|
عقائد الامامية
كتاب في حلقات
الشيخ محمد رضا المظفر
الحلقة الخامسة عشر
عقديتنا في طاعة الأئمة
ونعتقد أن الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم ، وأنهم
الشهداء على الناس ، وأنهم أبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه ،
وأنهم عيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده وخزان معرفته ، ولذا كانوا
أمانا لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ( على حد تعبيره صلى
الله عليه وآله).
وكذلك - على حد قوله أيضا - ( أن مثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح من
ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ) وأنهم حسبما جاء في الكتاب المجيد
( عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )
وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . بل نعتقد أن أمرهم
أمر الله تعالى ، ونهيهم نهيه ، وطاعتهم طاعته ، ومعصيتهم معصيته ،
ووليهم وليه ، وعدوهم عدوه ، ولا يجوز الرد عليهم ، والراد عليهم
كالراد على الرسول والراد على الرسول كالراد على الله تعالى . فيجب
التسليم لهم والانقياد لأمرهم والأخذ بقولهم
.
ولهذا نعتقد أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقى إلا من نمير مائهم
ولا يصح أخذها إلا منهم ، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم ، ولا
يطمئن بينه وبين الله إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا
من طريقهم . أنهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق في هذا
البحر المائج الزاخر بأمواج الشبه والضلالات ، والإدعاءات والمنازعات
.
ولا يهمنا من بحث الإمامة في هذه العصور إثبات أنهم هم الخلفاء
الشرعيون وأهل السلطة الإلهية ، فإن ذلك أمر مضى في ذمة التاريخ ، وليس
في إثباته ما يعيد دورة الزمن من جديد أو يعيد الحقوق المسلوبة إلى
أهلها .
وإنما الذي يهمنا منه ما ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الأخذ بأحكام
الله الشرعية ، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم على الوجه الصحيح الذي
جاء به .
وأن في أخذ الأحكام من الرواة والمجتهدين الذين لا يستقون من نمير
مائهم ولا يستضيئون بنورهم ابتعادا عن محجة الصواب في الدين ، ولا
يطمئن المكلف من فراغ ذمته من التكاليف المفروضة عليه من الله تعالى ،
لأنه مع فرض وجود الاختلاف في الآراء بين الطوائف والنحل فيما يتعلق
بالأحكام الشرعية إختلافا لا يرجى معه التوفيق ، لا يبقى للمكلف مجال
أن يتخير ويرجع إلى أي مذهب شاء ورأى اختار ، بل لا بد له أن يفحص
ويبحث حتى تحصل له الحجة القاطعة بينه وبين الله تعالى على تعيين مذهب
خاص يتيقن أنه يتوصل به إلى أحكام الله وتفرغ به ذمته من التكاليف
المفروضة ، فإنه كما يقطع بوجود أحكام مفروضة عليه يجب أن يقطع بفراغ
ذمته منها ، فإن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني
.
والدليل القطعي دال على وجوب الرجوع إلى آل البيت وأنهم المرجع الأصلي
بعد النبي لأحكام الله المنزلة . وعلى الأقل قوله عليه أفضل التحيات (
إني قد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : الثقلين ،
وأحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ،
وعترتي أهل بيتي . ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
وهذا الحديث اتفقت الرواية عليه من طرق أهل السنة والشيعة . فدقق النظر
في هذا الحديث الجليل تجد ما يقنعك ويدهشك في مبناه ومعناه ، فما أبعد
المرمى في قوله : ( إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا ) والذي تركه فينا
هما الثقلان معا إذ جعلهماكأمر واحد ولم يكتف بالتمسك بواحد منهما فقط
، فبهما معا لن نضل بعده أبدا . وما أوضح المعنى في قوله : ( لن يفترقا
حتى يردا علي الحوض ) فلا يجد الهداية أبدا من فرق بينهما ولم يتمسك
بهما معا .
فلذلك كانوا ( سفينة النجاة ) و ( أمانا لأهل الأرض ) ومن تخلف عنهم
غرق في لجج الضلال ولم يأمن من الهلاك . وتفسير ذلك بحبهم فقط من دون
الأخذ بأقوالهم واتباع طريقهم هروب من الحق لا يلجئ إليه إلا التعصب
والغفلة عن المنهج الصحيح في تفسير الكلام العربي المبين.
عقديتنا في حب آل البيت
قال الله تعالى ( الشورى : 23 ) : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة
في القربى ) . نعتقد أنه زيادة على وجوب التمسك بآل البيت ، يجب على كل
مسلم أن يدين بحبهم ومودتهم ، لأنه تعالى في هذه الآية المذكورة حصر
المسئول عليه الناس في المودة في القربى
.
وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أن حبهم علامة الإيمان ، وأن
بغضهم علامة النفاق ، وأن من أحبهم أحب الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض
الله ورسوله . بل حبهم فرض من ضروريات الدين الاسلامي التي لا تقبل
الجدل والشك .
وقد اتفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وآرائهم ، عدا فئة قليلة
اعتبروا من أعداء آل محمد ، فنبزوا باسم
(
النواصب ) أي من نصبوا العداوة لآل بيت محمد .
وبهذا يعدون من المنكرين لضرورة إسلامية ثابتة بالقطع
.
والمنكر للضرورة الإسلامية كوجوب الصلاة والزكاة يعد في حكم المنكر
لأصل الرسالة ، بل هو على التحقيق منكر للرسالة ، وإن أقر في ظاهر
الحال بالشهادتين ، ولأجل هذا كان بغض آل محمد من علامات النفاق وحبهم
من علامات الإيمان . ولأجله أيضا كان بغضهم بغضا لله ولرسوله
.
ولا شك أنه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلا لأنهم أهل للحب والولاء ،
من ناحية قربهم إليه سبحانه ، ومنزلتهم عنده ، وطهارتهم من الشرك
والمعاصي ومن كل ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه
.
ولا يمكن أن تتصور أنه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي أو لا يطيعه حق
طاعته ، فإنه ليس له قرابة مع أحد أو صداقة وليس عنده الناس بالنسبة
إليه إلا عبيدا مخلوقين على حد سواء ، وإنما أكرمهم عند الله أتقاهم
.
فمن أوجب حبه على الناس كلهم لا بد أن يكون أتقاهم وأفضلهم جميعا ،
وإلا كان غيره أولى بذلك الحب ، أو كان الله يفضل بعضا على بعض في وجوب
الحب والولاية عبثا أو لهوا بلا جهة استحقاق وكرامة.
ما تركزه الصلاة في النفس والمجتمع
د.صبحي ابراهيم الفقي
ان أهم الامور التي تحققها الصلاة هي مسألة (الايمان بالغيب) إيماناً
متعدياً إلى كل المشاعر (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة).
والإيمان بالغيب نافذة الارتباط بالعالم المقدس، وطريق الخلاص من أسر
الحواس، والارتباط بتلك القوة الكبرى الخالقة للعالم بكل ما في ذلك
الارتباط من عطاء. وأول حلقة بل أهم حلقة في ذلك مسألة الإيمان بالله
العظيم، ونفي كل قوة مؤثرة سواه، وربط الكون وظواهره به تعالى فيردد
المصلي في مقدمة الصلاة وفي اثنائها الشهادة الإسلامية الكبرى (أشهد أن
لا إله إلاّ الله): شهادة تستدعي عبودية مطلقة له تعالى، واستعانة
مطلقة خاصة به (اياك نعبد واياك نستعين)، وتنزيهاً له من كل شريك (قل
هو الله أحد...) (سبحان ربي العظيم وبحمده...) شهادة تركز في النفس
حاجتها الدائمة إلى هداية السماء في كل شؤون حياتها: (إهدنا الصراط
المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)،
شهادة بخالق الكون العظيم الذي خلق الكون بمقتضى رحمته (بسم الله
الرحمن الرحيم) الأمر الذي يحصر الحمد والشكر به تعالى (الحمد لله رب
العالمين الرحمن الرحيم)
كل هذا نجده في سورة مفروضة في كل صلاة فـ «لا صلاة إلاّ بفاتحة
الكتاب» وهي السورة التي عبر عنها بأنها خلاصة الكتاب وفاتحته والتعبير
المجمل عن روحه، وقد حوت من المعاني الجليلة الشيء الكثير الكثير.
وقد جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) وقد سئل عن سر وجوب سورة الحمد
في كل صلاة أنه قال: «لأنه ليس شيء من القرآن والكلام جمع منه من جوامع
الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد»(1).
ولذا فـ «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» أي منقوصة(2).
كما اننا نجد التنزيه الكامل لله تعالى في عبارة تتكرر في الصلاة وهي
(سبحان الله) أو (سبحان ربي العظيم وبحمده) أو (سبحان ربي الأعلى
وبحمده).
فقد روى هشام بن الحكم انه سأل الصادق (عليه السلام) عن (سبحان الله)
فقال: أنفة الله (الكافي، ج 1، ص 118). وقد سئل أمير المؤمنين عن معنى
سبحان الله فقال (كلمة رضيها الله تعالى لنفسه فأوصى بها) (تاج العروس
ـ مادة سبح). وبعد تنزيه الله تعالى وتركيز عبوديته; تركز الصلاة في
المسلم الشهادة للنبي العظيم بأنه رسول الله الصادق، وأنه عبده الأمين.
مركزة على نفي أي مطلق أمام الله في نفس الوقت الذي تقدس فيه تلك
الشخصية العظيمة وتذكر بحقوقها... وبعد الشهادة للنبي بالرسالة تأتي
الصلاة على محمد وآله لتشد المسلمين إلى هؤلاء القادة دائماً (عقائدياً
وعاطفياً)، ولتذكرهم بأن الصراط المستقيم يكمن في ذلك. وهكذا نجد ان
النصوص الواردة في الصلاة يقرأها المصلي فتوحي له بايحاءات رائعة:
*
توحي له بلزوم تجسيد مضمونها في واقعه.
*
توحي له بأنه لا يلهج إلاّ بكلام
الله، ولا ينظر إلى الكون إلاّ بمنظار القرآن الكريم، كما قال أمير
المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «كتاب الله تنطقون به وتسمعون
به وتبصرون به...»
*
توحي له بأن يجب أن يستمدَّ دائماً من
الله، وان عليه دائماً ان ينضبط بأوامر الله، وأن يصوغ حياته وفق رضاه
وصراطه المستقيم، الذي يتميز عن صراط المغضوب عليهم وصراط الضالين.
لأنه صراط يرضاه الله، ولأنه صراط الوعي والايمان الحي.
*
توحي بالارتباط الكامل والعهد الوثيق
الذي يعطيه المؤمنون بعضهم لبعض على أن يدفعوا مسيرة الإيمان إلى
الأمام ، وذلك يبدو أيضاً عندما ينطق المصلي بعبارة (السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين)، نعم كل عباد الله على امتدادهم العرضي والطولي
لأنهم يشتركون معه في هدفه الكبير.
هذه بعض الموحيات والمعطيات التي توحي بها الألفاظ الصلاتية فتركّزها ـ
بتكرار الصلاة ـ في النفوس، وتجسد عقيدة الإنسان وعهده بالالتزام بها
والقيام بمقتضياتها.
ولكن هذه الألفاظ تكتسب لها سنداً حسياً مؤثراً بشكل بارز وهو الأعمال
الصلاتية، لتؤكد بذلك وحدة الروح والجسد، المعنى والظاهر، التفكير
والحس، فيرفع المصلي يديه للصلاة ـ واقفاً بخشوع في مفتتح الصلاة ـ ثم
هو يكرر هذا عند كل نقلة من حالة إلى اُخرى ليؤكد الوعي من جهة، ولأنه
ضرب من التبتل من جهة اُخرى.
روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله «انما ترفع اليدان لأن رفع
اليدين ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع، ولأنّ في رفع اليدين إحضار
النية وإقبال القلب»(3).
ويركع الإنسان ويسجد على الأرض مسبّحاً لله ليمنح اللفظ إطاراً مؤثراً،
ويعطي النفس إيحاءً فعالاً بضعتها أمام الله وعلوها في نفس الوقت على
كل المطلقات الوهمية. يقول الإمام (عليه السلام):
«أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو
ساجد»(4).
ثم يجلس متشهداً جلسة الاحترام والتبجيل وينهض قائلاً: (بحول الله
وقوته أقوم وأقعد).
والملاحظ في حالات الصلاة انها تستوعب مختلف حالات الفرد النشط، وهي
تعبر بذلك عن لزوم إسراء مداليل الصلاة إلى كل حالات الإنسان بحيث لا
يقوم ولا يقعد ولا يركع ولا يسجد إلاّ وهو واع لأنه يقوم بذلك بحول منه
تعالى وقوة. وهذا يجره إلى لزوم الشكر والحمد المتواصل الذي تتكرر
مواضعه في الصلاة ليتقرر في نفسه كحقيقة، وفي عمله كروح. كما ان في رفع
اليدين إلى الدعاء في القنوت تعبيراً جميلاً عن الاحتياج الشديد إليه
تعالى، وتركيزاً لمفهوم (ادعوني أستجب لكم).
وبعد ملاحظة الأقوال والأفعال يأتي دور ملاحظة الشروط المعتبرة في
الصلاة لتضيف إلى معطيات الأقوال والأفعال معطيات اُخرى تؤكدها وتفصل
مقتضياتها. وأول ما يبدو فيها مسألة (اشتراط الطهارة) فإن شرط قصد
القربة في الوضوء أو الغسل أو التيمم، ثم اشتراط الصلاة بالطهارة، ثم
كون الصلاة عملية تطهير من الشرك يحقق انسجاماً رائعاً بين الحس
والمعنى من جهة، ويؤكد للإنسان عملية تطهير النفس عند الوقوف المتكرر
المتواصل أمام الله العظيم. وهكذا ينغرس في أعماقه ان الذنوب دنس ورجس،
وتربّى نفسه على ان تنظر إليها على أنها انحراف عن الطبيعة والقاعدة
الإنسانية; فيجد أكبر الصعوبة النفسية لو أراد أن ينحرف. ولعله من هنا
وصفت الصلاة بأنها «تنهى عن الفشاء والمنكر».
أما التوقيت: المعتبر في كل صلاة فهو يؤدي دوره المرسوم له. فقد جاء في
القرآن الكريم قوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل،
وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً) وجاء فيه (وحافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) والملاحظ في الآية الاولى
أنّ ربطها التوقيت بالظواهر الزمانية الكبرى في حياة الإنسان; وهي
(دلوك الشمس ـ أي زوالها ـ وغسق الليل.، والفجر) والتركيز عليها يوحي
بأن للتوقيت معطى التذكير بنعم الله في هذه الظواهر ـ أولاً ـ وما أعظم
تلك النعم الكامنة في الشمس والليل والفجر، ثم معطى الالتزام ببرنامج
خاص في الحياة يوافق الالتزام ببرنامج الصلاة الخاصّ. هذا بالإضافة إلى
الغرض الأصيل من الصلاة وهو تركيز الإيمان بالله خالق الكون عن طريق
الوقوف بخشوع أمامة عند مواجهة حالة تبدل كوني هائل.
ويأتي بعد هذا دور الحديث عن التوجة للقبلة وهو مجال مفصل نكتفي منه
بالإشارة إلى ان المسلمين أُمروا في وقت واحد ـ عرفياً وان لم يكن
واحداً علمياً ـ لأن يتوجهوا في شتى أماكنهم إلى مكان واحد بالضبط.
وذلك المكان يمثل مركز وحدة الأرض كلها، ومركز الاتصال بعالم الغيب،
ومنطلق مسار الأنبياء الذي هو أفضل مسار للبشرية; ثم ليقوموا بأعمال
واحدة، ولينطقوا بلفظة واحدة كلاماً واحداً.
ان هذا ليصور للإنسان المسلم ـ وخصوصاً إذا كان في صلاة جماعة ـ ان
الأرض كلها تتوجه إلى البيت العتيق. فإذا لم يتوجه قطاع معين فذلك لأنه
منحرف وعليه هو كمسلم ان يعمل على إرجاعه إلى الوضع الطبيعي وهو
الاتجاه إلى الكعبة الشريفة. كما ان تلك الوحدة تركز في حس الإنسان كل
تلك المعاني التي يعبر عنها البيت، وتشده حسياً إليه كما شدته عقائدياً
وعاطفياً إليه من قبل، وأخيراً فإن هذا التوجه الواحد يمنح الشخصية
الإسلامية صفة تميزها عن الشخصيات الدينية الاُخرى. هذا وتتشابك معطيات
الصلاة مع معطيات الحج أثناء القيام بتلك العبادة الجمة الفوائد.
وهكذا نستطيع ان نلحظ بوضوح الحِكَمَ المتوخاة من اشتراط الصلاة في
المكان المباح، واللباس المباح، وكذلك من اشتراط عدم لبس الرجل للذهب
والحرير باعتبارها لا ينسجمان والجدية التي هي احدى مقومات الرجولة
وغير ذلك كثير.
التطور الديمقراطي ومقومات التنمية السياسية
حميد حسين كاظم الشمري
إنّ عملية التنمية السياسية بوجه عام تخلق الظروف والشروط الملائمة
للتطور الديمقراطي، فالتنمية السياسية تهدف في النهاية إلى بناء النظام
السياسي، وإجراء عمليات التحديث عليه ليصبح نظاماً عصرياً ومتطوراً
وديمقراطياً، فالتنمية السياسية بذلك تفترض التخلص من بقايا السلطات
التقليدية بخصائصها التي لم تعد تناسب البناء الجديد، وهذه الحالة
تتطلب وجود عملية مواجهة مستمرة مع البقايا الراسخة التي ما تزال تؤثر
سلباً في اتجاهات الأفراد والمجتمع.
ومثال على ذلك، لابدّ من قيام بعملية نفسية وإجرائية لجعل الأفراد
يؤمنون بأن الحكومة هي آلية من آليات تحقيق أهدافهم ومصالحهم
وطموحاتهم. وهنا من المفروض أن يتسع المجال للتغيير المؤسسي واستمرارية
تغيير النظام السياسي، بحيث يكون لدى الأفراد القابلية للموافقة على
الأشكال الجديدة للسلطة التنظيمات والطرق الجديدة لتداول السلطة.
ومن أجل التطبيق الفعلي للديمقراطية يجب التركيز على مقومات التنمية
السياسية، ونذكر منها:
1-
المشاركة السياسية.
2-
التعددية السياسية.
3-
التداول السلمي للسلطة.
4-
حماية واحترام حقوق الإنسان.
وسنأتي لاحقاً إلى توضيح هذه المقومات وبشكل مختصر، وسنبين دورها في
تحقيق الديمقراطية والمساواة بين أفراد المجتمع.
المفهوم العام والبسيط للمشاركة السياسية هو حق المواطن في أن يؤدي
دوراً معيناً في عملية صنع القرارات السياسية، هذا في أوسع معانيها،
وفي أضيق معانيها تعني حق ذلك المواطن في أن يراقب تلك القرارات
بالتقويم والضبط عقب صدورها من الحاكم، وهي تعني، عند صموئيل هنتنكتون
وجون نيلسون، "ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون بقصد
التأثير في عملية صنع قرار الحكومة، سواء أكان هذا النشاط فردياً أو
جماعياً، منظماً أو عفوياً، متواصلاً أو منقطعاً، سلمياً أم عنيفاَ،
شرعياً أو غير شرعي، فعالاً أم غير فعال"، وهذا ما ذهب إليه
د.عبدالمنعم المشاط، حيث عرّفها بأنها "شكل من الممارسة السياسية يتعلق
ببنية النظام السياسي وآليات عملياتهُ المختلفة، إذ يكمن موقعها داخل
النظام السياسي في المدخلات سواء كانت التأييد والمساندة أو المعارضة،
ولكنها تستهدف تغيير مخرجات النظام السياسي بالصورة التي تلاءم مطالب
الأفراد والجماعات الذين يقدمون عليها".
والمعنى الأكثر تداولاً لمفهوم المشاركة السياسية هو "قدرة المواطن على
التعبير العلني والتأثير في اتخاذ القرارات سواء بشكل مباشر أو عن طريق
ممثلين يفعلون ذلك".
وهناك نفراً من الباحثين استخدم مفهوم المشاركة السياسية بمعنى "أن
تصدر القرارات العليا تعبيراً عن رغبة المجتمع، ولهذا تتطلب الأمور
ظهور التنفيذ النيابي، ونظم الانتخابات والاستفتاء والاستعانة
بالخبراء".
إنّ العملية السياسية تتم عن طريق ممارسة أعداد كبيرة من اللاصفوة
السياسية، العمل السياسي والاندماج السايكلوجي في العملية السياسية،
وهذا يعني إشراك الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الأثنية والعرقية في
الحياة السياسية العامة، وتمكينهم من أن يلعبوا دوراً واضحاً في
العملية السياسية، أي تكون السلطة عن طريق التمثيل فيها.
وتعتبر المشاركة السياسية بُعداً أساسياً من أبعاد التنمية البشرية،
حيث عرّفها إعلان "الحق في التنمية" الذي أقرتهُ الأمم المتحدة عام
1986 عملية التنمية بأنها عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية
وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان
وكل الأفراد، التي يمكن عن طريقها أعمال حقوق الإنسان وحرياتهُ
الأساسية.
يتضح مما سبق إنّ العلاقة بين المشاركة السياسية والتنمية البشرية، هو
إن الأولى لازمة لتحقيق الثانية، إذ لا يمكن تحقيق أهداف التنمية، بدون
مشاركة فعلية وحقيقية من قبل شرائح المجتمع وبمختلف انتماءاتهم الأثنية
والإقليمية والاجتماعية.
وعليهِ يمكن القول إن المشاركة السياسية تعتبر المظهر الرئيسي
للديمقراطية، حيث إن ازدياد المشاركة السياسية من قبل الشعب في العملية
السياسية يمثل التعبير الحقيقي عن الديمقراطية، ولكن من أجل تحقيق
مشاركة سياسية فعالة يتطلب تواجد مجموعة من الشروط لتحقيق ذلك، منها
رفع درجة الوعي الإسلامي من خلال القضاء على الأمية والتخلف، وحرية
وسائل الإعلام، وحرية الرأي والتعبير، وتقوية وتفعيل التنظيمات
السياسية الوسيطة من الأحزاب وجماعات مصالح وجماعات ضغط وتفعيل دور
المؤسسات والهيئات في الدولة، كمؤسسات المجتمع المدني باعتبارها أداة
مهمة من أدواة مراقبة أعمال الحكومة، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي داخل
المجتمع، وبناء المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب القوى السياسية
الراغبة في المشاركة السياسية، وعند توفير الشروط المذكورة آنفاً فمن
الممكن الحديث عن وجود مشاركة سياسية فعالة من قبل الجماهير، وهذه
المشاركة سوف تعود على المجتمع بعدة فوائد يمكن استخلاصها في هذا الصدد
كما يلي:
1.
إنّ المشاركة تعني تحقيق مساهمة أوسع
للشعب في رسم السياسات العامة وصنع القرارات واتخاذها وتنفيذها.
2.
إنّ المشاركة تعني إعادة هيكلة وتنظيم
بنية النظام السياسي ومؤسساتهُ وعلاقته بما يتلاءم وصيغة المشاركة
الأوسع للشعب في العملية السياسية وفعالياتها.
3.
إنّ المشاركة السياسية أضحت أحد
المعايير الرئيسية لشرعية السلطة السياسية في أي مجتمع.
4.
إنّ المشاركة السياسية توفر للسلطة
فرص التعرف على رأي الشعب ورغباته واتجاهاته.
5.
إنّ المشاركة السياسية توفر الأمن
والاستقرار داخل المجتمع.
6.
إنّ المشاركة السياسية تمثل الإرادة
العامة للشعب.
7.
إنّ المشاركة السياسية تعني القضاء
على الاستبداد والتسلط والانفراد بالسلطة.
8.
إنّ المشاركة السياسية تمثل شرطاً
أساسياً لتحقيق التنمية في المجتمع.
9.
إنّ المشاركة السياسية تلعب دوراً
كبيراً في بناء وتحقيق الوحدة الوطنية بين الجميع.
يتضح مما تقدم إن إتاحة الفرصة لجميع سكان الدولة للمشاركة الشعبية
باتخاذ القرارات وإدارة شؤون البلاد، سواء بشكل مباشر أو عن طريق
ممثلين عنهم، أي بمعنى الإسهام في الحياة العامة، يولد الأمن
والاستقرار السياسي داخل البلاد، لأن المشاركة السياسية هي إحدى الشروط
الأساسية للقدرة على رص الصفوف لتحقيق الوحدة الوطنية، وكذلك تحقيق
أهدف التنمية السياسية. |