الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(933) الاثنين 2 صفر 1431 هـ/18 كانون الثاني 2010

الثقافية

القص الكردي التجربة والفن كشف الحساب او ما قبل الاحتدام 1968- 1970

سعدي عوض الزيدي

الظروف الموضوعية التي تحققت شيئا ما في هذه الفترة منحت الفرصة والحركة وعودة النشاط لعموم الحركة الادبية في البلد، وفيما يخص الادب الكردي، فان ازالة واجتياز طوق الظروف الاستثنائية الصعبة التي خيمت على اجواء الابداع خلال السنوات التسع السابقة لعام 1968 يعد من مهامها الاساسية. ان عودة الانشطة الثقافية والادبية والاهتمام بنشرالثقافة الكردية، فسح المجال واسعا لان تكرس الاقلام جهدها وتنفض غبار الخمول والسبات، وهكذا وجدت القصة الكردية امامها المنافذ مفتوحة من جديد وخاصة اذا ما تعرفنا على ملامح تلك الفترة والتي من ابرزها نبذ الرزوح تحت ثقل الهزيمة المريرة في الخامس من حزيران واثرها على الانجاز الفني العراقي بشكل عام.

النظرة الفاحصة والمنصفة للانجاز القصصي الكردي، تقرر وبلا تردد بان المحركات الايجابية لمرحلة تخطي المنجز السابق بدأت ممهداته في الظهور اذ ان القصة في جانبها الفني بقيت ملامح الخمسينات والستينات الفاترة، ملازمة لها وهذا المعطى الفني (المتواضع) صار كشفا للحساب وايضاحا لمجمل المسيرة القصصية فحال اللاقبول بالمنجز او ضرورة تخطيه اضحت المطلب والطموح الملتصق بذهن اغلب كتاب القصة ولاسيما اولئك الذين اقتربوا اكثر من التجمعات الادبية في بغداد والمحافظات وتلمسوا من خلال هذه المجسات افتقار ميدان القصة لكذا هزة او صيحة تخلخل العالم الرتيب وتقفز بالفن الى سموه المنشود من خلال البحث عن وسائل راقية تواكب المضامين الجديدة.

شئت تسجيل هذه الاراء ردا على الاعتقاد السائد بان السبعينات كانت مفاجأة المواسم وان حركة (روانكه) كانت السبب الرئيس لهذه اليقظة وانما حركة (روانكة) ذاتها جاءت بفعل وخضم هذا الواقع الذي كشف عن عمق الهوة بين اغتنام الفرصة المتاحة والمنجز الحقيقي.

ب- روانكه

المرصد او “روانكه” الجماعة الادبية التي اطلقت صيحة التجريب وركوب الموجة الجديدة علينا ان نعرف حدود البيان فما كان البيان تنظيرا لمنهج ابداعي محدد او اتجاه فني بقدر ما كان فيه من الدعوة الى التجديد، الدعوة المطلقة والرغبة في هجران السائد المكرور، اكثر مما هو رسم منطلقات ابداعية واضحة، وفقدانه تماما لعموميات المنهج.

فهو يدعو الى اطلاق التجديد لعموم الادب الكردي وخاصة الشعر والقصة. والقصة لا تساوي الشعر في قممها وقت ذاك، فللشعر مكانه العالي في الصحافة والاصدارات والاهتمام ما ليس للقصة، ومع ذلك يساوي جماعة (روانكه) بين النوعين بسبب دعوتها العمومية في ضخ الحيوية فيهما وتطابي الاراء الخاصة -بمجملها عموميات- بالفن.

المثلبة التي وسم بها رافضوا البيان، خلو الدعوة من الرديف الحاسم وهو الابداع الذي يماثل المنطلقات او يقترب منها.. لكنهم حاولوا بجدية فيما بعد عبر تجارب كثيرة بعضها اخفق والبعض اصاب، ولكن لـ(روانكه) فضيلتها في اطلاق صوتها في الوقت المناسب والمرادف لاستعداد الساحة المتأهبة للتجدد والتغيير، فالاستعداد لتلك الانطلاقة المحفزة للاقلام الرافضة او المؤيدة لان تساهم في عملية الغليان المبدع الجديد.

هذا ما كان لـ( روانكه) ولا نستطيع المغالات ونقول بانها مالكة لمفاتيح الانطلاقة وانما لها مساهمتها وتحريكها او دعوتها -على اقل احتمال- في تحريك الجو الساكن -وهذه فضيلة لها.. وسيتضح فيما بعد دور القصة الكردية الشابة في منتصف هذه الفترة وخاصة، بعد ان تفرغ الفورة التجريبية وتبدأ العملية النقدية في اخذ دورها- او خلق دورها الفاعل في ادامة زخم النوع الذي بدأ بالتمحور حول قضايا جوهرية تبعد القصة عن سطحية التناول وتنقذ الفن من عملية الاسفاف فيه ومغادرة القصة بصورة شبه كاملة للسرد الحكائي المباشر الا ما كان منه قصدياً.

هذا الظهور اللائق في فترة الاحتدام مع الاخذ بالمؤشرات السابقة يثبت ضرورة هذه المرحلة، وبديهية الظهور لا فجائيتها وما دام الاحتدام في الاتجاهات والتجارب والذي جاء بعد مطلع السبعينات الا دليلها الواضح..

ج- حوار الفن:

ستار من الصمت زمن من الخمول والتململ، تجاوزه القاص الكردي في هذه المرحلة (1970-00) وفي الازاحة تلك ومغادرة الصمت هذا، انطلاقة قوية ودعوة الى الجديد المبتكر.. انطلاقة في توديعها محطات السبات..

ودعوة كونها فسحت المجال امام القاص والناقد لا يقلب الامر من وجوه مختلفة.. صحيح ان بدء الاحتدام كان متطرفا في شقيه (القديم، الجديد) وربما غالى هذا الطرف في التمادي على حساب الطرف الاخر.. وحسم الخلاف في المسائل الابداعية مقياسه العطاء.. العطاء الفاعل الذي ينهض بالموضوعات الى مصاف هي المبتغى النهائي للجدل الايجابي..

ليس المهم في من هو اول من استخدم (المونولوج) او من تداول الاسطورة بمقدار وضع الفن القصصي في مجاله الابداعية واطاره الصحيح، الحيوي، لا الانشغال بحدود الشكل والارتماء في كهوف مظلمة (تلك هي التجارب التي تلبس لبوس الموضة) والتنكر لما سلف، والسالف هو نتاج الامس القريب.

المخلص لمحاولاته الصادقة والجادة، حتى في موضوعاته الساذجة..

الذي اود قوله -هنا- ان مشكلة الكردي ليست في المضامين او الافكار، وانما في طريقة تناولها واختيار الشكل الموائم لها..

فالاشكالية الحقيقية هي اشكالية التجريب، اذ ان جل القصص الجديدة (التجريبية) ما كانت نابعة من تجربة متأصلة في ذات القاص الا العدد القليل والذي واصل التجربة مطورا اياها، باحثا في الكشف المستمر عن الادوات الملائمة له.. وليكن مثالنا حسين عارف، لطيف حامد، عبدالله السراج، غفور صالح عبد الله. فـ(حسين عارف) مثلا بدأ في اواخر الخمسينات واصدر مجموعة قصصية غير مؤثرة، غير نه في السبعينات كان من الدعاة الى ضخ القصة بالحيوية، نجده محاولا، وتجريبيا جريئاً حتى اوجد لنفسه مساره المقنع..

التكنيك الحديث لم يكن يوما من الايام دعوة لهجرة الواقع واشكالاته.. وعبرة الافادة من مستجدات الفن ادامتها لوجدونا، بيد ان منطلقنا الاساس هو، كون الفن القصصي نتاجا حضاريا والنتاج الحضاري لاينقطع عن تيار الحياة وتوق في اغنائها سواء بالجديد او عرض او معالجة مثبطات الاستمرارية. وغياب ادراك هذه الحقائق سيخل بفاعلية التجربة ويحولها الى مجرد فقاعة ما تلبث ان تنفجر حالما تلامسها دبابيس النقد.

والمرحلة هذه من خصائصها توافر الاصوات النقدية وربما الى هذا التوافر يعزى احتدام المعارك الادبية وتعددية المدارس والمذاهب بعد غروب شمس الواقعية.

ها هي الواقعية، المدرسة التي مثلتها القصة اكردية وباشكال متفاوتة تنحسر او انها لم تتسيد الساحة لوحدها، فقد جاوزتها مختلف المدارس والاتجاهات، الاتجاهات الجديدة، حسبها مناصرو القديم دخيلة ولا تملك شرعية البقاء وما هي الا التماعات كاذبة سيسدل عليها الستار بمجرد خفوت الموجة..

وحجة من ناصر قديم: ان هذا النتاج -القديم- يخاطب جمهوره بصورة مباشرة ويصور معاناته دونما تكلف او الغور في اعماق غامضة من الرموز والدلالات..

يقتنع الجمهور بهذا المنهج او الاسلوب حيث يجد فيه عزاءه اونشوته ينفعل معه تاركا هناته -او يتغافلها- يندفع له ويهاجم الجديد اي كان الجديد..!

حالان مختلفان لكنهم قدما النفع الكثير، ذاك النفع تمثل في تحريك الساحة ونفض غبار الصمت الثقيل.. ومع امتدا السنوات وتعدد التجاربي ترسخت القناعات بهذا الكاتب او ذاك، يمثل اسلوبه هو دون غيره وبتعددية الاصوات المبدعة، تعددت الاساليب، لكن لغاية واحدة تحديد الطريق الواضح بغية عدم فقدان القصة الكردية لهويتها الكردية -العراقية- الوطنية والانسانية والامثلة والشواهد على ذكل كثيرة..

عند اواسط السبعينات ولكون العملية النقدية تحاول اخذ فسحتها وسط التيار الباذخ الانفعال وتحديداً لبعض المسارات او بعض الحقائق واهمها:

- ان القصة الكردية اذا توفرت لها الاصوت المبدعة تثبت حاجتها للدراسة او البحث النقدي الجاد والمنصرف  كليا الى الكسف عن معطياتها الفنية التي افرزتها مرحلة الاحتدام هذه.. وان محاولة فض الاشتباك في الصراع بين القديم والحديق لا تحسمه المقالات المنفعلة والبعيدة عن المنهج بقدر وجود الاصوات النقدية الواعية لادواتها والمكتشفة لطريقها المتعرج هنا وهناك والملغوم بالموضة في بعض الاحيان..

-اثبتت المقارنة بين ما يبدعه كتاب القصة والطروحات النقدية الكبيرة بين الميدانين.. فلم ترصد العملية النقدية وتتبع بالكشف والدراسة والتقصي وتشريح النتاج الابداعي الطموح.. فقد بقي النقد يراوح في طروحاته في معادلة الشكل والمضمون وعلى اهمية هذه الموضوعة فان الاغراق فيها يدل على شحة البضاعة.. ان اسماء قصصية كثيرة تستحق الوقفة الطويلة المتانية.. وانصافاً نقول ان الركون الى العلاقات الشخصية اغفل نماذج طيبة لم تقرا قراءة منصفة، فهل رصد النقد الكردي تطورات كاووس قفطان،/ رؤوف بيكه رد، عبد الله السراج، غفور صالح عبد الله دون اللجوء الى المؤثرات الجانبية..؟

لقد تحولت القصة في معالجة موضوعاتها من صفتها العامة، والمباشرة الى صفتها الخاصة. وانحسر استخدام تلك الاحجار المكررة في رصف البناء الفني، والانتقال الى الموضوعات الفرعية يتطلب دقة في اختيار النص الملائم ونسج خيوط القصة، خيطا تلو خيط.. لكن النقد لم يلاحظ هذ1 الظاهرة بدقة واكتفى بحدود الاشكالية الفنية، تحت الشعار المقيت (انها الحداثة..) والحداثة في القصة العراقية عموما، علينا ان لا نخلق منها سدا دون الافصاح عن هويتنا، ونجعلها كارثة بدلا من الافادة منها.

 

 

الشعر .. ومشكلة اللغة

ورود الموسوي

عنيت الفلسفات القديمة باللغة لا لكونها منهجاً فلسفياً بل كونها الكاشف الحقيقي عن ماهية الوجود فلم يكن ممكناً لكشف الوجود وفهمه الا عن طريق اللغة فهي الدالة على حقيقة الكون وفهم ماهياته وظواهره وأجمع الفلاسفة على مرور عصورهم واختلاف وجهات نظرهم حول اللغة وماهيتها لكنهم اجمعوا على انها المفتاح الوحيد لفهم الفلسفة ذاتها ومن ثم فهم الوجود .. ومن خلال اللغة انتبه الفلاسفة برأيي - باللاوعي- لوجود شيء آخر ترابط باللغة ترابطاً وثيقاً الا وهو الشعر .. حتى كاد لا يخلو عصر من العصور من شاعر فيلسوف بدء بــ ارسطو ومروراً بافلاطون .. ووصولاً الى دانتي وانتهاء بنيتشه رغم نظرته للغة على انها أداة لتفكيك الفلسفة لكنه ظل اميناً لاغراء اللغة حين كتب هكذا تكلم زرتوشت لا زرادشت كما عرّبها البعض وقرأها.

اذن ترابطت اللغة بالشعر وترابط الشعر بالفلسفة ليكوّنا ثلاثياً لكشف ما يجول في هذا الوجود .. حتى ظهر الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر الذي خالف الجميع برؤيته ان الانسان لا يستعمل اللغة بل ان اللغة هي التي تتكلم من خلاله والاشياء تتجلى من خلال اللغة. وبهذا تصبح الكلمة في شكلها الشعري ليست عبارة عن صوت أو اشارة كما يفهمها اللسانييون وإنما هي البعد الاساسي لاقامة الانسان على الارض. وبهذا يعد هايدغر اللغة هي الشعرالأصيل كونه الكاشف عن المحجوب واللامعلوم وهو الاداة التي تتعامل مع مفهوم اللاتحجب الذي اتخذه منهجاً للكشف عن ماهية الوجود باعتبار ان الوجود يفصح عن نفسه من خلال الكلمات.

ولأن مبتغاي هنا ليس تأسيساً او شرحاً لفلسفة هايدغر بقدر ماهي بناء على ما اؤمن به مع هايدغرعلى ان الشعر هو منبع اللغة وباختلال الاخيرة - اللغة- يختل الشعر الاصيل .. وهذا ما يعوزنا في الوقت الحاضر .. بـ اعتقادي ان مشكلة الشعر اليوم هي مشكلة لغوية ولا اعني باللغوية فهم النحو والصرف -رغم انه إجباريٌ جداً - على كل مثقف فضلاً عن الشاعر الذي لابد ان يكون متمرساً وقادراً على تفكيك النحو كونه الاساس الأول لما يبنيه الشاعر الذي سيتعامل مع اللغة وعليه لابد له أن يضطلع بـــ النحو والصرف والبلاغة كونها  الطريق الوحيد والاساسي المؤدي لــ هذه اللغة.

 لكني انظر ايضاً الى ما تشتمل عليه اللغة بمداها الأوسع .. وأعني الانساق الثقافية التي تغذي هذه اللغة فكرياً واجتماعياً وفنياً وحضارياً ايضاً ... ومن خلال هذه الانساق تنفتح اللغة على عالم أشمل مليء بالرموز والمجهول والتي تعد حسب هايدغر ماهية الشعر حيث ان الشعر هو شيء مجهول لا تُعرف ماهيته.. وكلما تعددت هذه الانساق كلما أجاد الشعراء بالكشف عن ماهية الوجود .وأراني هنا اتفق مع المذهب الثاني من الفلاسفة والذي يراه كل من آرنسست كاسييرر وبول ريكور ومارتن هايدغر حيث يعتبرون اللغة هي الوسيلة الانجع لتوسيع افق الفلسفة على عكس مذهب نيتشه الذي ذكرته قبل أسطر انه يرى في اللغة اداة لتفكيك الفلسفة.

وأنا اضيف على قولهم لأقول ان اللغة هي الوسيلة الأنجع لتوسيع افق اللغة باللغة ذاتها .. من خلال الفهم الحقيقي للغة التي نتعامل معها والاحاطة الكاملة بكل أنساقها الثقافية لتكوين أرضية صُلبة يقف عليها الكاتب / الأديب / وبالضرورة الشاعر.. وذلك بإعتبار الشعر -كما مر- هو الأساس لوجود هذه اللغة.

ولأن الشعر اليوم مولود مشوه بسبب سيميائية اللغة التي لم تعد ذات اهمية عند مَن يهم بكتابة نص او قصيدة او اي مسمى يطلق عليه شعر .. لم يعد هناك ارتكاز حقيقي على ثقافة واعية لحقيقة ما نكتب لم يعد الشعر كما كان في خمسينيات القرن الماضي وستينياته ولا حتى في ثمانينياته رغم الحروب - واعني العراق تحديداً- فقد كان للحركة الثقافية الجادة والقراءة العالية والاطلاع المتواصل على كل ثقافات العالم الاسهام الكبير لخلق جيل شعري حاول فهم كل ما يدور حوله من خلال الشعر .. فالمعرفة شكلت القطب الموازن لكل ما يُكتب ..وبهذا كانت الحركة الشعرية بخير .. والنقد حتى أواسط الثمانينات كان بخير أيضاً .. وبنظرة سريعة الى عالمنا الآني سيُصاب المطلع على ما يُنشر اليوم باسم الشعر والشعرية العربية بحالة احباط تدعوه الى هجر الكتابة إذ ما فائدة النشر وسط اطنان الدخن التي تهلّ علينا بما  لا يمت للغة الشعرية بصلة..؟.

أخيراً ان المشكلة الأساسية في الشعر اليوم هي مشكلة لغوية بحتة هي مشكلة القراءة الجادة فنحن أمام جيل لا يقرأ بل لا يريد ان يقرأ .. جيل يهتم بتفاصيل النشر والانتشار على حساب اللغة والعمق الثقافي الذي ينطلق منه ...هو جيلٌ لا يحبذ قراءة الاخرين بقدر ما يهمه مجايلوه ممن يشتركون معه بذات اللغة البائسة .. وذات الثقافة الرخوة مهللين  شعارات الحداثة وما بعد الحداثة دون وعي حقيقي لما يعنيه هذين المصطلحين أراني بحاجة ماسة لإعادة النظر فيما نكتب .. فيما نقرأ  وفيما ننشر .. فثمة جيل يطفو على السطح بلا ملامح.. لا يعرف من أين يؤتى الشعر ولا كيف تُنخَل اللغة..

 

 

قصة قصيرة

الصوت البعيد

علي حسين عبيد

سمعت صوت استغاثة لطفل محاصر في مكان مقفل الابواب والنوافذ .. ضغطت على كابح السيارة ، ونظرت الى زوجتي بجانبي واخبرتها بما حدث لكنها اخفت وجهها بكفيها واطلقت كلمات غامضة ممتعضة وفي لحظات ولت نوبة السهر وعدت الى صحوي لكن انا على يقين من ان الصوت كان يقصدني وهو ليس غريباًعني توجهت بسيارتي الى دائرة البريد التي تعمل بها زوجتي كانت متعبة جداً وددت ان اخفف من حدة قلقها . قلت لها هذه الغفلة المباغتة لن تتكرر وفعلاً هدأت وهي تستمع الى القرآن من مذياع السيارة . لكنها ما زالت تنظر بدقة الى الامام خشية مفاجآت السير . كنت اقود سيارتي وبقايا من طنين عالق في سمعي يشوش تركيزي على الطريق . نظرت الى اليمين هناك اطفال يلعبون في حديقة عامة كان كمال يلعب معهم بحيوية طفل معافى شديد الذكاء رأيته يتقافز بين الاطفال تحت شمس صباح بديع . اوقفت سيارتي ونزلت الى الحديقة . توجهت الى ولدي مباشرة استقبلني الاطفال بتوجس . صحت على كمال لكن لا احد يجيب . نظرت الى الاطفال واحداً واحداً وتحدثت معهم . ثم دهشت حقاً اذ لم يكن ابني بينهم عدت الى سيارتي ورأيت عدداً من المارة يتجمهرون حول زوجتي التي تجلس في صدر السيارة صامتة لا تنظر الى احد سرت مرة اخرى نحو دائرة البريد . مرت ثلاث ساعات على بداية الدوام .. كانت شمس الصيف متقدة والعرق يطفح من مسامات جلدي .دققت النظر في الشارع فلربما اعرض حياتي وحياة زوجتي الى الخطر قالت بصوت متوسل عليك ان تتخلص من هذه السياراة التي ستقتلك في يوم ما . كنت انظر الى المقعد الامامي المغلف بجلد اسود . وكنت في احيان كثيرة ارى كمال يجلس او يتمدد على هذا المقعد ، وكنت اجيبها كالمعتاد ( في المرة القادمة لا تصعدي معي) لكن في صباح اليوم التالي تسبقني الى الجلوس في صدر السيارة ، فأنطلق بها الى دائرة البريد في رحلة يومية بدأت منذ عشرة اعوام لم اتعب منها ولن املها ، خصوصاً وان ولدي كان يحتل صدر السيارة قبل غيابه المفاجئ..

فحين كان طفلاً يرافق امه الى عملها . وفي السادسة من عمره دخل مدرسة الشهداء . في رحلتنا اليومية يصل هو اولاً . ثم زوجتي . وبعدها اذهب الى عملي في ثانوية الوحدة . اليوم هو العاشر على غيابه . امه تحتل مكانه في صدر السيارة امرأة مكسورة القلب . تتشح بالسواد ، وجهها منطفئ ، وقلبها واهن . وانا رجل مكبل بالغفلات المفاجئة والتصورات الطارئة . انطلق بسيارتي وزوجتي الى جانبي هدفي الوصول الى العمل . لكن السيارة اصبحت تأخذني في طرق لا اعرفها ولا تصل بزوجتي الى دائرتها . لا ادري كيف يحدث هذا فجأة . اجد نفسي واقفاً في باب مدرسة ابني واشير اليه بالنزول بعد قبلة يومية بديعة بدرجة تجعلني اتحمل عناء ساعات طويلة مع الطلاب ومتاعبهم .. كل شيء يبدو هادئاً ومقبولاً . وما ان يدخل المدرسة حتى يطمئن قلبي وادعو زوجتي للجلوس الى جانبي . لكنها ترفض احياناً وتقول ان المكان الخلفي مخصص لجلوس الشخصيات المرموقة وتضحك بسرور كبير . انطلق نحو دائرة البريد تنزل زوجتي بعد كلمات توديع معتادة ، ولكنها مطمئنة ظهراً اعود الى ابني كمال ، احياناً اجده ينتظرني قبل وصولي اليه ، واخرى انا الذي انتظر ظهوره من المدرسة . اليوم يبدو انني بكرت بالمجيء اليه عليّ ان انتظره كما كان يحدث سابقاً ، خرج الطلاب جوقات وفرادى . وبصري يرصد الوجوه المتعبة تحت وقد الظهيرة ووطأة الامتحانات الثقيلة . تعاقبت اجساد الصغار ، ونظرت في وجوههم واحداً تلو آخر . ولكن اين ولدي ؟ انه لم يطل بعد . مضت ساعة وانا انتظر . خلت المدرسة من طلابها ومعلميها غمرني اليأس والقلق . وفي اللحظة التي قررت ان اذهب فيها الى زوجتي سمعت صوت طفل مكتوم ، خليط من صراخ ونداءات ملحة تعلو وتخفت ركضت الى المدرسة ورأيت ظل احد ما في أحد الصفوف يلوب ويتلوى خلف قضبان النافذة التي صرت الآن لصق زجاجها فرأيت ولدي وحيداً في الصف جالساً على رحلته يبكي بحرقة ثم ينهض ويتجه نحو الباب المقفل يضربه بقبضة كفه الصغيرة . ركضت الى الباب حاولت ان افتحه ناديت على كمال . انا ابوك يا كمال لا تخف سافتح لك الباب . لكن الصراخ ازداد حشرجة ويأساً فأتيت بصخرة وصدمت خشب الباب لكن لا جدوى . عدت الى النافذة فرأيت دموع ولدي تتطافر من عينيه لكن العجيب انه لم يرني ولم ينتبه لي برغم ان الزجاج كان شفيفاً بحثت عن الصخرة من جديد وهشمت زجاج النافذة بالكامل فهيمن على الصف صمت مريب . وباغتني صوت رجل مسن كان يقف خلفي . التفت اليه كان حارس المدرسة الذي يعرفني ، قلت له اين كمال ؟ اين ولدي ؟ جميع الطلاب غادروا إلا هو . وعدت انظر الى فضاء الصف الميت بلونه الباهت ورحلاته الساكنة وسبورته السوداء .. ظل الحارس صامتاً . وانا امور في اتون حيرة قاسية . وماذا افعل الآن خطوت باتجاه الباب الخارجي للمدرسة في هذه اللحظات سمعت كلمات لم تكن واضحة لكن فهمت قليلاً منها ( ربما ستجده في البيت ) التفت الى الحارس الذي كان يرمقني باستغراب صعدت سيارتي ولم تزل الحيرة تكبلني هدأت قليلاً وادرت محرك السيارة وسمعت مرة اخرى صوت طفل من داخل المدرسة . كنت يائساً لكن نظرت خطفاً فرأيت كمال يركض نحوي مفرداً ذراعيه كطائر متلهف . تركت سيارتي وتأكدت من انه ما زال يركض الي افردت له ذراعي حملته الى صدري ودفنت انفاسي في عنقه البارد . جلس في مكانه في صدر السيارة وانطلقنا الى دائرة البريد كان ولدي ينظر الي بفرح وكان وجه الحارس يلوح لي ضاحكاً قلت لكمال لماذا تأخرت ؟ المدرسة خلت من طلابها منذ ساعة .

 

 

نصوص شعرية

سمرقند الجابري

تحليل

هذا ما تفعله اامور

بأنها تزداد سوءاً

بل أنه انت

ما اتقنت صنعه الاقدار لايذائي

هل كان كذبك بنفس جودة صدقي؟

فلا تفسد حياتك بالتشبث بافكار سخيفة

عن واجبك نحوي

ولن أسعى للايغال في اسرار وجومك

هذا النوع من الرياضة الذهنية لا يروق لي

رأيك عني  لايهمُّ احدا

فأنا لا زلت الفرس الجموح

 التي تنظر اليها الغابة

ظر الاعتبار

مثلث

حبي للمثلث، لا يجعلني مثله

فأضلاعي في الشرق خمسة

ولا تعجب لو مررت بالقطب

ووجدت لي ضلعاً له حرفي

ولو مررت بالانديز

فوجدت جبلاً بشامتين

موقف

الشعر في بلادي موقف

حرية لا تهدى بل تستجدى

هذا ما فعلناه ايضاً

أن نطالب بالحرية...ولا نمارسها

ونكتب ادباً مبتلاً

لعاصمة المخازي

اما الزميل الذي ناضل بالامس

ترك الادب عليكم

لانه مصاب بالشفاء

سـمـو

انه ذلك الابتهاج الذي يصاحب سمو الروح

فوق تجارب الطبيعة

شأن من درب نفسه

على احتمال العذاب

تباين نسب انغماسي بك

فكيف لا أكون راحة النفس الرحيمة

التي كثيراً ما يبخل بها الزمان

على الرجال في احزانهم

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق