|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الثانية عشر
كما أنه لا يجوز إحراقه ، ولا يجوز توهينه بأي ضرب من ضروب التوهين
الذي يعد في عرف الناس توهينا ، مثل رميه أو تقذيره أو سحقه بالرجل أو
وضعه في مكان مستحقر ، فلو تعمد شخص توهينه وتحقيره بفعل واحد من هذه
الأمور وشبهها فهو معدود من المنكرين
للاسلام وقدسيته المحكوم عليهم بالمروق عن الدين والكفر برب العالمين.
طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة
لو خاصمنا أحد في صحة الدين الاسلامي ، نستطيع أن نخصمه بإثبات المعجزة
الخالدة له ، وهي القرآن الكريم على ما تقدم من وجه إعجازه . وكذلك هو
طريقنا لإقناع نفوسنا عند ابتداء الشك والتساؤل اللذين لا بد أن يمرا
على الانسان الحر في تفكيره عند تكوين عقيدته أو تثبيتها
.
أما الشرائع السابقة كاليهودية والنصرانية ، فنحن قبل التصديق بالقرآن
الكريم أو عند تجريد أنفسنا عن العقيدة الإسلامية ، لا حجة لنا لإقناع
نفوسنا بصحتها ، ولا لإقناع المشكك المتسائل ، إذ لا معجزة باقية لها
كالكتاب العزيز ، وما ينقله أتباعها من الخوارق والمعاجز للأنبياء
السابقين فهم متهمون في نقلهم لها أو حكمهم عليها
.
وليس في الكتب الموجودة بين أيدينا المنسوبة إلى الأنبياء كالتوراة
والإنجيل ما يصلح أن يكون معجزة خالدة تصح أن تكون حجة قاطعة ودليلا
مقنعا في نفسها قبل تصديق الإسلام لها
.
وإنما صح لنا - نحن المسلمين - أن نق ونصدق بنبوة أهل الشرائع السابقة
، فلانا بعد تصديقنا بالدين الاسلامي كان علينا أن نصدق بكل ما جاء به
وصدقه ، ومن جملة ما جاء به وصدقة نبوة جملة من الأنبياء السابقين على
نحو ما مر ذكره .
وعلى هذا فالمسلم في غنى عن البحث والفحص عن صحة الشريعة النصرانية وما
قبلها من الشرائع السابقة بعد اعتناقه الإسلام ، لأن التصديق به تصديق
بها ، والإيمان به إيمان بالرسل السابقين والأنبياء المتقدمين ، فلا
يجب على المسلم أن يبحث عنها ويفحص عن صدق معجزات أنبيائها ، لأن
المفروض أنه مسلم قد آمن بها بإيمانه بالاسلام ، وكفى
.
نعم لو بحث الشخص عن صحة الدين الاسلامي فلم تثبت له صحته ، وجب عليه
عقلا - بمقتضى وجوب المعرفة والنظر - أن يبحث عن صحة دين النصرانية ،
لأنه هو آخر الأديان السابقة على الإسلام فإن فحص ولم يحصل له اليقين
به أيضا وجب عليه أن ينتقل فيفحص عن آخر الأديان السابقة عليه ، وهو
دين اليهودية حسب الفرض . . . وهكذا ينتقل في الفحص حتى يتم له اليقين
بصحة دين من الأديان أو يرفضها جميعا
.
وعلى العكس فيمن نشأ على اليهودية أو النصرانية ، فإن اليهودي لا يعنيه
اعتقاده بدينه عن البحث عن صحة النصرانية والدين الاسلامي بل يجب على
النظر والمعرفة بمقتضى حكم العقل
.
وكذلك النصراني ليس له أن يكتفي بإيمانه بالمسيح عليه السلام ، بل يجب
أن يبحث ويفحص عن الإسلام وصحته ، ولا يعذر في القناعة بدينه من دون
بحث وفحص ، لأن اليهودية وكذا النصرانية لا تنفي وجود شريعة لا حقة لها
ناسخة لأحكامها . ولم يقل موسى ولا المسيح عليهما السلام أنه
لا نبي بعدي .
فكيف يجوز لهؤلاء النصارى واليهود أن يطمئنوا إلى عقيدتهم ويركنوا إلى
دينهم قبل أن يفحصوا عن صحة الشريعة اللاحقة لشريعتهم كالشريعة
النصرانية بالنسبة إلى اليهود ، والشريعة الإسلامية بالنسبة إلى اليهود
والنصارى .
بل يجب بحسب فطرة العقول أن يفحصوا عن صحة هذه الدعوى اللاحقة ، فإن
ثبتت لهم صحتها انتقلوا في دينهم إليها ، وإلا صح لهم في شريعة العقل
حينئذ البقاء على دينهم القديم والركون إليه
أما المسلم - كما قلنا - فإنه إذا اعتقد بالاسلام لا يجب عليه الفحص لا
عن الأديان السابقة على دينه ولا عن اللاحقة التي تدعى ، أما السابقة
فلأن المفروض أنه مصدق بها فلماذا يطلب الدليل عليها ؟ وإنما فقط قد
حكم له بأنها منسوخة بشريعته الإسلامية فلا يجب عليه العمل بأحكامها
ولا بكتبها .
وأما اللاحقة فلان نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله قال : ( لا نبي
بعدي ) وهو الصادق الأمين كما هو المفروض
¡ (
لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فلماذا
يطلب الدليل على صحة دعوى النبوة المتأخرة إن ادعاها مدع ؟ نعم على
المسلم - بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة واختلاف المذاهب والآراء
وتشعب الفرق والنحل - أن يسلك الطريق الذي يثق فيه أنه يوصله إلى معرفة
الأحكام المنزلة على محمد صاحب الرسالة ، لأن المسلم مكلف بالعمل بجميع
الأحكام المنزلة في الشريعة كما أنزلت.
ولكن كيف يعرف أنها الأحكام المنزلة كما أنزلت والمسلمون مختلفون
والطوائف متفرقة فلا الصلاة واحدة ، ولا العبادات متفقة ، ولا الأعمال
في جميع المعاملات على وتيرة واحدة ! . . . فماذا يصنع ؟ بأية طريقة من
الصلاة - إذن - يصلي ؟ وبأية شاكلة من الآراء يعمل في عباداته
ومعاملاته كالنكاح والطلاق والميراث والبيع والشراء وإقامة الحدود
والديات وما إلى ذلك ؟ ولا يجوز له أن يقلد الآباء ويستكين إلى ما عليه
أهله وأصحابه بل لا بد أن يتيقن بينه وبين نفسه وبينه وبين الله تعالى
، فإنه لا مجاملة هنا ولا مداهنة ولا تحيز ولا تعصب ، نعم لا بد أن
يتيقن بأنه قد أخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمته بينه وبين
الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى ، ويعتقد أنه لا عقاب عليه
ولا عتاب منه تعالى باتباعها وأخذ الأحكام منها
.
ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم ( أيحسب الانسان أن يترك سدى ) (
بل الانسان على نفسه بصيرة ) . ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه
سبيلا ) وأول ما يقع التساؤل فيما بينه وبين نفسه أنه هل يأخذ بطريقة
آل البيت أو يأخذ بطريقه غيرهم وإذا أخذ بطريقة آل البيت فهل الطريقة
الصحيحة طريقة الإمامية الاثنى عشرية أو طريقة من سواهم من الفرق
الأخرى . ثم إذا أخذ بطريقة أهل السنة فمن يقلد من المذاهب الأربعة أو
من غيرهم من المذاهب المندرسة ؟ هكذا يقع التساؤل لمن أعطي الحرية في
التفكير والاختيار ، حتى يلتجئ من الحق إلى ركن وثيق . ولأجل هذا وجب
علينا - بعد هذا - أن نبحث عن الإمامة ، وأن نبحث عما يتبعها في عقيدة
الإمامية الاثنى عشرية.
أبعاد الحضارة ماذا أعطى الاسلام
للبشرية
ممدوح الشيخ
يلح علي منذ سنوات سؤال هو : ماذا أعطى الإسلام للبشرية ؟ ورغم أن
الإسلام الوحي السماوي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه ، أكبر من أن يوضع موضع الاتهام أو يحتاج إلى من يدافع عنه ،
إلا أن مسؤولية تجلية حقائقه للبشرية مسؤولية إنسانية تختلف اختلافا
تاما عن وعد الله لعباده بحفظ الذكر . وثمة خلط يقع فيه كثيرون عندما
يتحدثون عن عطاء الإسلام الحضاري في مسيرة البشرية ، إذ يعددون ما
أنجزه المسلمون : علماً ، وتفلسفاً ، وتوسعاً ، وثراءً ، و... بوصفها
عطاء الإسلام الحضاري .
وجميعها منجزات مدنية لعبت العقيدة الإسلامية ، برؤيتها : للذات والآخر
والكون وما وراء الكون ، والشريعة بأحكامها دورا كبيرا في تهيئة المناخ
لظهورها ، لكن هذا العطاء هو في النهاية عطاء المسلمين كبشر تفاعلوا مع
منظومة معرفية متكاملة فيها أبعاد ما ورائية وأخلاقية وقواعد تنظيمية
أتاحت المناخ للعطاء الحضاري ، ولكنه يظل مرهوناً في تحققه بالناس
الذين يتفاوت تفاعلهم، مع الفكرة من ناحية ، ومع الواقع من ناحية أخرى
. ولذا فإن للإسلام عطاء حضارياً لا دور للمسلمين فيه إلا تجسيده ، وهو
أمر يتفاوت نجاحهم فيه صعوداً وهبوطاً
.
ما الحضارة ؟
ورغم ما يمثله الدور الرائد الذي قام به المسلمون في التوصل للمنهج
التجريبي في العلم من فضل على البشرية ، ورغم ما قدمه العلماء المسلمون
لمسيرة البشرية من منجزات في كل مجالات العلم التي كان لهم فيها مساهمة
، فإن هذا العطاء يمثل الثمرة أما البذرة فأكثر قيمة من ذلك بكثير .
ولعل المدخل الصحيح للإحاطة بهذا الدور تحتم تعريف الحضارة ، وتحفل
كتابات كثيرة قديمة ومحدثة بتعريفات مختلفة للحضارة ، بعضها اختلط
بمفهوم المدنية وبعضها اختلط بمفهوم الثقافة . وأفضل أن أطرح تعريفاً
جديداً للحضارة أراه أكثر تحديداً من المفاهيم المتداولة فهي ( حسب
تصوري ) : " كل تصور متكامل يدعي أنه قادر على تنظيم العلاقة بين قيم :
الحق والحرية والنظام ، على نحو خاص
” .
الإنسان واليقين
وكل تصور حضاري ينبغي أن يتضمن بشكل ظاهر أو مضمر تصوراً لنشأة الكون
وطبيعته والإنسان والطبيعة والعلاقات بينها ، وبناء على تصوره لنشأة
الكون يتحدد موقف كل تصور حضاري من قضية " الألوهية " اعترافاً أو
إنكاراً ، أو ربما تأسس تصور نشأة الكون على الموقف من الألوهية .
والعلاقة بين هذه القيم الثلاثة هي مدار حركة الإنسان على الأرض ،
والأديان السماوية والأفكار البشرية ذات الطبيعة الكلية ( الأيدلوجيات
) تشكل رؤى تستهدف تنظيم هذه العلاقة على نحو ما، حيث كل الأيدلوجيات
تأخذ بناء الدين . ولأن تنظيم العلاقة بين هذه القيم ، التي نراها قيما
حاكمة ، يتأسس بالضرورة على تحديد معنى القيم الثلاثة ، فإن تاريخ
الفكر البشري يكاد في مجمله أن يكون سجالا بين " النبي " و " الفيلسوف
” .
ولتحديد معنى القيم الثلاثة التي تعد قيما حاكمة لعملية صياغة التصور
الحضاري لابد من مفهوم لليقين ، فالحضارة بنت اليقين . ومن أهم القواعد
التي وضعها الإسلام للوصول إلى اليقين:" يعرف الرجال بالحق ، ولا يعرف
الحق بالرجال ”
لكن هذه القاعدة التي تنفي كون البشر طريقاً لمعرفة الحق تثبت أن الحق
طريق معرفة البشر ، تكتفي بالإثبات والنفي ولا تطرح طريقاً محدداً
لمعرفة الحق ولا تطرح تعريفاً للحق . والطريق إلى الحق : نقل أو عقل أو
حدس أو تجربة ، أما الطريق الرابع فإنه طريق إدراك الحقائق الجزئية لا
طريق معرفة الحق . أما الحق فمجرد وإن دلت عليه شواهد حسية ، والقاعدة
تعكس اهتمام الإسلام الشديد بهدم بنية الشرك العقائدية والمعرفية ،
بحيث لا يكون البشر دليلاً على الحق ، وإن كان بعضهم علامات على طريقه
. أما النقل فإما أن يكون عن سالف أو عن مصدر مفارق لعالم الموجودات
المادية . فإن كان النقل عن سالف كان اتباعاً أعاد إنتاج ظاهرة الشرك ،
فإن كان ذلك السلف وسيلة للنقل لا مصدراً للحق تساووا في ذلك مع غيرهم
من وسائل النقل .
أما النقل عن مصدر مفارق للموجودات ، وهو ما تسميه الأديان السماوية "
الوحي " فهو توقيف مفارق لعالم الموجودات المادية يدركه العقل البشري
ولا يحتويه ، يفهمه ولا يقدر على إنتاجه. ولإدراك الحق بين ادعاءات
المدعين وسائل تمحص الغث من السمين ، وأولها الحدس ، فلا يقين بغير حدس
، ظاهرا كان أو مضمرا . وقد يتأسس التمحيص على التعقل وقياس لزوم
النتائج عن مقدماتها ، لكن ذلك لا يعدو أن يكون تسويغا تتدخل فيه ميول
النفس وما يزينه الحدس ، وإن لم يدركه الموقن نفسه
.
إشكالية المسلمات
وبقدر لزوم الحدس لكل يقين يلزم التسليم بمعرفة أولية لكل يقين ، فإذا
أخذ كل جيل من البشر على عاتقه مهمة إعادة النظر عقليا في المسلمات
بادئا من نقطة الصفر المعرفية ( على افتراض وجود هذه النقطة إذ لا وجود
لها في الحقيقة ) ، فمن المؤكد أن يؤدي ذلك إلى توالي أجيال متعاقبة لا
تتوارث إلا الشك ، والكفر بالحق كمفهوم مجرد . فعمر الإنسان في حده
الأقصى قرن من الزمان ، يذهب خمسه تقريبا ( 20 عاما ) قبل اكتمال
الإدراك العقلي والقدرة على البحث والاستنتاج والتجريد والتعميم ،
وكلها من لوازم السعي نحو بلورة مفهوم لليقين من غير طريق الوحي أو
اتباع الأسلاف . كما أن عمر الإنسان يذهب ربعه أو أكثر قليلا ( 25 - 30
عاما ) في النوم . وكل استثناء من هذه المتوسطات - زيادة أو نقصا -
يؤكد القواعد المطردة ولا ينفيها
فإذا افترضنا أن الإنسان يمكن أن ينفق ما تبقى من عمره ( 50 إلى 55
عاما ) في البحث العقلي المجرد عن اليقين ، دون أن تشغله معايش أو
عوارض ( عمل- طعام- راحة - مرض 000 ) فإنه لن يكون قادراً على الوصول
للحق . ذلك أن حجم المعارف والنظريات التي تراكمت في وعي البشرية
ومدوناتها يجعل تحقيق مثل هذا الغرض وهما لا يدرك . ويخطئ البعض عندما
يتصور أن عليه اختراع المسلمات لا اكتشافها ، فالمسلمات جزء من نظام
كوني يحتوي الإنسان ولا يحيط به الإنسان
.
وطرق اليقين متراتبة لا تتساوى وإن بدت متوازية . ولكون إدراك اليقين
مسألة مركبة ، فحتى الآن على الأقل ، يعد بسطها بسطاً مفصلاً مما
يستعصي على العقل . فلكي يدرك العقل اليقين ينبغي أن يدرك : أولا ، أنه
عقل ، وأنه يعقل ، وأن يدرك كذلك كيفية - أو كيفيات - التعقل ولوازمه (
المقدمة - النتيجة - اللزوم - الجوهر - العرض - المتعين - المجرد -
القانون العام - الثابت - المتغير ...) ، وأن يدرك كذلك مشكلات التعقل
( الإدراك ) ومزالقه ، حتى يتبين الحقيقي من الزائف مما يعقله ، أو يظن
أنه يعقله . ثم ينبغي أن يدرك أن ثمة يقينا
.
وقد يصرفنا عن التفكير في هذا أننا تلقينا ذلك عمن سبقونا ، لكن من
سبقونا تلقوه هم أيضا عمن سبقوهم ... وهكذا حتى نصل إلى أول متعقل .
لكن هذا المتعقل الأول يظل مجرد فرض لا يقوم عليه دليل قاطع ولا يستقيم
تأسيس اليقين على فرض . فالقول بأن الإدراك العقلي حدث كطفرة بيولوجية
، في تاريخ متسلسل الحلقات من التطور بدأ بالأميبا وانتهى بالإنسان ،
تكذبه معطيات كثيرة ، فضلا عن أنه لا يتمتع بوجاهة عقلية تجعله أرجح من
القول بوجود إله خالق لا تدركه الحواس ، فكلاهما غيب
.
والغيب إذن مهيمن على العقل منذ البداية . أما التسليم بمقدمات لا
يتوقف الإيمان بها على إخضاعها للتمحيص العقلي " مسلمات " ، فهو ، كما
قال الفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل أمر لا مفر منه وهو يعبر
عن ذلك بقوله : " ليس من الممكن أن ننتقل خطوة واحدة إذا نحن بدأنا من
الشك الديكارتي " ، " وعلينا أن نبدأ من تسليم عريض بكل ما يبدو أنه
معرفة أيا كان " . وهذه المسلمات موجودة في كل التصورات الحضارية سواء
تأسست على الإيمان بوجود قوة وراء الوجود خلقته ومنحته المعنى ، أو
تأسست على أن هذه القوة خلقت الكون وأودعت فيه قوانين الحركة ثم تركته
، أو تأسست على إنكار وجود هذه القوة ورفض مقولة الخلق . وقد تكون هذه
المسلمات كامنة يحتاج إدراكها إلى جهد عقلي
.
المنهج والحضارة
والعقل كطريق لإدراك الموجودات وصولا إلى إدراك اليقين يدركها من خلال
منهج ، ومناهج البحث ظلت تتطور وتنضج حتى أصبحت معروفة لكل الحضارات .
وما يحدد نطاق استخدام كل منهج هو الإطار الحضاري و القيمي ، فهو سابق
على المنهج ، وثمة تأثيرات متبادلة بين المنهج ومستخدمه ، وهو تأثير
يثمر تحيزات معرفية لا يمكن إدراكها إلا بالنظر إلى القضايا نفسها من
خلال منهج مغاير . وفي الطريق لليقين يكون مدار عمل العقل فهم المحكم
من النقل ، وتأويل ما يقبل التأويل منه ، والاجتهاد في ما سكت عنه
العقل . وهو في كل ذلك يسترشد بالبدهيات والحقائق النقلية التي لا تقبل
التأويل .
أما الحدس فهو على أهميته الشديدة مما تزل بسببه الأقدام ، وتحار في
الإحاطة به ، على وجه الدقة ، الأفهام . فهو إشراق لا يتبع خطوات
الاستدلال المعروفة ، بل يقفز فيه العقل من المقدمة إلى النتيجة مباشرة
. وهو معين على تذوق النقل ، وطريق إلى ترجيح ما تستوي فيه أدلة العقل
. ولا يستقيم بناء اليقين على الحدس وحده ، كما لا ينتج عنه ما تستقيم
به مصالح الجماعة، كما لا يؤدي إلى إنشاء حقائق جزئية جديدة ما لم
يؤيدها نقل ، أو عقل ، أو تجربة
.
والحدس دليل على أن العقل ليس صفحة بيضاء ، وهنا نتوقف أمام إعجاز حديث
الرسول صلى الله عليه وسلم : " استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك " .
والانتقال من المقدمة إلى النتيجة في أي قياس ، بسيط أو مركب ،
والانتقال من الحالات الفردية إلى القانون العام في أي استقراء ، يقتضي
أن يدرك العقل معاني : المقدمة ، والنتيجة ، والحالة الفردية ، واللزوم
، والجوهر ، والعرض ، والمتعين ، والمجرد ، والقانون العام ،والثابت ،
والمتغير ....... وهنا نصبح أمام الدور ما لم نقل بالأفكار السابقة على
اليقين ، فيعود الوحي للهيمنة على العقل
.
إشكالية اليقين
وأول ما يضل الناس عن الحق حصره بين حدود متقابلة ينشئها العقل أو
العرف ويجعلها مقياسا له . بل الحق يدرك أولا ومنه تستنبط ثوابت منطق
التفكير ، وهي تسبق المناهج وتضع حدودا لاستخدامها . وأول ما يوجبه
الحق الاتباع والتسليم ، فالله واحد لأنه واحد ، وليس فقط لأن المنطق
يقتضي ذلك . وتأييد المنطق لذلك يدل على الحق ولا ينشئه ، فإذا أدرك
الموقن بالحدس ودله العقل وربما أعانته الشواهد الحسية في حقائق جزئية
، صار عليه أن يقبل من هذا المصدر ما يوحي إليه به من حقائق عن الكون
والإنسان وعالم الغيب وعالم الشهادة ، وأن يطيع أوامره ونواهيه.
العلاقات الدبلوماسية مع ملوك أوروبا
وآثارها
اعداد: د.أحمد مختار العبادي
1- مع الدولة البيزنطية:
إذا تركنا مؤقتاً الغرب الأوروبي اللاتيني واتجهنا إلى الشرق الأوروبي
البيزنطي الهلنستي (99)، نجد علاقات سياسية جديدة تقوم لأول مرة بين
قرطبة والقسطنطينية وتستمر طوال القرنين الثالث والرابع من الهجرة (9،
10م) ولا شك إن هذه السياسة الودية التقربية بين بيزنطة والأندلس، إن
دلت على شيء فإنما تدل على المكانة الممتازة التي حظيت بها اسبانا
الإسلامية في أوربا المسيحية، كما تدل ضمناً على أن كلاً من العالمين
الإسلامي والمسيحي، قد بدأ يخرج عن تقاليده القديمة تحت تأثير مصالحه
الخاصة التي أصبحت هي المتحكمة في سياسته وليست الاعتبارات الدينية كما
كان الحال من قبل.
وتبدأ هذه العلاقات بمبادرة الامبراطور يتوفيل حينما أرسل سفارة إلى
عاهل الأندلس عبدالرحمان الثاني سنة 225هـ (840م). وكان على رأس تلك
السفارة رجل يوناني يجيد اللغة العربية اسمه قرطيوس. كما أرسل معه
هدايا فاخرة ورسالة يخطب فيها وده ويسأله عقد تحالف معه ضد العباسيين
الذين قضوا على ملك أجداده الأمويين بالمشرق. كما يطلب أيضاً مساعدته
ضد الأغالبة في صقلية وضد الربضيين في جزيرة كريت.
ولقد استقبل عبدالرحمان الرسل استقبالاً فخماً، وقبل ا لهدايا
البيزنطية ورد عليها بمثلها، كما أوفد سفارة مماثلة إلى الامبراطور
البيزنطي برئاسة الشاعر يحيى الغزال وكان رجلاً طويلاً عريضاً وسيم
الوجه موفور النشاط ولهذا لقب بالغزال. وقد مدحه الأمير عبدالرحمن
بقوله: ((جاء الغزال بحسنه وجماله)). وربما كانت هذه الصفات هي التي
جعلت عبدالرحمان يختاره للسفارة بينه وبين الملوك كي يحسن وقعه على
النفوس، ولما وصلت السفارة الأندلسية إلى القسطنطينية صحبه السفير
البيزنطي عن طريق البحر، استقبلها الامبراطور البزنطي تيوفيل بالحفاوة
والترحاب وتسلم منها هدية العاهل الأندلسي ورسالته التي يرد فيها على
خطابه.
والرسالة أوردها ابن حيان في كتابه (المقتبس) وهي رسالة طويلة في
مجموعها وعباراتها معسولة جميلة، ولكننا لا نخرج منها بشيء إيجابي
فعال، بمعنى أن عبدالرحمان في هذه الرسالة، لم يأخذ على نفسه أي تعهد
حربي يقوم به ضد أعدائه سواء في الحاضر أو المستقبل، فهم الامبراطور
سخطه على العباسيين ويرجو من الله أن يقطع دابرهم. وكذلك الربضيون في
كريت فهو يتبرأ منهم لأنهم خرجوا عن طاعته ويترك للامبراطور حرية
معاقبتهم. أما الأغالبة فهو يعتذر عن محاربتهم لأنهم يجاهدون في سبيل
نصرة الإسلام.
وبعد أن أدت السفارة الأندلسية مهمتها عادت إلى قرطبة عن طريق البحر
أيضاً. وقد دون يحيى الغزال مشاهداته في العاصمة البيزنطية، وأحاديثه
مع الامبراطورة بتودورا وولي العهد ميشيل .. الخ، وقد نقل ابن حبان هذا
الوصف في كتابه المقتبس.
وتعتبر هذه العلاقات الدبلوماسية التي قامت لأول مرة بي قرطبة
والقسطنطينية، بداية لسلسلة من الاتصالات والسفارات التي تبودلت بعد
ذلك يبن الخليفة عبدالرحمان الناصر، والامبراطور قسطنطين السابع، وبين
الخليفة الحكم المستنصر وينقفور فوكاس، وبين الحاجب المنصور أبي عامر
والامبراطور بازيل الثاني (976 ـ 1025م) الذي يعتبر عصره الطويل من
أزهر عصور هذه الأسر المقدونية الحاكمة.
على أن موضع الأهمية هو أن هذا الاتصال السياسي قد صحبه أيضاً اتصال
حضاري فالسفارة التي أرسلها قسطنطين السابع إلى خليفة الأندلس
عبدالرحمان الناصر 337هـ (948م) حملت معها من جملة الهدايا نسخة خطية
من الكتاب اليوناني المشهور: ((الأدوية المفردة)) الملقب بكتاب الحشائش
والذي ألفه ديوسقوريدس، وهو طبيب وعشاب يوناني عاش في القرن الأول
الميلادي وولد في بلدة عين زربة قرب طرسوس جنوب آسيا الصغرى ولهذا تسمى
في الكتب الأوربية
Dioscorides Anzarbio.
وهذا الكتاب سبق أن ترجم إلى العربية قل ذلك الوقت بنحو قرن من الزمان
في مدينة بغداد على عهد الخليفة المتوكل العباسي (232 ـ 247هـ) . غير
أن المترجم له واسمه اصطفى بن باسيل، لم يترجم إلى العربية سوى جزء من
أسماء الأدوية لعدم معرفته بما يقابل اليونانية فيها. ولهذا ظلت أسماء
باقي العقاقير الطبية على صورتها اليونانية بحروف عربية.
2- العلاقات الدبلوماسية مع ملوك
الفرنجة في غرب أوروبا:
إن سياسة التقريب التي سلكتها الدولة الأموية في الأندلس نحو بيزنطة،
كانت تصاحبها سياسة عدائية نحو جيرانها الكارولنجيين ي فرنسا وألمانيا،
إذ لم ينس الأندلسيون صراعهم الطويل مع هؤلاء الفرنجة أيام شارل مارتل
وابنه بيين وحفيده شرلمان (قادلة) الذي حاول غزو الأندلس في حملته
الفاشلة على عهد الأمير عبدالرحمان الداخل صقر قريش، ثم جاء ولده لويس
التقي (198 ـ 225 = 814 ـ 840م) فسار على سياسة آبائه العدائية نحو
الأندلس وبسط حمايته على برشلونة والجزر الشرقية (البليار) القريبة
منها. ورأى الأمير عبدالرحمان الأوسط (206 ـ 238 = 822 ـ 852م) أن
البحر هو الميدان المناسب الذي يستطيع أن يعلو فيه على خصومه الفرنجة،
إذ كان يعلم أن قوتهم الحقيقية تعتمد أساساً على قواتهم البرية، ولهذا
قام عبدالرحمن بحشد أساطيله على طول السواحل الشرقية، ثم أخذ يشن
الغارات على سواحل جنوب رنسا وعلى جزر البليار حتى قضى على قواعد
المقاومة فيها مثل مرسيليا وادل وما حولهما كما سارعت جزر البليار
بإعلان ولائها وتبعيتها لحكومة قرطبة سنة 634هـ (848م) بل لم يلبث أحد
كبار قادة الملك الفرنسي لويس التقى أن أعلن العصيان ضده وتحالف مع
الأمير عبدالرحمان وهو القائد جيوم بن برنارد ابن جيوم دوق تولوز الذي
يقول فيه ابن حيان:
((وفيها (232هـ ) استأمن غليالم بن
برناط بن غليالم، أحد عظام قوامس أفرنجة على الأمير عبدالرحمان بقرطبة،
فأكرمه وأحسن إليه وإلى أصحابه، وصرفه معهم إلى الثغر لمغاورة الملك
لذريق بن قادلة بن ببين (لويس بن شرلمان بن بيين) صاحب الفرنجة، فأثخن
العدو، وأقام بمكانة ظاهراً على مَن أنقض عليهم من أمته مدة، وكتبه إلى
الأمير متصلة)).
وفي خلال هذه العمليات الحربية، توفي لويس التقى
Louis le Pirux
وخلفه ابنه شارل الأصلع (228 ـ 264 =
845 ـ 877م) ويعرف في المصادر الأندلسية باسم قادلة أو قادلوش |