الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(931)الخميس 28 محرم 1431هـ/14 كانون الثاني 2010م

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة التاسعة

الفصل الثاني النبوة

عقيدتنا في النبوة

نعتقد أن ( النبوة ) وظيفة إلهية وسفارة ربانية ، يجعلها الله تعالى لمن ينتجبه ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في إنسانيتهم فيرسلهم إلى سائر الناس لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم ومصالحهم في الدنيا والآخرة ، ولغرض تنزيههم وتزكيتهم من درن مساوئ الأخلاق ومفاسد العادات وتعليمهم الحكمة والمعرفة وبيان طرق السعادة والخير ، لتبلغ الانسانية كمالها اللائق بها ، فترتفع إلى درجاتها الرفيعة في الدارين دار الدنيا ودار الآخرة . ونعتقد أن قاعدة اللطف - على ما سيأتي معناها - توجب أن يبعث الخالق اللطيف بعباده رسله لهداية البشر وأداء الرسالة الإصلاحية وليكونوا سفراء الله وخلفاءه . كما نعتقد أنه تعالى لم يجعل للناس حق تعيين النبي أو ترشيحه أو انتخابه وليس لهم الخيرة في ذلك ، بل أمر كل ذلك بيده تعالى لأنه ( أعلم حيث يجعل رسالته ) . ليس لهم أن يتحكموا فيمن يرسله هاديا ومبشرا ونذيرا ولا أن يتحكموا فيما جاء به من أحكام وسنن وشريعة .   14 - النبوة لطف.

إن الانسان مخلوق غريب الأطوار ، معقد التركيب في تكوينه وفي طبيعته وفي نفسيته وفي عقله ، بل في شخصية كل فرد من أفراده ، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى : فمن جهة قد جبل على العواطف والغرائز من حب النفس والهوى والأثرة وإطاعة الشهوات ، وفطر على حب التغلب والاستطالة والاستيلاء على ما سواه ، والتكالب على الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها كما قال تعالى : ( إن الانسان لفي خسر ) و ( إن الانسان ليطغى إنرآه استغنى ) و ( إن النفس لأمارة بالسوء ) إلى غير ذلك من الآيات المصرحة والمشيرة إلى ما جبلت عليه النفس الانسانية من العواطف والشهوات .

ومن الجهة الثانية ، خلق الله تعالى فيه عقلا هاديا يرشده إلى الصلاح ومواطن الخير ، وضميرا وازعا يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنبه على فعل ما هو قبيح ومذموم . ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الانسانية مستعرا بين العاطفة والعقل ، فمن يتغلب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاما والراشدين في إنسانيتهم والكاملين في روحانيتهم ، ومن تقهره عاطفته كان من الأخسرين منزلة والمتردين إنسانية ، والمنحدرين إلى رتبة البهائم . وأشد هذين المتخاصمين مراسا على النفس هي العاطفة وجنودها   فلذلك تجد أكثر الناس منغمسين يفي الضلالة ومبتعدين عن الهداية بإطاعة الشهوات وتلبية نداء العواطف ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) على أن الانسان لقصوره وعدم إطاعة على جميع الحقائق وأسرار الأشياء المحيطة به والمنبثقة من نفسه ، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كل ما يضره وينفعه ، ولا كل ما يسعده ويشقيه ، لا فيما يتعلق بخاصة نفسه ، ولا فيما يتعلق بالنوع الانساني ومجتمعه ومحيطه ، بل لا يزال جاهلا بنفسه ويزيد جهلا أو إدراكا لجهله بنفسه ، كلما تقدم العلم عنده بالأشياء الطبيعية والكائنات المادية .وعلى هذا فالانسان في أشد الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من ينصب له الطريق اللاحب والنهج الواضح إلى الرشاد واتباع الهدى ، لتقوى بذلك جنود العقل حتى يتمكن من التغلب على خصمه اللدود اللجوج عندما يهيئ الانسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة .

وأكثر ما تشتد حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما تخادعه العاطفة وتراوغه - وكثيرا ما تفعل - فتزين له أعماله وتحسن لنفسه انحرافاتها ، إذ تريه ما هو حسن قبيحا أو ما هو قبيح حسنا ، وتلبس على العقل طريقه إلى الصلاح والسعادة والنعيم ، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميز له كل ما هو حسن ونافع ، وكل ما هو قبيح وضار . وكل واحد منا صريع لهذه المعركة من حيث يدري ولا يدري إلا من عصمه الله .

ولأجل هذا يعسر على الانسان المتمدن المثقف فضلا عن الوحشي الجاهل أن يصل بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح ، ومعرفة جميع ما ينفعه ويضره في دنياه وآخرته فيما يتعلق بخاصة نفسه أو بمجتمعه ومحيطه ، مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممن هو على شاكلته وتكاشف معهم ، ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات والمجالس والاستشارات . فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفا بهم ( رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) وينذرهم عما فيه فسادهم ويبشرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم .

إنما كان اللطف من الله تعالى واجبا ، فلأن اللطف بالعباد من كماله المطلق وهو اللطيف بعباده الجواد الكريم ، فإذا كان المحل قابلا ومستعدا لفيض الجود واللطف فإنه تعالى لا بد أن يفيض لطفه ، إذ لا بخل في ساحة رحمته ولا نقص في جوده وكرمه . وليس معنى الوجوب هنا أن أحدا يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع تعالى عن ذلك ، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك : إنه واجب الوجود " أي اللزوم واستحالة الانفكاك " .  15 - عقيدتنا في معجزة الأنبياء.

 

 

طبيعة الدستور العراقي الحالي هل هو اسلامي او علماني

كامل عبيس خضير

الدستور: هو صياغة قانونية لفلسفة المجتمع ونظريته ومذهبه العقائدي والاجتماعي والاقتصادي . تم ترجمة هذا المفهوم للدستور في المادة (2): اولا: حيث تنص

أ- الاسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر اساسي للتشريع ألا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام

ب- لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية

ج- لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور

ثانيا : يتضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي وكما يتضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والايزديين والصابئة المندائيين

وحصل سجال وخصومات كبيرة بين العلمانيين والاسلاميين في مجلس النواب حين كتابة الدستور حتى استقروا على هذه الصياغة الدقيقة للتوفيق بينهما ولكن تم فهم هذه الصياغة من قبل معظم المستويات والاختصاصات الثقافية ومن الطرفين العلماني والاسلامي بطريقة مغلوطة مدعين ان الدستور سائب لا هو علماني ولا هو اسلامي .

ولا يمكن سن قانون يتوافق مع هذه الصياغة وهذا يحصل حتى من قبل نواب اسلامين وعل الفضائيات او يدعي العلمانيين ان هذا الدستور ليس اسلاميا كما قال الدكتور الجلبي في احدى مقابلاته مع فضائية العراقية . فما بالك بالمستويات الادنى وهم يرددون نفس النغمة والقانونية على راسهم وعلى مستوى الجمهور ايضا حتى انه شاع وانتشر في الشارع وكل منتدى او ملتقى بوصف بعض التصرفات الشاذة والبعيدة عن قيمنا وتقاليدنا واعرقنا الاجتماعية كالخمر والمجون كلمات كحرية وديمقراطية لتبرير هذه الافعال في مجتمع اسلامي .

ويدعي العلمانيين ان الدستور لم ينص على ان الاسلام هو المصدر الاساسي للتشريع وانما نص على ان الدستور مصدر اساي للتشريع على اساس انه توجد قوانين غير اسلامية يمكن سنها فيما فهما الاسلاميون على ان هذه القوانين يجب ان لا تتعارض مع ثوابت احكام الاسلام في اشارة الى منطقة الفراغ وهي النظرية التي نادى ودعى اليها الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والتي فحواها ان كل واقعة لم يرد بها نص تفسر استناد النظرية سد الفراغ التشريعي وفق المبادئ والقواعد التي تتماشى مع روح التشريع الاسلامي والمستنبطة من الشرعية كقوله في الاقتصاد الاسلامي ليس هو رأسمالي ولا اشتراكي ولا هو الجمع بينهما او الاخذ من هذا او ذاك وانما هو مذهب اقتصادي اسلامي يستنبط بقواعد ومبادئ من الكتاب والسنه لذا قال عن القومية التي تنتهج العلمانية القومية لا تقدم مشروعا حضاريا ولذلك عمدت الدول القومية في العالم الاسلامي الى الضغظ على الشعوب لتستمر في الحكم رغم التناقض الموجود بين نماذج التنمية ذات الاساس العلماني وبين ذهنية هذه الشعوب والقيم الاسلامية التي تتمسك بها كما اختلفوا بالمراد بمادئ الديقمراطية التي اشارت اليها الفقرة (ب) من المادة (2) حيث نصت لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية وهذا فهم خاطئ للديمقراطية فالديمقراطية هي ليست فكر او ايدلوجية وانما هي وعاء لكل فكر وايدلوجية وانما هي وسيلة او طريقة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبالطرق الديمقراطية المعروفة فالديمقراطية هي حكم الشعب حكم الاغلبية وطريقة تدوال السلطة بواسطة الانتخابات واحترام الراي والراي الاخر وتعدد الاحزاب وتأسيس المؤسسات الديمقراطية كمؤسسات المجتمع المدني وعدم تدخل الجيش والقوى الامنية بالسياسة وغيرها ولكن هذه المبادئ التي لا تتعارض مع مبادئ الاسلام استغلت في الغرب لتشريع قوانين ونتيجة لفصلهم الدين عن الدولة الى تشريع قوانين تعكس واقعهم او جزء من واقعهم وتم تعميمها على المجتمع وان كانت وقائع هذه القوانين تمثل شريحة من المجتمع في البداية وقد تكون مغلوطة كحقوق المراة التي ادت الى تفكيك الاسرة الاوربية حتى ضجوا بالشكوى منها لانها جعلت المراة سلعة تباع وتشرى وضياع الاطفال وكثرة الفساد وانتشار اللقطاء .. الخ واستنادا لمنطقهم المعكوس تم فهم الفقرة (ح) من المادة (2) التي تنص لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور وقالوا انها تتعارض مع الفقرة (أ) ونصها لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام ولا يوجد تعارض بين الحريات الاساسية الواردة في الدستور والفقرة (أ) فحرية الرأي والعقيدة مكفول قانونا ولكنها محددة بعدم خرقها للاداب والاعراف الاجتماعية كما نصت المواد الخاصة بالحرية . اما الاقلية من المجتمع الذين يؤمنون بالحرية الليبرالية والذيبن يؤمنون بنسبة القيم ومثلهم لان تسلسل القيم يؤدي الى هذه القيمة المطلقة والا لا توجد اية قيمة فمن اين اتت هذه القيم وهكذا كل العلمانيين ملحدين ومرتدين عن اسلامهم وان تشدقوا بالاسلام وادعائهم وان واقعنا يختلف عن الواقع الغربي فهم ملحدون وان ادعوا الايمان بحجة التقدمية والحرية فهم عبيد الواقع وليس لهم حرية وان ادعوها فضلا عن المناداة بالحرية فمن اين لهم الحرية ليبشروا بها لذا عليهم ومن منطلق الاسلام والانسانية ان يرعوا ويراجعوا انفسهم وما استندوا اليه وهم يمثلون اقلية ولا يمثلون الاغلبية المسلمة في العراق ولا يحق لهم ان يفسروا الدستور حسب ايمانهم بقضية بعيدة عن واقعنا حيث انهم بعيدين الهوية الاسلامية التي يحافظ عليها الدستور النافذ..

قضية السفور والحجاب : والتي اثيرت حولها الكثير من القضايا وربطت بأيديولوجيات مختلفة فماذا كانت النتيجة سابقا وحاليا في العراق على ضوء الدستور النافذ وهي نص الفقرة (أ)من المادة (2) من ثوابت احكام الاسلام اي ان الحجاب من ثوابت احكام الاسلام فهل يتطابق مع الديمقراطية والحرية ؟وهل يجوز سن قانون يمنع السفور استنادا للدستور ام لا .

هان من يرى انه يمكن سن قانون لوجود تناقض بين الفقرات لكن الدستور نص في ثانيا من المادة (2) اعلاه بان الدستور يضمن الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الدول العربية والاسلامية الا انه فشل في ذلك مع العلم انه نجح في امريكا اللاتينية حيث قضى على لغات ودين وعادات تقاليد المستعمر الاوربي وحتى لو ان الدستور لم يضمن هذا حق متجذر في الشعوب الاسلامية وهو هويتها الاسلامية فلو فرضنا ان غالبية الشعوب الاسلامية تريد السفور مثلا للنساء وهو فرض محال وفرض المحال ليس بمحال فهل يجوز سن قانون بالسفور وعدم منعه هذا من سوء فهم للهوية الاسلامية ففي تركيا وفي ظل نظام علماني يقر السفور ويمنع الحجاب وعملوا منذ اتاتورك بحملة شعواء ضد الحجاب واعتبروه اهانة للشعب التركي . فالمسلمون ليسوا بصدد البحث عن هويتهم من جديد كما حاولوا في بداية الاستعمار لقد عادت اليهم هويتهم وارادتهم وهي موجودة ولا حاجة للبحث عنها من جديد . لقد ارادوا منا ان نفصل الدين عن الدولة وفعلوا ومر قرن ونيف من الزمان وها هم يفشلون لقد فشلت العلمانية في العراق ولا مكن لها ان ترجع باي شكل من الاشكال فلا فرض لقانون لا يريده الشعب المسلم في العراق ولا ارادة غير ارادة الشعب .

اما من يطبل للعلمانية فهو الذي يؤمن بالعبودية والقهر والاستبداد ولكن الشعب المسلم في العراق عرف اللعبة .

وكذلك موضوع الخمر فبالامس خرج الشعب العراقي في بغداد متظاهرا ومنددا وداعيا الى غلق محلات الخمر وثائرا ضد الخمرة الذين استشرا في بعض مناطق بغداد علما ان الخمر مباح بالقانون رقم 111 لسنة 1996 م بقانون مستورد من الخارج وهكذا هي الهوية الاسلامية في كل حالة مساس بثوابت احكام الاسلام .

اما الربا الذي حاربه الاسلام ها هو الان في اوربا وامريكا يشكل ازمة مالية عالمية تكاد تسقط الحضارة الاوربية والامريكية وهكذا الشهادة من الاعداء على ان هذا الدين هو السائد في المستقبل .

لذا ينبغي الغاء وتعديل معظم مواد قانون رقم 111 لسنة 1996 م وكذلك القانون المدني لانهما يشكلان العمود الفقري لبقية القوانين في جميع الدول .

مع الاستاناس مع كتابي (التشريع الجنائي الاسلامي ) لمؤلفه الرائد في هذا المجال السيد اسماعيل الصدر شقيق النابغة الشهيد محمد باقر الصدر (رض) وكتاب التشريع الجنائي في الاسلام للشهيد القاضي عبد القادر محمد عودة الذي مارس القضاء الجنائي الوضعي في مصر لمدة عشرين سنة ونيف ثم راى بعد القانون الجنائي الوضعي المصري المستنسخ من القوانين الوضعية الاوربية عن واقعنا الاسلامي في مصر واعدم على اثرها من قبل الحكومة المصرية في حينها وهكذا تطمس الحقيقة باسم المصلحة السياسية

 

 

الرسالة والمواجهة

محمد علي جواد

الرسالة بجزئياتها أو كليّاتها. يقف منها الناس اربعة مواقف هي:

1.     التأييد وهو موقف المؤمنين بها.

2.     اللامبالاة وهو موقف ثلة من الناس.

3.     الاعراض والتكذيب: وهو موقف غالبية أعداء الرسالة.

4.     الاستهزاء والسخرية وهو الموقف المتشدد للعدو منها، وقد يكون تصرّفاً من مؤمن لا يرى الإيمان إلاّ مجرد دعوى واعتقاد فحسب، كمن يؤمن بالله تعالى وشريعته ولا يعمل بأحكامه، أو يعمل ببعضها دون البعض الآخر.

ونحن إذ نبحث حالة الرسالة أمام الموقف الرابع لابد أن نذكر الموارد القرآنية التي رسمت أبعاد هذا الموقف وهي عشرة موارد نسلسلها كالتالي:

المورد الأول: الآية "231" من سورة البقرة وهو مورد يتحدث عن دائرة من دوائر الاستهزاء وهي دائرة الاستهزاء بالأحكام الشرعية. والاستهزاء بالاحكام الشرعية إنما يحصل بعدم العمل بها. وتصوير حالة الاستهزاء هنا بالاحكام الشرعية كمن ينصح جلسائه المعتادين على التدخين بعدم التدخين لضرره من الناحية الاقتصادية والصحية والاجتماعية ثم يشرع أحدهم بالتدخين أثناء تحمس الناصح بنصيحته فان عمل هذا المدخن مضحك بلاشك من نصحية هذا الناصح، وان عمله هذا يعد إستخفافاً وسخرية منه. قال تعالى في بيان ما تلاقيه الرسالة في هذه الدائرة من استهزاء:

(وإذا طلقتم النساء فبلغنَ أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف ولا تمسكوهنّ ضراراً لِتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هُزُوا...). (البقرة/ 231)

فآية سورة البقرة إلى غاية ما نقلناه منها ذكرت عدة أحكام شرعية بخصوص المطلقة وهي كالآتي:

1.     إما الامساك بمعروف أي ارجاعها إلى عصمة الزوج قبل انقضاء عدة الطلاق.

2.     أو التسريح بمعروف: أي اعطاؤها كامل حقوقها الواجبة على الزوج بعد انتهاء عدة الطلاق.

3.     من أرجعها إلى عصمته بقصد الإضرار بها فقد ظلم نفسه، لان هذا الاضرار ينعكس عليه بشكل أو بآخر، بل وينعكس على دائرته الاجتماعية، فالزوج الذي يؤمن بالشريعة ولم يعمل بما شرعته من أحكام فهو مستهزأ بها. والمولى عزّو وجلّ ينهى الناس أو المؤمنين أن يستهزأوا بشريعته من خلال ترك العمل بأحكامها.

ولو استقرأنا واقع الناس من الناحية التطبيقية لعلمنا أن أكثر مساحة هذا الواقع هو ممن لا يطبّق الأحكام الشرعية بل يكتفي بمجرد دعوى الايمان بها والانتماء إليها. وهذا يعني أن الواقع الإستهزائي الذي تلقاه الشريعة من أتباعها والمؤمنين بها عملياً كبير وواسع والوجدان على هذه القضية أدل من البرهان، وقد سمّت الشريعة هذا اللون من الاستهزاء ظلماً بل سمّت هذا الظلم الاجتماعي استهزاءً بالأحكام الشرعية التي ما نزلت وشرّعت إلا من أجل إزالته من خلال العمل بها وتطبيقها، وبالتأكيد فان المستهزأ بهذه الأحكام مباشرة مستهزأ بالملازمة بمن يبلّغُها ويدعو إليها، ومستهزأ بمن شرّعها أو أنزلها بلا شك.

المورد الثاني: الآية (140) من سورة النساء والآية (68) من سورة الانعام وهو يتحدث عن الاستهزاء الذي تلاقيه الرسالة في مجالس الاعداء ومنتدياتهم ومفاده الخوض في الآيات بالباطل والكفر والاستهزاء بها وقد كانت لأعداء الرسالة من منافقين وكفار ومشركين وأهل كتاب ومجالس وحلقات في المدينة وفي مكة وقد نهى المشرّع المؤمنين برسالته أن يجالسوهم، لأنهم إذا جالسوهم مع الضعف أو لم يردعوهم مع القدرة والإمكان كانوا مثلهم في النفاق والكفر والظلم.

ومن هنا نستطيع القول بأن المواجهة للرسالة من خلال هذه المجالس يشكل محيطاً خانقاً لا تستطيع الرسالة ان تتنفس الهواء الصافي فيه: وما هاجرت الرسالة وأهلها إلى المدينة إلا بعد ان أصبح محيط قريش من المحيطات الملوثة 100% والتي لا تستطيع الرسالة وأهلها أن يحييا ويعيشا فيها.

وأما في المدينة فقد حاول المنافقون وأهل الكتاب من اليهود وأحبارهم ان يصنعوا هذه الاجواء، ولكنهم كانوا أصغر من القوة الإسلامية التي كانت تعمل ليل نهار على استئصال جرثومتهم أو تزريق المؤمنين بلقاحات إيمانية تصمد أمام سمومهم الخبيثة، وهذه الآية وهي تنهى عن مجالسة أهل النفاق وتذكر المؤمنين بضرر هذه المجالسة الضرر الذي قد يؤدّي إلى حريق بيئوي لصالح الكفر والنفاق إنما تشير إلى مدى خطورة هذه المواجهة الاستهزائية التي تنطلق من المجالس والحلق والمنتديات صوب آيات الله وكتابه بشكل تفصيلي.

المورد الثالث: في الآية (57) _ (58) من سورة المائدة وهو يتحدث عن استهزاء أهل الكتاب والكفار بالدين بشكل عام وبالأذان وابصلاة بشكل خاص، قال تعالى: ( يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا الذين اتّخذوا دينكم هُزُوا ولَعِباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّارَ أولياءَ واتقوا الله إن كنتم مؤمنين. وإذا ناديتم إلى الصلاة اتّخذوها هزوا ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).

والاستهزاء كما هو معلوم حينما يتناول المقدسات التي يؤمن بها الفرد يعني الاستخفاف بها والحطّ من قدرها وشأنها، بحيث لا يكون لها في نظر المستهزأ أيُّ شأن وقدر، وإذا كان لها نصيب عنده فبحدود السخرية منها والاستهزاء بها.

وهذا الاستهزاء يتلون بصيغ قولية وعملية متعددة تتناسب ومستوى ثقافة المستهزيء.

ان ابشع المواجهات واشنع الأساليب فيها تلك التي تتناول مقدسات حقة يدعمها دليل العقل والنقل. ومواجهة الرسالة عموماً أو خصوصاً من قبل الذين لا يعقلون تعدّ مقابلتها من الصعوبة بمكان، لأن المبلغ والداعية لا ينتظر من هذه الفئة التي لا تبحث عن الدليل والحجة أي فرصة للهداية وبالخصوص فيما لو كانت الدعوة الجديدة تريد أن تغيّر الاسس التي ترتكز عليها مصالح هذه الفئة.

المورد الرابع: في الآية (4) _ (5) من سورة الأنعام وهو يتحدث عن الاستهزاء بكل دليل أو حجة تثبتان وحدانية الله عزّ وجلّ وصدق نبوة نبيّه(ص)، ولما كانت الرسالة الحقة ليست إلاّ هذه الأدلة الحقة عامةً فالمواجهة عبر الاستهزاء إذاً تستوفي كل آياتها التي تقود إلى الحق وتدلّ عليه. ومن هنا إذا اردنا أن نجسّد المواجهة عملياً على أرض الواقع فاننا سنجد قبال كل خندق يتخندق به الحق خندقاً يوجّه منه الباطل سهامه نحو الحق وآياته. قال تعالى مبيّنا هذه الصورة المستوعبة في المواجهة: (وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين. فقد كذبوا بالحقّ لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون).

المورد الخامس: في الآية (8) من سورة هود وهو مورد يتحدث عن الاستهزاء بآية العذاب التي ينذر بها الرسل أقوامهم فيما لو اختاروا طريق الغي والضلال والتكذيب.

ومن خلال الاستقراء لدعوات الحق في الكتاب المجيد في صراعها مع الباطل نجد أنّ سنة العذاب لا تأتي فوراً وانما الذي يطلب فوريّتها هو الإنسان المكذِّب المعاند الجاهل، ولهذا نجد أن تأخيرها يشكّل بنظر هذا الإنسان المذكور دليلاً على العدم، بل فرصة لاستهزائه بانذارات الرسل وتهديداتهم. وقد أبرزت الآية لوناً من ألوان الاستهزاء وهو قول هذا الإنسان الجاهل: (ما يحبسه) أي ان هذا العذاب إذا كان حقاً يأتي المكذبين ويسحتهم فما الذي يقف في طريقه ويحبسه عن الوصول والمجيء؟

قال تعالى: (ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى امة معدودة لَيقولُنَّ ما يحبسه ألاّ يومَ يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون)

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق