الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد(933) الاثنين 2 صفر 1431 هـ/18 كانون الثاني 2010

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الحادية عشر

عقيدتنا في الإسلام

نعتقد أن الدين عند الله الإسلام ، وهو الشريعة الإلهية الحقة التي هي خاتمة الشرايع وأكملها وأوفقها في سعادة البشر ، وأجمعها لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم ، وصالحة للبقاء مدى الدهور والعصور لا تتغير ولا تتبدل ، وجامعة لجميع ما يحتاجه البشر من النظم الفردية والاجتماعية والسياسية .

ولما كانت خاتمة الشرايع ولا تنرقب شريعة أخرى تصلح هذا البشر المنغمس بالظلم والفساد ، فلا بد أن يأتي يوم يقوى فيه الدين الاسلامي فيشمل المعمورة بعدله وقوانينه .

ولو طبقت الشريعة الإسلامية بقوانينها في الأرض تطبيقا كاملا صحيحا ، لعم السلام بين البشر ، وتمت السعادة لهم ، وبلغوا أقصى ما يحلم به الانسان من الرفاه والعزة والسعة والدعة والخلق الفاضل ولا نقشع الظلم من الدنيا وسادت المحبة والإخاء بين الناس أجمعين ولانمحى الفقر والفاقة من صفحة الوجود .

وإذا كنا نشاهد اليوم الحالة المخجلة والمزرية عند الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين ، فلأن الدين الاسلامي في الحقيقة لم يطبق بنصه وروحه ، ابتداء من القرن الأول من عهودهم ، واستمرت الحال بنا - نحن الذين سمينا أنفسنا بالمسلمين - من شئ إلى أسوأ إلى يومنا هذا ، فلم يكن التمسك بالدين الاسلامي هو الذي جر على المسلمين هذا التأخر المشين ، بل بالعكس إن تمردهم على تعاليمه واستهانتهم بقوانينه وانتشار الظلم والعدوان فيهم من ملوكهم إلى صعاليكهم ومن خاصتهم إلى عامتهم.

هو الذي شل حركة تقدمهم وأضعف قوتهم وحطم معنوياتهم وجلب عليهم الويل والثبور ، فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، تلك سنة الله في خلقه ( إنه لا يفلح المجرمون ) ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).

وكيف ينتظر من الدين أن ينتشل الأمة من وهدتها وهو عندها حبر على ورق لا يعمل بأقل القليل من تعاليمه .

إن الإيمان والأمانة والصدق والاخلاص وحسن المعاملة والإيثار وأن يجب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ، وأشباهها من أول أسس دين الإسلام ، والمسلمون قد ودعوها من قديم أيامهم إلى حيث نحن الآن . وكلما تقدم بهم الزمن وجدناهم أشتاتا وأحزابا وفرقا يتكالبون على الدنيا ويتطاحنون

على الخيال ويكفر بعضهم بعضا بالآراء غير المفهومة أو الأمور التي لا تعنيهم ، فانشغلوا عن جوهر الدين وعن مصالحهم ومصالح مجتمعهم بأمثال النزاع في خلق القرآن والقول بالوعيد والرجعة وأن الجنة والنار مخلوقتان أو سيخلقان ، ونحو هذه النزاعات التي أخذت منهم بالخناق وكفر بها بعضهم بعضا ، وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على انحرافهم عن سنن الجادة المعبدة لهم ، إلى حيث الهلاك والفناء وزاد الانحراف فيهم بتطاول الزمان حتى شملهم الجهل والضلال وانشغلوا بالتوافه والقشور ، وبالأتعاب والخرافات والمجادلات والمباهاة ، فوقعوا بالأخير في هاوية لا قعر والأوهام ، وبالحروب لها ، يوم تمكن الغرب المتيقظ العدو اللدود للاسلام من أن يستعمر هذه البقاع المنتسبة إلى الإسلام وهي في غفلتها وغفوتها ، فيرمي بها في هذه الهوة السحيقة ، ولا يعلم إلا الله تعالى مداها ومنتهاها ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

ولا سبيل للمسلمين اليوم وبعد اليوم إلا أن يرجعوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على تفريطهم ، وينهضوا إلى تهذيب أنفسهم والأجيال الآتية بتعاليم دينهم القويمة ، ليمحوا الظلم والجور من بينهم . وبذلك يتمكنون من أن ينجوا بأنفسهم من هذه الطامة العظمى ، ولا بد بعد ذلك أن يملؤا الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ، كما وعدهم الله تعالى ورسوله وكما هو المترقب من دينهم الذي هو خاتمة الأديان ولا رجاء في صلاح الدنيا وإصلاحها بدونه .

ولا بد من إمام ينفي عن الإسلام ما علق فيه من أوهام وألصق فيه من بدع وضلالات وينقذ البشر وينجيهم مما بلغوا إليه من فساد شامل وظلم دائم وعدوان مستمر واستهانة بالقيم الأخلاقية والأرواح البشرية . عجل الله فرجه وسهل مخرجه .

عقيدتنا في مشرع الإسلام

نعتقد أن صاحب الرسالة الإسلامية هو محمد بن عبد الله وهو خاتم النبيين وسيد المرسلين وأفضلهم على الإطلاق ، كما أنه سيد البشر جميعا لا يوازيه فاضل في فضل ولا يدانيه أحد في مكرمة ، ولا يقاربه عاقل في عقل ، ولا يشبهه شخص في خلق ، وأنه لعلى خلق عظيم . ذلك من أول نشأة البشر إلى يوم القيامة .

 عقيدتنا في القرآن الكريم

نعتقد أن ( القرآن ) هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم فيه تبيان كل شئ ، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية ، لا يعتريه التبديل والتغيير

والتحريف ، وهذا الذي بين أيدينا تتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه ، وكلهم على غير هدى ، فإنه كلام الله الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)

ومن دلائل إعجازه أنه كلما تقدم الزمن وتقدمت العلوم والفنون ، فهو باق على طراوته وحلاوته وعلى سمو مقاصده وأفكاره ، ولا يظهر فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة ، ولا يتحمل نقض حقيقة فلسفية يقينية ، على العكس من كتب العلماء وأعاظم

الفلاسفة مهما بلغوا في منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية ، فإنه يبدو بعض منها على الأقل تافها أو نابيا أو مغلوطا ، كلما تقدمت الأبحاث العلمية وتقدمت العلوم بالنظريات المستحدثة ، حتى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط وإفلاطون وأرسطو الذين اعترف لهم جميع من جاء بعدهم بالأبوة العلمية والتفوق الفكري .

ونعتقد أيضا بوجوب احترام القرآن الكريم وتعظيمه بالقول والعمل ، فلا يجوز تنجيس كلماته حتى الكلمة الواحدة المعتبرة جزأ منه على وجه يقصد أنها جزء منه ، كما لا يجوز لمن كان على غير طهارة أن يمس كلماته أو حروفه ( لا يمسه إلا المطهرون ) سواء كان محدثا بالحدث الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس وشبهها ، أو محدثا بالحدث الأصغر حتى النوم ، إلا إذا اغتسل أو توضأ على التفاصيل التي تذكر في الكتب الفقهية.

 

 

مفهوم الزمن في القران الكريم من خلال المنهج والاسلوب

محمد موسى

يجمع القرآن الكريم ـ في عرضه لمادة الزمن ـ بين المعاني الدقيقة والأساليب الواضحة، وبين الدلالات العلمية والتعابير الأدبية، فلا يمكن ألبتة الفصل بينها. فالقرآن الكريم لا يفرد لموضوع الزمن سوراً ولا آيات خاصة به، فهو يخالف بالتالي منهج الدراسات المعاصرة التي تؤلف خصيصاً لهذا الموضوع أو ذاك، وتعنون أبوابها وفصولها بعناوين تحمل دلالة زمنية مجردة، تفصل في ثنايا الكتاب تفصيلاً متسلسلاً وملتزماً بصلب ذلك الموضوع.

ولعل السرّ والحكمة في ذلك هو أن القرآن ينفرد عن جميع ما ألف في تاريخ البشرية «بأنه أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصيغة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغاً من ذوب تلك المواد كلها، وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبته هو الصورة الروحية للعالم كله».

فالزمن يغوص في كل جزئيات الكون، ويحسه كل مخلوق، فيتأثر به ويؤثر فيه، وهو لا ينفصل عن الطبيعة، ولا الكواكب، ولا الأحجار، ولا الأشجار ... ولا عن الذرة، ولا الخلية ... وهو حاضر في كل هؤلاء حضرواً أكيداً.

وهو من جهة أخرى يسري في جميع سور القرآن وآياته وحروفه، تتذوقه أبسط العقول فهماً، وتتملاه أكبر العقول إدراكاً، وما ذلك إلا للاتساق بين القرآن وبين الكون، شكلاً ومضموناً، فهما من تأليف مؤلف واحد هو الخالق جلَّ علاه، ومن حكمته أن سمّى كلّ واحد منهما آية: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) سورة يس: 37، (كتاب فصلت آياته) سورة فصلت: 3. فلا يعقل أن يتفقا تأليفاً، ويختلفا تركيبا (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء: 82، ويقول جل وعلا: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) سورة فصلت: 53.

وإذا استعرنا من الدكتور طه جابر العلواني مصطلحاته، فإننا نقول: هما «كتابان تجب قراءتهما: كتاب منزَّل متلو معجز هو القرآن، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والكون بدءا من الانسان، ولابدّ من قراءتهما معاً لتوجد المعرفة الحضارية الكاملة، التي تمكن الانسان منا لقيام بمهام الاستخلاف، وأداء حق الأمانة، والقيام بمقتضيات العمران. والجمعُ بينهما أمر ضروري، إذ بدونه يقع الخلل» فقد انحرف عن الصواب مَن اكتفى بقراءة دون قراءة.

ومن تمام الجمع بين الكتابين التأملُ في أسلوب التأليف المشترك بينهما، غير أنه «يشيع بين بعض الناس الذين يقرأون القرآن بعقلية نقدية تحليلية، بأن القرآن من الناحية الموضوعية لا يتبع نظاماً محدداً، فيبدو وكأنه مركب من عناصر متناثرة، ولكن لابد أن يكون مفهوماً بادئ ذي بدء أن القرآن ليس كتاباً أدبياً وإنما هو حياة ... إن التعليق الوحيد الأصيل على القرآن هو القول بأنه حياة».

وإن الملاحظة الوحيدة الأصيلة التي تساق في التعبير عن أسلوب عرض القرآن لمادة الزمن هو القول: بأنه هو نفسه الأسلوب الذي يغمر الكون والحياة، بعيداً عن الأسلوب المقيد الجاف الذي يستبدّ بعقلية النقَّاد والفلاسفة وذوي الاختصاص.

من خلال الأسلوب:

أشار الخطّابي وغيره من البلاغيين القدامى إلى أن القول بإعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته وحسن تأليف ألفاظه ... وغير ذلك من مميزات الأسلوب القرآني، لم يكن ليفترق عن القول بإعجازه في معانيه ومضامينه، ومقاصده وأغراضه.

وينبغي أن لا يأخذنا الظن فنقصر إعجاز القرآن في بلاغته متجاهلين مضمونه، فنقع في اللفظية المفرطة التي كثيراً ما أفسدت على القرآن جلاله وجماله، وجنت على مكانته ككتاب هدائي حضاري، ولمثل مَن يقف هذا الموقف يقال: «علمك كله لفظ، وروايتك حفظ، وعملك كله رفض».

وإنّ المتتبع لمادة الزمن في القرآن الكريم، لتبهره البلاغة المعجزة التي تعرَّض بها لهذا الموضوع، فلا تخلو المعاني الكونية في هذا المجال من محسنات لفظية، ولا أسلوبية، ولا تعدم الإيقاع الموسيقي، ولا التصوير الفني.

وحتى يتم تصور مادة الزمن في القرآن الكريم تصوراً مؤسساً، ينبغي أن يتنبه الباحث إلى هذا الجانب، ويوليه أهمية كبرى، وإلا فنصف التصور عنده ضائع.

ومما يلاحظ من القرآن وهو يعرض مادة الزمن توظيفه لفنون البلاغة، من ذلك: الجمع والتفريق، والتقديم والتأخير، والتخصيص والتعميم، واللفظ المشترك وغير المشترك، والتغليب، وحياة الألفاظ، والتكرار، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والإيجاز والإطناب، والسجع، والتصوير، والالتفات، والرمز ... وغيرها من فنون البلاغة مما أحصاه المفسرون والبلاغيون، ومما لم يحصوه بعد، ويمكن إعداد بحث مستقل مستفيض وشيِّق في هذا المجال، أما نحن فنكتفي باستعراض نماذج تقرب الفهم، وتكون سنداً لبحثنا، تاركين الغوص لأهل التخصص:

1- تحديد الألفاظ:

يستثير المتأمل في جدول ألفاظ الزمن في القرآن الكريم، التحديد الدقيق لمكان الألفاظ وسياقها، بحيث يرى اللفظ «قاراً في موضعه، لأنه الأليق في النظم، ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدلالة ... ».

ففي قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) سورة الحديد: 3، نجد لفظتي الأول والآخر.

فكلمة «الأول» هكذا: معرَّفة، مذكَّرة، ومفردة ... لم ترد بهذا المعنى ـ أي اسماً من أسماء الله تعالى ـ إلا في هذه الآية، وكل من المعرفة التي تنفي النكرة والخفاء، والذكورة التي تنفي الأنوثة والضعف، والإفراد الذي ينفي التعدد والاشتراك ... كل هذا يتفق وصفات الله تعالى، حتى إنه إذا قيل «الأول» ـ في لغة القرآن هكذا مطلقاً ـ فإنه ينصرف إلى الله سبحانه وتعالى دون غيره.

وكذلك يقال عن «الآخِر» الذي ورد بمعنى يوم القيامة، ولكنه أسند إلى «اليوم» (واليوم الآخر) سورة التوبة: 19. وأما مطلقاً فيعني اللهَ سبحانه دون غيره.

ويعني بالآخر: «المتأخر عن غيره، لا انتهاء له ... والآخر بالأبدية» وبالأول: «الأول الذي هو بالأزلية».

ومهما بحث الباحث عن لفظين ليضعهما في موضع هذين فإن اللغة لن تسعفه، ولن يجد أبلغ ولا أعمق ولا أدق تعبيراً، أو أحسن وزناً من هذين اللفظين «الأول» و «الآخر»، خاصة وأن الآيات بصدد التعرض لموضوع الإحياء والإماتة، وخلق السموات والأرض، فناسب أن ينبه إلى الأولية والآخرية.

2- المقابلة:

عرَّف البلاغيون المقابلة بأنها إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ، على وجه الموافقة أو المخالفة، وبهذا المعنى استعمل القرآن الكريم المقابلة كأداة للتعبير عن الزمن في كثير من آياته.

ومن الأمثلة قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) القصص: 73، فقد جيء في صدر الآية بضدين هما: الليل والنهار، ثم قابلهما بضدين هما: السكون والحركة على الترتيب «ثم عبر عن الحركة بلفظ مرادف، فاكتسب الكلام بذلك ضرباً من المحاسن زائداً عن المقابلة، ذلك أنه عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل، لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة لمصلحة دون مفسدة”.

3- الطباق:

الطباق هو الجمع بين الشيء وضده في كلام واحد، ومن أمثلته في القرآن الكريم: الليل والنهار، الأول والآخر ...

فقد ورد لفظ «الليل» في القرآن حوالي مائة مرة، وذُكر في جل المواطن مقابلاً «للنهار»، أو أحد أجزائه مثل: «الضحى» و «الإصباح» و «الفجر» و «دلوك الشمس» ... إلا نادراً.

4- الجناس:

من أبلغ أنواع الجناس: الجناس التام، وهو التشابه المطلق لفظاً، والاختلاف معنى، ومن أمثلته عند البلاغيين قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) الروم: 55.

فالجناس هنا بين اسمين متماثلين هما «الساعة» و «ساعة»، أما الأول فمعناه القيامة، وأما الثاني فيعني مطلق الوقت.

5- التشبيه:

انفرد القرآن الكريم بكثير من التشبيهات البديعة، منها قوله تعالى: (وجعلنا الليل لباساً) سورة النبأ: 10، فشبَّه الليل باللباس، لأن الليل من شأنه أن يستر الناس بعضهم عن بعض.

6- التصوير الفني:

نحا سيد قطب في دراسته للقرآن الكريم منحى خاصاً، فلم تكن مفردات القرآن ولا تراكيبه وحدها شاغلة له بموسيقاها وتناسقها وترابطها، «وإنما كان نظره مركزاً في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير» الفني، فألف كتاباً بعنوان: التصوير الفني في القرآن الكريم.

ومن هذا المنطلق البلاغي المعاصر، نجد أن موضوع الزمن في القرآن قد عرض عرضاً فنياً بليغاً، وقد أورد سيد قطب عدة نماذج من هذا التصوير، وتحت عنوان «التخييل الحسِّي والتجسيم» يذكر ثلاث صور من صور التشخيص التي تأخذ باللبِّ، وتجعل الطبيعة الصامتة أبلغ ناطق، نقتبس منها مشهدين هما:

أ) صورة الليل يسرع في طلب النهار، فلا يستطيع له دركاً ـ وكأنه شخص واع ذو إرادة وقصد ـ (يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً) سورة الأعراف: 54، ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة، التي لا نهاية لها ولا ابتداء.

وفي هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير، لا يمكن أن يرقى إليه فن بشري على الإطلاق.

ب) صورة هذا الليل وهو يسري: (والليل إذا يسر) سورة الفجر: 4، فتحس سريانه في هذا الكون العريض، وتأنس بهذا الساري على هيِّنة واتِّئاد، فهو بالتالي مخلوق حي، وكأنه ساهر يجول في الظلام، أو مسافر يختار السري لرحلته الشاقة المضنية.

 

 

نظرة القدماء للتماسك

د. صبحي إبراهيم الفقي

 القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين ونزل معجزاً في جوانبه كلها. ومن هذه الجوانب إعجازه اللغوي، ولهذا فقد حار العرب في أمره "إذ لا يرون في آدابهم له نظيراً، ولا يرون أنفسهم قادرين على تقليده، وذلك لسمو أسلوبه، وجمال نسجه، وما اشتمل عليه من تشريع وإخبار بالغيب...

إن حسن النسق من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، كما أن انسجام الشعر من جوانب جماله. وقد لاحظ القدماء هذا الجانب المعجز في القرآن الكريم، وحاولوا دراسته كل بما يناسب تفسيره.

والقرآن الكريم، لشدة تماسكه، عُدَّ كالكلمة الواحدة، على الرغم من أن "كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة. ومع ذلك فإنها _السور المكية خاصة _ تجتمع على الموضوع والغاية، ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع، وتحقيق هذه الغاية”.

ووحدة الموضوع من بين جوانب التماسك في القرآن المكي؛ فإذا كانت السورة المدنية تركز على موضوع التشريع، فإن السور المكية تركز على "حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، وحقيقة العلاقات بينهما، وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه، ويتبعوا أمره وشرعه، وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش ودخل وانحراف والتواء، ورد الناس إلى إلههم الحق الذي يستحق الدينونة لربوبيته”.

ويقول الجرجاني في نص طويل، وهو يفرق بين نظم الحروف في الكلمة، ونظم الكلمات في النص، إن الثاني يقتفي فيه آثار المعاني، وترتبها في الكلام حسب ترتيبها _أي المعاني _ في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، نظيراً للنسيج والتأليف... والبناء وما أشبه ذلك مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض. والفائدة في معرفة هذا الفرق أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها...

واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك، علمت علماً، لا يعترضه شك، أن لا نظم في الكلم، ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك... وننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله.

فأشار هنا إلى أهمية التماسك الدلالي، والتماسك بين أجزاء النص، وإلى التعالق، وإلى علاقة السببية، وهي من علاقات التماسك النصي.

ويشرح، في نص آخر، معنى التماسك بصورة تكاد تكون أوضح من شرحها في العصر الحديث، فيقول: "واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك في توخي المعاني... أن تتحد أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان فيها بأول، وأن يحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعاً واحداً، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه ها هنا في حال ما يضع بيساره هناك، نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين... واعلم أن من الكلام ... سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لألٍ فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق...

وقد ركَّز علماء النص على أهمية الجملة الأولى في التحليل النصي، وعلاقة الجمل التالية كلها بهذه الجملة. وبالقياس نجد الرازي (ت 328ه‍) يذكر أهمية سورة الفاتحة بالنسبة لما يليها، فيقول: "... هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن، وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه، فقوله: (رب العالمين) تنبيه على أن كل موجود سواه فإنه دليل على إلهيته.

وقد لاحظ السيوطي هذا الأصل بالنسبة لسورة الفاتحة وعلاقة القرآن الكريم كله بها، فقد ذكر السيوطي (ت 911ه‍) أن من أسباب بداية السور المكية بالأنعام، وذلك بعد الفاتحة بالطبع، أن كل ربع أي 25% من القرآن تبدأ بالحمد؛ "فالفاتحة تبدأ بالحمد، والأنعام بالحمد، والكهف للربع الثالث، وسبأ وفاطر للربع الرابع”.

وهذه نظرة فاحصة لقضية التماسك بين سور القرآن قاطبة، والمكية خاصة، فهذه السور التي تبدأ بالحمد كلها مكية، وهذه النظرة تمثل نظرة كلية للنص القرآني باعتباره وحدة متكاملة.

وقد فصل الرازي علاقة سورة الفاتحة بكل من الأنعام والكهف وسبأ وفاطر، من منطلق بداية كل منها بـ (الحمدُ لله).

وهذه الروابط التي تظهر بدقة النظر، وطول التفكر والتأمل، هي روابط تماسكية دلالية. وكذلك فيها مراعاة للتناسب بين الآيات. وهذا يحتاج كما جاء في الترجمة للإمام الرازي في مقدمة الكتاب _ "إلى عقلية تتميز بسعة الأفق، إذ إنه يخدم معنى الآية، لأنه يربط الآية بما سبقها من الآيات... وقد برع الرازي في ربط الآيات السابقة بالآيات اللاحقة”.

وهذا الربط هو ما يعنيه التماسك، سواء أكان شكلياً أم كان دلالياً. وهذا يمثل أيضاً إدراكاً واعياً لدى المفسرين لقضية التماسك النصي.

وإذا كان الرازي والسيوطي نموذجين _على سبيل المثال لا الحصر _ لتحليل النص القرآني من ناحية إبراز التماسك النصي. وإذا كان الجرجاني ممثلاً للبلاغيين في هذه القضية. فإن الأمر بالنسبة للغويين يختلف إلى حد كبير، إذ إنهم يركزون تركيزاً شديداُ على التماسك على مستوى الجملة فقط، وهذا في الغالب، فقد ركزوا، في قضية الإسناد، على الابتداء والفاعلية وغيرهما مما يتعلق بالجملة. وعلى ضرورة وجود الرابط في جملة الصلة والخبر الجملة. وهذا نوع من التأكيد على ضرورة التماسك، لكن على مستوى الجملة فقط.

وتحدث سيبويه من قبل عن أهمية وجود الضمير الذي يحيل على السابق، وإلا يصبح الكلام غير حسن.

ومن الجوانب التي أكدها التحليل النصي حين معالجة التماسك الدلالي، قضية التفاعل Interaction بين المنتج والمتلقي والنص. وكذا وجدنا هذه اللمحات عند علماء العربية؛ فيتحدث المبرد مثلاً عن الابتداء: "نحو قولك: زيد، فإذا ذكرته فإنما تذكره للسامع، ليتوقع ما تخبره به عنه، فإذا قلت (منطلق) أو ما اشبهه، صح معنى الكلام، وكانت الفائدة للسامع في الخبر؛ لأنه قد كان يعرف زيداً كما تعرفه، ولولا ذلك لم تقل له زيد، ولكنت قائلا له: رجل يقال له زيد، فلما كان يعرف زيداً، ويجهل ما تخبره عنه _أفدته الخبر، فصح الكلام.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق