|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الرابعة عشر
عقيدتنا في الإسلام
نعتقد أن الدين عند الله الإسلام ، وهو الشريعة الإلهية الحقة التي هي
خاتمة الشرايع وأكملها وأوفقها في سعادة البشر ، وأجمعها لمصالحهم في
دنياهم وآخرتهم ، وصالحة للبقاء مدى الدهور والعصور لا تتغير ولا تتبدل
، وجامعة لجميع ما يحتاجه البشر من النظم الفردية والاجتماعية
والسياسية.. ولما كانت خاتمة الشرايع ولا تنرقب شريعة أخرى تصلح هذا
البشر المنغمس بالظلم والفساد ، فلا بد أن يأتي يوم يقوى فيه الدين
الاسلامي فيشمل المعمورة بعدله وقوانينه.. ولو طبقت الشريعة الإسلامية
بقوانينها في الأرض تطبيقا كاملا صحيحا ، لعم السلام بين البشر ، وتمت
السعادة لهم ، وبلغوا أقصى ما يحلم به الانسان من الرفاه والعزة والسعة
والدعة والخلق الفاضل ولا نقشع الظلم من الدنيا وسادت المحبة والإخاء
بين الناس أجمعين ولانمحى الفقر والفاقة من صفحة الوجود.. وإذا كنا
نشاهد اليوم الحالة المخجلة والمزرية عند الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين
، فلأن الدين الاسلامي في الحقيقة لم يطبق بنصه وروحه ، ابتداء من
القرن الأول من عهودهم ، واستمرت الحال بنا - نحن الذين سمينا أنفسنا
بالمسلمين - من شئ إلى أسوأ إلى يومنا هذا ، فلم يكن التمسك بالدين
الاسلامي هو الذي جر على المسلمين هذا التأخر المشين ، بل بالعكس إن
تمردهم على تعاليمه واستهانتهم بقوانينه وانتشار الظلم والعدوان فيهم
من ملوكهم إلى صعاليكهم ومن خاصتهم إلى عامتهم.. هو الذي شل حركة
تقدمهم وأضعف قوتهم وحطم معنوياتهم وجلب عليهم الويل والثبور ، فأهلكهم
الله تعالى بذنوبهم ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، تلك سنة الله في خلقه ( إنه لا يفلح
المجرمون ) ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) ( وكذلك
أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).. وكيف ينتظر من
الدين أن ينتشل الأمة من وهدتها وهو عندها حبر على ورق لا يعمل بأقل
القليل من تعاليمه.. إن الإيمان والأمانة والصدق والاخلاص وحسن
المعاملة والإيثار وأن يجب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ، وأشباهها من
أول أسس دين الإسلام ، والمسلمون قد ودعوها من قديم أيامهم إلى حيث نحن
الآن . وكلما تقدم بهم الزمن وجدناهم أشتاتا وأحزابا وفرقا يتكالبون
على الدنيا ويتطاحنون.. على الخيال ويكفر بعضهم بعضا بالآراء غير
المفهومة أو الأمور التي لا تعنيهم ، فانشغلوا عن جوهر الدين وعن
مصالحهم ومصالح مجتمعهم بأمثال النزاع في خلق القرآن والقول بالوعيد
والرجعة وأن الجنة والنار مخلوقتان أو سيخلقان ، ونحو هذه النزاعات
التي أخذت منهم بالخناق وكفر بها بعضهم بعضا ، وهي إن دلت على شئ فإنما
تدل على انحرافهم عن سنن الجادة المعبدة لهم ، إلى حيث الهلاك
والفناء.. وزاد الانحراف فيهم بتطاول الزمان حتى شملهم الجهل والضلال
وانشغلوا بالتوافه والقشور ، وبالأتعاب والخرافات والمجادلات والمباهاة
، فوقعوا بالأخير في هاوية لا قعر والأوهام ، وبالحروب لها ، يوم تمكن
الغرب المتيقظ العدو اللدود للاسلام من أن يستعمر هذه البقاع المنتسبة
إلى الإسلام وهي في غفلتها وغفوتها ، فيرمي بها في هذه الهوة السحيقة ،
ولا يعلم إلا الله تعالى مداها ومنتهاها ( وما كان ربك ليهلك القرى
بظلم وأهلها مصلحون). ولا سبيل للمسلمين اليوم وبعد اليوم إلا أن
يرجعوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على تفريطهم ، وينهضوا إلى تهذيب أنفسهم
والأجيال الآتية بتعاليم دينهم القويمة ، ليمحوا الظلم والجور من بينهم
. وبذلك يتمكنون من أن ينجوا بأنفسهم من هذه الطامة العظمى ، ولا بد
بعد ذلك أن يملؤا الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ، كما وعدهم
الله تعالى ورسوله وكما هو المترقب من دينهم الذي هو خاتمة الأديان ولا
رجاء في صلاح الدنيا وإصلاحها بدونه.. ولا بد من إمام ينفي عن الإسلام
ما علق فيه من أوهام وألصق فيه من بدع وضلالات وينقذ البشر وينجيهم مما
بلغوا إليه من فساد شامل وظلم دائم وعدوان مستمر واستهانة بالقيم
الأخلاقية والأرواح البشرية . عجل الله فرجه وسهل مخرجه.
عقيدتنا في مشرع
الإسلام
نعتقد أن صاحب الرسالة الإسلامية هو محمد بن عبد الله وهو خاتم النبيين
وسيد المرسلين وأفضلهم على الإطلاق ، كما أنه سيد البشر جميعا لا
يوازيه فاضل في فضل ولا يدانيه أحد في مكرمة ، ولا يقاربه عاقل في عقل
، ولا يشبهه شخص في خلق ، وأنه لعلى خلق عظيم . ذلك من أول نشأة البشر
إلى يوم القيامة..
عقيدتنا في
القرآن الكريم
نعتقد أن ( القرآن ) هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان
نبيه الأكرم فيه تبيان كل شئ ، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن
مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية ، لا
يعتريه التبديل والتغيير والتحريف ، وهذا الذي بين أيدينا تتلوه هو نفس
القرآن المنزل على النبي ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو
مشتبه ، وكلهم على غير هدى ، فإنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه ومن دلائل إعجازه أنه كلما تقدم الزمن وتقدمت
العلوم والفنون ، فهو باق على طراوته وحلاوته وعلى سمو مقاصده وأفكاره
، ولا يظهر فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة ، ولا يتحمل نقض حقيقة فلسفية
يقينية ، على العكس من كتب العلماء وأعاظم الفلاسفة مهما بلغوا في
منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية ، فإنه يبدو بعض منها على الأقل
تافها أو نابيا أو مغلوطا ، كلما تقدمت الأبحاث العلمية وتقدمت العلوم
بالنظريات المستحدثة ، حتى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط
وإفلاطون وأرسطو الذين اعترف لهم جميع من جاء بعدهم بالأبوة العلمية
والتفوق الفكري.. ونعتقد أيضا بوجوب احترام القرآن الكريم وتعظيمه
بالقول والعمل ، فلا يجوز تنجيس كلماته حتى الكلمة الواحدة المعتبرة
جزأ منه على وجه يقصد أنها جزء منه ، كما لا يجوز لمن كان على غير
طهارة أن يمس كلماته أو حروفه ( لا يمسه إلا المطهرون ) سواء كان محدثا
بالحدث الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس وشبهها ، أو محدثا بالحدث
الأصغر حتى النوم ، إلا إذا اغتسل أو توضأ على التفاصيل التي تذكر في
الكتب الفقهية.. كما أنه لا يجوز إحراقه ، ولا يجوز توهينه بأي ضرب من
ضروب التوهين الذي يعد في عرف الناس توهينا ، مثل رميه أو تقذيره أو
سحقه بالرجل أو وضعه في مكان مستحقر ، فلو تعمد شخص توهينه وتحقيره
بفعل واحد من هذه الأمور وشبهها فهو معدود من المنكرين للاسلام وقدسيته
المحكوم عليهم بالمروق عن الدين والكفر برب العالمين .
طريقة إثبات
الإسلام والشرائع السابقة
لو خاصمنا أحد في صحة الدين الاسلامي ، نستطيع أن نخصمه بإثبات المعجزة
الخالدة له ، وهي القرآن الكريم على ما تقدم من وجه إعجازه . وكذلك هو
طريقنا لإقناع نفوسنا عند ابتداء الشك والتساؤل اللذين لا بد أن يمرا
على الانسان الحر في تفكيره عند تكوين عقيدته أو تثبيتها.. أما الشرائع
السابقة كاليهودية والنصرانية ، فنحن قبل التصديق بالقرآن الكريم أو
عند تجريد أنفسنا عن العقيدة الإسلامية ، لا حجة لنا لإقناع نفوسنا
بصحتها ، ولا لإقناع المشكك المتسائل ، إذ لا معجزة باقية لها كالكتاب
العزيز ، وما ينقله أتباعها من الخوارق والمعاجز للأنبياء السابقين فهم
متهمون في نقلهم لها أو حكمهم عليها..
الحسن المجتبى..الانسان النموذج
يسعى الإنسان إلى بلوغ مدارج الكمال، وهذا لا يتأتى إلاّ من خلال دراسة
ما كانت عليه الأسوة والقدوة التي تقدم المثال والأنموذج في تشكيل
عناصر الشخصية الإنسانية، وبما أن النبي (ص) والأئمة(ع)، يجسدون في
أقوالهم وأفعالهم النموذج الأسمى في الاقتداء، وربما الرسالية في أرفع
معانيها، كان لا بد من تتبع أثرهم، والاطلاع على منهجهم في الحياة،
وهذا ما أطلعنا عليه سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله،
في قراءة متأنية للمنهج الذي اتّبعه الإمام الحسن(ع)، ودائماً من
المصادر الأصيلة، من خلال النصوص الواردة في هذا المجال:
الإنسان النموذج:
يقول سماحة السيّد: «نحاول أن نأخذ من حديث الإمام الحسن(ع) نصّاً
يتحدّث فيه عن العناصر الشخصية للإنسان النموذج، ليعطينا درساً نصوغ من
خلاله شخصيتنا. قال(ع) في وصف أخ صالح له: "كان من أعظم الناس في عيني،
وكان رأس ما عظم به في عيني، صغر الدنيا في عينه... ـ كانت الدنيا
مبسوطة أمامه وواسعة بين يديه، ولكنه لم يجعل الدنيا لنفسه ثمناً، كان
يعتبر الدنيا حاجة تسد حاجاته، ولم يعتبرها رسالة وطموحاً يسعى إليه،
بل كانت الآخرة كل همه، وكان يأخذ من الدنيا ما يرفع موقعه في الآخرة ـ
كان لا يشتكي ـ إذا أصابه البلاء بل يصبر عليه ـ ولا يتسخّط، ولا
يتبرّم ـ يتأفف ـ كان أكثر دهره صامتاً ـ ولكن صمته لم يكن من عجز عن
الكلام، ولكنه كان يصمت عندما يكون الصمت فكراً، وعندما لا يكون الكلام
حاجة ـ فإذا قال بذّ القائلين... كان إذا جالس العلماء على أن يستمع
أحرص منه على أن يقول: كان إذا غُلب على الكلام لم يُغلب على السكوت.
كان لا يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول. كان إذا عرض له أمران لا
يدري أيهما أقرب إلى ربه، نظر أقربهما من هواه فخالفه. كان لا يلوم
أحداً على ما قد يقع العذر في مثله.
الحضّ على المشاورة
وكان في بعض كلماته(ع)، يوصي بأن يتشاور الناس في أمورهم، سواء كان هذا
الأمر يتعلق بحياتهم الخاصة بما تختلف فيه الآراء، أو بحياتهم العامة،
حيث على الإنسان أن لا يستبدَّ برأيه الذاتي ويتحرك على هذا الأساس، بل
عليه أن يرجع إلى أهل الخبرة وإلى أهل الفكر، ليستشيرهم في هذا الأمر
ويستنصحهم، ليصل من خلال ذلك إلى الثقافة الواسعة العميقة التي تهديه
إلى الصواب.
ولذلك يروى عنه (ع) أنه قال: "ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم"، لأن
تلاقح الأفكار وتداخل العقول، هو الذي يرشد الجميع إلى النتائج
الصحيحة. وقد جاء في القرآن الكريم، أن الله أراد لرسوله(ص)، وهو
المعصوم، أن يستشير أصحابه: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على
الله}(آل عمران/159)، وقال عن المجتمع المؤمن: {وأمرهم شورى بينهم}.
وجاء في بعض الأحاديث: "من شاور الرجال شاركها في عقولها. وقال(ع) لبعض
ولده: "يا بني، لا تؤاخِ أحداً حتى تعرف موارده ومصادره "، أي إذا أردت
أن تتَّخذ صديقاً أو صاحباً، فلا تنظر إلى الظاهر من شخصيته ليجذبك
كلامه أو لتسحرك صورته، بل عليك أن تدرس هذا الإنسان في موارده
ومصادره، وفي كل ما يتصل بشخصيته، ثم بعد ذلك تقرر هل تجعله أخاً أو
لا، لأن الشخص الذي تتخذه صديقاً سوف يتدخّل في أمورك، وسوف يطبع حياتك
بطابعها، وسوف يعرف أسرارك. وكان(ع) يريد للناس أن يشكروا نعمة الخالق
ونعمة المخلوق، لأن شكر النعمة يزيدها، قال تعالى: {لئن شكرتم
لأزيدنَّكم}(إبراهيم/7)، ولأن شكر النعمة للمخلوق يشجعه على أن يزيد من
إحسانه للناس، فيقول: "اللؤم أن لا تشكر النعمة". ثم يتحدث الإمام
الحسن(ع) في مفهوم العزّة في النفس الإنسانية، ومفهوم الهيبة في واقع
الإنسان. فالناس قد يتصوّرون العزّة بكثرة الناس حول من يريد أن يكون
عزيزاً، أو بقوَّة السلطان، ولكن الإمام الحسن(ع) يقول إنّ تلك ليست
عزّة، لأنّ الإنسان هنا يستعير عزّته من الآخرين، فالآخرون أعاروه
العزّة وقد يسلبونها منه، وهكذا في من يجتمع حوله الناس ويهتفون باسمه،
وعندما يحمل سوطاً يلهب به ظهور الناس. فهذا لا يمثِّل الهيبة، فالهيبة
والعزّة هي أن تكون عناصر القوّة واحترام الناس له في داخل شخصيّته،
وهي أن يحبّه الناس ويهابوه تلقائياً، وأن يعزّز الموقع من خلال شعور
الناس أنّه قويّ، من خلال الخصائص الحيّة الموجودة في شخصيته.
ويروى عنه(ع) أنه قال: "من أراد عزّاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان،
فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته"، فليكن الإنسان عزيزاً
بطاعته لربه والتزامه خطّه، ليكن عزيزاً بأن يستمدّ العزة من الله
وحده. وقد أخذ هذه الفكرة عن الإمام الحسن(ع)، ابن أخيه الإمام زين
العابدين(ع) في دعائه: "واعصمني من أن أظن بذي عدم خساسة، أو أظن بصاحب
ثروة فضلاً، فإن الشَّريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزته عبادتك.
العفاف عن المحارم
وممّا يقوله الإمام الحسن(ع) يقول: "يابن آدم، عفّ عن محارم الله تكن
عابداً". إنَّ عبادة الله هي الخضوع لله، وأعظم درجات الخضوع له، أن
يترك الإنسان كل ما حرّم عليه في كلِّ شؤونه، فإذا غضَّ عن محارم الله
يكن عابداً في قمة العبادة، لأنه يحارب كلَّ غرائزه السيئة وكل شهواته
قربةً إلى الله تعالى، "وارض بما قسم الله تكن غنياً"، فليقنع بما قسمه
الله له، مما انطلق فيه في عمله وفي ظروفه، لأن "القناعة كنز لا يفنى"،
"والطمع هو الفقر الحاضر"، كما ورد في الحديث، لأن غنى النفس هو الغنى،
وقد ورد في الدعاء: "واجعل غناي في نفسي"، "وأحسن جوار من جاورك تكن
مسلماً.
القمَّة في القيم والفضائل
وقد حدّث الإمام زين العابدين (ع) عن عمّه الإمام الحسن (ع) فقال: "كان
أعبد الناس في زمانه، وكان أزهدهم وأصدقهم"، فكان بذلك يمثِّل القمَّة
في العبادة والزهد والصدق والأمانة، لأنَّ تلك هي العناصر الأصيلة في
شخصيته التي أفاضها عليه رسول الله وعليّ وفاطمة. كان ينطلق في حياته
ليتواضع لله في حجّه، فكان يذهب في بعض سفره إلى الحج ماشياً، وربما
مشى حافياً، ولشدة تواضعه، جعل الصحابة الكبار ينزلون من نجائبهم
ودوابّهم تهيباً وإجلالاً له، وكان (ع) إذا دخل باب المسجد يرفع رأسه
إلى السماء ويقول: "إلهي ضيفك ببابك ـ لأننا إذا دخلنا إلى المسجد،
فكأننا دخلنا في ضيافة الله لنأكل من مائدته؛ مائدة الروح والقرب إليه
سبحانه والانفتاح عليه ـ يا محسن قد أتاك المسيء"، وهذه الكلمات هي
ككلِّ كلمات المعصومين في الاستغفار، هي كلمات الإخلاص والتواضع أمام
الله تعالى الذي عصمهم في فكرهم وكل سلوكياتهم. كان الإمام الحسن (ع)
يمثِّل القمَّة في العفو والسُّلوك الأخلاقي، ويُنقل عنه أنه كان في
المدينة راكباً على فرسه، ويسير معه أولاده وأهل بيته، فجاءه شيخ شامي
ممن ربَّاهم معاوية على بغض أهل البيت (ع) وسبّ عليّ (ع) وأبنائه، ووقف
هذا الشيخ يسأل: من هذا؟ قالوا له: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب، فراح
هذا الشيخ يشتم عليّاً وأهل بيته، وهو (ع) ينظر إليه بكل حنان ووداعة،
ولم يقبل لمن حوله أن ينالوه بسوء، وعندما انتهى الشيخ الشامي من
كلامه، قال له (ع): "أيها الشيخ، أظنك غريباً، ولعلّك شبهت، ولو
استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، فلو استعتبنا أعتبناك، ولو
سألتنا أعطيناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن
كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها
لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى ارتحالك، كان أعود عليك...
فلمّا سمع الرجل كلامه، بكى ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه.
لماذا فعل الإمام الحسن (ع) ذلك؟ من الطّبيعي أنَّ أخلاقه هي التي
دفعته إلى القيام بذلك. ولذلك، علينا أن نتعلّم من هذه الأخلاق، ونأخذ
بالمنهج الذي يجب أن نسير عليه ونفهم عمقه، لنتمكَّن من مواجهة الأجهزة
التي ـ منذ التاريخ وحتى الآن ـ تحاول أن تغيّر للناس أفكارهم، سواء
كان ذلك بما يتصل بالدِّين أو المذهب أو السياسة أو الشّخص، بحيث تنطلق
هذه الأجهزة في كلِّ عناصرها البشرية وآلياتها الإعلامية، في تشويه
صورة شخصٍ ما، بأن تنسب إليه الكثير من الباطل أو السوء أو الشر مما
ليس فيه وليس من أخلاقه، حتّى يأخذ الناس هذه الصورة المشوّهة عنه،
فيعيشوا السلبية تجاهه، ليسبّوه ويلعنوه ويكفّروه ويضلّلوه. كان معاوية
يقول لأهل الشام، إن عليّاً لا يصلّي، وإننا نقاتله لنأمره بالمعروف
وننهاه عن المنكر، وعندما استشهد أمير المؤمنين، سأله ابن عباس: لماذا
تصرّ على سبّ عليّ؟ فقال معاوية: حتى يشبّ عليه الصغار، ويشيب عليه
الكبار. وبقي الناس يسبّون عليّاً سبعين سنة، حتى جاء عمر بن عبد
العزيز ورفع السبّ عن أمير المؤمنين. كانت الخطة أن يغسل معاوية دماغ
المسلمين بتأكيد بغض عليّ (ع) وأهل بيته، حتى لا يأتي بعده من يحمل
رسالته وينطلق بالقيادة. ولذا أراد الإمام الحسن (ع)، أن يغيّر منهجية
هذا الشيخ من خلال التفكير بالواقع بعد أن غُسل دماغه بالباطل، واستطاع
الإمام (ع) أن يربح صديقاً بعد أن كان عدوّاً، تأكيداً للمنهج القرآني:
{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ
حميم}(فصّلت/34)، ولكن مشكلة الأسلوب الذي يتّبعه حتى بعض المؤمنين
والمتديّنين، أنهم يحوّلون أصدقاءهم إلى أعداء، لأنهم لا يعرفون كيف
يديرون الأمور في المشاكل التي يواجهونها، فيحطمون بذلك رموز الإصلاح،
وهذا ما يخالف نهج عليّ (ع)، ولذلك فنحن معه خفقة قلب، ولكننا لسنا معه
حركة وعي وخط رسالة وطلاب علم منه. |