الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد (936) الخميس 5 صفر 1431هـ/21 كانون الثاني 2010م

الثقافية

المظهر الدلالي للقصيدة

قلبي على قلبي_ للشاعر ابراهيم الخياط

متابعة إسماعيل إبراهيم عبد

في مهمة تشبه مهمة المكلف بايصال جثمان صديق الى أهله يقف الشاعر ابراهيم حيدر الخياط محرجاً كلفاً مشاركا في مأتمية .. بهكذا دلالة مقطعية تبدأ القصيدة بوحها الاولي من خلال : /المقطع/:

شريكين كنا / وكأن كل البرايا ضداد / شريكين بلا ليل / فيغمرنا من فجر الحروب / سواد

وكما هو المظهر النصي فهو يبدأ المأتمية كما ينتهي بها ، ولنا ان نتابع نبضات القلب شبه المخلوع ألما وارتجافا وهلعا ، اعتصاراً واكتماماً .. ولأجل إيصال خبر الموت يحتاج لغة مناسبة وسط هذا السجاء المكشوف . هذا التسمر المماثل للموت ، تصير لغة الموت نفسه ، هي المقبولة الوحيدة ، لذا يبدأها الشاعر بما يحمّله مسؤولية (ما) ازاء هذا السجي !! يحاول ان يتشارك ضديا من حيث رفض الموت ، ويتشارك توازناً في كونه يفتقد هذا السجي .. اذن اختار لغة القلب .. لغة الشراكة في النبض / البث / ومرور الدم في العروق -/ التوزيع .. وكذلك شراكة مظهرية ، حيث كل ما يجري من القلب الى الأعضاء هو عائد بعد ذلك من الأعضاء الى القلب .. هذه المغادرة والعودة ترسم مظهرها على وجه وجسد ولسان وشكل الشريك أو [الشريكين] ، القلب الاول (؟) والقلب الثاني (الشاعر ) . وحيث ان الشريكين (كانا) ! فالأولى أن يكونا دائماً .. وهذه واحدة من تسريبات القواعد النحوية نحو جماليات البلاغة.. حيث استمر الفعل (كنا) الماضي / بطريقة ايحاء / كونه مستمراً من الماضي الى الحاضر ، الى المستقبل.. ثم يدعي ان هذه الشراكة قائمة على أساس وجود تهديد مشترك هو (البرايا) .. هذان الشريكان توصلا الى الغاء الليل بينهما لأن رؤى القلب نور يبعث ضياءه دون الاهتمام بالنور او الظلمة الخارجية .. لكن هذا التآزر اللاليلي يصطدم بوقيعة وشيكة تلك هي "فيغمرنا من فجر الحروب ، سواد..

اذن تحولت البرايا الى حروب ، وتحول التبادل الضوئي القلبي الى سواد. وهذا السواد الغلاف المحيط بالأرض ، سواد ناتج الحروب ، سواد الجدب .. حتى ان هذا التوزع دعا "الشاعر" أن يحدد طبيعته "دار تحوطها - سهواً- بلاد" . هذا السهو هو علة المهمة الحرجة .. فعلى الشاعر ان يقر بخيبته ، ان السواد هو البلاد ، والشريك الأول (القلب) هو نفسه "البلاد" الذي تحول الى نديد جديد محايث/ وليد الحروب..

وهو يرفض استضافة قلبه (الشاعر) الشريك الاساسي .. وحال افتقاد الشاعر لقلبه الذي يرفض بث نبضاته في جسده ، يدخل الليل عنصر الضيافة ، عنصر المبيت لكنه عنصر رماد ، وهو المعادل الموضوعي للسواد الوارد سابقا  مقطع/

فيغمرنا من فجر الحروب ، سواد ../ شريكين ولامنية لنا / سوى دار / تحوطها -سهوا- بلاد / فلما اخرجتني من مضافتها / الاماني / شريكين بتنا :- أنا والرماد..

ومثلما تعاد الاشياء في علو انطلاقها الى نقطة ارتكازها فقد عاد النص الى نقطة انطلاقه .. حيث التتويج الحتمي لخيبة الشاعر بشراكته ، بل ان المحتوى العام للاندغام التلاحمي بل الفرد وبلاده صارا نوعاً من العذاب السديمي ، باستفحال وتخلد السواد في ظل أزلية الحروب

مقطع

قلبي عليك .../قلبي على قلبي ينوح / في اول حرب../ خسر الكلام/ في آخر الحروب / خسر الروح / وقلبي عليك .../ قلبي على قلبي حزين

في المقطع اعلاه يغادر الشاعر تقريره الاول ، بحرجه ونديته وشراكته ، فقد انترعه الموت المؤقت ، انتزع قلبه الابهى ، البلاد ، من قلبه الاضعف الجسد

يغادر كي يتمترس في مخبأ النواح (حصرا) . لكنه نواح من نوع الغناء !! أو البكاء !! او الرقص ذبحاً ، عمودية هذا النواح تشاد بقوائم هيئية ثلاثة /     قائم الخوف/.

فالتيه بين خوف وترقب هو توجع متهيب وهو ارتجاج أصعب من الخوف، وهذا الخوف يشابه ، من حيث التمثل ، وضع اليد على القلب لاظهار الأسى والضعف والرجاء ، وتأكيد موضع الألم

وما يفيض عن هذا هو أن القلب الاول / البلد / هو قلب يأخذ كل ما لدى القلب الثاني / الشاعر / حتى لو حطم مأخوذاته جميعاً [قلبي عليك.

قائم الجلال

هو نواح الخائف الممروض ، القلب الشعري ، قلب الجلال والجمال والبهاء والنور والخير ، ومطلق الحب والسلام..

وهو نواح يزيح المعنى غاية مبغى فلسفي ، فنواح قلب لاجل قلب ، معنى اول ، عن (مكان) والثاني معنى عن "الشعر - اندماج الذات بالمجموع"  برفع مستوى الهم الشخصي الى هم جمعي ، بتجسيد صوفي مظهري / باطني "في اول حرب .. / خسر الكلام / وفي آخر الحروب / خسر الروح.

/قائم الحزن

والذي أسسه بالبكاء على لا جدوى الندم والعتاب والرجاء وغيرة المحب ، وكاسات الانكسار ، حتى لكأن هذا الحزن نوعاً من التصنيف الطبقي الذي يحتم بكاء الفقراء والنابغين ، والقادة الصالحين ، والشجعان الابرياء ، والحمقى الضعفاء ، والبسطاء الفطريين ! اذن مثل هذا الحزن هو قدرية تطال الشاعر .. تبقيه في لحظة حنين ، لحظة توجع مودع في الاتربة والامكنة والاغبرة كل محيطات الطبيعة ومحددات البيئة التي جعلت منه مجمع غضب يدمر كيان الشاعر، عقله ، وجده ، فرديته . يدخل الحزن في دلالة ثانية:

مقطع

قلبي على قلبي حزين .... / وفي كل غزوة كنت أتعب قبل قيلولة / الضحايا / وانا المشاء الشهيد في ركب / الغزاة الغر ، كنت ، ارتقي ابراج / المخافة والقباب التي انتبذتها من بين / أضلاع بغداد

حين دخوله كما هو مشيد في المقطع اعلاه ، فانه ، يكون محظ رد فعل على غزوة (ما) أتعبت القلب الاول للشاعر ، فأتعب قلبه الثاني .. ولكي لا يعاوده الانين سيتوخى قيلولته (من تعب) تسبق قيلولة الضحايا ، تلك التي تشبه ذهالية المشيّع لذويه ، خاصة وأن الشاعر هو الشهيد الضحية فريسة الغزوات .. الذهالية هي استشراق لمحتوى الموت يرتقي بها أبراج الجسد الهائل المستباح ، المستصرخ ، الحنون ، الأبوي العنيد الفقيد (بغداد) ، وأي ارتقاء .... إرتقاء فوق المخافة وقباب النبذ ، وهيام السكون وغطرسة الغيمة الغشوم الممتطية تجوال الشاعر في أضلاع بلاه ، الاضلاع المحتمية بالرمل والسراب وسفن الاغاثة "وهذا المسور بالجزائر الرملية .. غَفَيْن على سراب ، هذا السفين الجامع للاغاثات.

الطقس الدرامي لمظهر الفقدان

مقطع

وكنت أبكي عليك../ قلبي على قلبي بكى / في غزوة لم يشتكِ/ في غزوة اخرى اشتكي / وقلبي عليك / قلبي على قلبي أمين

ها هو الشاعر في مقطع أعلاه يحاول ان يكون حكّاءاً ، يسرد قصة قلبه المشطور .. جهة نموذج بكّاء بلغة الذي يلتقط الانفاس كي يرمم بعض ثلمات العين الدمعي باللارؤية! لغة الماضي (كنتُ) .. التي توحي بالصبر على البلاء او الاقلاع عن الحزن أو اختزان ماء العين لموجة وجد جديدة تلك هي / قلبي على قلبي بكى.

في غزوة لم يشتكِ/... اذن هذا البكاء الجليل ، اقتران مدمى لقلبي الشاعر، انعتاق مفصلي هيكلي في بناء !! بل جعله سور جديد للملمة شتات الروح الهائمة فوق آخر الحروب .. وفي المقطع أعلاه مناورة لغوية ودرامية تكاد تخلط الفهم لصالح السرد عند ذروة تصادم ( ما ) فقوله "في غزوة لم يشتكِ / في غزوة اخرى اشتكي..." يثير الانتباه... فلِم لم يشتك في الغزوة الاولى ، ولِم اشتكى في الغزوة الاخرى؟ ان حيثيات الالفاظ وارتباطها الجملي تعني لي : أنه لم يشتكِ في الغزوة الاولى لانها وقعت عليه فقط / فرداً ووجداً وشخصاً / لكنه اشتكى حين وقع الفعل الدرامي على القلب الكبير "الوطن" .... ولهذا اشتكى -في الغزوة الاخرى- وما عاد قادراً على الصبر او السكون ، ولأن السكوت يطعن الكرامة ويذل العشاق الفقراء الذين جللهم عشقهم حتى ارتفعوا (العلو الأكبر) -الاستشهاد - فجرى بالشاعر ان يرتقي الى مصاف المغامر بكل شيء لإعلاء شأن الصراخ بوجه الفجيعة ، والشاعر يدري ان هذا ثمنه الموت او الموت وفقدان الجثمان!! بل أنه يصرخ بوجدان الموت احتجاجاً على الاغاثة المكللة بالعار.

فأذن في "لم" هذه الجزئيات ببعضها يتخلق طقس درامي من الارتعاش والخفوت المضني -الترحم المر [وقلبي عليكَ] ، "اللازمة التي تتكرر" والتي هي من وسائل تعبير الامهات الحانيات ... فالشاعر فعلاً يحن ويحنو كقلب أول على القلب الثاني "الوطن" .. وهذا الحنو المعكوس هو مكمل فلسفي لاعلان اللوعة القدرية ، فكلما نزفت الارض يعوضها الشاعر من قلبه وعينه دماً ودموعاً ، هل سمعنا عن دموع تبني بلاد ؟! هكذا يريد الشاعر ، إنه بناء وجدان .. إنه بناء حضارة لفظ ، وجواب لغة ، .. محموم بايصال النبض الشعري بدفق الخير والجمال والسلام .. الشاعر "الام" يخاف ، حد الذوبان العشقي ، من جفاءولده ، يحاذر ان يلومه لئلا يهرب بعيداً فيكمل ذاك التأسي بـ "قلبي على قلبي أمين" فليس القلب عضواً يبعث بالدم الى العروق فقط ، بل هو يدافع بكل ضراوة وحنان الامهات عن بنيه . ويتحمل اعباء الامانات ، الحفاظ على الابن (البلد) ، كواحد من شرائع الطبيعة الامومية ، كأنما التضحية بالنَفْس والنَفَس والدم جزء من قانون رضاعة ورعاية الوليد المدلل "البلد" ... ترى أيطمح الشاعر ان يتوقى الحمى بالهذيان؟! هذيان المحتضر أم المقطوع العنق!؟

مقطع

وقلبي عليك../ قلبي على قلبي هفا/ في غزوة لم يرتوِ / في غزوة اخرى اكتفى / قلبي على قلبي نعم

مقطع آخر ومناورة جديدة في دراما الفقدان فمن زاوية قلب جديدة يؤشر موضعا قريباً من القلب يشع بمحتوى آخر ، فما أن اطمأن على أن الامانة "لن تُمَس" حتى تضخم عنده فعل الفقدان ، فها هو يختزل الوطن بمعشوقة ، رائعة ، بهية ، قدرية الحب والوفا ، قدرية الجمال والمنح !! معشوقة يحنو عليها قلبه .. [وقلبي عليكِ..] وهذه المرة فأنها تملأ قلبه.. بل أن قلبه .. (هي) / وهي / الاكتفاء والارتقاء والارتواء ، والارتفاع بالارتواء العشقي حد الكفاية اللاهفة حين يعيد القول [ وقلبي عليك .. / قلبي على قلبي هفا] وهذه الـ ((هفا)) بهفيفها وهيفائها تنذر بضياع ، هي ، الاخرى .. هذا الضياع شكل قدري له مظهر الانكفاء والاقصاء والجدب والضمأ .. وانفراط عقد وجودها بركلات وصفعات الغزاة .. انفراط عقد وجودها عثرات وبعثرات حب وقلب وسلام .. والقلب الزاحف النازف الهادر الحائر صار استحضاراً للموت غزوةً دنو اخرى [قلبي على قلبي هفا / في غزوة لم يرتو / في غزوة اخرى إكتفى] وتفسير إكتفى هنا ، أنه امتلأ ضمأً ورعباً ، وخيبة .. وآن لهذا القيّم ان يتكاسل عن فعلها التدميري ، آن لها أن ترعى قلباً لم تلغه الغزوات السابقة [ في غزوة لم يشتكِ ..] .. ويعد هذا القلب التفعيل المشترك بين الارض والجسد ، العقل الدامي والتخيل التهذيبي [قلبي على قلبي نعم}.

 

 

متابعة

مسرحية الصراع

متابعة/ محمد كاظم رسن

دابت دار الشؤون الثقافية العامة على استذكار الرموز المشرقة في تاريخنا العربي والانساني حيث اقامت الدار اصبوحة شعرية نقدية تخليدا لهذه الذكرى وتحت شعار “ثورة الحسين مثابة للابداع وكتابة بدم وطني وحضور انساني يتوحد في ظله العراقيين”وحضر الحفل نخبة من المثقفين والادباء ومنهم الدكتور رياض شهيد والدكتور جمال العتابي وعدد من رؤساء تحرير الصحف والمجلات بدا الاحتفال الذي قدمه الدكتور رياض شهيد في مقالة نقدية للدكتور فائز الشرع حملت عنوان لحظة كربلاء ومسؤولية النخبة.. في الاصلاح، بعدها توالى الشعراء على قراءة قصائدهم في هذه المناسبة وقد شارك كلا من الشاعرين علي الحيدري والشاعر محمد الكعبي والشاعر منذر عبد الحر وكان للمسرح بصمته فقد قدمت منظمة الغدير الاسلامية عملا مسرحياً بعنوان (مسرحية الصراع) تأليف علي الخباز واخراج سعد الدراجي اما الشاعر نوفل ابو رغيف فقد شارك الحفل بقصيدة شعرية بعنوان:

(باتجاه الالق)

ماشيا ككل الذين قصدوه بين اكداس البشر والملائكة.. حاملا خلاصة ما يحرضني على البوح وازاءه وتغير الكلمات اماكنها.. وهكذا انت حينما تكون قريباً من ذلك الالق وقاصداً ان تزوره..

شددت جراحي

واسرجت عمري لكي اقتفيها

وحين وصلت اليها

تبعثرت في ساحتيها

واحرقت خوفي بين يديها

وها انت يا اعظم النازفين

وها انت يا قابل التائبين

ترتب قافلة الكبرياء

وتفتح اسماءنا للسماء

وتحتضن الخائفين

وتفتح للموت بيتك

لا تنحني او تلين

انه انت.. يا سيد العاشقين

انه انت يا قابل التائبين

انه انت يا سيدي يا حسين

ولا يسعنا الا ان نثن على القائمين بهذا الاحتفال تاخليدا لذكرى ملحمة الطف الخالدة والتي ما زالت مشعلا وهاجساً ينير الدرب للاحرار..

 

 

قصة قصيرة

فندق العاصمة

ضياء الخالدي

نوء ممرات الفندق الكبير بالظلمة والروائح الكريهة والقلق . نادرا ما تسمع مفردات وجلبة في ساعات الضحى ، حيث يرين صمت لزج على الجدران المتقشرة ، والابواب الوسخة ، ويمتزج بالرطوبة فيتحول المكان لمن سكن للتو بانه اسير بناية مهجورة ... عند الظهيرة ينقشع السكون بهمهمات اولى ، ثم تزداد تدريجيا ، لتصل الى انتفاضة صوتية من المزاح ، او حكايات الشارع اليومية او طائفة من ذكريات انهمرت فجأة على اناس تركوا اهلهم وقدموا للعاصمة . اغلبهم استوطن الرصيف ، وكون مملكة خشبية خاصة به يعرض عليها السلع . سيجائر او عطور او حاجيات منوعة بسعر موحد ، او البسة ، او ... او ... . ما حدث في اروقة الفندق يدعو للجنون ، والغرابة . حدث اربك العالم المنسي لهوامش بشر تسكن العاصمة ولا علم لها باي شيء سوى عالمها الرصيفي المحتقن بالوجوه ، والاقدام المتسارعة ، والسيارات وزعيقها المستمر . اختل رواد الفندق الكسبة بضربة سرية جعلت الشك يتوجه صوبي بانني من فعل ذلك ، لكوني الوحيد المختلف عنهم.

تلك كانت البداية. قرص مدمج وجد في الغرفة المواجهة لغرفتي . كان صاحبها منذر كعادته في الشارع ، وحين رجع للغداء استغرب من القرص الموضوع على المنضدة ، وقد كتب عليه اسمه . لم يعره اهتماما ورماه مع الاقراص التي يمتلكها ، وتوجه صوب " الجولة " لكي يخرجها الى الممر ، ويشعل فتائلها . عليه ان يعد الغداء لصديقه الذي سياتي بعد فترة قصيرة.

اتى سعدون ، وفي غمرة تناول الطعام تحدثا عن القرص المدمج ، فاكد له انه لم يجلبه . عندها نهض منذر وكانه لدغ الى القرص ، ووضعه في جهاز السيدي وفتح التلفزيون . كانت الكارثة او الموقعة التي لا يستطيع العقل ان يصدقها هو ان يكون منذر يرتدي على صدره شريط رصاص وهو يعلن انه سيفجر نفسه فداء للوطن والدين . انهار ، وسقط على السرير ، وبهت سعدون من ذلك ، وشك بصديقه بسرعة ، او تلوث بالشك . انه منذر بشحمه ولحمه.

بقي السر عند الصديقين اسبوعا ، ثم انطلق الي محملا باتهام مخفي وراء استفسار اطلقاه . هل وضعت يا اخ جمال قرصا في غرفتنا ؟ مزحت ، تصورت قصدهما قرص رغيف خبز . ابتسمت وقلت لهما: -ارغفة ساخنة لو باردة ؟ بقيا على التوتر ، واخذاني داخل غرفتهما المقابلة لغرفتي . كانت ممرات الفندق مقفرة لان الساعة اقتربت من الحادية عشرة ليلا . اظهرا القرص المدمج ، وبديا مرتبكين تماما ، ومذعورين . حين اجبت بالنفي ، لم يصدقا ، وطلبا مني القسم بالله وبالقرآن والاولياء . اكدت ان مفتاح الغرفة لا املكه . مدير الفندق وحده الذي يملك نسخة منه . عندها عرفت ما كان بالقرص من مشهد يتطلب قدرة خارقة لمعرفة سره . عرضا ما فيه وانصعقت من هول المفاجئة ، وتراجعت خطوة الى الوراء خوفا منهما . ارهابيان معي في غرفة قذرة جدرانها غير مدهونة ، وبلاطها يزخر ببقع لشاي دبق ، ولوساخات اخرى . قذارة العقل قربي ، وتصورت انني شممتها ، او هكذا ما كان لانفي ان يميز بين روائح الفندق العفنة ، والكثيرة ، التي تبدأ من المرافق الصحية الغارقة بعض مقاعدها  مرورا بغرفة الاخوين اللذين لم يذعنا ابدا لتعنيف اصحاب الغرف في الرواق عندما يضعان قمامتهما قرب الباب ، ولم يحملاها صباحا عند خروجهما للعمل . تراجعت الى الوراء اكثر ، واكثر ، للابتعاد ، والهروب حتى لو بانطلاقة سريعة ، صوب مدير الفندق.

لكن بكاء منذر جعلني اتسمر بمكاني ، وابعد هواجسي ، لاقترب من حقيقة انسان ينشج بقوة ، ويردد " انا فقير ، وعلى باب الله " تيقنت انه بريء . هذا اليقين اتى رغم اني صممت بداخلي ان لا اظن بالناس خيرا من اول وهلة . طلبت منهما ان لا يخبرا احدا بذلك ، حتى استفسر من خبير بمونتاج الفيديو عن كيفية انتحال شخصية ما وتركيبها بمشهد مصور.

الشبه ، يخلق من الشبه اربعين كما يقولون ، لكنه منذر . ارهابي في قرص مدمج.

فندق العاصمة العتيق يحوي اكثر من ستين غرفة وبطابقين . بناء قديم متهالك يقبع وسط دكاكين تسند بعضها بعضا ، والشارع الذي يواجهه طرد السيارات وتحول منذ التسعينيات الى سوق للخضار ، واخذت الاكشاك البدائية ، التي تشبه عرازيل الاراضي الزراعية تنتشر حتى بدت حين نشاهدها من نوافذ غرفنا كأنها عناوين لفوضى تعم الكون . رواد الفندق ذكور ولا وجود لعوائل مسحوقة كالايام الماضية عندما كانت تسكن ولا تبالي بالسمعة وكلام الناس . كسبة هاجروا من مدنهم صوب العاصمة . يبقون شهرا ، ويغادرون حاملين ما اقتطعونه من فك الاقدار المخيفة التي يحملها اليهم الشارع والسيارات الكئيبة . جنود ينتظرون بلهفة الاجازة الدورية . ارض الحرام فيها الرزق.

كما يعيش بالفندق شحاذون مسنون ، وهؤلاء لا علاقة لهم بما يجري ، ولا يؤدون التحية للاخرين . منومون مغناطيسيا . يسيرون كدرب النمل لا يحيدون ابدا عن الغرفة ومكان الاستجداء . لا حديث عن الماضي او عن السياسة او عن الواقع الذي رماهم كقشرة بطيخ ... والذين ينافسون الشحاذين الحقيقيين بمجالهم . ويصبون اللوم على الزمن الوسخ الذي لم يقدرهم حق تقدير.

اكد مختص بمونتاج الفيديو زرته في دكانه لا وجود لقدرة كهذه بتركيب وجه انسان على جسد ما ويتحرك طيلة ربع ساعة . يمكن ذلك في صورة مثلا ، والا لكانت الدسائس الكيدية انتشرت بالدليل القاطع ... حين قلت للصديقين ما سمعته من الخبير واثناء وجودهما قرب بسطيتي السيجائر في الشارع ، امتعضا ، وامتقع وجه منذر وراح يقسم بهستيرية انه بريء مما اثار انتباه رفاقه الاخرين ، واتى احدهم الينا ، واراد معرفة سبب تجهم منذر ، وحزن سعدون ، ووجه كلامه لي: اخ جمال . ما هي الاخبار السيئة ؟ كان الشاب اسمه عمار ويسكن في غرفة تقع ببداية رواقنا ، وحيدا . يعمل ببيع حلويات الطاطلي..

 

 

اصدارات

مملكة تحت البحر

اعداد سندس الدهاس

صدر عن دارثقافة الاطفال في وزارة الثقافة العدد /46/ من مجلتها الشهرية مملكة تحت البحر وهي مجلة دورية تعنى بمختلف شؤون الحياة الثقافية والعلمية للاطفال مثل التاريخ  المعلومات و الدين والجغرافية وغيرها من علوم الحياة لعدد من كتاب ومؤلفين عراقيين وعرب واجانب ومن هذه الكتب الزراعة في العراق للدكتور رشيد باني الظالمي وصعوبات التعلم بين النظرية والتطبيق للدكتورة ايمان عباس علي والدكتورة هناء رجب حسن وتأويل عبد الهادي احمد الفرطوسي ورحلة المنشىء البغدادي الى العراق ترجمة عباس العزاوي ومناهج المتكلمين في فهم طرطوس ودورها في التاريخ العربي الاسلامي للدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي والمعارضة في الاسلام بين النظرية والتطبيق للدكتور جابر قميحة والرد بالكتابة النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة لـ / بيل اشكروفت ، غاريث غريفث ، هيبين تبفن.

 

 

خارج مملكة الهذيان

حسن الخرساني

بالمساء قذفوا قلب الوطن

وروحه بالمهاجرين

كذلك طفولتي.. طفولتي

وحدها بلا سقف.. وحدها

الأكثر التصاقاً بالليل

تنفستُها كي لا تتأكسد

دائماً أتكئ على دمي

وأغسلُ دجلة من الشيطان

الفاعل: يعبرُ النهر

المفعول به: موتى بلا لغة

في كل شبر ٍ طلقة.. وشظايا خوف

من جديد

تنامُ العصافيرُ.. وفي الطرقات

يرتعشُ الحلمُ

قريباً من حبيبتي

تركتُ ملامحي.. وقامتي أيضاً

في الصباح.. نفسها الحرب

سجنتْ ضفائرَها

ورمتْ بي خارج الحدود

الدموع تتقافزُ.. وبلا أسماء

لتلتقي بالسواد

سوادُ الفراتين.. والعويل

لا الفراشات

ولا النهر.. اعترفا للمطر

المطرُ لغة ٌ لجسدي

أنجبَ مدناً.. وشيّدَ

قسماتكِ يا بغداد

وأنا في الثلج

أنثى مملكتي الرغبات

الوقتُ جالس ٌ

بين كفيه يرقدُ العالمُ

وسلة ُ تنتفخ ُ بالجوع

ذلك الهذيان المُر

متى يشتعلُ التراب..؟؟

لينامَ الحليبُ

والرصاصُ

ثم قلبي

والعيونُ التي تتصحر

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق