الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد:(939) الثلاثاء 10 صفر 1431 هـ/26 كانون الثاني 2010

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة السادسة عشر

عقيدتنا في الأئمة

 لا نعتقد في أئمتنا ما يعتقده الغلاة والحلوليون ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم) . بل عقديتنا الخاصة أنهم بشر مثلنا ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وإنما هم عباد مكرمون اختصهم الله تعالى بكرامته 

وحباهم بولايته ، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم والتقوى والشجاعة والكرم والعفة وجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ، لا يدانيهم أحد من البشر فيما اختصوا به .

وبهذا استحقوا أن يكونوا أئمة وهداة ومرجعا بعد النبي في كل ما يعود للناس من أحكام وحكم ، وما يرجع للدين من بيان وتشريع ، وما يختص بالقرآن من تفسير وتأويل .

قال إمامنا الصادق عليه السلام : ( ما جاءكم عنا مما يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردوه إلينا ، وما جاءكم عنا مما لا يجوز أن يكون في المخلوقين فأجحدوه ولا تردوه إلينا ” .

 عقيدتنا في أن الإمامة بالنص

نعتقد أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص على الإمام من بعده ، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق ، فليس للناس أن يتحكموا فيمن يعينه الله هاديا ومرشدا لعامة البشر. كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه ، لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله ولا يعين إلا بتعيينه

ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على خليفته والإمام في البرية من بعده ، فعين ابن عمه علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين وأمينا للوحي وإماما للخلق في عدة مواطن ، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم الغدير فقال : ( ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه كيفما دار).

ومن أول مواطن النص على إمامته قوله حينما دعا أقرباءه الأدنين وعشيرته الأقربين فقال : ( هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا ) وهو يومئذ صبي لم يبلغ الحلم .

وكرر قوله له في عدة مرات : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) إلى غير ذلك من روايات وآيات كريمة دلت على ثبوت الولاية العامة له كآية ( المائدة : 60 ) : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون ) ، وقد نزلت فيه عندما تصدق بالخاتم وهو راكع ولا يساعد وضع هذه الرسالة على استقصاء كل ما ورد في إمامته من الآيات والروايات ولا بيان وجه دلالتها

ثم إنه عليه السلام نص على إمامة الحسن والحسين ، والحسين نص على إمامة ولده علي زين العابدين وهكذا إماما بعد إمام ينص المتقدم منهم على المتأخر إلى آخرهم وهو أخيرهم على ما سيأتي :

عقيدتنا في عدد الأئمة

ونعتقد أن الأئمة الذين لهم صفة الإمامة الحقة هم مرجعنا في الأحكام الشرعية المنصوص عليهم بالإمامة اثنا عشر إماما ، نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله جميعا بأسمائهم ، ثم نص المتقدم منهم على من بعده ، على النحو الآتي :

 1-أبو الحسن علي أبي طالب ( المرتضى ) المتولد سنة 23 قبل الهجرة والمقتول سنة 40 بعدها .

 2-أبو محمد الحسن بن علي " الزكي " ( 2 -50)

 3-أبو عبد الله الحسين بن علي " سيد الشهداء " ( 3 - 61)

 4-أبو محمد علي بن الحسين " زين العابدين " ( 38 - 95)

 5-أبو جعفر محمد بن علي " الباقر " ( 57 -114)

 6-أبو عبد الله جعفر بن محمد " الصادق " ( 83 - 148)

7-أبو إبراهيم موسى بن جعفر " الكاظم " ( 128 -183)

8-أبو الحسن علي بن موسى " الرضا " ( 148 - 203)

9-أبو جعفر محمد بن علي " الجواد " ( 195 - 220)

 10-أبو الحسن علي بن محمد " الهادي " ( 212 - 254)

 11-أبو محمد الحسن بن علي " العسكري " ( 232 - 260)

 12-أبو القاسم محمد بن الحسن " المهدي " ( 256 - . . .) وهو الحجة في عصرنا الغائب المنتظر ، عجل الله فرجه وسهل مخرجه ، ليملأ الأرض عدلا وقسطا بعد ما ملئت ظلما وجورا.

 

 

الخطاب وطريقة فهمه

يحيى محمد

 أهم نقطة يجب أن نركز عليها هي أن هناك فارقاً عظيماً بين الخطاب وبين الطريقة الموظفة لفهمه. فالطريقة لا تنقل الخطاب كما هو، بل تتصوره بحسب قواعد ومسلمات قبلية تشكل محور النشاط في الفهم وإنتاج المعرفة. والفارق بين الخطاب وبين طريقة فهمه، هو كالفارق بين الطبيعة وعلمها. فمثلما أن هذا العلم يتصور الطبيعة ضمن اعتبارات وقواعد قد تؤدي إلى عدم المحاكاة والمطابقة بينهما، كذلك الحال في علاقة الطريقة المعرفية بالخطاب، حيث أن ما تحمله من اعتبارات قبلية من الممكن أن تجعل آلية الفهم التي تؤسسها لا تطابق حقيقة ما عليه الخطاب. لهذا فان اختلاف الطرق والقنوات المعرفية غالباً ما يفضي إلى تباين طبيعة الصورة المرسومة للخطاب أو الفهم المنتزع عنه.

طبقاً لذلك يمكن القول أن الفارق بين الخطاب كموضوع في ذاته وبين الفهم الذي يختص بذاتنا هو إلى حد كبير عبارة عن الفارق بين (الشيء في ذاته) و(الشيء لذاتنا)، كما يقول عمانوئيل كانط. وإذ نقول (إلى حد كبير)، فإنما نقصد بأن الفارق بين الأمرين لا يصل إلى حد القطيعة التامة. إذ لا مانع من أن يتطابق الشيئان (في ذاته ولذاتنا)، وإن كان ذلك من الأمور التي يصعب تحقيقها على الوجه القاطع إلا في قضايا محدودة، كتلك التي تعدّ جوهر الخطاب ومبرر وجوده في نفس الوقت، وهي قضية (التكليف). فهي بمثابة البديهة في الخطاب، بما تقتضيه وتتضمنه من محاور أساسية كوجود المكلف (التوحيد)، والمكلف (العبودية)، والواسطة بينهما (الرسالة)، والحساب كثمرة للتكليف (الآخرة أو القيامة) .. الخ. فالتكليف هو القضية المركزية التي يجب أن تكون محل أطباق وموافقة جميع أنواع الفهم المنتزعة عن الخطاب، إذ بدون الاعتراف بهذه القضية لا يعد الخطاب خطاباً حقيقة، لأنه يغدو فارغاً من مضمونه، الأمر الذي يؤدي إلى انهيار جميع ما يقام عليه من فهم. وعليه كان من الضروري أن يكون الشرط الأساس في قبول الفهم المعتبر للخطاب هو الاعتراف بهذه القضية المحورية. أما السبب الذي يجعلنا نعد هذه القضية محل قطع وتطابق بين الشيئين (في ذاته ولذاتنا)، هو أننا اعتماداً على منطق حسابات الاحتمال نرى أن القرائن الدالة على مصداقية وصميمية هذه القضية في الخطاب هي كثيرة جداً إلى درجة يصعب إحصاؤها، رغم أن تفاصيلها الخاصة تخضع من هنا وهناك إلى الترجيحات الاحتمالية. وسنرى ما لقيمة هذا المنهج المنطقي من أثر في تغيير الكثير من الموازنات والصور المستخلصة من الخطاب عبر الفهم.

على أن أهم عامل يجعل من الطرق والأجهزة المعرفية عبارة عن قنوات اجتهادية تتنافس فيما بينها لأن تعبر عن مطابقتها لحقيقة الخطاب، هو أن الخطاب ذاته يمتاز بخصوصية فريدة هي قابليته على المطاوعة في تقبل مختلف الأنساق والاجتهادات، فهو حمّال ذو وجوه، على حد قول الإمام علي(ع). وهناك من القدماء مَن أدرك هذه المطاوعة، كما هو الحال مع الماوردي الذي يقول: (كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا يخلو من احتمال تأويلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه، ولا كلام أولى بهذه الصفات من كلام الله جل ذكره، إذ كان أفصح الكلام وأوجزه وأكثره رموزاً وأجمعه للمعاني الكثيرة (…) ولابد في الدين من وقوع الحوادث (الطارئة) التي يحتاج إلى النظر فيها، والنوازل التي لا تستغني العلماء عن استخراجها. ولذلك صار لكل رأي تُبَّع ومشرّعون، وأئمة ومؤتمون. وكان سبباً لاختلاف الأمم وانشقاق عصاها). وعلى نفس هذه الشاكلة يرى العديد من رجال المذاهب الاسلامية من أن دلالة النص لا تفيد إلا الظن، أو أنها مما تقبل التأويل والاحتماو رأي الغزالي والفخر الرازي والشريف المرتضى وغيرهم على ما سنعرف. بل يصل حد المطاوعة عند البعض إلى أبلغ من ذلك، كما هو الحال مع قاضي البصرة عبيدالله بن الحسن، إذ يقول: (ان القرآن يدل على الاختلاف. فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب. ومَن قال بهذا فهو مصيب، ومَن قال بذلك، فهو مصيب، لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين. وسئل يوماً عن أهل القدر وأهل الإجبار، فقال: كل مصيب، هؤلاء قوم عظموا الله وهؤلاء قوم نزهوا الله.. وكذلك القول في الأسماء فكل مَن سمى الزاني مؤمناً فقد أصاب ومَن سماه كافراً فقد أصاب، ومَن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب، ومَن قال هو منافق ليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب ومَن قال هو كافر وليس بمشرك فقد أصاب ومَن قال هو كافر مشرك فقد أصاب لأن القرآن قد دل على كل هذه المعاني .. وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافه وقتل المؤمن بالكافر ولا يقتل مؤمن بكافر وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب .. ولو قال قائل ان القاتل في النار كان مصيباً ولو قال هو في الجنة كان مصيباً ولو وقف فيه وأرجأ أمره كان مصيباً، إذ كان إنما يريد بقوله ان الله تعالى تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب. وكان يقول في قتال علي لطلحة والزبير وقتلاهما له ان ذلك كله طاعة لله تعالى). وحديثاً أدرك العديد من الباحثين والمستشرقين تلك المطاوعة، فالمستشرق (جولد تسيهر) يقول: (كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة (بيتر فير نفلس): كل امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه). وكذلك المستشرق (هورتن) أستاذ فقه اللغات السامية بجامعة بون، يقول هو الآخر: (إن روح الاسلام رحبة فسيحة بحيث أنها تكاد لا تعرف الحدود، وقد تمثلت كل ما أمكنها الحصول عليه من أفكار الأمم المجاورة، فيما عدا الأفكار الملحدة، ثم أضفت عليها طابع تطورها الخاص).

مهما يكن، ليست هناك قناة معرفية إلا وتمارس دورها الاجتهادي لفهم الخطاب. فحتى القناة التي تخزن وتشحن حمولتها من (النقل) لا تخلو من الممارسة الاجتهادية. فهناك اعتبارات مبدئية وتصورات قبلية تقوم عليها آلية افهم أو تتداخل معها، مع انها ليست بالضرورة تتطابق مع الخطاب كـ(شيء في ذاته). ذلك أن العملية ليست مجرد نقل آية أو رواية كما هي، بل انها عبارة عن هضم وتحليل وتركيب لمادة النص، وهو المعني بالفهم. حيث ان هذه العملية تجري طبقاً لتصورات بعضها قبلية وبعضها الآخر يتداخل مع الفهم ذاته، كالأخذ بالظهور العرفي واللغوي، واعتبار الشريعة بينة لا تحتاج إلى تبيين ولا تأويل، وكونها صادقة ومطلقة لا تحد بزمان ولا مكان، وما إلى ذلك من المفاهيم الكلية القبلية أو المتحدة بالفهم. وقد سبق لابن رشد أن أدرك الشكل الاجتهادي للمذاهب بما فيها المذهب النقلي، منكراً ما يزعمه كل منها من (أنها الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس، وان مَن زاغ عنها فهو إما كافر وإما مبتدع).

هكذا فحيث ان الأجهزة المعرفية تعبر عن قنوات اجتهادية في تأسيسها القبلي للنظر ومن ثم فهمها للخطاب، فان من الطبيعي أن لا يكون لأي منها حق النيابة المطلقة للخطاب، فضلاً عن الاستبداد بالنطق باسمه كحق فردي مطلق. فكونها قائمة على تصورات قبلية أو متداخلة مع الفهم، وكونها مختلفة يما بينها، كل ذلك يجعلها موضع نظر وبحث، خاصة وان الخطاب كموضوع هو عبارة عن (شيء في ذاته) لا يطابق بالضرورة آلية الفهم المطروحة كـ(شيء لذاتنا). وهذا يعني أن وجود أجهزة فكرية جاهزة عرفها التاريخ ليس بالضرورة أنها تحظى بروح المطابقة والمصادقة ايبستومولوجياً مع الخطاب.

وطبقاً لذلك يصبح من الخطأ الجسيم ما يتصوره البعض حديثاً من أن للخطاب وضوحاً يجعله حاملاً للنظريات الكونية والفلسفية، كما هو الحال مع الدكتور علي سامي النشار الذي يذكر صراحة: (ومن الخطأ البالغ أن يقال أن القرآن خلو من النظريات الكونية والفلسفية وانه لم يرتد آفاق الوجود لكي يحددها في صورة نهائية). ثم يقول: (… ولكن من المؤكد أنه لم يترك نظرية أو مذهباً فلسفياً شغل به العقل الانساني بدون أن يبحث فيه، وأن يضع أصوله العامة). وهو يذكر جملة أمثلة كان منها: فكرة خلق الأشياء من لا شيء وايجاد العالم من العدم، منكراً فكرة قدم المادة، ومعلناً بدء الزمان ونهايته، (وبهذا أنكر سرمدية المادة وعدم فنائها).

على أنه إذا كان النشار قد توصل فيما توصل إليه، من أن القرآن الكريم يثبت فكرة خلق العالم من العدم، فقد سبق لابن رشد أن توصل من منطق القرآن ذاته إلى نقيض هذه الفكرة. فهو في البداية أنكر أن يكون في القرآن آية واحدة تنص على أن الله كان موجوداً مع العدم المحض، أي مع عدم وجود شيء آخر معه. بل واستظهر بعدد من الآيات إن العكس هو الصحيح، وبالتالي فإنه يرى أن العالم وإن كان حادثاً من حيث صورته، إلا أنه من حيث المادة أشبه ما يكون قديماً، كما يظهر في قوله تعالى: (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) هود/ 7، ذلك أن ابن رشد استظهر من أن الآية دالة على وجود أشياء سابقة لوجود صورة العالم كالماء والعرش والزمان الذي يقيس وجودهما. وكذلك هو الحال مع قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فصلت/ 11، معتبراً أن السماء خلقت من مادة سابقة هي الدخان.

وموقف ابن رشد هذا إذا ما أخذ على ظاهره فانه لا يناسب حقيقة معتقده الفلسفي في ثبات السماء وقدمها، بل ومن حيث عدم انفصال صور الأشياء الأرضية عن المادة أو الهيولى بأي شكل من الأشكال، فصحيح ن صور الأشياء عنده حادثة، لكن من حيث لا بداية حاسمة للحدوث، وبالتالي فان الأشياء وإن كانت حادثة من حيث جزئياتها الفردية، إلا أنها قديمة من حيث النوع، فكل فرد حادث يسبقه فرد حادث آخر وهكذا من غير بداية أو نهاية.

مهما يكن فالواقع أن الصور الإجمالية في القرآن الكريم تجعل من الصعب أو المستحيل التقرير بما هو أمر حاسم يعود إليه، فمع أن فيه جاء ذكر الماء والعرش والدخان كموجودات سابقة على الأرض والسماء، إلا أنها لم تخضع بدورها إلى البت في أمرها، لا بالحدوث ولا بالقدم. وعليه فان من السذاجة القول إنه يمكننا التوصل بيقين إلى نظريات مبثوثة في القرآن من هنا وهناك، ما لم تكن قرائن الاستقراء أو الاحتمال كثيرة في الوقت الذي تخلو فيه من وجود المحور المنافس لها. وحتى في هذه الناحية فان الصورة الإجمالية هي البادية في الأمر على الغالب، مما لا يدع مجالاً لاعتبار القرآن أو الخطاب محلاً لحمل النظريات (الممنطقة). وقد سبق أن كشفنا في بعض البحوث عن خطأ طريقة الاجتهادات القديمة التي كانت تروم نحو تحويل الخطاب إلى مرمى (ممنطق) يمكن الاكتفاء به في الكشف عن أحوال الأشياء بصورة قطعية. وذكرنا بعض الأمثلة على ذلك، كان منها الآيات المتعلقة بغاية خلق النجوم، كما في قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) الأنعام/ 97، وقوله: (إنا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب، وحفظاً من كل شيطان مارد) الصافات/ 6و7، وكذا قوله: (ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) الملك/ 5.

وقد قلنا فيما يتعلق بهذه الآيات أن تلك الاجتهادات التي تعول كلياً على نص الخطاب، قد حصرت على انشدادها نحو الدلالات اللفظية الظاهرة لتضفي عليها بعداً (منطقياً) مغلقاً من الاطلاق على صعيد الواقع، كما هو الظاهر من نفس النص، وتتصور أن الغاية من خلق النجوم لا تخرج عن أن تكون لهداية المسافر في طرق البر والبحر، وللزينة، وللحفظ ورجم الشياطين، دون أن يخطر ببالها حالة ما إذا كان السفر بالجو، ودون أن يختلج في نفسها الشك عما إذا كان من الممكن الاستغناء عن استخداما لنجم للهداية. كل ذلك يعسر أن يرد في ذهنية لم ينكشف لها أسرار وتطورات الواقع التكويني كما انكشف لها مفاهيم الكتاب التدويني. وهي لذلك لا تسمح أن يكون هناك تصور مضاف إلى ما ورد وحدد في النص، بتبرير ينساق من النص ذاته بعد إضفاء الطابع المنطقي الاطلاقي عليه. فمثلاً أنها تشعر لو أنه كان من الممكن الاستغناء عن استخدام النجم للهداية، لكان يعني أن من الجائز أن يصبح النجم معطلاً عن الغاية التي ذكرها القرآن الكريم كصيغة من صيغ الاطلاق وهو أمر لا تحتمله أبداً. كذلك هو الحال فيما يتعلق بصيغ الاطلاق الخاصة بخلق النجوم، فهي أيضاً لا تسمح عادة أن يضاف أي شيء من الغايات علاوة على ما ذكره النص بالاطلاق والحصر والاغلاق. لهذا كان بعض السلف لا يجيز القول بوجود فائدة أخرى تتعدى ما هو مذكور من فوائد، فكما نقل ابن كثير في تفسيره من أن بعض السلف كان يقول: (مَن اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه. إن الله جعلنا زينة للسماء ورجوماً للشياطين ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر).

 

 

أسس المنهج الاسلامي في التنمية الاقتصادية

  د. عبد الحميد الغزالي

يأتي الاسلام,كدين ونظام حياة,لاخراج البشرية مرة اخرى,كما أخرجها من قبل,من ظلمات "جاهلية" تعيش فيها,ومن تخبط "ضنك" مليئة بكل شرور الضلال,وضرب الفساد,وصنوف الظلم,وألوان الشقاء.فيقدم,بقواعده العامة المتكاملة,العقيدية والأخلاقية والتعبدية و التعاملية,تطهيراً حقيقياً للحياة البشرية,في حياة البشر وبقدرات البشر,بالعمل الدائب على استئصال هذه الشرور,والتصحيح الدائم لهذه الانحرافات,من خلال "تربية"و"ضوابط"و"منظمات" "ذاتية" حاكمة لحركة هذه الحياة.ويتم ذلك على أساس "تحرير" فعليّ للانسان من أي شيء ومن أي مخلوق,بتحديد دقيق وواضح لمركزه وغايته في هذه الحياة,وفي ظل "كرامة" ينعم بها, تليق به كانسان,كما أراد له خالقه سبحانه وتعالى."فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله,ذلك الدين القيم,ولكن أكثر الناس لايعلمون"(الروم/30)."ولقد كرمنا بني آدم,وحملناهم في البر والبحر,ورزقناهم من الطيبات,وفضلناهم على كثيرممن خلقنا تفضيلاً".(الإسراء / 70).

ومن هنا,جاء المنهج الاسلامي للتنمية كشرعة,ليعبد الأشياء في المجتمع الانساني الى طبيعتها,وكمنهاج يرد قضية التنمية الى عمادها,وهو:الانسان.

ومن ثم,تصدى هذا المنهج,على عكس المناهج الوضعية,لسؤال واضح ومحدد,وهو:بمن تقوم عملية التنمية؟وكانت اجابته واضحة ومحدودة أيضاً,وهي :بالانسان.أي إن عملية التنمية لكي تتحق على أرض الواقع,لابد أن تبدأ من الأصل أو من القاعدة,أي من الانسان,وتنتهي,في كل مرحلة من مراحلها المستمرة والمتصاعدة بالانسان وللانسان,أي من أجل الانسان.

فالانسان,وفقاً لهذا المنهج الرباني,هو أهم وأسمى ممن في هذا الوجود ومما فيه.ومن ثم,هو,بحق,الوسيلة الرئيسة لعملية التنمية."اعبدوا الله مالكم من إله غيره,هو أنشأكم من الأرض,واستعمركم فيها,فاستغفروه ثم توبوا اليه,إن ربي قريب مجيب".( هود / 61).

وهو,في الوقت ذاته,غايتها,لكي يستطيع,باستمرار,القيام بتبعة "العبادة", والتي تشمل "جميع" أعمال الانسان,وعلى رأسها "إعمار" الأرض,وفقاً لشرع الله,وعليه,تتصف عملية التنمية,وفقاً لهذا المنهج,بالاستمرارية المستمدة من استمرارية الانسان في عبادة الخالق تبارك وتعالى."وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ماأريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين".(الذاريات/ 56- 58 )."قل إن صلاتي ونك ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له".(الأنعام / 162 – 163).

ولكن,أي انسان يقصده المنهج الاسلامي ؟الانسان المقصود,وفقاً لهذا المنهج,هو تأكيداً,الانسان"العادي",انسان أرض الواقع,كما خلقه الله,بفطرته- قوةً وضعفاً,وليس الانسان الذي يتخيله الذهن الوضعي كمخوق من مخلوقات "الاقتصاد", أي "الرجل الاقتصادي",أو من مخلوقات "المادة",أي "الترس الاجتماعي".انه الانسان الذي تربى على أخلاقيات الاسلام,وسلوكيات الاقتصاد الاسلامي,والنظام الاقتصادي الاسلامي,والنظام الاقتصادي الاسلامي,أو قل ,إن شئت: الانسان "الأخلاقي",أو "السوي",أو "الصالح”.

هذا الانسان "الواقعي" هو الانسان المحرر,حقيقة,من الاستعباد والاستغلال,أي من الظلم بشتى صوره.فهو الانسان المحترم لذاتيته,والمكرّم لآدميته,الذي ينعم عملاً بالحرية والعدل.وبدون تحقيق هذين المطلبين,بسبب البعد عن شرع الله,لن يتحقق المشروع الانساني- الممكن – في إعمار الأرض,ولن يتمكن الانسان من القيام بتبعة تنفيذ هذا المشروع,ومن ثم,يظل التخلف قائماً,وتظل المعيشة الضنك جاثمة على عقول البشر وحقولهم.

ولكي يحقق هذا المنهج متطلبات هذا الانسان الفطري عملياً,وكجزء من الاسلام,كان مدخله الطبيعي هو المدخل العقيدي الايماني,وهو :مدخل التوحيد,والتوحيد هو العبادة,وهي,بدورها,غاية خلق الله سبحانه وتعالى للجن والإنس. ويتضمن التوحيد توحيد الذات والأسماء والصفات."قل هو الله احد.اله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولو يكن له كفواً أحد"( سورة الاخلاص)."ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها,وذروا الذين يلحدون في أسمائه,سيجزون ما كانوا يعملون".(الأعراف/ 18)"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"( الشورى/11).

ويشمل التوحيد :توحيد "الربوبية" وتوحيد "الألوهية”.

هذا التوحيد هو توحيد الله بأفعاله,تعالى,ومن ثم التلقي منه,سبحانه, الشرائع المحددة للقيم,والموجهة للمعيشة,والمنظمة لحركة الحياة.فالربوبية تقتضي عبادة الله سبحانه وتعالى بالتفويض والتسليم."إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون".(يونس / 3).

هذا التوحيد هو توحيد الله تعالى بأفعال العباد,ومن ثم التوجه لله وحده سبحانه بالشعائر التعبدية,والدعاء والرجاء,والرغبة والرهبة,والخشية والتقوى,....فالألوهية تقتضي عبادة الله سبحانه وتعالى بالأمر والنهي,والمحبة والخوف,والطلب والرجاء...

وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي اليه أنه لا اله الا أنا فاعبدون ".(الأنبياء / 25).

ويعني إفراد الربوبية والألوهية لله وحده سبحانه- تلقياً للشرائع وتوجهاً بالشعائر – اخلاص "العبودية" لله وحده,أي اخلاص الدين له سبحانه,من قبل الانسان في كل خالجة في ضميره,وكل حركة في جوارحه,وكل نشاط في حياته,فلايوجد,وفقاً لهذا المنهج القويم,تصرف إنساني لا ينطبق عليه معنى "العبادة".وهي ,كما عرفها شيخ الاسلام ابن تيمية,اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.والانسان أمامه خياران,لا ثالث لهما,فإما أن يختار العبودية لله,واما أن يرفض هذه العبودية,فيقع لا محالة في عبودية غير الله ."ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لاتعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين.وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم".(يس / 60-61).

إذن , إفراد الربوبية والألوهية لله سبحانه,ومن ثم اقرار العبودية الخالصة له تعالى,هو أشرف تكريم للانسان,لأنه اخراج له"..من عبادة الله وحده,ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة,ومن جور الأديان الى عدل الاسلام ".فالتوحيد,بهذا المعنى الاسلامي الشامل والدقيق,يرفع الانسان الى شرف العبودية لله,ومن ثم يحرره,نهائياً وتماماً,من كل عبودية لغيره تبارك وتعالى."إياك نعبد,وإياك نستعين".(الفاتحة / 5).فهذه الآية الكريمة جمعت ,باعجاز,مكوني التوحيد ,فأولها يشير الى عبادة الله بمقتضى الألوهية,وآخرها يشير الى عبادته سبحانه بمقتضى الربوبية.

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق