|
مدمجات الهشيم الذهالي القص الموجز
موضوعاً
أسماعيل ابراهيم عبد
الهشيم في كل نص ، والقص مثالاً ، يحاول أن ينزاح خارجاً ... وهو بذلك
يتشابه مع فيض الذاكرة غير المنظم . وفي أحيان كثيرة يتداخل مع المنظوم
السردي بطريقة إيمائية تعيق قدرة النص القصصي على التوصيل بكفاءة ،
وأذا كان الفيض الهشيمي فائض عن ذهنية ذهالية فنية ، وجب أن نوجه الفهم
الى طبيعته ومقصياته ومشابكه في محاولة للامساك بلحظته الفعّالة
المرافقة لحالات الأبداع الذاتي الاستثنائية . عندما يتقمص الكاتب دور
الريادة التركيبية وترتيب أو تفتيت الاحداث لأجل أخضاعها لعملية أقلمة
بين ذاته ( هو ) وقولية الروي - السرد - ويمازجها مع حركية الشخصية
المحورية , يستدعي الأمر التماهي بين الشخصية والحادثة وموجه السرد (
القاص ) . وهذا الاختلاط الوجدي ( حتماً ) سيقود الى حالة من التصوف
الفني ، الذي يغني القاص بأفكار كثيرة وصيغ متباينة لصالح علاقات
نسيجية (( آنية )) كثيرة ، هي الاخرى تقيم تجسيراً بين الذهن والتصور
المستنسخ عنه ( الكتابة ) ، كتجلي أبعد من الكلام هي كشف تؤتي به القوة
الألهية ذاتها عن طريق الرؤية أو الحلم أو الوحي.
وأعنف ما في هذا الوجد ، أنه يجسّد حالة ذهالية يتسمر في جوها (( كاتب
الأثر )) . وهناك من يبرع أيما براعة لدرجة أن يكون العمل الفني قطعة
نادرة من بين جميع النتاجات بما فيها سديميات الفلسفة الشاملة قبل
تجزئتها ،، وبما أن موضوعنا هو القص الموجز فنتسأل : ما هي صفات
الذهالية الفنية عند مثول العمل لشرط القص الموجز ؟ يقول الأستاذ شكيب
كاظم ( ) / في كتابه النقدي - في النقد القصصي والروائي حرثاً في
المعنى / ص131 (( أن الأنسان يبقى بحاجة الى شيء يذكي في نفسه حب
الحياة الطبيعية والتنعم لينعم بشيء من الشفافية والرومانسية)). وهنا ،
في الروح المشبعة بالشفافية والرومانسية يجد (( الوجد الصوفي )) طبيعته
، والتي تصدّر أليه انثيالاته الفنية في غائية عفوية يمر من مشارفها
الذهال الفني ، كحصيلة نهائية تتركز عند كيان الكتابة أولاً .. ، وهنا
نعنى بالسرد الموجز ، والذي يتعارض كلياّ مع هذه العفوية الطارحة للذات
الروحية الطبيعية . فمن الصعب تحديد أتجاه الفن السردي في مثل الحالة
الذهالية ، ولذا سيكون الشكل الثاني الفائض عن مظهر الذهالية هو السرد
الحر دون أنتماء مباشر للنوع ، فكيف يمكن احالته الى السرد الموجز؟
وأذا أستطعنا ذلك نكون قد حققنا الميزة الثالثة لهذا الفيض !! أن
الفائض السردي عن الذهالية المبدعة أدبياً هو سرد بخصوصية فيها ( أتقان
لغة ، تركيم حوادث ، تعالق حركي ، سرود قص ، توظيف شخوص ) . أذا فشرط
الذهال الثالث : أن يقوم بالربط غير المُدرك بين النص الأدبي /
والمحتوى السردي / لغوياً, بحيث تنمي الاحداث والشخوص علاقات غير
منظورة حاسمة في أنتمائها الى النوعً السردي (( القص الموجز)). أن
أنقطاع الأنثيال الذهالي عند حدود توقف (( المد )) الموردي للذهنية
المبدعة سيعطي فرصة لمراجعة المنتج الذهالي ، من زوايا مختلفة أختبارية
لمعالجة موضوعات الضخ الذهني ، بما يمكننا جس وحدة (( ما )) لكل أتجاه
.. فيؤدي هذا الى قدرة أختيار نوعنا (( القص الموجز )) ، لاحقاً.
ولو أفترضنا عدم وجود وضوح كاف ، فما الذي يمكننا معالجته للحصول على
قص موجز يحافظ على درجة معقولة من الاقناع ؟ سنلجأ حتماً الى هيكل
الحادثة ، نرممه بجمع شظاياه . وسنحدد عوالم أطراف الحكايات فنبرمجها
إرساليات خبرية سابقة ولاحقة ، ثم نشابه تصادم الأفكار بتصادم الذرى
الجزئية في الدراما . ثم نعيد صقل متون القص (( العُمقي )) بما يماهيها
مع مسبوقاتها من معالجات .. فتبرز لنا (( ذروة بفكرة ، بايصال ، بتماهي
غائي ، بضربة أخيرة ، مركزية ، عُليا !! أذن أهم مبررات الاحالة
النوعية الى القص الموجز ( أن يحتوي ذروة واحدة مدمجه بالضربة القصصية)
فأن حافظ إيجازنا السردي الذهالي على هذا فقد يسر علينا تحديد بنائية
القصدية بما (يعي أو يتخيل أو يتصور الكاتب)). قد لا يكون قولنا دقيقاً
من دون مثال . فلنتابع عملاً نصياً يقترب من تحقيق فرضنا ذلك هو قصة /
امرأة المطر / للقاص عبد علي اليوسفي / وهي أقل ما فيها ، مكتوبة
بأجواء ذهالية واضحة / تقع ضمن مجموعة طيور بيكاسو / ص30- وهي تتجه
نمائياً نحو المحاور التالية: ان يترجل المطر عن جياده الغيمية ، وقفتُ
أنتظر . كأبة شديدة تجتاحني كآبة صباحية ، صليل برد المطر يضغط على
ظهري المتخشب . مع موجة برد مكفهرّة أبصرت ظلاً يعبر نحوي ، يسرع ، يحث
الخطى. أندفعت فتاة باتجاهي تغرقني بالقبلات . ياللفجيعة ، نهداها
يضغطان على صدري الموجع (( هيا نمشي )) حاضنةٍ زندي .. مدت يدها الى
ظهري (( أحب الرجال الذين خرجوا من الحروب الطويلة. أتبعني ،لا تخجل .
أنك خجول )) (( أنك ثقيل )) . أفلتت يدي واندفعت تركض . أبتعدت . توارت
مع قطرات المطر ، قيل هكذا كانت تقول : (( أنني على موعدٍ معك في مطر
أخر. أن الخطوط الثلاثة/ خطوط تفاعلية:
السردية / يميل تركيبها الى تأهيل النمو الذهالي شبه المنظم بصفة
((مُدْمَجَةٍ)) ناضجة سردياً , نفترض أن كاتبها قد أزاح كثيراً من
فوائضها أو فيضها فهل لنا فرصة في معرفة فروضات المزاحات تلك ؟
إن بعض المزاحات تُغيرّ ترتيبها فقط وماتزال واقعة عملياً ضمن النص ,
وربما يكون البعض الأخر قد ((ضَمُرَ)) مكانه بسبب نمط النوع (القص
الموجز). لننظر في النصوص أعلاه , ونطبق عليها شروط القص الموجز . سنرى
أن لكل جزيئة تكويناً شبه مستقل , متعلق بما يليه تعلقاً إندماجياً
لايسمح له ان ينجز سرداً إلا بواسطة اطراف التعالق ... فحادثة الوقوف
والانتظار قبل ترجل المطر ,إندست في نهاياتها حادثة صغيرة تكاد لا
تدُرك ((أبصرتُ ظلاً)) هذه الحادثة صارت هيكلاً ينمو في جزئيات المقطع
الثاني!
((أندفعت فتاة باتجاهي تغرقني
بالقبلات )) .. لتستمر الحادثة الاولى ضمن شروط وجود الحادثة الثانية
ليصيغا نثارات لأفعال اخرى تنمو جديداً ( حاضنة زندي ) وبذلك سينفتح
مسرباً يشترط توفره لتكوين حدوثات تكميلية مثل ((أتبعني , أفلتت يدي ,
إندفعت تركض , ...)) وهكذا حتى تندمج جميع الحوادث الرئيسة والمساعدة
في ضربة حادثة ( قمة ) ذرواتية رئيسة مدمجة الافعال ، مؤداها ( أنها
حادثة رئيسية مُبَرّرة للحوادث السابقة ، والحوادث المقدرة اللاحقة )
والتي تبُقي الكهان شرعةً مفتوحة التأثير (( أبتعدت . توارت مع قطرات
المطر قبل هذا كانت تقول : أنا على موعد معكَ في مطر أخر)). من مهمتنا
أن ندرك بأن وجود مثل هذا التركيب الحادثي والتفعيلي ببنية شخوصه ،
وبنية وظائفه الاخرى نُفّذَ بحالة من الهوس والهياج الفني ، الذي يميل
مباشرة الى أن الكاتب قام بفعل ذهالي منتج أثير أستثنائي .. وامام هذا
قد أعاد عمله ليحافظ على عفويته وطبيعيته وطرواة نثاراته ... وسندرك
أيضاً أن وراء هذا النص ذُهال قصصي مُعّلم ، منمط ، مكثف الأتجاه ،
موجز اللغة ،... ولكن جرى هذا بعد ان ضحَىّ بعدة صياغات محايثة أو
بديلة .. لأجل أن يُتُم الصائغ صناعته قصاً موجزاً بلا فوائض مضّرة ..
مبقياً فيضاً من الصور والاحداث التي تساند هيكلة القص ولا تثقل
ركائزهُ.. ولأن حالة التوهج العقلي تزخرف ذهالها بنوع خاص من الاتصال
بين الذهن التصوري والذهال التخييلي ، ضمن أجواء تخمينية تفترض
الوهم وتصيغه نمطاً من إنتاج إحتمالي ، لذا فأن العمل الفني سينقاد
بصورة لا ارادية الى برمجة سبق للكاتب أن وضع لها رؤى كما في حلم
يقظة . وهو ما يدفع المنتج نحو الترتيب النظامي لأنه يدرك ، حتى وهو
في ذهاله ألوجدي ، الفني ، أن السرد الموجز لا يتحمل فوائض من أي نوع
، هو إيجاز للنسيج الصالح المحادثة ، و إيجاز للجَمل الصالح النمط
، و إيجاز للسرد لصالح التكيف (( ضمن فكرة الغائية ( سطوع المعنى
بالمبنى ) . كما أن فكرة الاشتراطات التالية مهمة جداً سواء (
وعى أو إهمل ) الكاتب ، فكرة (الذروة = ضربة = تلاحم درامي = نص نظام
توزيع خاص = موجز قص متعدد التأويل ) وهي فكرة تعادل الافراط في
توافقية العمل ( بعناصره ، ووظائف بنياته ) مع عفوية وطبيعية العرض
والتشكيل. هذه الأهمية التي أعطيناها الى حرفية التهشيم الذهالي
للبناءات وأعادة تركيبها ، تدفعنا الى أن نبين أنوع هذه الهشائم ،
وتكيفاتها للبناء ثانية ..
روائية شبه مسودة
حكاية (مريم الحكايا) مدخنة
أطياف إبراهيم سنيدح
الفاصلة في هذا التعريب الفني متاهة سردية تتولد فيها الذاكرة وعلى شكل
أصل الشخصية التي تحسب حساب الشك الحكائي للرواية التي تعبر الجيل
المتقدم من الآخر. (علوية صبح) قناع تتداخل فيه مسميات البلد الذي ضاق
النص العادي. ولأنها (لبنانية) وحربها تحتضر الحروف المضطرة لتأمل
التقنية وعمق الكتابة في فضيحة الحرف الواعي والذي يوصف فانتازية
طرافتها الأنثوية. من علو الزمن أن يغدو مكتشفاً القراءة الصفحة الأولى
من الجزء المنفصل وقد ينشأ أنتقام اللعبة أمام ضياع الحركة المعقولة
وعلاوة على هذا الضرب في تحرير اللغة يبدأ العبث (بيروتي) في مجموعة من
الشخصيات التي حاولت (علوية صبح) أن تجعل لها أرواح تؤسس بناء عملها
الروائي. من الطبيعي إن ماذكرته هذه الروائية هو حداثة تعزز الصداقة مع
القارئ. ولأن مدن هذه الرواية لها قرابة العيش داخل المكان النفسي فقد
تحملت (علوية صبح) مشروعها كأنه فسحة لقول (الأنا). سرعان ما تجد القمم
وهي تناديك بفضول التفاؤل فتختفي تحصيلات الوقائع الجغرافية في سليلة
تشمل على مفردة البطلة فكان إختيار هذا كحلم أنساني كثير ما نبحث عنه
في تقنيات القص ونحن نخلق التجريب الروائي في عمق البساطة اللغوية. ما
يلفت أن هذه الروائية آخر ما أعترفت به هو أنها تكتب لنفسها بمعيار
التشجيع البطولي ضمن ساحتها الأدبية. أنواع التكوين أختار النمط الذي
يتلبس وجه هذه الحرية التي كانت جديرة بفرض قانون يتيح لتقاطع النسيج
باستخدام البداية التي حاولت (علوية صبح) تبرأتها من النهاية بخوف منها
وليس من بطلتها. هذا الأعتماد حق يجيد التعبير في كشف رموز الصنعة التي
اختارتها هذه الروائية وهي تجعل مملكتها تتوج (بمريم) المدللة في مرحها
اليقظ. مما لاشك فيه إن هذه الروائية لا أحد يخاف من عملها ولايمكن
وضعها ضمن الأسماء التي أن أردنا بحثها ودراستها فأننا بحاجة الى
مجادلة فعلية كي ننتصر عليها. هي ببساطة كاتبة تعالج همها عبر طرق
مسدودة وقد حاولت أن تذكر هذا عندما وقفت حائرة من تجاوز حدودها مع
النصف الآخر. من أخطاء هذا العمل هو محاولة الكاتبة بأن تختفي عند
الأشياء وليس مع الأسماء التي كانت جزء من حركتها الذهنية. الشيء الذي
وقعت فيه ولم تخرج منه بأنفرادية مبدعة إنها تركت الحل معلقاً كأن
العالم لاينتهي إلا مع الدقات الأخيرة للموت. بالأمكان حصر الفاعل مع
المفعول به. أي بحقيقة وهمية نجد معانيها في ميدان العقل الذي يحارب
المغتصب للأرض ثم للشرف وبكل الأحوال دائماً نبكي لشرفنا ونترك ضروب
الحالة سر من أسرار اللعبة كأن أرضنا مساحة لإمرأة تكتب عناوين الرجال
بيدها. لم أشاطر الخيال فهو لايزال يبحث عن الجدوى في الحكايات التي
تكتمل على شريط ملون. لقد كانت (علوية صبح) تكتسب شجاعة الطفل لا
المرأة وقد لاحظت كيف تتمكن من جو هروبها مع حركة لا أقول بأنها حركة
طائفية لأنها قد ذكرت أسباب الوقوع في فخ النهايات وقد يؤول فن ذاكرتها
بآمال تبدد التمرد المعيب لبطلة روايتها وتداخلها في شؤون الحبكة التي
ترث ميراث البنية المستخدمة من الفراغ. منذ السطور الأولى من الرواية
ظهر لي قبس بقايا الحس الممنوع من التصوير والزمن الذي لانصور فيه
أنفسنا زمن يعاني من أزمة تتوزع كأجزاء في طرق العالم الذي يتكلم اللغة
الخاصة بالمشروع الوطني. ما مرت به (لبنان) على الصعيد السياسي
والثقافي هو بطبيعة العاقل شيء مستورد من إغراءات تقدمها اليد
(الصهيونية) وقد اشاع تاريخ هذا النقص في تزكية المفاتحة الاقتصادية
لتنمية العنصر الذي يعزز لجوء حبه لكل هذه المعاناة وقد نجحت (علوية
صبح) برفع لافتة الغضب والمشاركة في تشييع الحقوق المسلوبة من قبل
إنتهاك للبدعة التي يخلفها القاصد غايته وهدفه. حتى تتبين الملاحظة
البعيدة عن الأنشاء النقدي وحتى نجلس معاً جلسة أدبية أركز على حلول
هذه الرواية وكيف أقتنعت (علوية صبح) بنهاية ختمتها بقول: (لم تتأكد من
شيء).؟ كان كره المصاحبة واضحاً وهو يتكرم علينا نحن القراء بجواب إن
ظل فترة يراود حتى أبطالها وهم لسان كانت نفسها (علوية صبح) تحاول
إيجاد نفسها معهم كأنهم بيانات مفقودة وليس أموات يبحثون عن ذكرياتهم
التي لم يعيشوا فيها بل كانوا يحملون بموقد ناري يجمعهم يوماً ما دون
موعد أو لقاء يأتي بلا معرفة لهوية كل منهم للآخر.؟ هذه المساحة وفرت
المحبة المتوقعة من القارئ لكن الذي عقد أمر اللجوء الى رصيف التعارف
بين أفكار هذه الوجوه هي الحرب التي بصقت بوجوه أبطالها وهنا أقصد
أبطال (علوية صبح) المتأثرة جداً بشفافية العمل الطبيعي وقد أظهرت
طبيعتها كروائية لها سماعة تحملها حتى وأن نام ظلها المرافق لعمر
كتابتها لهذه الرواية المجدية لنقاط ثورتها كإمرأة تحلم بحرية الخروج
من نفق المجتمع الذي تعددت حلوله على عدة مواقف وأهمها الموقف (الديني)
وقناعته لدى الشخصية الأدبية في المجتمعات العربية. تبدو أسئلة الغد
عابرة ولأنها تمثل مرحلة تعاصر التجارب وعلى حدود الدراسات التي
ملامحها شبه ضجة أعلامية تريد لمن يقدم أن تقول له: أنت في صحبة مريم
الحكايا تتغلل لتعرف آخر ما تفكر به أنت وليس هي. أي مريم الحكايا.؟ ما
لم يقرر بالطبع ومنذ اللحظة هو مشاركة الخرافة عند الكاتبة العربية
وإيمانها الشديد بلغتها العامية. هذا الحنين الى الذات يسعى الى تدمير
الأنعكاس وهو يحقق المزعوم منه. قد نمعن النظر بأوائل الوصول في طور
اللقاء الجمعي ولأن الكتابة طليعة النهج المدروس تبدو وعود الرواية
داخل الرواية سيرة ذاتية مضادة بأعتراضاتها ضمن جيل ضائع وحب كلما وصل
الى أشد درجات الفهم يصبح دون فهم لأنه لايكتفي بهذا الحب. لم تكن
غاضبة (علوية صبح) كانت ودودة وواحدة من الكاتبات التي تريد لغيرها من
المبدعات مزاحمتها في رحلة إن سئلت عنها قالت بثقة: هذه الرحلة هي التي
كل طرقها تؤدي الى النجاح.؟ لقطات رائعة ومواقف تقترب من القلب وتجعله
يلعن سوء الحظ حتى وأن كان قريباً. لقطات التقطتها من كامرة (علوية
صبح) بعد أن قرأت روايتها التي نشرت في كتاب الاسبوع في جريدة (الصباح)
فكانت مهمتي أن أقف مع كاتبة تشبه غيري ببراءتها ولأن هذه البراءة
أمراً يولد بتلقائية فأن أنسانية (علوية صبح) مبرمجة الى إمرأة قد
عاشرت الفصول التي تتطابق حسب مراحل النشاط المرسل الى كل الفئات وأهم
هذه الفئات المسكن الدائم وهو القلم. (سنلتقي ياحبيبتي ولكن عند منعطف
السؤال وأنتِ تسأليني منْ أنتِ) هذه أنا أقولها لكِ يا (علوية صبح) ولا
أنتظر ردكِ.؟؟.
قصة قصيرة
أصابع الثلج القرمزية
لمياء الالوسي
جاست المدينة القديمة وأزقتها المتعرجة ، النظيفة ، ترتفع وتنحدر
أمامها الطرقات ، تبتسم للأطفال المارقين من أمامها ، والأجساد
المتدافعة.
كانت تعرف تماما ، أن قدومها إلى هذه المدينة ، التي تدخلها لأول مرة ،
سيجعلها تقرر أن تبدأ من جديد ، لذلك أرادت أن تختزن كل معالمها ، كل
شبر في أرضها ، حتى عندما فتشت تلك الفتاة الشابة طيات ملابسها أكثر من
مرة ، وجعلها فتى ببزته العسكرية ، تترك حقيبتها أمام الصبات
الكونكريتية ، .ويأمرها الآخر بإسكات هاتفها النقال ، لم تفارقها
ابتسامتها وأذعنت للجميع.,
وعندما ضلت الطريق ، وأخذتها الأزقة المتفرعة ، تودعها ، لتأخذها
الأخرى ، لم تفكر لحظة إلا في أنها أحبت المكان ، كل المحلات المفتوحة
والمغلقة ، فلقد كانت الأرض تتسع إلى ما لانهاية ، انعطفت يمينا
،ويسارا وتفرست في كل الأشياء حولها ، لكنها عادت إلى نفس المكان الذي
غادرته قبل قليل ، بين كل تلك الأشياء الدقيقة ، المتناثرة على موائد
الصغار ، المرتعشة اكفهم ، المقرفصين على رصيف ذلك الشارع ، الضاج
بالأجساد والبضائع ، والأصوات ، والقهقهات.
عندما رفع يده لها محييا ، كان جبينه العريض يعكس أشعة الشمس ، فينسكب
مختلطا ببريق أخاذ لخاتم كبير يحيط ببنصره ، فيأخذها في سورة من
الاندهاش ، (ما يخيفني ليس بريقه بل هذا النور الطافح بي ، وقوة قلبي
الخافق ) ، احتاجت في تلك اللحظة إلى ركن ، مجرد ركن صغير دافئ ، تضع
فيه رأسها في عليه ، وتغفو ، ولن تحتاج إلى أن تصحو..
أصبح قريباً منها جدا ، لكنه كان يتكلم لغة أخرى ، رغم أنها تجهل
حروفها ، إلا أنها لم تشعر بالتلاشي بعيدا عنه ، بل أحست بالتلاشي في
لغته ، كلماته أصبحت تراها فيه ، في قسمات وجهه ، تتدفق من فمه شفيفة
تخترق القلب ، لكنها لم تكن تعرفها. ( كنت أحسه قريباٍ مني تماما)...
أغراهما المكان الضيق الذي جعل منه صاحبه مقهىً متواضعا ، بأرائكه
القديمة المتهرئة العارية ، وقد رصفت ثلاث سماورات نحاسية ، تدوَم حول
أحداها ، سحابة صغيرة من البخار ، والموقد المتفحم في الزاوية ، يشكل
مثلثا مع الشارع المزدحم بالمارة ، تسللا بين الأرائك القليلة ، رغم
نظرات الرجال القلائل ، المنتشرون في داخل وخارج المقهى ، جلسا منزويين
، وأمامهما منضدة صغيرة ، مغطاة بعطايا المارين ندوبا ، وحروقا من رماد
وأعقاب السكائر ، أحست بالهدوء رغم كل شيء ، ارتشفت قدح الشاي ، الذي
سرعان ما وضعه النادل أمامهما.
أمام النافذة الواسعة ، المضببة ، والمطلة على الشارع ، وضع جهاز راديو
قديم حائل بلون التراب ، لولا صندوقه الخشبي المتشقق من الجانبين
،عندما أمعنت النظر وجدت أن الصوت لا ينبعث منه ، انه يسند ذلك الجهاز
الأنيق الصغير القابع فوقه ، رشيقا ، نظيفا ، ضحك وهو يهمس لها ، ثم
امسك بيدها ، وقادها قبل أن تفهم همسه ، إلى سلم ضيق يفضي إلى بناء في
أسفل المقهى..
أنني افتقد جزءاً سعيداً مني.
-لاعليك..
شيء ما جذبها للدخول معه إلى ذلك المكان ، متتبعة خطواته جاهدة أن تلحق
به ، لتصل بها إلى عالم آخر لا تعرفه ، لكنها تشعر انه قريب منها من
جوهرها ، من ذاتها ، تحتاج إلى أن تتغير على أساسه ، كي تعود إليها
حركة أيامها ، بكل الصدق ، والعذوبة ، والسمو ، و ما تملك من حياة كان
الوميض يرافقها ، يتابعها في كل خطواتها ، إلا أن البريق الذي يجتاحها
يأخذها معه دون إرادتها!
تلفتت ، ثمة أذيال منسدلة ، وعطره الذي يخلفه وراءه يقتحم كل لحظاتها..
كان البناء من الداخل بسعة الأرض ، بسعة المدينة كلها ، انتابتها حالة
من الفرح الطفولي ، لقد كانت وراءه قليلا فمد لها ذراعيه ، وتدافعت
أصابعه بين أصابعها..
أمام خزانه خشبية ، كانت واحدة من عشرات غيرها ، يئن فيها الزمان ،
رصفت عليها وفي داخلها ، آلاف السنين ، وزعت عليها آنية نحاسية ، بينها
أواني الشاي وسماورات بأحجام عجيبة!..
وفي الركن الآخر، اقتحمتها رائحة الشاي ، والأرض الترابية المرشوشة
عصرا ، والأبواب المشرعة للقادم مهما كان ، ومغزل الخشب ، ونساء متعبات
لكنهن عفيات ، يكسرن القند بذلك الفأس النحاسي الصغير ، وامرأة طويلة ،
ممتلئة ، مبتسمة ، انحرفت غلالتها قليلا ، فبانت رقبتها الطويلة
البيضاء ، مقارنة بوجهها الصارم ، الضارب إلى السمرة ، ولاحظت وشما
بأشكال هندسية بديعة وحول رأسها حاكت وشاحا آخر ، بلون حبات الرمان
القانية ، وحول تلك الغلالة المتدلية على كتفيها ، تضع جمرات الفحم
المتقدة في السماور ، الذي يكفي ضيوفها وضيوف المدينة.
غيبتها إحدى الممرات الكثيرة!
لازالت أذياله العبقة بالمسك تتبع خطواتها ، كانت الممرات مزدحمة بهم ،
على تلك الأرائك الخشبية ، فوق الجدران على الطاولات ، في الزوايا ،
عبق آلاف السنين. وفي الممر الذي ينتهي بباب خشبي منحوتة عليه تعريشات
، وأوراق نباتات ، ومطرقة نحاسية برأس أسد بنظرات عدائية شرسة ، عندما
مدت يديها ، وتلمست الباب الخشبي ، أحست ببرد صقيعي ، جعلها ترتجف كان
هناك لغط بكل اللغات لم تتبينه ، كان يتمازج فلا تفهم منه إلا كلمة
تقال بالعربية ، لكنها مشتته ، فما عادت تعني شيئا..
فجأة فُتحت أمامهما الدنيا ، وجبال تمتد إلى مالا نهاية ، تحت قدميه
بالضبط كانت هناك ساقية رذاذها يتطاير كمهرة جامحة على الجانبين ، لكنه
كان يتجمد قبل أن يصل إلى الأرض، بلورات بلون الماس ، عندها وهو يري
الانبهار الذي تعيشه. ضحك بهدوء ، ونزع عباءته وأحاطها بها ، كور كفيه
تحت فمها ، أصابعه القرمزية الطويلة تآلفت مع بلورات الثلج لتصبح
وكأنها شجرة برتقال مزهرة..
أحاطت كفيه بين كفيها!
هل يعقل أن يكون للثلج مذاق كالحريق هكذا
هنا فقط على هذه الأرض.
جلسة نقدية
بغداد/ يونس جلوب العراف
تقيم جمعية الثقافة للجميع جلسة نقدية بحضور عدد من المثقفين والمهتمين
بالشان الثقافي دراسة تناول الكتاب النقدي الصادر عام 2009 عن دار
الشؤون الثقافية زمن الحكي.. زمن القص للناقد بشير حاجم في الساعة
الحادية عشرة من يوم الخميس المصادق 21/ 1/ 2010 والدعوة عامة للجميع..
علبة الجمر
د. رعد رحمة السيفي
في جبهة الصقيع، ترقد الشفاه
كطفلة، اطفاها النعاس
تمخضت مرافيء الحنين عن..
رماد،
تذروه ريح الصمت بي،
كقبعة،
خرساء كل تلكم السنين
تلك التي اعتصرتها
ذات مساء
في حدائق النساء
تدحرج الطيف على فضاء العتبة
كجمرة معلبة!!
تفيض رغوة الاشياء حتى
يستحيل جمرها..
قلادة لزهو تلك الرقبة!!
الليل في خزائن الملوك
مسبحة
شاهدها
يطل من جناح نجمة
تضيء لي
سماء هذي المذبحة! |