|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة العاشرة
نعتقد أنه تعالى إذ ينصب لخلقه هاديا ورسولا لا بد أن يعرفهم بشخصه
ويرشدهم إليه بالخصوص على وجه التعيين ، وذلك منحصر بأن ينصب على
رسالته دليلا وحجة يقيمها لهم ، إتماما للطف واستكمالا للرحمة . وذلك
الدليل لا بد أن يكون من نوع لا يصدر إلا من خالق الكائنات ومدبر
الموجودات ( أي فوق مستوى مقدور البشر ) فيجريه على يدي ذلك الرسول
الهادي ليكون معرفا به ومرشدا إليه . وذلك الدليل هو المسمى ب (
المعجز أو المعجزة) لأنه يكون على وجه يعجز البشر عن مجاراته والإتيان
بمثله . وكما أنه لا بد للنبي من معجزة يظهر بها للناس لإقامة الحجة
عليهم فلا بد أن تكون تلك المعجزة ظاهرة الإعجاز بين الناس على وجه
يعجز عنها العلماء وأهل الفن في وقته فضلا عن غيرهم من سائر الناس مع
اقتران تلك المعجزة بدعوى النبوة منه لتكون دليلا على مدعاه وحجة بين
يديه . فإذا عجز عنها أمثال أولئك علم أنها فوق مقدور البشر وخارقة
للعادة ، فيعلم أن صاحبها فوق مستوى البشر بما له من ذلك الاتصال
الروحي بمدبر الكائنات ، وإذا تم ذلك لشخص من ظهور المعجز الخارق
للعادة ، وادعى مع ذلك النبوة والرسالة ، يكون حينئذ موضعا لتصديق
الناس بدعواه والإيمان برسالته والخضوع لقوله وأمره فيؤمن به من يؤمن
ويكفر به من يكفر . ولأجل هذا وجدنا أن معجزة كل نبي تناسب ما يشتهر في
عصره من العلوم والفنون ، فكانت معجزة موسى عليه السلام هي العصا التي
تلقف السحر وما يأفكون ، إذ كان السحر في عصره فنا شائعا ، فلما جاءت
العصا بطل ما كانوا يعملون وعلموا أنها فوق مقدورهم ، وأعلى من فنهم
وأنها مما يعجز عن مثله البشر ، ويتضاءل عندها الفن والعلم وكذلك كانت
معجزة عيسى عليه السلام ، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، إذ
جاءت في وقت كان فن الطب هو السائد بين الناس وفيه علماء وأطباء لهم
المكانة العليا ، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به عيسى عليه السلام .
ومعجزة نبينا الخالدة هي القرآن الكريم المعجز ببلاغته وفصاحته ، في
وقت كان فن البلاغة معروفا . وكان البلغاء هم المقدمون عند الناس بحسن
بيانهم وسمو فصاحتهم ، فجاء القرآن كالصاعقة أذلهم وأدهشهم وأفهمهم
أنهم لا قبل لهم به ، فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته وقصروا
عن اللحاق بغباره . ويدل على عجزهم أنه تحداهم بإتيان عشر سور مثله فلم
يقدروا . ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فنكصوا . ولما علمنا عجزهم
عن مجاراته مع تحديه لهم وعلمنا لجوءهم إلى المقاومة بالسنان دون
اللسان - علمنا أن القرآن من نوع المعجز وقد جاء به محمد بن عبد الله
مقرونا بدعوى الرسالة ، فعلمنا أنه رسول الله جاء بالحق وصدق به صلى
الله عليه وآله
عقيدتنا في عصمة الأنبياء
ونعتقد أن الأنبياء معصومون قاطبة ، وكذلك الأئمة ، عليهم جميعا
التحيات الزاكيات ، وخالفنا في ذلك بعض المسلمين ، فلم يوجبوا العصمة
في الأنبياء فضلا عن الأئمة والعصمة : هي التنزه عن الذنوب والمعاصي
صغائرها وكبائرها ، وعن الخطأ والنسيان ، وإن لم يمتنع عقلا على النبي
أن يصدر منه ذلك بل يجب أن يكون منزها حتى عما ينافي المروة ، كالتبذل
بين الناس من أكل في الطريق أو ضحك عال ، وكل عمل يستهجن فعله عند
العرف العام .والدليل على وجوب العصمة : أنه لو جاز أن يفعل النبي
المعصية أو يخطأ وينسى ، وصدر منه شئ من هذا القبيل ، فأما أن يجب
إتباعه في فعله الصادر منه عصيانا أو خطأ أو لا يجب ، فإن وجب اتباعه
فقد جوزنا فعل المعاصي برخصة من الله تعالى بل أوجبنا ذلك ، وهذا باطل
بضرورة الدين العقل ، وإن لم يجب اتباعه فذلك ينافي النبوة التي لا بد
أن تقترن بوجوب الطاعة أبدا . على أن كل شئ يقع منه من فعل أو قول فنحن
نحتمل فيه المعصية أو الخطأ فلا يجب اتباعه في شئ من الأشياء فتذهب
فائدة البعثة ، بل يصبح النبي كسائر الناس ليس لكلامهم ولا لعملهم تلك
القيامة العالية التي يعتمد عليها دائما .
كما لا تبقى طاعة حتمية لأوامره ولا
ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله . وهذا الدليل على العصمة يجري عينا في
الإمام ، لأن المفروض فيه أنه منصوب من الله تعالى لهداية البشر خليفة
للنبي ، على ما سيأتي في فصل الإمامة
عقيدتنا في صفات النبي
ونعتقد أن النبي كما يجب أن يكون معصوما يجب أن يكون متصفا بأكمل
الصفات الخلقية والعقلية وأفضلها ، من نحو الشجاعة والسياسة والتدبير
والصبر والفطنة والذكاء ، حتى لا يدانيه بشر سواه فيها ، لأنه لو لا
ذلك لما صح أن تكون له الرئاسة العامة على جميع الخلق ولا قوة إدراة
العالم كله .
كما يجب أن يكون طاهر المولد ، أمينا صادقا منزها عن الرذائل قبل بعثته
أيضا ، لكي تطمئن إليه القلوب وتركن إليه النفوس ، بل لكي يستحق هذا
المقام الإلهي العظيم .
عقيدتنا في الأنبياء وكتبهم
نؤمن على الاجمال بأن جميع الأنبياء والمرسلين على حق ، كما نؤمن
بعصمتهم وطهارتهم وأما إنكار نبوتهم أو سبهم أو الاستهزاء بهم فهو من
الكفر والزندقة ، لأن ذلك يستلزم إنكار نبينا الذي أخبر عنهم وصدقهم .
أما المعروفة أسماؤهم وشرائعهم كآدم ونوح وإبراهيم وداود وسليمان وموسى
وعيسى وسائر من ذكرهم القرآن الكريم بأعيانهم ، فيجب الإيمان بهم على
الخصوص ، ومن أنكر واحدا منهم فقد أنكر الجميع ، وأنكر نبوة نبينا
بالخصوص . وكذلك يجب الإيمان بكتبهم وما نزل عليهم..
مفهوم الآخر..بين الجانب الأخلاقي
والجانب الفكري
زكي الميلاد
عند النظر في مفهوم الآخر يمكن الفصل والتمييز بين جانبين أساسيين لابد
من الإشارة إليهما, والتأكيد عليها في تكوين المعرفة بهذا المفهوم, وفي
طريقة التعامل معه, وهما الجانب الأخلاقي والإنساني من جهة, والجانب
الفكري والثقافي من جهة أخرى
الطبيعة الإنسانية واحدة:
في الجانب الأخلاقي والإنساني ليس هناك ما يسمى بالآخر, ولا ينبغي
إطلاق مفهوم الآخر في هذا الجانب, وذلك لأن الطبيعة الإنسانية هي واحدة
وثابتة من حيث الجوهر والخلق والتكوين, ولا تختلف أو تتمايز بين جميع
البشر, وهذا ما يعرفه البشر أنفسهم, منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض,
ومهما اختلفت ألسنة الناس ولغاتهم, ألوانهم وأعراقهم, مدنياتهم
وثقافاتهم.
وليس هناك إنسان غير بين بني الإنسان, فالخلق كلهم عيال الله, فطرهم
على فطرته ولا تبديل لخلق الله, وخلقهم في أحسن تقويم, وجعلهم على أحسن
صورة.
ومن هذه الجهة, فإن النظرة الأخلاقية تنفي إطلاق مفهوم الآخر بين البشر
على أساس اللون أو العرق أو اللسان, وترفض وتواجه من يقبل أو يتبنى مثل
هذه التصورات وهذه الأفكار, ومن يتحدث عنها أو يميل ويشير إليها.
وعند العودة إلى القرآن الكريم نجد أنه استعمل تسمية بليغة جداً وفي
غاية الدقة, لا مكان فيها ولا وجود لمفهوم الآخر, ولا تعطي إيحاء به
على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد, وهي تسمية (الناس) التي وردت
مراراً في السور القرآنية المكية والمدنية, وتسمت بهذه التسمية آخر
سورة في هذا الكتاب المجيد, وتبوأت مكان آخر كلمة فيه, حيث يقال إن آخر
كلمة في القرآن هي كلمة (الناس), في دلالة على أهمية هذه الكلمة, وقيمة
حقها الدلالي, وهذا ما لم يلتفت إليه!
ووجه البلاغة والدقة في كلمة (الناس) التي جاءت تعبيراً عن اسم الجنس
البشري, أن هذه الكلمة تختلف وتتمايز عن سائر الكلمات القريبة منها
والتي تدور في فلكها, أنها لا تقبل التجزئة أو التثنية أو الإضافة أو
التقابل على مستوى اللغة, كما هو حال كلمات (الأمة والمجتمع والشعب
والجمهور.. وغيرها), فكلمة الأمة تقبل التثنية فيقال أمتان, وتقبل
الجمع فيقال أمم, وتقبل الإضافة فيقال أمة عربية وأمة إسلامية, وهكذا
الحال مع كلمات المجتمع والشعب والجمهور, وهذا بخلاف كلمة (الناس) التي
لا تقبل التجزئة والتثنية, وليس لها كلمة تقابلها, والمراد منها
الإشارة إلى العموم والاستغراق دائماً, أي الناس كافة دون أي وصف زائد
أو إضافة أو تمايز.
بمعنى أن كلمة (الناس) هي الكلمة الوحيدة التي تستغرق عموم البشر, فلا
مجال فيها لشيء اسمه الآخر, أو للحديث عنه, ولا أدري إن كان يوجد في
اللغات الأخرى كلمة تشابه هذه الكلمة من جهة العموم والاستغراق في
النظر إلى عموم الناس, وأشك في ذلك.
الإرتفاع بوعي الإنسان:
ويتأكد هذا الموقف الأخلاقي والإنساني في النظر إلى مفهوم الآخر,
بالاستناد إلى المقولة التي تروى عن الإمام علي عليه السلام, حين يصنف
الناس, بقوله: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين, وإما نظير لك في
الخلق" , فهذه المقولة تجعل الناس ينظرون لأنفسهم من خلال رابطتين لا
ثالث لهما, والثالث مرفوع كما يقول المناطقة, وهما رابطة الاشتراك في
الدين, ورابطة الاشتراك في الخلق.
والحكمة البالغة في هذه المقولة, أن رابطة الاشتراك في الدين, لا تلغي
رابطة الاشتراك في الخلق, بل إن رابطة الاشتراك في الدين هي التي تفتح
وعي الإنسان على رابطة الاشتراك في الخلق, وتجعل منها منظوراً له في
رؤية الناس والعالم.
وبالتالي فإن هذه المقولة ليست بصدد الإشارة إلى مفهوم الآخر, وإنما
جاءت لكي ترتفع بوعي الإنسان بعيداً عن مفهوم الآخر, بكل ما يحمل هذا
المفهوم من مضمنات فكرية.
لهذا جاز القول أن مفهوم الآخر ليس له مجال أو مكان أو اعتبار في
الجانب الأخلاقي والإنساني, ولا ينبغي تحكيم هذا المفهوم والتعامل به
في هذا الجانب.
تحديد مفهوم الآخر:
من هنا فإن مفهوم الآخر إنما يتحدد في الجانب الفكري والثقافي, ويتأطر
به بشكل خاص بوصفه المفهوم الذي يشير بصورة أساسية إلى الاختلافات
الفكرية والثقافية بين الأفراد أو المجموعات البشرية, الصغيرة أو
الكبيرة, وقد تتلون هذه الاختلافات تارة بلون سياسي, وتارة بلون
اقتصادي, وتارة بلون اجتماعي, وتارة بلون آخر أيضاً.
وربط مفهوم الآخر بالجانب الفكري والثقافي يستند على خلفية أن هذا
المفهوم هو الذي يشير إلى تلك الاختلافات الفكرية والثقافية الفارقة
والفاصلة التي تظهر بين المجموعات والجماعات البشرية, ولا يتعلق
بالاختلافات البسيطة أو السطحية أو العابرة. ويكشف عن ذلك طريقة
التعاطي بهذا المفهوم بين المجموعات المختلفة, فهو لا يجري التعامل معه
عند هؤلاء إلا على أساس الاختلاف الفكري والثقافي الفارق والفاصل بين
هذه المجموعات.
القران الكريم وعلم النفس
عبدالمنعم الجداوي
(وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)
(الكهف/ 54).
لا السماء بما فيها من عوالم، ولا الفضاء بكواكبه، ونجومه، ومجراته،
وشموسه.. ولا الأرض بكنوزها، ومعادنها، وبحارها.. أكثر جدلاً من
الانسان... ولا أعقد مما يطويه في صدره، وما يسبح بين فؤاده داخل
حناياه، وما يدور في تلك العظمة المجوفة التي تسمى الجمجمة..
وهكذا يؤكد القرآن الكريم ان الانسان أعقد ما دب على الأرض من
المخلوقات وأعظمها أيضاً.. وحينما منح ذلك الحيوان المتكلم القدرة على
فهم أسرار هذا الكون.. شغله الوصول إلى أسرار ما حوله عن الوصول إلى
أسرار نفسه.. تلك النفس التي وضعها القرآن الكريم في كفة واحدة مع
الكون كله بما فيه من عوالم.. واستحقت من المسلمين الذي قرأوا القرآن
وقفة طويلة، إذ تقول الآية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي
أنفسكم) (فصلت/ 53).
الشعور بالذنب!
وقد فرق القرآن الكريم بين الروح والجسد والنفس، وجاءت آياته تتحدث في
بساطة بأدق نظريات علم النفس الحديث.. وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن
غزوة تبوك التي قادها رسول الله (ص). يصف القرآن معاناة الشعور بالذنب،
ويتحدث عن عذاب الضمير للثلاثة الذين تخلفوا في دقة مذهلة ومعجزة..
فلما مضت الغزوة حسوا بالإثم، وقاطعهم أهل المدينة إلى أن نزل فيهم حكم
الله، والقرآن الكريم يقول في هذه الأزمة النفسية التي عصفت بالرجال:
(وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم
أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم
ليتوبوا..)(التوبة/ ).
غريزة حب البقاء!
وفي سورة "الكهف" تصور الآية مشهد أهل الكهف، وقد تعاقبت عليهم السنون،
فتحولوا إلى صورة تفزع القلب، وتروع النفس فتقول (لو اطلعت عليهم لوليت
منهم رعبا) ]الكهف/ 18[، وتجيء أحدث نظريات علم النفس بعد أربعة عشر
قرناً لتقول: ان الإنسان حينما يفزع من خطر.. فان غريزة حب البقاء
تدفعه إلى الفرار بعيداً عن مصدر الخطر.. مجرد إحساسه بالخطر يحشد فيه
قوة غير عادية لا يمكن أن يحصل عليها في حالات الاطمئنان، وتجعله يأخذ
نفسه بعيداً بعيداً.. كالذي يقفز من الطابق الثاني إذا ما شعر بأن بيته
محاصر بالنيران.. وقد ينطلق بعد القفز فاراً مبتعداً عن مكمن الخطر..
ثم يتبين بعد ذلك انه قد أصيب أو لحق به أي أذى.. والآية تحدد بدقة
حالة غريزة حب البقاء حينما تقول: لوليت منهم فراراً مما يقع عليه بصرك
من بشاعة ما فعلته الأيام بالجثث.. إذ لن تستطيع أن تحدد إن كانوا موتى
أو أحياء.. فإذا فررت بعيداً.. امتلأت بالرعب بعد ذلك.
الغضب:
وموسى (ع) كان ذا شخصية انفعالية سريع الغضب.. وإذا رجعنا إلى طفولته
وسلطنا عليها أضواء علم النفس الكاشفة.. فسوف نجد انها مشحونة
بالتوترات ملأى بالقلق بعيدة عن كل ما يوفر الشعور بالأمان لطفل رضيع..
وقد توصل أحد أطباء الأمراض النفسية للأطفال إلى أن الأم والرضيع
يكونان وحدة واحدة من الوجهة النفسية، وان أية انفعالات للأم كثيراً ما
تنعكس على الرضيع، والأم التي تعاني من القلق أو من الحزن ينصحها طبيب
الأطفال بعدم إرضاع طفلها فترة حزنها أو قلقها.. وأم موسى هي التي قلقت
أعظم قلق حينما وضعته في الصندوق، وحينما أرسلت أخته تتبع آثاره على
الشاطئ.. ثم حينما عاد اليها لترضعه، كل ذلك جعل موسى (ع) عصبياً..
يثور عند الغضب إلى حد يلقي فيه بالألواح.. ويصور القرآن الكريم
"الغضب" على انه من الحالات النفسية التي يسقط الإنسان فيها تحت وطأة
قوة أقوى منه.. يتملك الغضب فيها ضحيته ويوسوس اليه بما يريد. بل يدفعه
دفعاً دون أن يملك الغاضب الخروج من حالة الغضب. |