|
الحقوق الفكرية وحمايتها
علي المرهون
كان طبيعياً أن يمارس الإنسان متعة
"الإستحقاق" بعد أن تطور فكره وصار عالماً بمعادلة الحق والواجب ،
فمارس سلطة صاحب الحق كمكتسب طبيعي يقبله ويدعمه العقل قبل التشريعات
سماويها وأرضيها، لا يُنازعُ عليه إلا حين يُنازعه غاصب أو ظالم أو
معتدٍ.
خلال مراحل التاريخ البشري تطور مفهوم "الحق" من كونه ممارسة وضع اليد
على الملكية الخاصة إلى التصرف بها حتى وصل إلى أن اتفق فقهاء القانون
على أن التعريف الإصطلاحي له هو أنه " عبارة عن فائدة مادية أو أدبية
يحافظ عليها القانون بوساطة منح صاحبها قوة يعمل بها الأعمال اللازمة
للتمتع بهذه الفائدة." في حين كان التعريف اللغوي لكلمة "حق" : الثبوت
والوجوب.
لم تكن أوجه التعدي على الحقوق تخرج عن إطار السرقة المادية أو
الانتفاع بممتلكات الآخرين دون إرادتهم أو ممارسة التسلط على حقوقهم
دون مسوغ قانوني ، لكن التطور البشري ترافق مع تطور في أساليب التعدي
وممارسة نقض حُرمة الحقوق فصارت السرقات اللامادية شائعة كالنوع
المتعارف من السرقة ، وصارت الاستفادة من ممتلكات الآخرين دون إرادتهم
تتم بأشكال غير تلك التي ألفها بنو البشر ، هذا لم يتأت والفكر البشري
ومكتسباته الحضارية ونتاجه العلمي جامد ، بل كان محصلة طبيعية لهذا
التطور ، فكما العلوم تنكشف والأساليب العلمية والبحثية تتطور ، كذلك
القرصنة والتعدي وسلب حقوق الآخرين تتطور.
أحد أوجه التطور في فقه القانون ما اصطُلح على تسميته "حماية الحقوق
الفكرية" وهذه تعني مبدأ المحافظة على المكتسبات المادية والمعنوية
التي يحرزها مخترع أو مؤلف أو مكتشف ، تنحصر سلطة التمتع بإستحقاقها
بشخصه هو دون السماح للآخرين بالتعدي على حقه المادي كالانتفاع
التسويقي والمالي بها وحقه المعنوي كإدعاء الحق فيها.
التفاعل العملي لهذا التنظير القانوني برز فيما خرج به علماء القانون
وأسموه "براءة الاختراع" وهو تطور قانوني تقني لما وُجد في تاريخ
الحضارة الرومانية التي مارس فيها الحاكم سلطة حماية حقوق المبدعين
فكان أن منح مخترع أي طبخة جديدة حق طبخها لوحده مدة عام كامل مكافأة
على إنجازه ولمنحه العوائد المترتبة على حصرية الانتفاع ، أما في
التاريخ الحديث فأن أول من سنّ قانون "براءة الاختراع" هو الرئيس
الأمريكي الأول جورج واشنطن الذي أمضى مرسوماً بإنفاذ القوانين
المترتبة على حماية براءة الاختراع والقوانين المترتبة على خرق
حمايتها.
لكن ماهي براءة الإختراع وكيف تتحصل؟
براءة الإختراع هي "وثيقة حكومية لمنع الآخرين من طبع ، بيع ، استعمال
أو الانتفاع بأي شكل من الأشكال من الاختراع سواء كان سلعة أو سر أو
علامة تجارية إلا بإذن من حامل وثيقة براءة الاختراع“ ويمكن تسجيلها
عبر إتباع عدة خطوات تنتهي بالحصول على الوثيقة كتعبير على امتلاك
حاملها لهذه الحقوق القانونية المترتبة عليها ومستند صالح كحجة قانونية
أمام العديد من الأنظمة والأجهزة القانونية والحقوقية ، هذه الخطوات
هي:
كتابة وتوثيق تسلسل إنتاج الفكرة.
البحث والتأكد من عدم وجود الفكرة مسبقاً.
تقييم الفكرة الإبداعية والتأكد من وجود قيمة فعلية لها.
التأكد من عدم وجود أسماء مخترعين مزيفين.
استخدام أبسط أنواع الحماية عند الحاجة الماسة.
التسجيل محلياً وعالمياً.
توقيع اتفاقية ضمان الحقوق.
و من نافلة القول أن التشريعات والقوانين في العالم العربي لم تصل بعد
إلى القوة المطلوبة في القانون كعامل حماية وردع وجزاء ، فأغلب
القوانين في هذه البلاد يجهل كاتبوها أهمية الحفاظ على حق كهذا فضلاً
عن سنّه كقانون وترتيب آثار قانونية عليه وعلى ناقضيه.
هذا التردي من جانب المشرع القانوني و ممثل السلطة هو في الحقيقة
انعكاس لحالة الجهل بين المخترعين والمؤلفين والمبدعين بمبدأ حماية
الحقوق الفكرية وتسجيل براءات الاختراع إما لجهل بأهميتها أو لقصور في
الجوانب التقنية التنفيذية ، فأغلب أصحاب الإنتاج الإبداعي جاهلون
بضرورة الحفاظ على حقوقهم في كل ما يمكن للآخرين الانتفاع به مهما صغُر
حجمه أو قلّ في العين شأنه.
هذا الحال من التخلف القانوني والتشريعي المتصاحب مع تردي في الوعي
وثقافة حماية الحقوق مدعاة للتفكر الجدي في إنشاء هيئة فعالة لتسجيل
براءات الاختراع ، و تشريع قوانين تجرم الاعتداء على براءات الاختراع
وتحمي حقوق المبدعين ، وكذلك نشر ثقافة حماية الحقوق وتعزيز الوعي بها
من منطلق مقالة الإمام علي عليه السلام " لا تحقرنّ من المعروف شيئاً"
فكل ما قد يُستفاد منه .. سيُستفاد منه ، إما بحق أو بتعدٍ وتجاوز.
الإســلام والآخـــر
الشيخ محمد قانصو
يقول الإستاذ ادوارد غالي الدهبي في مقدمة كتابه (معاملة غير المسلمين
في المجتمع الإسلامي) :"لقد استخلصت من دراساتي وقراءاتي الشخصية أن
الإسلام يرفض العنف ، وأنه دين العدالة والمساواة والرحمة والمودة وحسن
المعاملة للبشر جميعا ، وخاصة أهل الكتاب منهم ، بل أن الإسلام يأمر
بالرحمة والشفقة على الحيوان ، وكلنا يعرف قصة المراة التي دخلت جهنم
لأنها عذبت هرة ،وقصة الرجل الذي دخل الجنة لأنه أطفأ ظمأ كلب عطشان،
فإذا كان هذا هو موقف الإسلام بالنسبة للحيوان فكيف بالأحرى يكون موقفه
بالنسبة للإنسان ؟!
أريد من خلال هذه الكلمات أن أنطلق في محاولة لرفع الظلامة عن الإسلام
وما نسب اليه افتراء أنه دين عنف وإرهاب وإلغاء ، وأنه إنما قام وانتشر
بالسيف والذبح وأنه فرض الجزية والضريبة على غير معتنقيه من أهل الكتاب
،وسأتعرض من خلال هذه المحاولة البحثية إلى تناول ثلاث محاور رئيسية:
المحور الأول : الإنسان في الفهم الإسلامي
المحور الثاني : حقوق الأقليات وواجباتهم في ظل النظام الإسلامي
المحور الثالث :الفتوحات الإسلامية
*المحور الأول : الإنسان في المفهوم
الإسلامي : يقول الله تبارك وتعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ
الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً }الإسراء70 يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان:
المراد بالتكريم تخصيص الشيء بالعناية و تشريفه بما يختص به و لا يوجد
في غيره، و بذلك يفترق عن التفضيل فإن التكريم معنى نفسي و هو جعله
شريفا ذا كرامة في نفسه، و التفضيل معنى إضافي و هو تخصيصه بزيادة
العطاء بالنسبة إلى غيره مع اشتراكهما في أصل العطية، والإنسان يختص من
بين الموجودات الكونية بالعقل و يزيد على غيره في جميع الصفات والأحوال
التي توجد بينها و الأعمال التي يأتي بها.
وإضافة الى التكريم الالهي للإنسان تأتي نعمة التسخير يقول تعالى :
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً
وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }لقمان20
نعم فإن كل ما في الوجود مسخّر لخدمة الإنسان وخاضع للنظام الذي أودعه
الله فيه بما ي ؤمن للإنسان سبل الراحة والسعادة.
فالتكريم والتسخير دليلان جليان على تكريم الله للإنسان لذاته بغض
النظر عن عقيدته أو انتمائه ، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:"كل
إنسان له في الإسلام قدسية الإنسان ، إنه في حمى محمى وحرم محرم ، ولا
يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه ." وفي هذا الصدد يقول الدكتور فهمي
هويدي :" ليس صحيحا على الإطلاق أن تلك الحفاوة القرآنية من نصيب
المسلمين دون غيرهم كما يتصور البعض ،ذلك أن النصوص القرآنية شديدة
الوضوح في هذه النقطة بالذات ، فهي تتحدث تارة عن الإنسان وتارة عن بني
آدم ، ومرات توجه الحديث للناس ، وهذا التعميم لا تخفى دلالته على أي
عقل منصف.
إن النظرة السامية للإنسان لمجرد كونه إنسانا وبغض النظر عن أي صفة
أخرى فيه،تقود عى الفور إلى تأكيد حقيقة ثابتة وهي أن الإسلام يساوي
بين الناس جميعا ، بل أن هذه المساواة لا تقتصر على كونها حقا للإنسان
، بل تتجاوز ذلك إلى إدخالها في إطار الواجب.
يقول الدكتور هويدي :" ممارسة الأخرين لحقوقهم وحرياتهم ينبغي ألا تتم
في إطار العطف أو إحسان الأغلبية إلى الأقلية ، لأنهم لم يكتسبوا تلك
الحقوق انطلاقا من مودة الأغلبية ومشاعرهم الخيرة ، وإنما اكتسبوها
بمقتضى ما هو مقرر وثابت في كتاب الله سبحانه وتعالى.
والخلاصة أن الإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره أشرف المخلوقات وأكرمها
وأنه خليفة الله في أرضه، وعليه فإن ما جعله الله له من حقوق فهي لازمة
و لا يجوز بأي حال من الأحوال سلبه إياها أو حرمانه منها.
* المحور الثاني : حقوق الأقليات
وواجباتهم في ظل النظام الإسلامي:
ليس ثمة دين أو حكومة في العالم كالإسلام يحرص على ضمان الحريات
للأقليات ويحافظ على كرامتهم وحقوقهم القومية ، فالإسلام هو الدين
الوحيد الذي يوفر العدالة الاجتماعية بتمامها في البلد الإسلامي، وليس
للمسلمين وحدهم بل لجميع القاطنين في دولته مع ما يوجد بينهم من اختلاف
في الدين والعنصر واللغة واللون. فالأقليات الدينية تستطيع العيش في
البلد الإسلامي بحرية والتمتع بالحقوق الإجتماعية والأمنية داخلياً
وخارجياً شأنهم في ذلك شأن المسلمين، وذلك بعقدهم لعهد الذمة والحصول
على الإنتماء للبلد الإسلامي.
من هم أهل الذمة : أهل الذمة هو مصطلح فقهي إسلامي يقصد به كلا من
اليهود والمسيحيين أو على حسب الوصف الإسلامي إجمالا أهل الكتاب الذين
يعيشون تحت الحكم الإسلامي أو في البلاد ذات الأغلبية المسلمة.
و المقصود بأنهم أهل ذمة هو كونهم تحت الحماية الإسلامية ومسؤولية
الدولة. ولا تقصر الشريعة الإسلاميه تلك المسؤولية على الدولة فقط ،
ولكن تصرفها أيضا على المواطن المسلم فلا يجوز للمسلم الإساءة للذمي
تحت عذر أنه من غير المؤمنين بالقرآن أو برسول الإسلام محمد (ص) ،
وإنما أوضحت الشريعة أن مسألة الإيمان يحاسب عليها الله وحده يوم
القيامة.
وفي ذلك روي عن رسول الله : (من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه
خصمته يوم القيامة) الخطيب الجامع 2/269
وقال رسول الله : (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد
من مسيرة أربعين عاما) اخرجه البخاري كتاب الجزية والموادعة، باب اثم
من قتل معاهدا بغير جرم (ح 3166) .
ويرى كثير من الكتاب أن هذا الوصف ( أهل الذمة ) قد بات أكثر الأوصاف
حاجة إلى المراجعة وإعادة النظر، لأننا نقف في مواجهة صيغة لا تستند
إلى نص قرآني واستخدامها في السنة النبوية كان من قبيل الوصف لا
التعريف ، بالإضافة إلى أنه كان تعبيرا عن حالة تعاهدية تعارف عليها
عرب الجاهلية في تنظيم علاقات القبائل والأفراد ، استمر الى ما بعد
الإسلام ضمن ما أخذ به من تقاليد وأعراف.
- شروط عقد الذمة
لعقد الذمة ثلاثة شروط، وبزوالها ينتفي هذا العقد، وهي:
أ: أن لا يقوم أهل الذمة بما يتنافى مع مفاد العقد المبرم، كالتآمر على
الإسلام ومصالح المسلمين وشن الحرب ضدّهم ومساندة أعدائهم والمشركين.
ب: أن يلتزم أهل الذمّة بأحكام الإسلام الجزائية التي تُطبق بحقّهم.
ج: دفع مبلغ سنوي تحت عنوان (الجزية) للدولة الإسلامية
- ما هي الجزية : يقول الله تعالى :(
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا
يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) التوبة 29
الجزية من جزى يجزى , إذا كافأ عما أسدى اليه , و هي مال يدفعه أهل
الكتاب , و من يلحق بهم , إلى المسلمين مقابل حق أو خدمة أو واجب يقوم
به الطرف الأخر وقد فرضت وذلك لأن أهل الكتاب هم جزء من الدولة
الإسلامية , يعيشون في كنفها , و يستمتعون بخيراتها , و الدولة
الإسلامية عليها أن تكفل لهم الحماية و الأمن و سبل المعيشة الكريمة .
والصاغر مأخوذ من «الصِغَر» على زنة «الكِبَر» وخلاف معناه، وما ذهب
إليه بعض المفسّرين من أنّ المراد من الجزية في الآية هو تحقير أهل
الكتاب وإهانتهم والسُخر منهم، فلا يستفاد ذلك من المفهوم اللغوي لكلمة
الآية، ولا ينسجم وروح تعاليم الإِسلام السمحة، ولا ينطبق مع سائر
التعاليم أو الدستور الذي وصلنا في شأن معاملة الأقليات.
وقد تطرّف بعض المفسرين في تفسير آية الجزية وربطوا بين الجزية وإذلال
غير المسلمين ، وأفاضوا في شرح كيف يؤديها الملتزمون بها ( عن يد وهم
صاغرون)
والملاحظ أن هؤلاء المفسرين المتطرفين قد تأثروا بتصرفات بعض أهل الذمة
التي أساءت إلى مجتمع المسلمين في ظروف دقيقة ، مثل الحروب الصليبية ،
فكان الرد الطبيعي عليهم لديهم هو التطرّف في تفسير آية الجزية .
والجزية كانت قبل الإسلام ويعتقد بعضهم أن أوّل من أخذ الجزية هو كسرى
أنوشروان الملك الساساني ، كذلك فإن الرومان وضعوا الجزية على الأمم
التي أخضعوها ، فعندما فتحوا بلاد الغال (فرنسا ) وضعوا على كل واحد من
أهلها جزية وصلت إلى مبلغ يفوق جزية المسلمين بنحو سبعة أضعاف .
كما أن النصارى فرضوا الجزية على المسلمين لما أخذ باسيل الأمبرطور
مدينة حلب.
- مقدار الجزية :
سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن حدّ الجزية فقال : « ذلك إلى
الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله وما يطيق » كما
أنّه لا يجوز للحكومة الإسلاميّة أن تأخذ من الأقليّات شيئاً علاوة على
الجزية ، فعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): في أهل
الجزية أيؤخذ من أموالهم ومواشيهم سوى الجزية ؟ قال (ع) : لا .
وبالتالي إنّ الجزية لم تكن ضريبة شاقّة لوعرفنا مقاديرها، فقد جعل
الإسلام على غنيّهم ثمانية وأربعين درهماً ، وعلى أوساطهم أربعة وعشرون
درهماً، وعلى فقرائهم إثنا عشر درهما يؤخذ منهم كلّ سنة ، وفي الحقيقة
لا تقدير خاصّ للجزية ، ولا حدّ لها بل تقديرها إلى الوالي والحكومة
الإسلاميّة بحسب ما يراه من المصالح والأزمنة ومقتضيات الحال ,
والمقدار المذكور في الرواية هو مصداق لهذا التقدير.
وبالتالي فإنّ ما تأخذه الدولة الإسلاميّة من الأقليّات باسم الجزية
إنّما هو في الحقيقة لتقديم الخدمات إليهم ، وحمايتهم ، لا أنّه أتاوة
على نحو ما يفعل الفاتحون عادة.
المرجعية - تاريخ وعقيدة وجهاد
سمير القريشي
النظر في وجه العالم عبادة.. حديث شريف هذا الحديث وغيرة الكثير من
الأحاديث الشريفة أرادت أن تصقل نوع معين من القداسة والتبجيل على
العلماء وجدها المشرع الإسلامي ضرورية لديمومة المجتمع المسلم
والمحافظة على تماسكه الديني والعقائدي والاجتماعي ..هذا الحديث
وغيرة من الأحاديث لا تعني التقديس بقدر ما تعني الاحترام والتبجيل
للعلماء وكما ورد عن رسول الله علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل..و
يقول تعالى شانه إنما يخشى الله من عباده العلماء .. التشخيص بالخشية
حتى لا يفهم أن العلم بمجردة يكون العالم فيه عالم لان العلم بدون
خشية قد يكون سببا لكثير من الولايات وهكذا ما حدث فعلا في تاريخ
الإنسانية وحاضرها .. واحد أهم مصاديق العلماء الخاشعون هم المراجع
وهو اصطلاح شرعي متأخر عن عصر الغيبة يقصد به رواة الحديث الوارد
ذكرهم في رواية الإمام المهدي علية السلام والتي حدد فيها إلى من تعود
الشيعة بعد الغيبة ( من كان طائعا لمولاة مخالفا لهواة فالعوام أن
يقلدوه ) هذا الحديث الشريف هو الأساس في الإتباع وفق الشروط
السابقة وهي من اجل ذلك مقدسة تستحق التقديس لأنها صدرت من مصدر
التشريع على اعتبار الأمام المعصوم احد مصادر التشريع في ضوء الفقه
الشيعي ولا حاجة للدخول في نقاش هذا المصدر لان الدخول فيه يعني الدخول
في أصل المذهب ...هذه الشروط المحددة في الرسائل العملية للمراجع
الشيعة هي المقدسة .. فالعهد الذي يتوجب على الشيعي في عصر الغيبة هو
لخط المرجعية أي للشروط التي حددها المعصوم.. فمن تنطبق علية الشروط
الشرعية يكون مرجعا واجب الإتباع ..المشكلة أن الكثير من المفتريات
والتهم ألصقت بالشيعة على إتباع المرجعية واتهموا بالكفر والزندقة وفي
أحيان كثيرة وصفت الشيعة بعبادة المرجع ..والحقيقة غير ذلك على الإطلاق
فالمرجع معين بالصفات من قبل المعصوم وهذا يعني عدم التشخيص العيني أو
العبثي وكل من يقول غير ذلك فهو جاهل وان كان ممن ينتمي للشيعة
..الأمر الأخر أن أتباع المرجع الذي تنطبق علية الموصفات الشرعية ليس
أمر تخيريا يعود إلى رغبة من يريد أن يقلد بقدر ما هو فرض شرعي واجب
الإتباع ومن يريد أن يغير هذا الفرض فعلية أن يغير أولا كل مبادئ الفقه
الجعفري.. أما من يقول أن مسلك المرجعية بدعة كما يروج البعض فهو
لا يفقه بأصول المذهب الجعفري شيء وعلية أن يعود إلى من هو متخصص بعلوم
الدين ( هذه عقائد وإحكام ومن أفتى بغير بعلم فعلية أن يتبوأ مقعدة من
النار) أن من يرمي مسلك المرجعية بهذه التهم المظلة عليه أن يفهم أن
المرجعية عقيدة واصل شرعي وامتداد تاريخي وسيرة دأب عليها أكابر وصغار
علماء الشعية ولم يخرج عنها احد مهما كان .. وكانت محل احترام العالم
ومن كل الطوائف والأديان.. فلاسفة الشيعة كانوا من اكبر مظاهر هذا
الإتباع ..أنهم فلاسفة سجلوا للبشرية أعظم الانتصارات الفكرية والعلمية
في ميادين المعرفة البشرية أمثال صدر المتألهين الشيرازي صاحب مدرسة
الحكمة المتعالية التي أخذت بالتحليل والنقد كل المذاهب الفلسفية
القديمة والحديثة اليونانية والصينية والهندية وسجلت انتصارا فلسفيا
على كل هذه الفلسفات .. والمثال الأخر محمد باقر الصدر فقد كتب
للمدرسة العقلية انتصار فريد من نوعه لم يسجل للمدرسة الفلسفية
الإسلامية بقدر ما سجل للعقل البشري انجاز كبير على المدرسة المادية
والمثالية والتجريبية وكان ذلك عبر مؤلفاته ..ومنها المنهج العقلي
للاستقراء وفلسفتنا واقتصادنا .هذان العالمان وكل علماء الشيعة كانوا
مراجع دين أو أتباع مرجع ولم يستطع أن يتحرك أي منهم أي حركة بدون أن
يمضي المرجع هذا التحرك فهل كان هؤلاء العلماء لا يفقهون شيء أو أن
الواجب الشرعي والتاريخي هو أتباع هذا المرجع كما دل علية الدليل ..
طبعا لم أورد باقي العلوم الفقهية الداخلة في الحوزة العلمية كالفقه
والتفسير والنحو وعلم الأصول والذي يعتبر من أهم العلوم العقلية التي
يستخرج من خلاله القواعد الكلية التي تدخل في عملية الاستنباط للحكم
الشرعي أو الوظيفة الشرعية فظلا عن ذلك فان علم المنطق يعتبر من أهم
علوم الحوزة العلمية والمنطق هو القدرة على التفكير الصحيح وكيفية
الاستدلال علية .. أنا حين أتطرق إلى هذه العلوم لا اقصد من إيرادها
تعدادها بل أريد أن أقول إلى البعض أن المرجع عاقل ومفكر من الطراز
الفريد لأنة يجب أن يكون الأعلم في كل هذا العلوم حتى يستحق أن يكون
مرجعا.. وعلية فان الرد علية يجب أن يكون تفصيلي من خلال الاستدلال
العلمي والعقلي لان من يرد بغير ذلك فهو جاهل غير عالم بأمور المرجع
والمرجعية..أذان في ضوء ما تقدم يعد المرجع فيلسوف وحكيم ومنطقي ومرجع
دين بطبيعة الحال تعود إلية الأمة لتأخذ منه السبيل السوي الذي يؤدي
بها إلى السلام إلى طاعة الله تعالى إلى عبادته وفق ما يريد تعالى شانه
..وأعود وكرر أن العهد الذي على الشيعي أن يلتزم بة ليس لشخص المرجع بل
للموصفات الشرعية آو الشروط التي عينها الأمام المعصوم علية السلام
.. الشيء الأخر يقول البعض أن المرجعية الدينية في العراق لم تدافع عن
العراق وحقوق أبنائه وهذا الادعاء عاري من الصحة ومناقض للتاريخ
والحاضر على حد سواء ويستبطن التحامل والحقد والعداء والنظرة العوراء
للتاريخ .. وإذا أردنا أن نستعرض بعض وقفات المراجع الشيعة للاحتلال
والظلم في العصر الحديث فان السيد الشيرازي سيكون أول ما نستعرض فقد
قائد هذا السيد الجليل ثورة العشرين وانتفض بأبناء العراق من شرقه إلى
غربة وسار من خلفه طلبة الحوزة العلمية حتى سقط الكثير من أبناء هذه
الحوزة شهداء وجرى ..أما الشيخ ألخالصي فهو الأخر رفض العودة إلى
العراق على وفق الشروط البريطانية وفضل العيش بالخارج على هذا الشروط
بعد أن قائد ثورة جماهيرية ضد الاحتلال الانكليزي وبعد نشاط علماء
النجف ضد هذا الاحتلال .. أما محمد باقر الصدر والذي له قدم السبق في
مقارعة أعتا نظام دكتاتوري في تاريخ العراق فقد سجل بدمائه أعظم ملحمة
جهادية بعد أن وقف سماحته بوجه كل موجات التعرية والاستعمار الشرقي
والغربي.. هذا الرجل المرجع الكبير نادي بإنباء العراق بنداء يا أبناء
علي وأبناء عمر فكان مثال حيا للوحدة الإسلامية الصادقة وليس ببعيد
عن هذا النهج المشرق نهج السيد محمد صادق الصدر والذي كشف زيف الولايات
المتحدة الأمريكية ووقف بوجه إسرائيل وطالب النظام ألبعثي بتحقيق
العدل والمساواة للعراقيين ..في زمن كانت فيه كل منابر الجمعة في
العراق تمجد وتساند القائد الضرورة بطل التحرير القومي.. محمد صادق
الصدر لم يملك في مواجهة للثالوث المشئوم سوى أعواد منبره الخشبية
لكنة هز عروش الظلم والطاغوت . ولم يتوقف جهاد المراجع الشيعة.
التأثيرات العرفانية في علم السلوك عن
الشيعة الامامية
الدكتور وليد سعيد البياتي
تتجذر مفاهيم علم العرفان عند القواعد الاصولية لمعرفة المخلوق
بالخالق، وهي معرفة تنحو منحا تكامليا في تربية الانسان وتقوية مناهجه
العقلية والنفسية لتتوحد في طاعة الله، طاعة هي نتاج تفاعل عقلي ونفسي
يتشكل في الادراك العملي للانسان، ولعل افضل تعريف، بل هو الارقى على
الاطلاق، كما جاء عن سيد العارفين، وازهد الزاهدين الامام علي بن ابي
طالب (عليه السلام)، فقد قال:
" أول الدين معرفته وكمال معرفته
التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال
الإخلاص له نفي الصفات عنه.
في البدء يجب التوضيح أن كل حرف (هاء – هـ) هو (هاء المضاف إليه) ورد
في هذا الحديث هو يعود إلى (الله) تعالى شأنه، فمعرفته يقصد بها معرفة
الله وهكذا في بقية سياق الحديث.
يقدم الامام علي عليه السلام، موقفا تحقيقيا في علم المفاهيم، وهو يؤسس
لنظرية معرفية تتكامل بتحديد الكمالات المعرفية وصولا لادراك معنى
الاخلاص لله عزوجل، فكما الاخلاص لايكون ألا بنفي الصفات عنه تعالى،
انطلاقا من فلسفة الهية تقول بان: (تنزيه الله ونفي الصفات عنه دليل
إلى توحيده)، اليس قولنا كما في كتابه العزيز: (لا إله إلا الله)، هو
ابتداء بنفي ان يكون له شريك، فيكون النفي دليلا على الاثبات!
فالابتداء بالنفي ليست حكمة لغوية فقط، بل هي قضية فلسفية تقوم على
تنزيه الخالق عن سلبيات المخلوق، إذ لا مشابهة خلقية (بالضم) ولا خلقية
(بالفتح) بين المخلوق والخالق وهذة تقوم على تنزيهه تعالى شانه من أن
يكون له شبيه أو مثيل أو كفوء وقد قال في كتابه العزيز: " قل هو الله
أحد * ألله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد.
وهذا المعنى يؤسس لقيم ومفاهيم معرفية ثابتة، فالتوحيد عقيدة ألهية
وشريعة سماوية تتطابق ومدركات العقل السليم، ألم يقل الرسول الخاتم
صلوات الله عليه وآله: " ما قاله الشرع (ما جاء به الشرع) حكم به العقل
فالتوحيد قضية عقلية كما هي شرعية عقائدية، وقد وجدنا في بحوثنا
السابقة تقييم مدرسة أهل البيت عليهم السلام لقيمة العقل فاعبروه احد
مصادر التشريع الرئيسية حتى امتلأت بحوثهم في معنى العقل وتبيان تاثيره
على الحياة والسلوك الشخصي للانسان، حتى قال الرسول الخاتم صلوات الله
عليه وآله: " العقل رسول باطن، والرسول عقل ظاهر"ولما كان العقل دليلا
على معرفة الله تعالى، فهو بالتالي أحد أهم معايير السلوك الانساني،
ومن هنا قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: " العقول أئمة الافكار.
السلوك:
تبنى الشيعة الامامية موقفا عقلانيا من علم السلوك باعتباره منطلقا
لتقويم الشخصية الانسانية وإعدادها إعدادا رساليا، وهو يمثل تطابقا
واقعيا بين كل من العقيدة والشريعة وتفاعلات الحياة في حركة الانسان
اليومية، فإستشهاد الامام الحسين عليه السلام في كربلاء سنة (61 هـ)
كان يمثل استيعابا واقعيا للشريعة حد الاستشهاد، باعتبار ان التكامل
المعرفي قد تجاوز الآني إلى المستقبلي، وأخترق حركة التاريخ وصولا إلى
الخلود داخل النفوس والعقول، فسلوكة في التضحية لم يكن سلوكا تجاوزيا
عن الواقع، بل يمن اعتباره سلوكا يقع في صميم الواقع الرسالي، وهو سلوك
إختص به الله انبياءه ورسله وأوصياه في التضحية حفاظا على واقعية
الشريعة من الضياع في أزمنة الاسفاف. من هنا قال الامام الصادق عليه
السلام: " شيعتنا من تمثل بنا فمحاولاتنا في الاقتراب من هذا النهج
الالهي تضع الوعي الجمعي للامة على الدرب الصحيح.
أبو ذر رضوان الله عليه مثالا:
ذاك جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري (رضي الله عنه ت32 هـ) وهو خامس من
أسلم على ما جاء في أدق الروايات، قال فيه نبي الرحمة: " ما أظلت
الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر نفاه عثمان بن
عفان إلى الشام، ثم إلى الربذه ومات فيها ولم يكن يملك ثمن كفن.
يتخذ الاتجاه المعرفي عند أبي ذر (رضي الله عنه) منحا تطبيقيا في علم
السلوك بل يمكن إعتباره وثله من كبار الصحابة من أمثال عمار بن ياسر بن
عمار بن مالك بن كنانة (ت 37 هـ )، سلمان المحمدي (روزبة بن خشنوذان ت
36 هـ) والمقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي (ت 33 هـ)، أساتذة علم
العرفان والسلوك، فالمعرفة الالهية لم تكن عندهم عنوانا سطحيا يتكرس في
حركات الصلاة قياما وقعودا وسجودا، بل إن الادراك المعرفي تجاوز لديهم
كل الانفعالات الانية، وأستغرقتهم العلاقة بالله عزوجل حتى وكأن واحدهم
يعيش الاخرة في الحياة الدنيا، حتى انطبقت عليهم الاية الكريمة: "
الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات
والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا فقنا عذاب النار.
من هنا يمكن إعتبار السلوك العرفاني لابي ذر (رضي الله عنه) شكلا من
أشكال التكامل الواعي لعلاقة الاخرة بالدنيا انطلاقا من كون الدنيا
دربا يقود للاخرة، وليس باعتبار الدنيا حقيقة الوجود، فالحقيقة العقلية
هنا تعني أختراق الوجود وصولا إلى كمال المعرفة المتحقق في قيمة (حق
اليقين)، فالعارف الحقيقي يخترق مساحة (علم اليقين) متجاوزا حقيقة (عين
اليقين) ليستقر في ملكوت (حق اليقين). ولما كان (حق اليقين) لا يتحقق
من الناحية العملية إلا يوم الدين : " إن هذا لهو حق اليقين فأن رجالا
من أمثال ابو ذر قد تمكنوا من تحقيق تلك المعادلة الالهية بتطبيق
الاخرة في الحياة الدنيا، والتعايش معها نصا وروحا وتطبيقا تشريعيا فهو
كأستاذيه الرسول الخاتم والوصي الاكبر (محمد وعلي)، ترتقي خلاياه معارج
الروح، وتتجسد الاخرة أمام ناظرية، فيرى ثواب الاعمال وعواقبها، حتى
أطلق صرخته في المدنية قبل أن يطلقها في الشام مناديا بالعودة إلى
النهج الرسالي بعد أن انحرفت عنه الامة إلا تلك الثلة القليلة من أهل
البيت الاطهار ومن صاحبهم.
وعي المجتمع السلوكي:
حددت الشريعة موقفها من السلوك الاجتماعي بإعتبارات ترابط هذا السلوك
بالحكم الشرعي، وقد غلب على هذا الترابط النزعة الاخلاقية التي دعا
اليها الانبياء والرسل، فقال عزوجل: " يأيها الذين آمنوا
لاترفعوااصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض
ان تحبط اعمالكم وانتم لاتشعرون.
وقال أيضا: " يايها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا
منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا
تنابزوا بالالقاب باس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم
الظالمون.
هذا النوع من التشريع يمثل منهجا لاستنهاض الوعي الجمعي في خروجه من
جاهلية الفكر والسلوك لنور التوحيد الالهي، فالمجتمع لايمكن أن يتحول
من حالة الركود إلى حالة التفاعل الايجابي ما لم يعي البناء القيمي
للافراد في عملية التحول، وهو منهج الانبياء والرسل في بناء مجتمعات
تتبنى قيما سلوكية عليا ولتصبح بالتالي مجتمعات تنحو نحو تطور حضاري
واعي. |