الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (935) الاربعاء  4 صفر 1431هـ/20 كانون الثاني 2010م

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة الثالثة عشر

الفصل الثالث الإمامة

 عقديتنا في الإمامة

نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها ، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين مهما عظموا وكبروا ، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة.

وعلى الأقل أن الاعتقاد بفراغ ذمة المكلف من التكاليف الشرعية المفروضة عليه يتوقف على الاعتقاد بها إيجابا أو سلبا ، فإذا لم تكن أصلا من الأصول لا يجوز فيها التقليد لكونها أصلا فإنه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة أي من جهة أن فراغ ذمة المكلف من التكاليف المفروضة عليه قطعا من الله تعالى واجب عقلا ، وليست كلها معلومة من طريقة قطعية ، فلا بد من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة باتباعه ، أما الإمام على طريقة الإمامية أو غير على طريقة غيرهم .

كما نعتقد أنها كالنبوة لطف من الله تعالى ، فلا بد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين ، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شؤونهم ومصالحهم وإقامة العدل بينهم ورفع الظلم والعدوان من بينهم . وعلى هذا ، فالإمامة استمرار للنبوة . والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب أيضا نصب الإمام بعد الرسول .

فلذلك نقول : إن الإمامة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله . وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس ، فليس لهم إذا شاءوا أن ينصبوا أحدا نصبوه ، وإذا شاءوا أن يعينوا إماما لهم عينوه ، ومتى شاءوا أن يتركوا تعيينه تركوه ، ليصح لهم البقاء بلا إمام ، بل ( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ) على ما ثبت ذلك عن الرسول الأعظم بالحديث المستفيض .

وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى ، سواء أبي البشر أم لم يأبوا ، وسواء ناصروه أم لم يناصروه ، أطاعوه أم لم يطيعوه ، وسواء كان حاضرا أم غائبا عن أعين الناس ، إذ كما يصح أن يغيب النبي كغيبته في الغار والشعب صح أن يغيب الإمام ، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها.

قال الله تعالى : ( ولكل قوم هاد ) الرعد : 8 ، وقال : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) فاطر :

 عقيدتنا في عصمة الإمام

ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوما من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، من سن الطفولة إلى الموت ، عمدا وسهوا .

كما يجب أن يكون معصوما من السهو والخطأ والنسيان ، لأن الأئمة حفظة الشرع والقوامون عليه حالهم في ذلك حال النبي ، والدليل الذي اقتضانا أن نعقتد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة ، بلا فرق . ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد

 عقيدتنا في صفات الإمام وعلمه ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل ، ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق . والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الإمام . . . أما علمه فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله .

وإذا استجد شئ لا بد أن يعلمه من طريق الالهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه ، فإن توجه إلى شئ وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي ، لا يخطأ فيه ولا يشتبه  ولا يحتاج في كل ذلك إلى البراهين العقلية ولا إلى تلقينات المعلمين ، وإن كان علمه قابلا للزيادة والاشتداد ، ولذا قال صلى الله عليه وآله في دعائه : ( رب زدني علما). (أقول ) : لقد ثبت في الأبحاث النفسية إن كل إنسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الأشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الالهام ، بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوة على ذلك .

وهذه القوة تختلف شدة وضعفا وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم . فيطفر ذهن الانسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير وترتيب المقدمات والبراهين أو تلقين المعلمين .

ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته ، وإذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يبلغ الانسان من قوته الإلهامية أعلى الدرجات وأكملها ، وهذا أمر قرره الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون .

فلذلك ، نقول - وهو ممكن في حد ذاته - أن قوة الالهام عند الإمام التي تسمى بالقوة القدسية تبلغ الكمال في أعلى درجاته ، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة ، فمتى توجه إلى شئ من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية بلا توقف ولا ترتيب مقدمات ولا تلقين معلم .

وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية لا غطش فيها ولا إبهام . ويبدو واضحا هذا الأمر في تاريخ الأئمة عليهم السلام كالنبي محمد صلى الله عليه وآله ، فإنهم لم يتربوا على أحد ، ولم يتعلموا على يد معلم ، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد ، حتى القراءة والكتابة ، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تلمذ على يد أستاذ في شئ من الأشياء ، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجاري .

وما سئلوا عن شئ إلا أجابوا عليه في وقته ، ولم تمر على ألسنتهم كلمة ( لا أدري ) ، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل أو نحو ذلك .

في حين أنك لا تجد شخصا مترجما له من فقهاء الإسلام ورواته وعلمائه إلا ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته على غيره وأخذه الرواية أو العلم على المعروفين وتوقفه في بعض المسائل أو شكه في كثير من المعلومات ، كعادة البشر في كل عصر ومصر.

 

 

الخصائص النفسية في مجاز القرأن

محمد حسين الصغير

ليس امراً سهلاً , ان يساير النص الادبي النفس الانسانية , وليس هيناً ان تتطلب النفس ايضاً نصاً ادبياً , فالنفس جموح لا تهدأ , وغروف لا تكبح , وشرود لا يسيطر عليها نص اعتيادي , او فن قولي , دون ان تتمثل به أرقى مميزات الانجذاب التلقائي , والبعد النفساني المتوازن , فتقبل عليه النفس اشتياقاً او ايناساً , وتعزب عن سواه نفوراً او ايحاشاً. النص وجودتهوحدهما يهيئان المناخ المناسب في النفس الانسانية اقبالا على النص او عزوفاً عنه . ومن ثم فالمجاز القراني وهو ينقل اللفظ من صورة الى صورة اخرى على النحو الذي يريده المصور , فاذا اراد صورة متداعية في القبح ساق اللفظ الى ما يمثل تلك الصورة بما هو اردأ منها في صيغتها الحقيقية , فأنت تستطيع في المجاز تكييف النص الادبي نحو المعنى المراد , دون توقف لغوي او معارضة من دلالة اللفظ المركزية , وذلك بحسب ما تريده من أثارة النفس , او الهاب العاطفة , او أذكاء الشعور في حالتي الترغيب والتنفير ,وهما حالتان متعلقتان بالحس العاطفي لدى الانسان , وناظرتان الى الانفعالات الوجدانية في النفس الانسانية .

أ - في توجيه النفس نحو الترغيب تقف على قاصرات الطرف في حكايتها المجازية في قوله تعالى :

(وعندهم قاصرات الطرف عين , كأنهن بيض مكنون ) . والحدث حقيقي الوقوع بأبعاده التصويرية المتأنقة , ولكنك ترى ما في الوصف , والتعبير عن النساء بقاصرات الطرف وليس في طرفهن قصور , من التراصف البياني المرتبط بأثارة النفس للتعلق بمن تنطبق عليه هذه العبارة , او تتحقق فيه هذه الاوصاف التي تطمئن اليها الروح الانسانية وتهش لها الذات البشرية , ويتطلع اليها الخيال متشوقاً مع نقاء الصورة , ولطف الاستدراج ورقة الترغيب المتناهي , فقد وصف نساء اهل الجنة بحسن العيون الناظرة الى ازواجها فحسب عفة وخفراً وطهارة , دون التردد في النظر الى هذا وذاك , وأضاف الى هذا الملحظ التشبيه الحسي بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف من اشتد حجابه , وتزايد ستره , بأنه في كن عن التبرج , ومنعه من الاستهتار .

ب- وأما في التنفير فتزداد النفس عزوفاً وتتوارى عن الصورة المتخيلة او المتجسدة نفوراً , حتى يبدو الاشمئزاز منها واضحاً والاستهانة بوخامتها متوقعاً فضلا عن الهلع والرعب في صورة الهلع والرعب , والخوف والتطير في نموذج الخوف والتطير اذا حققت هذا او ذاك الصورة الشديدة في التنظير المجازي , وان شئت فضع يدك على الدلالة المجازية في أرسال الريح العقيم على عاد وهي ( ماتذر من شئ أتت عليه ) من قوله تعالى : ( وفي عاد أذ أرسلنا عليهم الريح العقيم , ما تذر من شئ أتت عليه الا جعلته كالرميم ) .

سترى كيف ازدادت عندك الحالة المتصورة سوءا , وكيف نفر منها طبعك فراراً , فما هو شأن هذه الريح المشومة التي أسند اليها التدمير التام (ما تذر) واسندت اليها الفاعلية في يسر ومطاوعة ( أتت) حتى جاءت بعذاب الاستئصال , فما هي خصائص هذه الريح بهذه المطاوعة في التسخير للهلاك العام حتى عاد كل شئ (أتت عليه) كالورق الجاف المتحطم , نظراً لشدة عصفها وسرعة تطايرها وخفة مرورها .

وحديث النفس في مجاز القران ذو سيرورة وانتشار حتى عاد جزءاً قويماً من خصائصه الفنية دون ريب , وهو يتجلى في عدة مظاهر تقويمية يمكن الاشارة اليها بما يلي :

1- في نماذج المجاز القرأني نجد دلالة ذات اهمية مشتركة بيانية ونفسية في ان واحد , يعبر في هذه الدلالة عن علاقة اللغة بالفكر , والفكر بالعاطفة , والعاطفة بالنفس .

2- في هذا الخصوص كثيرا ما يفجؤك المجاز القراني وقد تعدى حدود اللغة الى النفس ومناخ الاتساع الى الخيال , فهو طالما تجده يسند الاحساس الى الجماد , فيصفه بالفاعلية , لتتوجه النفس اليه وينحصر الحدث به وكأنه فاعله , ويريك الحركة وهي دائبة في العوالم الصماء , فكأنها ناطقة تتكلم , فيصك بذلك اسماعاً غير واعية , واذاناً غير صاغية , ويضفي ملامح القوة على ما لا قوة فيه , وكأنه رائد متمكن , وليس هذا وذاك الا من مظاهر الخصائص النفسية في الاسلوب الذي يحرك الضمائر حيناً ويهز المشاعر حيناً اخر , ويبعث الخواطر سواهما , ولعله يريد بذلك ان يفجر روافد جديدة ذات اطار تجريبي في محاكاة غير المحسوس للمحسوس , ومماثلة الادراك في غير المدرك كما هو في المدركات , لان في ذلك انتقالاً في الصورة الى داخل النفوس وواقع الخبايا في النفس المعتبرة بما تضفيه المجازات القرانية من ابعاد جديدة , ولعل خير ما يمثل هذا الاتجاه الحيوي التأمل في كل من قوله تعالى :

أ‌(وضرب الله مثلاً قرية ً كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان). ففي هذا الأنموذج الاعلى عدة استعمالات مجازية تدور حول هذا الفلك من البيان العربي الصميم ومهمته اذكاء الحفيظة في النفس لتلافي التقصير المتعمد في ذات الله , فقد وصف القرية بكونها امنة مطمئنة , وقد علم بالضرورة ان الامن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها , وانما يتنعم بها اهلها وسكانها , فعبر مجازاً عن طريق اطلاق اسم المحل وهو القرية على الحال فيها وهم الاهل والسكان .

وعبر عن الرزق بانه يأتي والرزق ليست له حركة ولا ارادة في التنقل والقصد , وانما الله تعالى هو الذي يسخر من يجلب الارزاق , ويأتي بها وهو الرازق ذو القوة المتين من كل مكان الى هذه القرية , تعبيرا عن تنعمها وعسشها الرغيد ,وذلك ما تهش اليه النفس , فكان الرزق دون عناء يقصدها سائراً عامداً متوافراً .

وهذا الوصف لهذا الهناء لا يمانع من الوعيد في افنائه واستبداله بالعناء , فكلاهما من الصور النفسية :

ب‌(مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد أشتدت به الريح في يوم عاصف).

فستقف عند حقيقتين مجازيتين يرتبطان بشد النفس اليهما والوقوف بيقظة وتأمل وحذر عندهما :

الاولى : اسناد الاشتداد الى الريح ,لتهيئة المناخ النفسي لتلقي هذه الصورة , وحصر التفكير في كيفية هذه الريح ونوعيتها , فهي فاعلة متحركة , دائبة متموجة طاغية مطاوعة , وليس للريح حول ولا طول في الملحظ التكويني , فلا هي مشتدة حقيقة ولا هي جارية واقعا , واسناد هذا وذاك اليها كان بسبيل من المجاز , لأن تسخيرها بالله وحده , فلا ارادة للريح ولا طواعية , والمجاز هو الذي طوع هذه الحقيقة اللغوية ,فأعارها مناخاً جديداً , وكأن الريح قائمة , والجري على أشده , والحركة ذاتية .

الثانية : اسناد الفاعلية الصفة الثبوتية للزمان لمشابهته الفاعل الحقيقي فقد اسند عصف الريح الى اليوم ,وهو دال على زمان من الازمان , ولا تستند اليه الفاعلية حقيقة , الا على نحو المجاز .هو كذلك وهذا ايضا مما نظر فيه الى النفس ليخلص اتجاهها في تصور شدة ذلك اليوم , وعصف ذلك اليوم , وحديث ذلك اليوم , دون التفكير في الهوامش , والجوانب الفائضة , فكأن المراد هو اليوم فنسب اليه العصف , فأقام اليوم مقام المضاف المحذوف في التقدير اللغوي الاصل , فهو يوم ذو عصف , ان صح ما تأولوه.

وقد يكون هذا الادراك على سبيل التعبير عن شدة الامر , وقيام العصف على أشده في ذلك اليوم , مما يهم الانسان , فارتبط الحدث به نفسيا , فأسند اليه الفعل كما هي الحال في قوله تعالى :

(فكيف تتقون ان كفرتم يوماً يجعل الوالدان شيباً).

يقول الدكتور احمد بدوي معللاً هذه النسبة نفسياً :

ولما كان يوم القيامة تملؤه احداث مرعبة تملأ النفوس هولاً يتسبب عنها لشدتها الشيب , وكان هذا اليوم ظرفاً لتلك الاحداث , صح ان يسند الشيب اليه " من بلاغة القران 223 .

3- واذ يوصلنا الى يوم القيامة , فان التعبير المجازي عن هذا اليوم يزداد جلاء ,فيعكس الحدث مقترناً بذلك اليوم , ومنسوباً الى عوالمه الصامتة , واذا بها ناطقة تتكلم ,ومفصحة تعرب عما في الدخائل , ويتجلى هذا في كل من قوله تعالى :

(يومئذ تحدث أخبارها).

والضمير عائد الى متقدم لفظاً ورتبة كما يقول النحاة , وتقدير الكلام عندهم : تحدث الارض أخبارها , والحقيقة اللغوية ان يتحدث ذو النطق بألته وذو اللسان بأداته , لا الجماد بعجمته , فهل هو تمثيل يعني : ان ما يحدث في ذلك اليوم , وما يجري فيه من الشدائد الهائلة , والشدائد تثير الهلع في النفس , والمنظور هنا نفساني لا شك , والتغيير الكوني يؤكد الاهتمام المتزايد لدى الانسان , بعد زلزلة الارض, واخراج الاثقال , وذهول الانسان لتلك الاحداث الجديدة , فهو يتسائل في حيرة وعجب واستغراب : (وقال الانسان مالها) فاذا أضفنا اليها السماوات بعوالمها , والارض بكل مواقعها :

(يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) هذه الكائنات كلها ناطقة بجمهرة من الاحداث , فهي تتحدث عنها , وتفصح عن أهوالها , كما يقال : رزء يعبر عن كارثة , وخطب ينبي عن شدة , وليس الرزء معبراً حقيقة , ولا الخطب بمنبئ .

هذا المدرك المجازي يميل اليه الزمخشري بقوله : " والتحديث مجاز عن أحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان ” .

وهو الذي تميل اليه الدكتورة بنت الشاطئ :

والذي نطمئن اليه , هو ان تحدث الارض على الاسناد المجازي , فيه تقرير لفاعلية تستغني بها عن فاعل , وتأكيد للظاهرة الاسلوبية المضطردة في صرف النظر عمداً عن الفاعل الاصلي لأحداث البعث والقيامة . ثم لا يغيب عنا ما لهذا الصنيع البياني من قوة أثارة وايحاء , فنحن نشهدصورة فنية معبرة , فنقول في اعجاب : انها تكاد تنطق , والبيان القرأني المعجز لا ينطق الجماد فحسب , بل يجرد منه كذلك شخصية حية , فاعلة ناطقة , مريدة مدركة " . التفسير البياني 92\1

ت‌ان ما سبق لنا القول فيه تؤكده أحداث القيامة , من قول كما في قوله تعالى : (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد).

او فعل وقوة كقوله تعالى : ( اذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور ظو تكاد تميز من الغيظ ....) او شدة ناطقة كقوله تعالى :

(يا أيها الناس أتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شئ عظيم , يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)...

وليست جهنم كائماً متكلماً فتقول وتستمع وتجيب , وان كان ذلك غير بعيد اعجازا .

وليست النار جسماً مريداً وفاعلاً فنستمع لشهيقها او هي تفور او تتميز من الغيظ. وليس في القيامة أرضاع حتى تذهل المرضعة عن رضيعها , وليس هنالك وضع وولادة وانجاب , حتى تضع كل ذات حمل حملها. ان التعبير بالمجاز بمعناه العام هو الذي صور هذه الاحداث بهذه الصورة المثيرة , وأبانها بهذه الهيئة الناطقة , وسيرها بهذه الارادة التامة , تنبيهاً للضمائر , توجيهاً للعقول , وتأثيراً على النفوس حتىتستعد لذلك اليوم الذي تنطق فيه جهنم وتفور فيه النار حتى يسمع شهيقها , وحتى لتكاد تتقد من الغيظ وتنشق , ذلك اليوم الذي لو أرضعت فيه المرضعة لذهلت فيه عن رضيعها , ولو توافرت فيه ذوات الاحمال لوضعت أحمالها .

اذن هذه خصائص نفسية يحملها المجاز القرأني ويحتضنها تعبيره الفريد من اجل الانسان , دربة منه على الحذر والاستعداد والتهيؤ التام .

ث‌وما يقال في ملحظ النطق والقول والقوة بانلسبة للنار يقال عينه بالنسبة للايحاء الى الارض في قوله تعالى : (بأن ربك أوحى لها). والقضية تصور في مدرك عقلي محض , فالوحي الالهي هو الفعل الذي يكشف به الله للانسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله .

واذا كان الوحي فعلاً متميزا فهو صادر عن فاعل مريد وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى , الى متلق ممتثل , فتعلقه في الارض اذن تعلق مجازي , اذ طريق الوحي هو التلقي , والارض غير قابلة للتلقي . لهذا فالايحاء في الاية عند الزمخشري مجاز لا يستثني بهذا شيئا قال :

أوحى لها بمعنى أوحى اليها , وهو مجاز كقوله تعالى : (ان تقول له كن فيكون) وكقول الشاعر : أوحى لها القرار فأستقرت .

وأصل الوحي هو : الاشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض وما مجرى الايماء والتنبيه على الشئ من غير ان يفصح به .

وقد يكون أصل الوحي في اللغة كلها الاعلام في خفاء , ومؤدي ذلك واحد , اذ الاشارة السريعة اعلام عن طريق الرمز , والرمز ايماء يستفيد منه المتلقي امراً اعلامياً قد يخفى على الاخرين .

ولهذا فقد كان الراغب دقيقاً حينما عرض لمصطلح الوحي وقسمه فيما تنبه اليه بين القابل له والمستعصي عليه , الا ان يكون ذلك تسخيراً من قبل الله تعالى , فقال : (فان كان الموحى اليه حياً فهو الهام , وان كان جماداً فهو تسخير).

لهذا فقد ذهب الطبرسي (ت : 548ه) الى ان أوحى لها : اي ألهمها وعرفها بأن تحدث أخبارها .. من جهة تخفى .

والسياق انما يقوم على قوة هذه الفاعلية في تصوير هول الموقف الذي يدهش له الانسان فيقول في عجب وقلق ما لها ؟ فاقتضى ان يأتيه الجواب (بأن ربك أوحى لها). تحدث به الارض نفسيا تلقائيا ً , فالايحاء هنا مباشرة , ليلائم أسناد التحدث الى الارض . وسر قوته في انه كذلك .

4- ومسايرة المجاز للنفس الانسانية لا تقف عند حد معين , ولا تختص بأقوام دون اخرين , فالعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوصا السبب , ومع هذا فقد نلتقط بعض الشذرات النادرة والتحف الثمينة في هذه الظاهرة المتأصلة , ومن ذلك ما اورده الله تعالى في سورة الضحى من أقسام وايمان كان للمجاز العقلي فيها نصيب متميز , كما في قوله : (والضحى والليل اذا سجى).

 

 

دور الفكر المغلق والفكر المنفتح في التنمية

حسن ابراهيم أحمد

ما الذي أحال الأديان ذات الأفق الإيجابي والفاعلية الكونية، والمبشرة بالانعتاق إلى دوغمائيات مغلقة؟ بالتالي كيف حولت هذه الدوغمائيات المجتمع إلى غيتوات أو كانتونات؟. السؤال ينطوي على المفارقة بين النظرية والتطبيق، هذه المفارقة التي فرضت نفسها حديثاً من خلال فشل الكثير من الأحزاب ذات الأفق الانساني التقدمي في ترجمة نظرياتها وبرامجها الطموحة إلى عمل حسب الخطوط التي رسمتها لنفسها. والأجوبة تأتي متباينة ومعبرة عن رؤية الأنساق والاتجاه الفكرية، وهي بالتالي أنساق واتجاهات آيلة عن الانتماء إلى المعسكرات الفكرية.

عندما يكون الانسان أمام نظريات كبرى ومبادئ عظيمة، عليه أن يكون شديد التحفظ في التعامل معها، وعليه أن يكون حذراً خصوصاً في أمر تطبيقها واستحضارها لكل صغيرة وكبيرة، فهي عندما تستخدم للتبرير ولقياس الاتجاه في صحته وعدم صحته، يبدأ التعسف في استخدامها، وعندها يبرز دور المصالح الخاصة، والآراء الخاصة، والمبادئ الخاصة، وتمتزج بالمبدأ والعقيدة، قد يكون هذا الخاص ملكاً لفرد أو جماعة، وتكثر الخصوصيات ويبدأ التشرذم، وتزداد الشروح والتفسيرات التي يحتاجها التبرير، ثم تبدأ هذه الشروح والتفسيرات والخصوصيات تنغلق، وكلها تستمد قدسيتها من المبدأ أو العقيدة، وبمرور الأيام يصبح المبدأ مبادئ والدين أديان وتصبح أبشع السرقات إرثاً مقدساً في نظر أحفاد اللص لا يجوز الاعتداء عليه (حسب تعبير ول ديورانت في قصة الحضارة).

هكذا يصبح التشرذم سمة من سمات الفكر، ويصبح التقدم لدى كل فئة قليلة أو كثيرة مشروطاً بتحقيق رؤيتها أو خطها وعقيدتها، ويظهر دور الأفراد والعقل الفردي المتمسك بالخصوصية أكثر، ثم يبدأ الاستبداد وعبادة القادة والأشخاص.

حدث هذا في كل دين من الأديان السماوية، كما حدث في الفلسفات الاجتماعية والمشاريع الكبرى في مجال السياسة والفكر، فتحكمت سياسة ومصالح القادة دينيين ودنيويين، وكثرت المذاهب والنحل، وأصبح لكل منها سياجها العقيدي المقدس، الذي التنازل عنه يعني التنازل عن الهوية والشخصية والكيان بالتالي عن الشرف والكرامة، ومن أجله ترخص الأرواح، ويحلو الاستشهاد والتضحيات، ويفسر كل تراجع يحصل في حياة الأمة على أنه ناتج عن التفريط بحق الله والتراخي في تطبيق الشرائع، وعدم الحفاظ على النصوص والمقدسات، وليصبح مقياس التقدم، التمسك بالعقيدة، والعض بالنواجذ على ما بين يدي الانسان منها، وتبدأ اللعنات تصب على المفرطين، وتأخذ المزاودات أبعادها، ويظهر استغلال المواقف والانتهازية، ويصبح النفاق متبادلاً بين أقطاب هذا الاتجاه.

كان التفريط، والابتعاد عن صحيح المعتقد والتقرب من الشيوعية سبباً في هزيمة عام 1967م حسب رأي الشيخ محمد متولي الشعراوي أحد مؤدلجي العقل الإيماني، وهو الذي دفعه إيمانه الذي لم يفسده التقرب من الشيوعية (الإيمان الصحيح) أن يصلي لله ركعتين شكراً له على هذه الهزيمة التي تعني مفاعيلها عنده غير ما تعنيه عند مجموع الأمة، فهي عند مجموع الأمة هزيمة بينما هي عنده نصر لأنها تعني العودة عن الكفر والتفريط وانتهاء زمنهما بفصم عرى العلاقة بالشيوعة الملحدة، هكذا، وبكل وضوح بل بكل صفاقه عبّر العقل الإيماني عن دوره وأفصح عن وجهه في وسط الآلام التي تعانيها أمة ذاقت مرارة الهزيمة لتوّها، فيكون دور هذا العقل تصعيد الشماتة بدل بلسمة الدجرح، وهكذا تعود المؤمنون البحث عن أسباب مآسيهم ومصائبهم، لدى شيوخ الضرب بالمندل، وكتّاب الأحجبة، وقراء الفال، والمنجمين والمبصرين، ولدى الأبراج والمقامات والعتبات والأضرحة وعظام القديسين والتماثيل، المؤدية إلى التحكم بالغيب، عوضاً عن البحث عن الأسباب الحقيقية وسلبيات الواقع، والتقصير والاستبداد، وإصلاح الواقع الفاسد إن أمكن، وتجاوز أنظمة الإعاقة، وإبعاد المتراخي والمفرط والفاسد والمتآمر واللص والمستبد والانتهازي والوصولي والمرتشي والكسول ... الخ بدل مباركتهم والحصول على هباتهم.

هكذا تبتسر الأمور، وهكذا تتوالى التبريرات اللاعقلانية، فتتألق قوى السحر والخرافة وتنتفخ، بينما تضمر قوى العقل والعلم، وتزداد أسطرة الشخصيات، وتبدأ كراماتها بالظهور، ويصبح المصير معلقاً بشطط أفكارها.

وضمن هذا الواقع يتم لعن الخارجين، وغير المترادفين، وتتم محاولات إعادتهم إلى القطيع كي لا يبقوا مخالفين للنسق، لأن نُسَبُهم يجب ألا تقل عن مئة في المئة، للانسجام مع المطلق، ويصبح الأكثر إغراقاً في لا عقلانيته معيار التقدم والنجاح، وفي هذا المناخ الذي يجب أن يسود فيه كل ما يقوم على النقد الموضوعي البناء، يمنع النقد، وتتم الدعوة إلى التكتل أكثر، وإلى الانغلاق في وجه الآخر أكثر، أي إلى التقوقع وإغلاق الأبواب ونبذ التثاقف والتفاعل.

وإذا كانت سمة التفريط بالعقيدة، وعدم التمسك بصحيح الخط الأرثوذكسي للطائفة أو الملة، والتحذير من الإغراق في ذلك، وضرورة التوبة، هي السائدة أيام المحن، فإن العون الإلهي وزوال الغمة برضى الآلهة، يعتبر التفسير الأكثر رواجاً في أيام الطمأنينة والرخاء، عند مؤدلجي هذا الاتجاه. ومن الواضح أن الإنسان هو نفسه لم يتغير وأن التمسك بالعقائد صحيحها وزائفها لم تتغير، فحصول ما هو إيجابي يعاد إلى رضى الإله، حتى لو لم يتغير قيم الناس وسلوكياتهم وحتى لو لم يقوموا بأي عمل لنيل هذا الرضى، وهذا يلغي القراءة الدقيقة للواقع، ومعرفة المقدمات التي أدت إلى نتائج، أي تغييب منطق العلية والسببية.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق