|
المكون الحركي لجسد القصيدة
دراسة في سيميولوجيا البنى الشعرية عند
أدونيس وحسب الشيخ جعفر
علاء هاشم مناف
إن مسارات النتاج الشعري من ناحية تفصيل الوعي الجسدي والرغبة الناجمة
عنه شعرياً وتحولاته بالإعادة للمنطق الجذري والهيمنة المطلقة
للإتجاهات المتعددة في التحليل والكشف عن الصورة “البنوية” والبيانية
لأنها الأكثر ضرورة وكثافة ، وهي المدخل لأشد الحالات إختلافاً من
الناحية الجمالية والسيكولوجية ، وقد بلغت دراسة الصورة البلاغية
وعلاقتها بمنظومة الجسد فيما يتعلق بتحليل الصورة البلاغية من حيث توفر
المنطق النظري الذي بلغ من الكثافة والإضاءة والتركيب يشير إلى الكثير
من الأواصر البلاغية والإسترداد التوليدي في نطاق حدود” قصيدة الجسد”
التي تتقابل وفق منطقين من النصوص الشعرية ويمثله التماثل بين المواضيع
المفترضة في القصائد ، ونحن في هذه الدراسة نقوم بسبر أغوار الوعي
الجسدي في الخاصية الشعرية لنماذج من “الشعر الحديث” لشاعرين تضمنا
خلاصة دقيقة لمفهوم “الوعي الجسدي” في الشعر هما “ أدونيس وحسب الشيخ
جعفر”.
وفي هذا المنطق الإفتراضي نؤكد حالة التماثل الإفتراضية وفق صياغات في
التشبيه والاستعارة، لأن اللغة أصلاً هي لغة إستعارية لأنها تؤسس آلية
الإستعارة والتشبيه وفق نشاط لغوي قائم على المواضعة التي تولّد الثراء
اللغوي لأنه يقع في دائرة النظام " السيميولوجي" وفق آلية تتشكل
بالمواضعة باعتبارها آلية تقديرية تقوم بتحديد المنشأ، من الحزام
اللغوي والجمل القابلة للإنشاء والمحملة بالمعنى لأنها تمثل" الاستعارة
والتشبيه" وهي المحرك المجدد في التقابل القياسي ، والتعليل الإعتباطي
للجسد إلى المنطق الاستدلالي للإستعارة والتشبيه داخل المحايث للجسد
الشعري ، هناك الطرف الذي يمثل الحوار والتصور والأشارة، إلى بيان
المعنى عند أدونيس:
أتخيَّل حبيّ
يتنفّس من رئة الشيء
يأتي إلى
الشّعر في
وَرْدةٍ أو غُبارْ
يتهامسُ مع كل شيءٍ
ويهمس للكون أحوالهُ
مثلما تفعل الرّيحُ والشمََّسُ
حين تشقّان صَدْرَ الطبيعة
أو تسكبانِِ على دفترِِ الأرْضِِ
حِبْرَ النَّهارُ
ما يعني من تحليل لصورة الحدث، والحديث عن الحب هو قول تحليلي في حالات
محايثة لقوانين من صلات " للدال والمدلول" ومبدأ الإقتران في إمتلاك
تلك الإشارة في معنى" أتخيّل حبّي" وإرجاع الدال إلى اللغة الواحدة
وإلى عدة مدلولات وإرجاع المدلول إلى عدة تفاصيل كثيرة من الدالاّت ،
وهنا تأتي المترادفات في اللغة وهي أن العلاقة بين اللغة المنطوقة
وغيرها يعود إلى الكلمات الإعتباطية في الجسد الشعري ، وقد يتشكل هذا
الجسد الشعري بالسياق المحايث للكلمات المحايثة للأصوات وهذا خلاف لغة
الجسد الشعرية، وخلاف منطق الأصوات داخل المنظومة اللسانية . ولنأتي
إلى المقاطع الأخرى من القصيدة " يتنفس من رئة الشيء يأتي إلى الشعر في
ورْدَةٍ أو غبارْ" فالإشارة هنا تأتي من جسد اللغة، اللغة تقع في دائرة
النظم وبوظيفة تواصلية ، إلا أنها لغة محاكاة تقع ضمن الدائرة العقلية
، هناك إشارة إلى حدود الدالاّت وهناك ضروب من التشابك"الألسني" بين
الأصوات اللّغوية المعنية والمفردات المركبّة التي تجمع "المعنى
واللّفظ" والطبيعة اللسانية في "شعر أدونيس" هو الحديث بالإشارات
والشيفرات لأنها مرتبطة بالصياغات الدالة وهي متشابكة مع خواص منطق
الجسد الشعري. في شعر أدونيس هناك نسبية في العلاقة بين " الدال
والمدلول" وهي إشارة إلى قوانين العلاقات الفلسفية في اللّغة ، وأدونيس
يفرّق بين الكيانات والمكونات التي تقوم "بترتيب الأشياء" داخل الجسد
الشعري ، أو بين العكوس التي تتكون داخل صياغات الدلالة من الناحية
الإعتباطية، وهذا خلاف المنطق التأريخي، ويجعل أدونيس الإشارة محايدة
دائماً من الناحية السسيولوجية ، فهو" يتهامسُ مع كّل شيءٍ ويهمس للكون
أحوالهُ مثلما تفعل الرّيحُ والشمسُ، " وأدونيس يضع الإختيارات من
الإشارات في قلب الحدث الشعري جسدياً وهذا جزء من الإستخدام السسيولوجي
في تفاصيل تقاطعات الشيّفرة عند" السيمائيين" بعد " سوسير خاصة" فثقافة
أدونيس هي ثقافة إشارة دالّة، فهو يختار الإشارة بحرية مطلقة من منظور
لساني يعادل فيه إختيارات اللّغة الجسدية بحرية كما قلت ، ويحافظ على
الإرث المحايث في الإستخدام بسبب الجانب الإعتباطي الذي يتمحور داخل
هذه الإشارات، هذا لا يعني باستطاعة أي إنسان أن يختار دالاً ومدلولاً
يكوّن به المنحى الاعتباطي، لأن الدال والمدلول لا يقعان في دائرة
الخيارات الفردية بل الجماعية، لأن الفرد لا يستطيع أن يحدد مسارات
المنطق اللّساني لأنه جماعياً.
من منظور الاستخدام للغة ، فهي شيء معطي لأنها عقدة الولادة العسيرة،
فهي موضع إشكال في جسد القصيدة، والاعتباطية تقع داخل المنطق الوجودي ،
حيث يتشكل المحايث اللّغوي في هذه العقدة، ويبدو أنها أي اللغة بجانبها
التصنيفي غير الإعتباطي في سياق الكلام لأنها تتكون نسقياً عند حسب
الشيخ جعفر:
تدور العصافير في آخر الليل
في الرحبة يهبط أخضر أسود
في وجهه النارُ والعشبُ
سيدتي هل رأيتِ الرياح
القديمة تنشر أثوابُة
سيدتي هل نسيت على مرمر
الحوض هذا البنفسج؟
أني
على مرمر الحوض أنسى البنفسج
ثوبك هذا بلون البنفسج
عن أي جنية في الحدائق
تبحث
إن منظومة الأشارات التي تعني المبحث الشعري، تتأكد بالمنظومة القائمة
على الإشارة ذات السيرورة السيميولوجية لأنها تتقدم منظومة التعبير
وتبرز الخصائص المتعلقة بالمعنى وفي هذه القصيدة يتقدم المنطق الألسني
كإنموذج للسيميولوجيا. وتفاصيل الإشارات لا تعدو إلا كونها
منظومة"سيميائية" تتقدم لغة منظومة ومنطوقة وهي من الأمثلة المشروطة
على منظومة الإشارات"تدور العصافير في آخر الليل في البار، يهبط أخضر
أسود في وجهه النارُ والعشبُ.
" تدور العصافير في آخر الليل" وتتجسد
الفاعلية المنطقية في هذه الثنائية في جسد" القصيدتين" " موسيقى (1)
عند أدونيس وهبوط أورفي لحسب الشيخ جعفر " حيث يتوسط هذه الثنئاية على
المستوى الدلالي في:
1-فعل المصالحة والمطابقة ، والحيز
المكاني في "هبوط العصافير في آخر البار" أو " ويهمس للكون أحواله"
والعلامة الذكورية في المنطق الكوني ، "سيدتي هل رأيت الرياح" وهي
علامة تأنيث والليل مذكر دون علامة، وهنا يأتي وجه التناقض في" هبوط
العصافير في آخر الليل" والليل مطلق العلامة وهو أداة تعريف، "فحيز
النهار عند أدونيس" " وآخر الليل عندما تدور العصافير" يأتي " النهار/
والليل من هنا يأتي المشترك الثلاثي وهو التوسط بين حالة الاختلاف في
المصالحة بينهما " النهار/ والليل" النهار عند أدونيس / والليل عند حسب
الشيخ جعفر / فالثنائية هي وجود خارجي يتركب وفق منطق سيميائي ، وآخر
حركة " النهار/ والليل ويأتيان في التركيبية النظمية التي يبرز فيهما
التجاور الفعلي للطبيعة الجسدية لشعرية القصيدتين ، والإشارة إلى
القصيدتين هي عبارة عن تمثيل لثنائية التولد في الفكرة المعادلة أو
ربما يكونان بإشارة أكثر تطوراًً تنوب عن تلك الأشياء الموجودة في جميع
نواحي جسد القصيدتين . وهنا نرجع إلى تسمية التمثيل الثنائي في الحيز
المكاني للجسد الذي يتأكد بالمنطق المكاني وهذا قدر كبير من العناية
ينعكس في الجملة الشعرية وفق ظرف المكان الذي يحرك جسد القصيدة ، وهكذا
تتشكل الثنائية المكانية بين جسد القصيدتين، وحركة الجسد تتكون من "
حين تشقان صَدْر الطبيعة ،" وحتى آخر قصيدة حسب " عن أي جنية في
الحرائق تبحث،" إن فاعلية العبور للمكان يلبي عنصرا الدلالة الثنائية
والجديد في جذرية البنية الجسدية وإمتدادها والإضاءة لكل ابعادها
البنوية المتعالية لغوياً في تجسيد جسد ذلك الامتداد في القصيدتين ، إن
حركة الإرادة تتركز بالفاعلية المتغيرة بالعوالم الجديدة التي تعكس
فاعلية القصيدتين.
يقول أدونيس:
صامتٌ ليلنا
مِِنْ هُنا زهرٌ ينحني
مِنْ هنالك ما يُشبه التَّلََعثُم
لا رَجََّهٌ. لا افتِِتانْ
ليلُنا يتنهّد في رئتْينا
والنوافذ تُطبقَََ أهدابََها
إن حركة النزوع في هذه الأبيات عند"أدونيس" تتجاوز فعل الإلغاء لتنتقل
إلى النسيج الثنائي في خصائص الربط الذي بدأ" مِنْ هنا زهرٌ ينحني"
لتمتلك خصائص فعل التشبيه وهي طريق إلى البدء بالحلم الرومانسي، ولذلك
جاءت هذه الأبيات مركبة لتفتح عالماً مليئاً بالنهايات المقفلة لتقع
هذه الأبيات بين عالمين ، عالم الفهم للمعنى باللفظ الذي كان له ابتداء
في اللغة وما نقل عنه من وصف لا معقول في لغة الموسيقى الداخلية ،
والأوصاف اللاحقة للجمل من حيث جمل موسيقية لا يصح ردها إلى اللغة ولا
وجه نسبتها إلى موضعها الموسيقي بل هو إسناد فعل إلى أسم أو أسم إلى
أسم وهذا يحصل بقصد المتكلم في ميزان اللغة ثانياً والقصد هو الضرب
الموسيقي ، فالذي يعود إلى جسد اللغة موسيقياً هو من يصبح خطابه باللغة
هو المتكلم لأثبات ضرب اللغة لأثبات الدخول موسيقياً لا لأثبات الخروج
لغوياً وفي كلا الحالتين يتم إثباته بالتعلق بما أراد في "اللغة
الموسيقية"( ) إن عالم اللغة هو عالم حركة النزوع للمجاوزة لجسد
القصيدة وعليه سوف تكسب هذه الموسيقى ثقلاً خاصا يجمعها بالمركزية
اللغوية وخصائصها الموسيقية، لكن حركة جسد القصيدة كان فاعلاً بالإنجاز
الكلي لتلك الفاعلية وهي تؤسس إنطلاقة في تحديد مسار ذلك الجسد الذي
افتتح منعرج القصيدة ثانية في "ليلنا يتنهد في رئتينا" هذه الفاعلية
تستند إلى إستضاءة ثانية في " والنوافذ تُطبق أهدابها" وهي إشارة إلى
المنطق الموسيقى في جسد القصيدة / والموسيقى المتعلقة بالمنطوق
للمفردة، والإشارة هنا هي التعبير عن المعنى في تأويل الإشارة/ والممثل
/ والموجود/ داخل خصائص بيرسية تضع مركب ثلاثي يستند إلى هذا المرتسم.
هذا التفاعل يعطينا حركية التأويل للإشارة ، والسيرورة لحركية الإشارة،
والسيرورة لحركية المعنى ، وهي طريقة لفك تشفير الإشارة( ) إن ما تؤكده
الإشارة هو الذي يعمل على مواصلة عملية الإدراك والتواصل وإلى معرفة
تلك الأستعارة من الناحية البلاغية ، وهذا هو التعبير عن السيرورة في
فك تلك الشيفرة وإدراك الموجود من ذلك الوجود المكاني كما يقول حسب
الشيخ جعفر في هذه الأبيات:
سيدتي أنت مبتلة ، في المقاهي
الصغيرة خادمة ترتدي لون هذا البنفسج
إن توظيف الصورة الحسية للشاعر على صعيد البنى الدلالية ليتجاوز بها
إستيعاب كل التفاصيل التي تحيط بالجسد، وقد أورد" حسب" الحدث الدرامي
في ثنائية قتل العصافير في البار آخر الليل، وهي إشارة إلى البنيات
والشخوص ليخلق الشاعر حدثاً درامياً يتجاوز فيه الحدث الخطابي إلى منطق
السرد في" ترقص، ترقص في وجهها النار والعشب" حتى أن مقتل العصافير في
البار آخر الليل يتحقق بالمعادل الموضوعي في دلالة تتحقق موضوعياً في
زمكان معين يؤكد شمولية الجسد في القصيدة عن طريق الحدة في مرتكز
الصورة الشعرية بوصفها مستوى آخر يفتح قياس جديد في الجملة الشعرية.
ولا ينتهي المركب اللفظي في هذا المجس بل يتكشف بالإدراك للمنطق
الدلالي ، وحسب ركز على لون البنفسج فهو لا يتعدى الإشارة إلى اللون ثم
يبدأ التشكيل الكلي والتخصيص وهو مرهون بذلك الأيحاء القوي الذي يضع
القصيدة في مرتكزها الدلالي حتى يشيع ذلك اللون من خلال التعبير
الإسلوبي والبلاغي المبرّز، لكن بقيت السيدة" المبتلة بالمقاهي" ويتمكن
حسب من تلابس قيمة اللون البنفسجي مع شخصية السيدة المخاطبة وهو تلابس
تمثله الدلالة بالتعبير عن السيدة بلون البنفسج لأنها ترتدي اللون
البنفسجي ، وحسب كان قد عالج موضوعا و يعمد به إلى الخواص الفنية في
البناء الدرامي ، من جهة أخرى كانت الحبيبة الغائبة / الحاضرة ،
يشاهدها تلبس اللون البنفسجي ، فهي إستعارة تصريحية أراد منها الشاعر
دمج جسد الحبيبة باللون البنفسجي والأفصاح عن قيمة مثالية متمثلة بحضور
الشخصية وردائها البنفسجي وقد شبه الشاعر وجه الحبيبة بالنار، والعشب
وهو المطهر الجزئي والمميز في هذه التجربة الدرامية وكان الوجه
الاسطوري في ثنائية النار/ والعشب وهي تسمية ثنائية تحاول ان تحتفظ
بمكونات الشخصية الأسطورية التي تتحرك بالعمق الحسي في تجربة تتشكل
بخيوط إسطورية وواقعية تعبر عن تجربة حسية بصورة شعرية تعبر عن فضاءات
زمكانية لتخلق حرارة شديدة الحس التجانسي بين المعطي الثنائي في أسطورة
النار/ والعشب المظهر داخل فلسفة الحياة السيدة وهي رمز الحبيبة
الغائبة الحاضرة. اللون البنفسجي وهو الرمز الذي يعبر عن حرارة التجانس
بين اللون البنفسجي / والحبيبة. التناص الحاصل بين القبرات البواكي/
والعصافير في آخر الليل في البار تقتل. أن تحقيق الرابط الدلالي في هذه
المنظومة الشعرية يعطينا العناصر الفاعلة في المنطق الحسي كونها تتشكل
بالحالة الحسية المتميزة على مستوى الخطاب الشعري ورؤيته الثنائية إلى
الملفوظ في النار/ والعشب وهي رؤية حسية تعبر عن إعتماد بلغ في
مستوياته البلاغية الدلالة الفنية التي تعبر عن مقدرة لشاعر استطاع
الربط بين الذات والموضوع على ضوء الفهم للعرض السيميولوجي الذي أشار
إليه كل من سوسير وبيرس وكان لمنطق العلاقة السيميولوجية عند أدونيس
وهو يقوم بفلسفة الإشارة وهي تستلزم العلاقة الثنائية كما أشرنا في
ثنايا التحليل في الصوت ـ والمعنى، والمعنى والنسق وإرتباطهما بالدلالة
حسب النموذجين السوسيري والبيرسي وكان الحسم لتلك الثنائية عند أدونيس
وحسب الشيخ جعفر هو التصاعد البنائي في جسد القصيدتين.
قراءة في قصة (( ثلسيميا الفرح ))
د. ايمان السلطاني
انّ أيَّ نصٍّ سردي يُعرّف على أنّه (( نسيجٌ لفظيٌ على ورق )) ( 1 )
،تتعانق فيه شخصيات ، تستند إليها ادوارٌ معينة ، تقوم بانجازها على
مستوى النص ، و كما خطط لها مؤلفها أن تكون. و تتفاعل هذه الشخصيات
بأدوارها مع الزمان و المكان اللذين يخلقهما المؤلف فيه . لكننا نجد أن
قصة ( ثلسيميا الفرح ) يتعالق فيها الزمنان ( الماضي و الحاضر ) في
لحمة من العلاقات المتشابكة مع الشخصيات وأدوارها و مكانها ، بل أنهما
يستغرقان ألحكي بكامله ، فهو نص ينفتح على الماضي و الحاضر و أبعادهما
الإيديولوجية و النفسية و الفلسفية ، فيمكن أن نقول عن الشخصيات أنها
توزعت بين شخصيات مرجعية ، وهي على ثلاثة أنواع:
1-شخصيات مرجعية تاريخية ، و تمثلت
بالإمام الحسين و العقيلة زيـنب (( ع )) ، و أبي جعفر المنصور ، و أبي
نواس ، و الحجاج.
2-شخصيات مرجعية قرآنية ، و تمثلت
بنبيِّ أيوب و نوح (( ع))
3-شخصيات مرجعية تراثية ، و تمثلت
بشهريار و كهرمانة
وهناك شخصيات معاصرة للحكي و هما شخصيتا عبد الرزاق عبد الواحد و
فيروز، وهما مازالتا حاضرتين في ذاكرة ووعي الأمة ، فضلا عن شخصية عامل
البلدية ، أما الذبّاح فهو شخصية تجوب الماضي كما تجوب الحاضر بحثا عن
ذبيح أو شهيد ، أما الشخصية المحورية في ألحكي التي تستلهم مونولوجا في
اللاوعي لديها ، ينصهر فيه الماضي و الحاضر و تداعياتهما فيمثله الراوي
شاهد العيان ( أنا ) . و تأتي بعض الشخصيات المرجعية قابعة خلف
مداليلها ، فنهري دجلة والفرات بما يحملان من عطاء لهذه الأرض عبر آلاف
السنين جاءا رمزين للإمام الحسين و العقيلة زينب (( ع )) ، و قد أوضح
السياق ذلك بقوله : (( دجلة تبكي ، سيقطع رأس الفرات ، الجماهير تضرب
على رؤوسها صارخة ، يا فرات يا فرات))، و كأنّ التجانس الصوتي يوحي
بصراخ العقيلة زينب ( ع ) و الجماهير : يا حسين يا حسين و يأتي الحجاج
خلف مقولته الشهيرة : (( أرى رؤوسا قد أينعت و حان قطافها )) . ويطل
عبد الرزاق عبد الواحد بقصيدته:
قَدِمتُ و عفوكَ عن مقدمي
حسيراً ، كسيراً ، أسيراً ، ضَمي
وتظهر فيروز بصوتها الشجي: بغداد و الشعراء و الصور ، ذهب الزمان و
ضوعه العطر.
و يأتي الشارع مجسما برأس يُقطع كما قُطعَ رأس عامل البلدية ، و يعطف
بين الجملتين ، وكأنهما قد نالا الحكم نفسه : (( رؤوس رؤوس تتدحرج ،
رأس عامل البلدية ، و رأس الشارع المؤدي إلى الجامع ، و رأس الشارع
المؤدي إلى الحسينية ........ السعدون و أبو نواس صارا بلا رأس ))، و
القاص يرمز بذلك إلى انتهاك المحرمات و المقدسات من ارث ديني وثقافي ،
بل وحتى حضاري متمثلا بقطع رأس عامل البلدية . لذلك نجد إن الشخصيات
غير فاعلة في بيئة الحدث أو تطور الفواعل ، إنما تطل من خلف التاريخ أو
تتحدث من وراء الحجب ، فهي مستدعاة من كمونها داخل لا وعي الراوي إلى
الظهور . بحلة جديدة تتصارع الصور وتتداخل ، و الشخصية الفاعلة في
ألحكي هي شخصية الذباح الذي يتواصل مع عملية الذبح من الماضي إلى
الحاضر ، و شخصية الراوي الذي يتوجس خيفةً على رأسه من إعلان مذهبيته
، فكان يخلع رأسه و يضعه في الخزانة كلما خرج إلى الشارع ، ولكن تطورا
يطرأ على الشخصية ( الراوي ) يجعله يواجه الأمر بشجاعة عندما يقرر أن
يكون ذبيحا ، و يدفن على ارض بانقيا، فيقول : (( مررت على ذباح
أللطيفية فرحب بي و مضيت إلى بانقيا سائرا بأربعة أرجل )).
وتأتي وظيفة الانتقال بين الأزمنة
المختلفة وظيفة أخرى تحلق في فضاءات الماضي البعيد و الحاضر المتشعب
واضحة في النص ، فواقعة ألطف بما تحمله من فلسفة أصبحت نبراسا لكل ثوار
العالم ، يقول الراوي : (( تكر بلت الأرض بنشيدها الأحمر ...... الذباح
يحمل هوية ألطف )) ، إلى ارض فلسطين المسلوبة عنوةً منذ عقود يجابه
فيها الإنسان و الأرض و الموت في كل لحظة (( التين و الرصاص)).
((الزيتون و الموت)) إلى ارض تصدح
بالغناء و تعاني أزمة سياسية ( لبنان ) : (( مذياع قديم في شارع
المتنبي يعلن بصوت لم تلونه التقنية ( بغداد و الشعراء و الصور ... ))،
إلى أعداء تكالبت على وطن مثقل بالجراح ، و تروم ألا ينعم بالسلام : ((
سيارة مفخخة تنفجر وسط الشعراء ، تحرق الصور وتحول الذهب إلى رماد ،
رائحة الدخان في كل مكان )).
هذه الإحداث المتشعبة و مرموزيتها احتلت أمكنة متعددة و جميعها تنصب في
المكان الواقعي ( الحقيقي ) ، على الرغم من انه لم يحتفظ بواقعيته
المحددة ، بل أصبح مكاناً سردياً يزدهي (( بالناس و الأشياء ...... و
هذه الأشياء لا تأتي اعتباطا ، و أنما تؤدي دورا أساسيا في تعميق دلالة
الحدث و وضع الشخصيات و أفعالها )). هذا الإشعاع الدلالي للمكان تضمنته
القصة في تكالب الصور المتلاحقة و المتداخلة معا في عدة أمكنة متباينة
، تتمازج و تظهر الشخصيات فيها على مستوى الواقع و النص معا ، و لكنها
جميعا تنتمي إلى الحاضر ، فمن شارع السعدون و أبي نؤاس إلى كلية
الفنون الجميلة و مدخل الكرادة ، و شارع المتنبي إلى أللطيفية و
ذباحها.
و كما أن الشخصيات جاءت من الماضي و ائتلفت مع شخصيات الحاضر ، فان
الزمن الماضي ينطوي ليلتقي الحاضر ، و الحاضر يسافر بعيدا حيث الماضي
يقبع على ألطف . هذه اللحمة بين الزمنين لا تخلق نظاما زمنيا متسلسلا
تعاقبيا أو نظاما تضمينيا ولكنه نظام يتسم بالتداخل العشوائي ،فما أن
يظهر الزمن الماضي حتى يطل الزمن الحاضر متداخلا معه ، حتى يصعب على
المتلقي فك هذا التداخل المضني .و قد جاءت ( ثلسيميا الفرح ) محملة
بعدة دلالات لانفتاحها على عالم من النصوص المختلفة ، لان أيَّ نصٍّ أن
لا يحمل بذاته ، و إنما(( هو نص يكمن في داخل نص آخر ليشكل معناه سواء
أكان المؤلف شاعرا بذلك أم غير شاعر )). فقد تناصت هذه القصة مع القرآن
الكريم (( التين و الرصاص و الزيتون و الموت ، طور سينين و هذا البلد
...... ))، فقد تفككت دلالة النص القرآني و اكتسب النص القصصي معنا
جديدا منافيا لمعناه الأول ، وكذلك في (( أيوب فقط صبره )) فهنا تناص
مع القرآن في قلب الدلالة الأولى للنص ، فأيوب عرف بصبره الطويل لكنه
في النص القصصي يفقد أيوب صبره.
قصة قصيرة
بعثرة زمن
اسماعيل ابراهيم عبد
الوقت ليس شروقا، ليس غروبا، نهار آذاري..
خرير الماء خيط حرير ينسرب نحو القلب
اذار النهار اوقف يدي وقدمي عند عتبة الباب، ودرفة اللوح الامامي لاربع
سنين مضن!! كنت مشغولا باشياء تبدو مهمة، وحين رايت يديها مصممة على
سلبي عن لحظتي بعنف اصم، فككت يدي وناولتها مفاتيح درفة الزمن بلحظاته
كلها!
المنضدة علبة الالوان الحقيبة الجلدية السروال الازرق ملفوف الاكمام،
هي (كل) موجودات غرفتي.. هذه الموجودات بالذات هي التي اججت فيها
العناد، كاني انا من وضع للزمن اوقاته العصيبة.. لقد جاءت لكل ادوات
غرفتي واوقدتها.. عند مراقبتي للحرائق توقفت مشدودا الى الالوان وسط
هذا الشلال الهائل من النور.. كانت الوانا تخر حريراً رضيباً، وكان
الخرير يحرث حديقة القلب،/ القلب الذي قفز الى غيمة قزعية ولن ينزل..
اخذت تبكي..
قد ادنو منها يوما امسح دموعها..
كانت تدري ان رسائل عشقها احترقت مع الالوان.. رسائل عشق لم يفتر على
مدى سنين..
ولكي لا اقلل من حزنها مددت يدي، دون ارتجاف، الى رزمة اوراقها
المحترقة، احرقت الابهام والسبابة.. ودون ان احس بشيء شممتها واعدتها
الى هشيم المحرقة.. خرجت طهرت يدي من اخر عمر لي في اذارات زمنها..
الالوان الخطوط، الانغام، عوالم من نور تخرج وتدخل عن تدفق كوني.. لكن
البرودة والسخام والعثور على عود ثقاب ولفافة تبغ اشياء حقيقية لها
معنى.. واني ظللت ابعثر الايام فهي بعثرة بعثرة ايام تليق بالتجربة..
اجتزت عتبة اذار بعتبة باب نحو شلال بشري يمور، يتدافق نحو مغامرة، ما،
كانهم سيفوزون جميعاً!!
باي شيء سيفوزون، لم اع ذلك.. تدافعت معهم، اذكروني ابعدوني باصرار..
كانت على مقربة منهم فوهة نار فارغة مثلي، شهية الزحام.. ملأني امل ان
اصل الى المقدمة.. وصلت تمسكت باول حافة طالتها يدي، كانت لحريق هائل،
احسست ضلعي يحمل انقاضا كثيرة.. بل احسسته تمدد مع ظهري واصبحا رصيفا
لاصطفاف فوهات جديدة لا حصر لها.. كنت رغم وجعي وامتداد جسدي منتشياً..
اشم رائحة زكية ضمئت لها منذ اعوام..
رفــقــة
د. رعد رحمة السيفي
حين ودعت شيخي
على بابه..
علقت منه في هدبي
كلمة!
قال لي:
نجمة من شغاف يخبئ رزقته
في دمي
اخبرتني.. بانك في موكب الموج
قد جئتني
تسرج الدمع برج النمال!!
لم يكن دمعنا في الجرار
حين مات النهار
واكتست نخلة الجمر
عشب القفار!
كان دمع البرايا..
يوشي المرايا
ويلبسها..
حلة.. من
ورورد ونار
سيدي لم تصل بعد قافلتي..
فالجنود الذين
قضوا خلفوا وردة
للرمال
اخرست لغتي..
وهي تشعل في
قطرة الدمع
صمت السؤال!!
انني الان مثلك..
اذ كان قلبك يوما
جزيرة
غاب حارسها
فسبتها النمال..
لتنسج منها
حصيرة.. |