسب الظلم إليه تعالى عن ذلك .

وذهب قوم آخرون وهم ( المفوضة ) إلى أنه تعالى فوض الأفعال إلى المخلوقين ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها ، باعتبار أن نسبة الأفعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه ، وإن للموجودات أسبابها الخاصة وإن انتهت كلها إلى مسبب الأسباب والسبب الأول ، وهو الله تعالى . ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه

وأشرك غيره معه في الخلق .

واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام من الأمر بين الأمرين ، والطريق الوسط بين القولين ، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام ، ففرط منهم قوم وأفرط آخرون . ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلا بعد عدة قرون .

وليس من الغريب ممن لم يطلع على حكمة الأئمة عليهم السلام وأقوالهم أن يحسب إن هذا القول ، وهو الأمر بين الأمرين ، من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين ، وقد سبقه إليه أئمتنا قبل عشرة قرون .

فقد قال إمامنا الصادق عليه السلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة : ( لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ) . ما أجل هذا المغزى وما أدق معناه .

وخلاصته : إن أفعالنا من جهة هي أفعالنا حقيقة ونحن أسبابها الطبيعية ، وهي تحت قدرتنا واختيارنا ومن جهة أخرى هي مقدورة لله تعالى وداخلة في سلطانه لأنه هو مفيض الوجود ومعطيه ، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي لأن لنا القدرة والاختيار فيما نفعل ، ولم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه ، بل له الخلق والحكم والأمر ، وهو قادر على كل شئ ومحيط بالعباد .

وعلى كل حال ، فعقيدتنا إن القضاء والقدر سر من أسرار الله تعالى ، فمن استطاع أن يفهمه على الوجه اللائق بلا إفراط ولا تفريط فذاك ، وإلا فلا يجب عليه أن يتكلف فهمه والتدقيق فيه لئلا يضل وتفسد عليه عقيدته ، لأنه من دقائق الأمور بل من أدق مباحث الفلسفة 

التي لا يدركها إلا الأوحدي من الناس ولذا زلت به أقدام كثير من المتكلمين . فالتكليف به تكليف بما هو فوق مستوى مقدور الرجل العادي .

ويكفي أن يعتقد به الانسان على الإجمال إتباعا لقول الأئمة الأطهار من أنه أمر بين الأمرين ليس فيه جبر ولا تفويض . وليس هو من الأصول الاعتقادية حتى يجب تحصيل الاعتقاد به على كل حال على نحو التفصيل والتدقيق .

 11 -عقيدتنا في البداء

البداء في الانسان : أن يبدو له رأي في الشئ لم يكن له ذلك الرأي سابقا ، بأن يتبدل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه ، إذ يحدث عنده ما يغير رأيه وعلمه به ، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله ، وذلك عن جهل بالمصالح وندامة على ما سبق منه .

والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى لأنه من الجهل والنقص وذلك محال عليه تعالى ولا تقول به الإمامية .

قال الصادق عليه السلام : ( من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم)

وقال أيضا ( من زعم أن الله بدا له في شئ ولم يعلمه أمس فأبرأ منه ).

غير أنه وردت عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدم ، كما ورد عن الصادق عليه السلام : ( ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل إبني ) ولذلك نسب بعض المؤلفين في الفرق الإسلامية إلى الطائفة الإمامية القول بالبداء طعنا في المذهب وطريق آل البيت ، وجعلوا ذلك من جملة التشنيعات على الشيعة .

والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).

ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار ، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا ، مع سبق علمه تعالى بذلك ، كما في قصة إسماعيل لما رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه ، فيكون

معنى قول الإمام عليه السلام أنه ما ظهر لله سبحانه أمر في شئ كما ظهر له في إسماعيل ولده إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنه ليس بإمام ، وقد كان ظاهر الحال أنه الإمام بعده لأنه أكبر ولده . وقريب من البداء في هذا المعنى نسخ أحكام الشرائع السابقة بشريعة نبينا ( ص ) ، بل نسخ بعض الأحكام التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم .

 12 -عقيدتنا في أحكام الدين

نعتقد أنه تعالى جعل أحكامه من الواجبات والمحرمات وغيرهما طبقا لمصالح العباد في نفس أفعالهم . فما فيه المصلحة الملزمة جعله واجبا ، وما فيه المفسدة البالغة نهى عنه ، وما فيه مصلحة راحجة ندبنا إليه . . . 

وهكذا في باقي الأحكام وهذا من عدله ولطفه بعباده . ولا بد أن يكون له في كل واقعة حكم ، ولا يخلو شئ من الأشياء من حكم واقعي لله فيه وإن انسد علينا طريق علمه .

ونقول أيضا إنه من القبيح أن يأمر بما فيه المفسدة أو ينهي عما فيه المصلحة ، غير أن بعض الفرق من المسلمين يقولون : إن القبيح ما نهى الله تعالى عنه والحسن ما أمر به ، فليس في نفس الأفعال مصالح أو مفاسد ذاتية ولا حسن أو قبح ذاتيان .

وهذا قول مخالف للضرورة العقلية ، كما أنهم جوزوا أن يفعل الله تعالى القبيح فيأمر بما فيه المفسدة وينهى عما فيه المصلحة . وقد تقدم أن هذا القول فيه مجازفة عظيمة وذلك لاستلزامه نسبة الجهل أو العجز إليه سبحانه . تعالى علوا كبيرا

وللخلاصة : أن الصحيح في الاعتقاد أن نقول إنه تعالى لا مصلحة له ولا منفعة في تكليفنا بالواجبات ونهينا عن فعل ما حرمه ، بل المصلحة والمنفعة ترجع لنا في جميع التكاليف ، ولا معنى لنفي المصالح والمفاسد في الأفعال المأمور بها والمنهي عنها فإنه تعالى لا يأمر عبثا ولا ينهى جزافا وهو الغني عن عباده.

 

 

حسن الظن وأثره في العلاقات الإجتماعية

زهير الأعرجي

والظن، هو نوع من الإدراك والإحساس النفسي، الذي يفاجئ الإنسان، من غير اختيار، وينقسم إلى نوعين: ظن الخير وهو مندوب ومستحب، وهو أن تظن بأخيك المؤمن ظنّاً خيّراً، كأن تأخذ الأمور التي تراها، على المأخذ الحسن.. ولعلَّه يستفاد من قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنونَ والمؤمناتُ بأنفسم خيراً).

وظن السوء، وهو الذي يترتب عليه من الأثر، ما يفسد المجتمع، ويفسد العلاقات الاجتماعية، كإهانة المظنون به وقذفه والتشهير به وغير ذلك من الآثار التي تترتب عليها مفسدة عظيمة، ولذلك فقد نهى الإسلام عن هذا الظن المحرم شرعاً، واعتبره اثماً، ودعا المؤمنين إلى تجنب هذا الأمر تجنباً احتياطياً واجباً.

 ينطلق تعامل الإسلام تجاه المجتمع الإنساني، من زاوية أخلاقية في غاية الجمال والروعة.. فالإسلام يدعو الإنسان المؤمن إلى حسن الظن بالناس، وحسن الظن بالله سبحانه.. وهذا التعامل الأفقي والعمودي، لا شك له تأثير واسع في العلاقات الاجتماعية.. خاصة وأن سوء الظن بالله وسوء الظن بالناس لا ينبتُ إلّا مجتمعاً ممزقاً، تتفسخُ فيه العلاقات الاجتماعية، ولا تقومُ فيه العدالة..

والظن، هو نوع من الإدراك والإحساس النفسي، الذي يفاجئ الإنسان، من غير اختيار، وينقسم إلى نوعين: ظن الخير وهو مندوب ومستحب، وهو أن تظن بأخيك المؤمن ظنّاً خيّراً، كأن تأخذ الأمور التي تراها، على المأخذ الحسن.. ولعلَّه يستفاد من قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنونَ والمؤمناتُ بأنفسم خيراً).

وظن السوء، وهو الذي يترتب عليه من الأثر، ما يفسد المجتمع، ويفسد العلاقات الاجتماعية، كإهانة المظنون به وقذفه والتشهير به وغير ذلك من الآثار التي تترتب عليها مفسدة عظيمة، ولذلك فقد نهى الإسلام عن هذا الظن المحرم شرعاً، واعتبره اثماً، ودعا المؤمنين إلى تجنب هذا الأمر تجنباً احتياطياً واجباً..

يقول تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِّ إنَّ بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحِبُّ أحدُكُم أن يأكلَ أخيه ميتاً فكرهتموه واتَّقوا الله إنَّ الله توابٌ رحيم) (الحجرات/ 12).

وليس سوء الظن وحده يفسد العلاقة الاجتماعية، بل إنَّ التجسس وهو تتبع ما استتر من أمور الناس للاطّلاع عليها، والغيبة وهي ذكر عيوب الناس المستورة، لإسقاطهم من أعين الآخرين.. إنَّما هي أمراض اجتماعية تؤدّي إلى إظهار عيوب الأفراد التي سترها الله، وتؤدّي إلى سقوطهم في أعين الآخرين، فيصبح الصلاحُ فساداً، ويذهبُ الأمن الذي يعمُّ المجتمع، ويتفتت تعاون الناس وتعاضدهم، وتتقطع العلاقات الاجتماعية التي أراد لها الله أن تنمو.. والتعبير القرآني في حرمة اغتياب المؤمن فيه روعةٌ لا توصف.. فهو يكشف عن أنّ اغتياب المؤمن يعدُّ بمنزلة أكل الإنسان لحم أخيه الإنسان ميتاً، وقوله: لحم أخيه، لأنّ المؤمنين اخوة في المجتمع الواحد، وقوله: ميتاً، لأن الغيبة حصلت وقت غياب الإنسان المستغاب، وهو غافل..

ويشدِّد الرسول(ص) وأئمّة أهل البيت(ع)، على أنَّ الإنسان المؤمن يجب أن لا يترك فرصة مساعدة أخيه المؤمن وستره وحمله على المحمل الحسن. فعن أبي جعفر(ع): (يجب للمؤمن على المؤمن أن يستر عليه سبعين كبيرة). وورد عن رسول الله(ص): "الخلق عيال الله فأحبُّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله، وأدخل على أهل بيت سروراً". وورد عن أميرالمؤمنين علي(ع): (وضع أمر أخيك أحسنه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً).

ويقول الإمام الصادق(ع): (حسن الظن أصله من حسن إيمان المرء وسلامة صدره، وعلامته أن يرى كلّما نظر إليه بعين الطهارة والفضل من حيث ركب فيه وقذف في قلبه من الحياء والأمانة والصيانة والصدق.

قال النَبيّ(ص): "أحسنوا ظنونكم بإخوانكم تغتنموا بها صفاء القلب وإثاء الطبع”.

وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن إطاعة الذين تسيرهم أهواؤهم، ويتبعون الظن.. لأنّ اتباع الظن إنَما هو سيرٌ نحو الضلال، خصوصاً في الأمور التي لا يصلح معها إلّا العلم واليقين والقطع، كالإيمان بالشريعة السماوية والمعارف الإلهية.. والخلاصة أنّ الذي يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى، لا شكّ أنه يسيء الظن بالناس، فتؤدّي أفعاله إلى تمزيق العلاقات الاجتماعية، كما لاحظنا سابقاً.. يقول تعالى: (وإن تُطِعْ أكثر مَنْ في الأرض يُضلُّوكَ عن سبيلِ اللهِ إن يتبعون إلّا الظن وإن هم إلّا يخرصون * إنّ ربك هُوَ أعلمُ من يضِلُّ عن سبيله وهو أعلمُ بالمهتدين) (الأنعام/ 116-117). ولا يرتضي الله سبحانه من عباده، في أمور الكون وخلقه، وانتهاء الأمر إليه من البعث والنشور، وما يتعلق بالنبوة والحكم والشريعة، إلّا العلم واليقين، يقول تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم) (الإسراء/ 36).

ويهاجم القرآن الكريم، في الكثير من الآيات، أولئك الذين يتبعون الظن السيء، بالله سبحانه، وبرسله، وكتبه.. ويدعوهم إلى وقفة تأمل مع أنفسهم، ليراجعوا مواقفهم، ويصدعوا للحق.. فانهم إذا أحسنوا الظن بالله سبحانه، واتَّبعوا العلم واليقين في حركتهم في الحياة، فإنهم بلا شك سوف يحسنون الظن بالناس، فيستقيم أمر المجتمع، وتصلح الحياة.. يقول تعالى: (وإذا قيل إنّ وعد الله حقٌّ والساعةُ لا ريبَ فيها قلتم ما ندري ما الساعةُ إن نظنُّ إلّا ظنّاً وما نحنُ بمستيقنين) (الجاثية/ 32). ويقول أيضاً: (وما خلقنا السماءَ والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنُّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار) (ص/ 27). ويقول أيضاً: (إن هي إلّا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان إن يتبعون إلّا الظنَّ وما تهوى الأنفسُ ولقد جاءَهم من ربِّهم الهدى) (النجم/ 23)، ويقول أيضاً: (وما يتبعُ أكثرهُم إلّا ظنّاً إنَّ الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً إنّ الله عليمٌ بما يفعلون) (يونس/ 36)، ويقول أيضاً: (... وإنَّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه ما لهم به من علمٍ إلّا اتباع الظن..) (النساء/ 157).

ولم تكن دعوة الإسلام إلى حسن الظن بالله، وبالناس، إلّا لتنظيم حياة المجتمع البشري على أساس العبودية المطلقة لله سبحانه، فالذي يحسنُ الظن بالله تعالى، وهو مؤمن، سوف يحسنُ الظن بالناس، لأنَّ الشريعة الإلهية تأمره بذلك، ويترتب على هذا العمل الصالح أن تستقر علاقات الأفراد في المجتمع الإسلامي على أساس الاطمئنان والتكافل والعدالة والإيمان المشترك، فيتماسك المجتمع، وتتماسك علاقة الأفراد، وتتكاتف قواهم لخدمة الإنسانية والصالح العام، ومرضاة الله جلّ وعلا..

المصدر: كتاب الأخلاق القرآنية

 

 

من التحامل على نبي الاسلام الى البكاء عند قبره

محمد كامل عبدالصمد

انه برغم اقتناعي الكامل بالإسلام كدين خاتم يجب أن يؤمن به الناس جميعاً، فإنني ترددت أربعة أشهر قبل أن أعلن إسلامي، لأدرس القرار في تأنٍّ من جميع جوانبه.. لأنه من الصعب على الإنسان أن يغير دينه.

وخلال هذا العام عكفتُ على البحث والدراسة، وتوجت بحثي بالحصول على درجتين للماجستير، إحداهما في التربية الدينية، والأخرى في اللاهوت والكتاب.. ولكن هذه الدراسات والبحوث لم تزدن إلاّ شكاً في عقيدتي وعملي.. وعدت إلى رئيس الأساقفة ومعي استقالتي من عملي فوافق

جاء إلى مصر بعد أن استقال من منصبه كأسقف في إحدى الولايات الأمريكية ليدرس الإسلام على يد شيوخ الأزهر وعلمائه.

كان يشعر بالشك في عقيدته بعد أن درس الفلسفة واللاهوت.. وبعد أن كان يقوم بتدريس المواد الدينية في إحدى المدارس الثانوية الكاثوليكية.. فقد كان مشغوفاً بالبحث والدراسة حتى يستطيع أن يقوم بعمله خير قيام. ولكن دراساته وبحوثه لم تزده إلاّ شكاً في عقيدته وطبيعة عمله.

وقبل أن يسرد في حكايته قصة اتجاهه للإسلام واعتناقه يتناول بالحديث طبيعة نشأته ومراحل دراسته وتطورها التي أوصلته للعمل كأسقف بولاية "نيو جيرسي".. فيقول:

أنا شاب إيرلندي الأصل، نشأتُ في بيئة كاثوليكية متمسكة بعقيدتها.. وكل الآباء هناك يتمنون أن يكون من أبنائهم قسيس يخدم الدين المسيحي، لأن هذا شرف كبير للعائلة، لذلك درست في مدرسة ثانوية دينية، ثم إلتحقت بكلية خاصة بالقسس بجامعة "سانت باتريك" لدراسة الفلسفة واللاهوت لمدة 6 سنوات.. وخلال فترة دراستي لم أسمع كلمة واحدة عن الإسلام.

وبعد تخرجي بشهرين فقط عام 1971 ذهبت إلى أمريكا للتبشير، حيث تُخرج الكلية مائتي قسيس كل عام.. ويأتي الأساقفة الأمريكيون فيأخذون أغلبهم إلى أمريكا للعمل بالتبشير في مناطق مختلفة.. وعملت أسقفاً بولاية "نيو جيرسي".. وأصبحت مسؤولاً عن إعداد برامج التوجيه الديني لكل المستويات وتدريب القائمين بهذا العمل، وإلى جانب ذلك عملت مدرِّساً للمواد الدينية بالمدرسة الثانوية الكاثوليكية.. وكنت مشغوفاً بالبحث والدراسة حتى أستطيع أن أؤدي واجبي تجاه إرشاد الناس.

وكنت كلما تعمّقت في البحث والدراسة انتابني شعور غريب بالشك في عقيدتي.. ولم أستطع أن أكتم شكوكي، فقررت مفاتحة رئيس الأساقفة وقلت له: لدي شك في عملي، بل وفي إيماني بالله حسب عقيدتنا. فنصحني بالتريّث والتفكير، وأعطاني مهلة لمدة عام ريثما أفكر في الموضوع بهدوء”.

ويتنهد ويزفر بزفرات حارة وهو يهز رأسه قائلاً:

وخلال هذا العام عكفتُ على البحث والدراسة، وتوجت بحثي بالحصول على درجتين للماجستير، إحداهما في التربية الدينية، والأخرى في اللاهوت والكتاب.. ولكن هذه الدراسات والبحوث لم تزدني إلاّ شكاً في عقيدتي وعملي.. وعدت إلى رئيس الأساقفة ومعي استقالتي من عملي فوافق”.

ثمّ يلتقط أنفاسه ليعود مستدركاً ما بدا له أنه قد فاته توضيحه، فيقول:

ولكن حتى هذه اللحظة لم أكن قد عرفت أي شيء عن الإسلام”.

ويبدو أن هناك أسباباً وراء شكوكه في عقيدته كانت وراء استقالته من عمله دون أن يكون واقعاً تحت تأثير أي عقيدة أخرى.. فيحدثنا عنها قائلاً:

هناك أسباب كثيرة، فقد كان انتقالي من "إيرلندا" حيث المجتمع الريفي المتماسك، إلى "أمريكا" حيث المجتمع الصناعي المادي، وما يتميز به من أمور غريبة من ذلك مثلاً عدد المذاهب المسيحية الذي يربو على ثلاثمائة مذهب.. كل واحد منها يزعم أنه على الحق دون غيره، مما جعلني أشك في صدق هؤلاء.

كما أن هناك أشياء أخرى لم أكن مقتنعاً بها، مثل السلطة البابوية المطلقة على الناس.. والتعسف، في معالجة الأمور، مثلما حدث من جدال طويل قد ثار حول موقف البابا من تنظيم النسل.. فهم يرفضون التنظيم مع أنه لا يوجد في الأناجيل ما يمنع ذلك.

كما أنني لم أكن مقتنعاً بفكرة الرهبنة، حيث كثير من رجال الدين في المسيحية ممنوعون من الزواج بأمر البابا... وهذا شيء ضد طبيعة الإنسان وفطرته.

هذه هي بعض الأسباب التي ضاعفت شكوكي، وجعلتني أعيش في حيرة.. كيف أعظ الناس وأنا غير مقتنع بما أقول.. لذلك قررتُ الإستقالة دون أن أعرف شيئاً عن الإسلام”.

وبعد أن استقال قرر أن يستأنف دراسته للحصول على الدكتوراه من جامعة "هارفارد"، وذلك بعد أن اشتغل في الكنيسة تسع سنوات.

وفي فترة دراسته تلك كانت توافيه معلومات وبيانات عن الإسلام، فأراد أن يستزيد منها.. فماذا يفعل؟ ... يجيب عن ذلك بقوله:

أَردت أن أعرف المزيد عن الإسلام، فدرست تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية.. كما حرصت على حضور بعض المحاضرات لعدد من علماء المسلمين الذين يحاضرون في القرآن والحديث وأركان الإسلام، وكل ما يتصل به. وذلك من باب حبّ الاستطلاع”.

ويصمت برهة ليسترجع ذكريات حبيسة في نفسه، فيقول:

أذكر في ذلك الوقت أنني قد سمعتُ عن مصر والأزهر ودوره الإسلامي الكبير.. والغريب الذي أعجب منه كلما استرجعه أن بداية معرفتي بالأزهر جاءت بعد رؤيتي لعرض تقدّمه شيخان من الأزهر بزيهما الديني المميز إعترافاً وتقديراً لدور الأزهر كأقدم جامعة في العالم، وذلك في أثناء الإحتفال بمرور ثلاثمائة عام على إنشاء جامعة "هارفارد"، حضره مندوبون من جامعات العالم العريقة.

وهذه الصورة محفوظة في سجل الجامعة هناك.. ولذلك قررت أن أكون موضوع رسالتي للدكتوراه عن علماء الدين الإسلامي.. أهميّتهم ودورهم في المجتمع المصري من أيام الشيخ عبدالمجيد سليم وحتى الآن”.

وحتى ذلك الوقت لم يكن قد قرر إعتناق الإسلام، وإنما كان اهتمامه بالدراسة فقط، والتي كانت تستدعي منه مجيئه إلى مصر ليقوم بدراسة الإسلام من كليات الأزهر المتخصصة، مثل كلية أصول الدين، والتقائه بأساتذتها، وعلماء الإسلام، فضلاً عن قراءاته المستفيضة لعدد كبير من الكتب الإسلامية.

وعندما حضر إلى مصر وشاء قَدَرُ الله أن يكون ذلك في شهر رمضان، استرعى انتباهه ظاهرة غريبة بالنسبة له كأجنبي.. عنها يقول:

حين جئت إلى مصر في شهر رمضان.. شاهدت المجتمع المصري منتظماً في أسلوب حياته القائم على أساس من الدين.. فالناس يذهبون إلى المسجد عند سماع الأذان، ويتطهرون بماء الوضوء، ثم يقفون في صفوف منتظمة.. وعند الإفطار تخلو الشوارع من المارة”.

عندئذ يضحك ساخراً من نفسه عندما فسّر في البداية خلو الشوارع من المارة بوجود تعليمات بحظر التجوال في ذلك الوقت.. فيعبر عن ذلك بقوله:

ظننت في بداية الأمر أن هناك قانوناً يقضي بحظر التجوال بعد الغروب.. ولكنني عرفت السبب بعد ذلك”.

ثمّ يعود ليستكمل روايته عن تلك الظاهرة التي استرعت انتباهه في شهر رمضان، فيقول:

ورأيت أيضاً المسلمين يُصلّون العشاء والتراويح.. ويذهب بعضهم إلى أعمالهم ومتاجرهم حتى ساعة متأخرة، يقال عنها "السحور".. ثمّ يصلّون الفجر وينامون.

ثمّ يندفع في كلامه ليؤكد حكماً استخلصه من مشاهداته في المجتمع المصري كمجتمع مسلم، فيقول:

فالمجتمع إذن منظم على أساس من الدين.. يكفي أنه قد شدّ انتباهي أن الأمن والأمان سائدان - في شوارع القاهرة - بشكل لم أرهما من قبل في أي مكان.. فالناس يسيرون في الشوارع ليلاً في أمنٍ واطمئنان بدون أن يتعرضوا للإعتداء عليهم بالقتل أو غيره.. في حين أنّ عندنا في نيويورك مثلاً يوجد كل يوم ثمانية قتلى في الشوارع، مع أن الأمريكيين لا يسيرون في الشوارع والطرقات ليلاً خوفاً على حياتهم ليس ذلك في نيويورك وحدها، بل في باقي الولايات الأمريكية.. فبرغم القوانين والعقوبات تنتشر الجرائم والانحرافات انتشاراً مخيفاً، ولكن الأمر يختلف في المجتمع المسلم، كما هو الحال في مصر، فإيمان الناس بدينهم يجعلهم يطبقون تعاليمه بدون خوف من عقوبة أو قانون، بل إحتراماً لمبادئهم وعقيدتهم. وهذا هو الفرق بين المجتمع هنا والمجتمع في الغرب حيث لا أمن ولا أمان.

وبرغم اقتناعه بالإسلام كمنهج حياة ينظم للبشر أسلوب معيشتهم وسلوكياتهم - كما رأى بعينه من انتظام الناس في العبادة في شهر رمضان - وبرغم قراءاته في الكتب الإسلامية المترجمة، ولا سيما ترجمة معاني القرآن الكريم وغيرها من كتب، ككتاب "حياة محمد" للدكتور محمد حسين هيكل، الذي استخدم فيه الأسلوب العلمي الدقيق في الرد على شبهات المستشرقين حول الرسول وزوجاته الطاهرات.. وبرغم مقابلاته مع شيوخ وعلماء الأزهر.. برغم ذلك كله لم يعلن إسلامه على الفور.. ليس عن عناد فكرٍ وغشاوة قلب.. وإنما لسبب آخر... عن ذلك يقول موضحاً:

انه برغم اقتناعي الكامل بالإسلام كدين خاتم يجب أن يؤمن به الناس جميعاً، فإنني ترددت أربعة أشهر قبل أن أعلن إسلامي، لأدرس القرار في تأنٍّ من جميع جوانبه.. لأنه من الصعب على الإنسان أن يغير دينه.

بعدها شرح الله صدري للإسلام، فدخلت في دين الله الحق.. وسميت نفسي "مصطفى مولاني" تيمناً باسم الرسول محمد(ص).

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق