الصفحة الاولى السياسة سياسة دولية محليات تحقيقات الثقافية المنبر الحر دراسات مشاعل نافذة الرياضة الاخيرة اتصل بنا أعداد الجريدة (الارشيف) من نحن الصفحة الرئيسية من نحن نهج الدعوة الاسلامية نهج الائمة الصالحين منبر الدعوة الحر اتصل بنا

العدد : (940) الاربعاء 11 صفر 1431هـ 27 كانون الثاني 2010م

دراسات

عقائد الامامية

كتاب في حلقات

الشيخ محمد رضا المظفر

الحلقة السابعة عشر

عقيدتنا في الرجعة

إن الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آل البيت عليهم السلام أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ، فيعز فريقا ويذل فريقا آخر ، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت ، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب ، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمني هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أن يخرجوا ثالثا لعلهم يصلحون : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) " المؤمن نعم قد جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا ، وتظافرت بها الأخبار عن بيت العصمة . والإمامية بأجمعها عليه إلا قليلون منهم تأولوا ما ورد في الرجعة بأن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام المنتظر ، من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتى.

والقول بالرجعة يعد عند أهل السنة من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها ، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها .

ويبدو أنهم يعدونها بمنزلة الكفر والشرك بل أشنع ، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبز به الشيعة الإمامية ويشنع به عليهم . ولا شك في أن هذا من نوع التهويلات التي تتخذها الطوائف الإسلامية فيما غبر ذريعة لطعن بعضها في بعض والدعاية ضده .

ولا نرى في الواقع ما يبرر هذا التهويل ، لأن الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد ولا في عقيدة النبوة ، بل يؤكد صحة العقيدتين ، إذ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشر ، وهي من الأمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبينا محمد وآل بيته صلى الله عليه وعليهم وهي عينا معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح عليه السلام ، بل أبلغ هنا لأنها بعد أن يصبح الأموات رميما ( قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)يس : 79 " . وأما من طعن في الرجعة باعتبار أنها من التناسخ الباطل ، فلأنه لم يفرق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني ، والرجعة من نوع المعاد الجسماني ، فإن معنى التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الأول ، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني ، فإن معناه رجوع نفس البدن الأول بمشخصاته النفسية فكذلك الرجعة .

وإذا كانت الرجعة تناسخا فإن إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام كان تناسخا ، وإذا كانت الرجعة تناسخا كان البعث والمعاد الجسماني تناسخا .

إذن ، لم يبق إلا أن يناقش في الرجعة من جهتين ( الأولى ) أنها مستحيلة الوقوع ( الثانية ) كذب الأحاديث الواردة فيها .

وعلى تقدير صحة المناقشتين فإنه لا يعتبر الاعتقاد بها بهذه الدرجة من الشناعة التي هو لها خصوم الشيعة . وكم من معتقدات لباقي طوائف المسلمين هي من الأمور المستحيلة أو التي لم يثبت فيها نص صحيح ، ولكنها لم توجب تكفيرا وخروجا عن الإسلام ، ولذلك أمثلة كثيرة : منها الاعتقاد بجواز سهو النبي أو عصيانه ، ومنها الاعتقاد بقدم القرآن .

ومنها القول بالوعيد ، ومنها الاعتقاد بأن النبي لم ينص على خليفة من بعده . على أن هاتين المناقشتين لا أساس لهما من الصحة ، أما أن الرجعة مستحيلة فقد قلنا أنها من نوع البعث والمعاد الجسماني غير أنها بعث موقوت في الدنيا ، والدليل على إمكان البعث دليل على إمكانها .

ولا سبب لاستغرابها إلا أنها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا ، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يقربها إلى اعترافنا أو يبعدها وخيال الانسان لا يسهل عليه أن يتقبل تصديق ما لم يألفه ، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول ( من يحيي العظام وهي رميم ) فيقال له : ( يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) نعم في مثل ذلك ، مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته أو نتخيل عدم وجود الدليل ، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي ، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى ( وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله) وكقوله تعالى ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) والآية المتقدمة ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين . . . ) فإنه لا يستقيم معنى هذه الآية بغير الرجوع إلى الدنيا بعد الموت ، وإن تكلف بعض المفسرين في تأويلها بما لا يروي الغليل ولا يحقق معنى الآية .

وأما المناقشة الثانية ، وهي دعوى أن الحديث فيها موضوع ، فإنه لا وجه لها لأن الرجعة من الأمور الضرورية فيما جاء عن آل البيت من الأخبار المتواترة.

وبعد هذا ، أفلا تعجب من كاتب شهير يدعي المعرفة مثل أحمد أمين في كتابه ( فجر الإسلام ) إذ يقول : ( فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة ) ، فأنا أقول له على مدعاه : فاليهودية أيضا ظهرت في القرآن بالرجعة ، كما تقدم ذكر القرآن لها في الآيات المتقدمة .

ونزيده فنقول : والحقيقة أنه لا بد أن تظهر اليهودية والنصرانية في كثير من المعتقدات والأحكام الإسلامية لأن النبي الأكرم جاء مصدقا لما بين يديه من الشرائع السماوية وإن نسخ بعض أحكامها ، فظهور اليهودية أو النصرانية في بعض المعتقدات الإسلامية ليس عيبا في الإسلام ، على تقدير أن الرجعة من الآراء اليهودية كما يدعيه هذا الكاتب .

وعلى كل حال فالرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها ، وإنما اعتقادنا بها كان تبعا للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت عليهم السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب ، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها ، ولا يمتنع وقوعها .

قيدتنا في التقية

روي عن صادق آل البيت عليه السلام في الأثر الصحيح : " التقية ديني ودين آبائي " و " من لا تقية له لا دين له " . وكذلك هي ، لقد كانت شعارا لآل البيت عليهم السلام ، دفعا للضرر عنهم وعن أتباعهم وحقنا لدمائهم ، واستصلاحا لحال المسلمين وجمعا لكلمتهم ، ولما لشعثهم .

وما زالت سمة تعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأمم وكل إنسان إذا أحس بالخطر على نفسه أو ماله بسبب نشر معتقده أو التظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي في مواضع الخطر .

 وهذا أمر تقضيه فطرة العقول ومن المعلوم أن الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية 

طائفة أو أمة أخرى ، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية بمكاتمة المخالفين لهم وترك مظاهرتهم وستر اعتقاداتهم وأعمالهم المختصة بهم عنهم ، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدين والدنيا .

ولهذا السبب امتازوا ( بالتقية ) وعرفوا بها دون سواهم . وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية .

وليست هي بواجبة على كل حال ، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للاسلام ، وجهاد في سبيله ، فإنه عند ذلك يستهان بالأموال ولا تعز النفوس .

وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة أو رواجا للباطل ، أو فسادا في الدين ، أو ضررا بالغا على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم .

وعلى كل حال ليس معنى التقية عند الإمامية أنها تجعل منهم جمعية سرية لغاية الهدم والتخريب ، كما يريد أن يصورها بعض أعدائهم غير المتورعين في إدراك الأمور على وجهها ، ولا يكلفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا.

كما أنه ليس معناها أنها تجعل الدين وأحكامه سرا من الأسرار لا يجوز أن يذاع لمن لا يدين به ، كيف وكتب الإمامية ومؤلفاتهم فيما يخص الفقه والأحكام ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملأت الخافقين وتجاوزت الحد الذي ينتظر من أية أمة تدين بدينها . بلى ! إن عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإمامية ، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم ، وكأنهم كان لا يشفى غليلهم إلا أن تقدم رقابهم إلى السيوف لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعباسيين ، بله العثمانيين.وإذا كان طعن من أراد أن يطعن يستند إلى زعم عدم مشروعيتها من ناحية دينية ، فإنا نقول له :

 ” أولا " أننا متبعون لأئمتنا عليهم السلام ونحن نهتدي بهداهم ، وهم أمرونا بها وفرضوها علينا وقت الحاجة ، وهي عندهم من الدين وقد سمعت قول الصادق عليه السلام : ( من لا تقية له لا دين له).

و " ثانيا " قد ورد تشريعها في نفس القرآن الكريم ذلك قوله تعالى : " النحل : 106 " ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر الذي التجأ إلى التظاهر بالكفر خوفا من أعداء الإسلام ، وقوله تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) ، وقوله تعالى " المؤمن : 28 " : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه).

 

 

الاسلام والحـداثة

محمد محفوظ

بما أنّ الحداثة هي وليدة التطور التاريخي والاجتماعي، وليست مسألة شكلية أو سلعة قابلة للاستيراد والتصدير، لذلك فهناك علاقة غير متوازنة بين واقعنا العربي والإسلامي ومفهوم الحداثة. وهذا لا يعني أن قدرنا المحتوم هو هذا، وإنما المرحلة التاريخية والاجتماعية، التي نعيشها لم تصل أو تبلغ مرحلة الحداثة وأنماطها المتعددة. فغياب التوازن ليس بسبب ذاتي، وإنما هي مسألة تاريخية، تنطبق على كل الشعوب والأمم. فهي ليست لحظة زمنية، وإنما هي عملية متواصلة ودائمة، تدخل في صميم حياة الناس ونسيجهم الاجتماعي.

ويبدو تاريخياً أن حيوية المجتمع ووعيه، هي التي تعطي قيمة حقيقية وفعلية للحداثة وغيرها من القيم التي تبلغها المجتمعات الإنسانية، بمعنى أن استيراد كل أشكال الحداثة إلى مجتمع ما، لا يحوله إلى مجتمع حديث، وإنما يزيد في ضياعه وتشتته وزدواجيته، ويكبله بمجموعة أخرى من المعوقات التي تحول دون نطلاقته الحقيقية والسليمة. كما تؤدي هذه العملية، إلى وجود مجتمعين تحت سقف واحد. مجتمع تقليدي يمارس حياته وأنماط علاقته، وفق معايير تقليدية، ويوازيه مجتمع آخر حديث يمارس حياته، وفق أحدث المعايير العصرية. وهذه هي حال المجتمعات العربية والإسلامية في الوقت الراهن.

فمنذ صدمة الحداثة الأولى، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية تعاني الشيزوفرينيا في كل شيء. هناك ثنائية التعليم التقليدي والتعليم الحديث، الاقتصاد التقليدي القائم على الصناعات الحرفية والوطنية، والصناعات الحديثة القائمة على المستورد الأجنبي، وهناك العلائق الاجتماعية، التي تتحكم فيها القيم المتوارثة، والعلائق الاجتماعية التي تحررت من تلك القيم، وجعلت نمط العلائق الحديثة إنموذجا يحتذى. وهكذا بقية المجالات والجوانب. فهذه الازدواجية الشاملة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، هي وليدة التعاطي المغلوط مع مفهوم الحداثة.

لقد نظرت الكثير من مشاريع وخطط التنمية إلى الحداثة بإعتبارها سلعة، بإمكان أي مجتمع إنساني استيرادها، وتوفير أشكالها في المجتمع، وبهذه العملية يتحول المجتمع إلى مجتمع حديث. وغفل الجميع أن الحداثة مرحلة نبلغها عبر تطور تاريخي اجتماعي. وبفعل هذه العملية ساد الاضطراب المنهجي والازدواجية والفصامية في كل شيء، فتحولت مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى أشبه ما يكون بلوحة فسيفسائية ومهشمة.

والسؤال الذي يطرح هو: كيف نخرج من وطأة الازدواجية وحالة الفصام النكد، التي تلف حياتنا العربية والإسلامية؟

1ـ التفاعل الواعي والمباشر مع القيم والمبادئ:

إن التجانس النفسي والاجتماعي، لا يتأتى إلا بصلة مباشرة، تربط الإنسان بقيمه ومبادئه، ومحاولة التفاعل معها بلا وسائط، حتى تمارس هذه القيم تأثيرها الإيجابي على حياة الإنسان في السر والعلن. ولعل هذا التفاعل الخلاق، هو الذي حول تاريخ العرب من بداة، حفاة، عراة، إلى صانعي حضارة شامخة، وصل تأثيرها أصقاع العالم كله.

فالتفاعل الواعي مع القيم الكبرى، يؤدي إلى توفر معنويات عالية، وروح وثابة إلى فعل الخير، وتجاوز كل العقبات التي تحول دون صناعته على المستوى الخاص والعام. فالفصام والازدواجية في الشخصية، لا تصيب إلا الإنسان، الذي لم يكون علاقة طبيعية وواعية مع قيمه ومبادئه.

2ـ تصحيح القيم الخلقية:

لا شك أن عصور الإنحطاط والتخلف، التي أصابت عالمنا العربي والإسلامي، أدت إلى فهم مغلوط للكثير من الصفات والقيم الخلقية. وكان هذا الفهم المغلوط والسطحي والسلبي لهذه القيم، هو الذي يغذي إستمرار التخلف في الواقع العربي والإسلامي. والخروج من حالة الازدواجية، لا يتم إلا بروافع قيمية، ترفع المستوى النفسي والروحي للإنسان، فتدب الحياة في أوصاله.

ولعل من أهم هذه الروافع، تصحيح القيم الخلقية التي تؤطر حياة الإنسان الخاصة والعامة.

ولنتذكر دائماً أن العلاقة النسبية بين الإمكان الحضاري والإرادة الحضارية، علاقة سببية تقع (الإرادة) فيها في رتبة السبب بالنسبة إلى الإمكان.

 

 

الترجمة.. بين المثاقفة والعولمة

د. المصطفى عمراني

من المعلوم أنّ الترجمة شكّلت على الدوام بإعتبارها نشاطاً إنسانياً جسراً للتواصل والتفاعل والتلاقح بين اللغات، ورحلة في الثقافات والحضارات المغايرة، وسعياً نحو إرتياد آفاق جديدة وأسئلة وجود وهويات متنوّعة ومختلفة.. وقد دفعت أهميّتها (الترجمة) المهتمين بها إلى إنتاج خطابات متنوّعة حولها، تراوح موضوعها بين التساؤل عن نظرياتها ونماذجها وحقولها التطبيقية.

وقد ارتأينا في هذا المقام أن نربطها بإشكالية المثاقفة والعولمة. وهي إشكالية نبتغي من خلال الخوض فيها إثارة جانب مهم يمكن إختزاله على الشكل التالي: هل ما زالت الترجمة تساهم – كإستراتيجية لتوليد الاختلاف – في تكريس لغة المثاقفة ولغة الحوار بين الثقافات والحضارات المتنوعة؟ أم أنّ دورها في الوقت الراهن سلبي في ظل العولمة الكاسحة التي تلغي الخصوصية اللغوية والهوية الثقافية والشخصية الحضارية للأمم، وتدحض فكرة التوازن لصالح الهيمنة والاختراق وتكريس الثقافة الواحدة؟

بمعنى هل الترجمة - كما يذهب إلى ذلك رشيد برهون- باعتبارها رديفة التعددية والتنوع، مثاقفة ندية؟ أم خضوع "عولمي" يرمي إلى إقصاء كل أشكال التعدد اللغوي والثقافي؟ كيف تغدو الترجمة وسيلة لإحلال الحوار بين الثقافات؟ وبأي معنى تضطلع الترجمة بدورها كاملاً لخلق مثاقفة متوازنة تنبني على الإغتناء المتبادل لا على الإلغاء والتفاضل؟ وكيف تصير الترجمة، في سعيها إلى مد الجسور الواصلة بين الثقافات، الجواب الثقافي على تحديات العولمة وهي تروج لأسطورة الثقافة العالمية الواحدة؟ وكيف تغدو الترجمة إضافة وليس استيلاباً؟ في ضوء هذه الأسئلة وغيرها، ستحاول هذه المداخلة ملامسة بعض الجوانب التي تثيرها الترجمة في علاقتها بالمثاقفة والعولمة.

- أولاً: الترجمة والمثاقفة (من الوحدة إلى التعدد)

تجدر الإشارة إلى أنّ الترجمة باعتبارها جسر التواصل بين اللغات المتعددة والثقافات المختلفة والحضارات المتمايزة من الآليات التي اعتمدتها المجتمعات منذ بداية تشكلاتها الأولى وحتى هذه اللحظة، في التعريف بنمط عيشها وآدابها وفلسفتها وتقاليدها وثقافتها.

لذلك باتت الترجمة من أهم الوسائل المستغلة قديماً وحديثاً في خلق التلاقح الحضاري بين الأمم والشعوب من خلال منطق الأخذ والعطاء، الإقتباس والإبداع، الإستيعاب والإنتاج.. لكل المظاهر الفكرية والمعرفية والثقافية التي تعكس بلا شك تصورات مختلفة ورؤيات للعالم متباينة عند الناطقين بها أو الممارسين لها.

وكنتيجة حتمية لهذا التواصل الكوني، أصبح التفاعل بين الثقافات القومية والحضارات المختلفة يعتمد على الترجمة ليس باعتبارها ترفاً فكرياً، بل ضرورة إنسانية أملتها شروط الاختلاف والتعدد القائمة بين الأمم. لأنه لولا هذا الاختلاف والتعدد لما كانت الترجمة ضرورية ولا حتى ممكنة.

وعليه، فإن وجودها وديمومتها مقرونة بهذا التعدد على مستوى اللغات والثقافات والحضارات. فهي لا تهدف، كما يقال عادة، إلى أن تطابق الأصل وأن تحاكيه وتماثله، بل أن تكرس ثقافة الاختلاف وأن تصبح استراتيجية لتوليد الفوارق.

بهذا المعنى تكون الترجمة، لا علامة على تبعية ونقل وتجمد وموت، وإنما على انفتاح وغليان وتلاقح وحياة.

ولنا في التراث الإنساني شواهد مهمة لأشكال التلاقح والحوار الحضاري بين الأمم رغم التباينات العرقية والدينية واللغوية والمعرفية. حيث لعبت الترجمة داخل هذا العبور الثقافي والحضاري دوراً طلائعياً في إغناء وإثراء هذه الحضارات بما تختزنه سابقاتها من خبرة وتقدم في مجالات وحقول معرفية وفكرية وثقافية مهمة.

من هنا عدت الترجمة رديفة المثاقفة (Acculturation) لأن كلتاهما بحث وسعي نحو ارتياد آفاق مغايرة لأشكال الثقافة المختلفة وأسئلة الوجود المتعددة.. في ظل التعايش الحضاري والتنوع الثقافي. كما يختزلان (الترجمة والمثاقفة) واقع تعايش الحضارات المختلفة في لحظة من لحظات الإبداع التي يتمخض عنها تجدد الحضارات ونماؤها.

في هذا السياق، يمكن اعتبار الترجمة مثاقفة كما حدّدها الباحث الاجتماعي الفرنسي ميشال دوكستر (Michel de coster) باعتبارها "مجموع التفاعلات التي تحدث نتيجة شكل من أشكال الاتصال بين الثقافات المختلفة كالتأثير والتأثر والاستيراد والحوار والرفض والتمثل وغير ذلك مما يؤدي إلى ظهور عناصر جديدة في طريقة التفكير وأسلوب معالجة القضايا وتحليل الإشكاليات، مما يعني أن التركيبة الثقافية والمفاهيمية لا يمكن أن تبقى أو تعود بحال من الأحوال إلى ما كانت عليه قبل هذه العملية").

ولنا في الحوار بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية على مرّ التاريخ شاهداً على دور الترجمة في هذا التلاقح والتواصل في ضوء الاعتراف بالتنوع الثقافي: فالحضارة العربية الإسلامية في لحظة من لحظات بناء صرحها الكبير لم تتقوقع على نفسها، بل حاولت في إطار المثاقفة وعبر حركية الترجمة أن تتفاعل مع الحضارات الأخرى وأن تغترف من منابعها في ميادين الفلسفة والمنطق والأدب والنقد والفلك والهندسة والكيمياء والطب وغيرها من المجالات، وعكفت على دراستها وتفسيرها وتمثلها والتعليق عليها وشرحها وتصحيح بعض ما ورد فيها، وأضافت إليها كثيراً من الحقائق والإكتشافات وأسست في ضوء ذلك علوما جديدة، ظلت مصدر العلم والمعرفة في العالم كله لقرون طويلة).

وكان لابدّ للحضارة الغربية في لحظات النهضة الحديثة، لكي ترتقي إلى مستوى ما وصلته الحضارة العربية الإسلامية من تطور مذهل في أهم مجالات الحياة الفكرية والاقتصادية والعلمية.. إلا أن تتزود هي الأخرى من معينها (الحضارة العربية الإسلامية) وتتكيف معه وتهضمه وتضيف إليه لتحوله فيما بعد لفعل إبداعي مغاير. ولعل ما نشهده اليوم من تراكمات اقتصادية وتطور مذهل في مجالات شتى من قبيل العلوم البيولوجية والتكنولوجية والأقمار الإصطناعية ومجالات التواصل الرقمية.. كان نتاجاً لذلك التلاقح الحضاري مع الثقافة العربية الإسلامية في لحظة من لحظات التاريخ التي شكلت نقطة تحول في المسار الذي نهجته الحضارة الغربية عموماً.

هكذا تبدو الترجمة ومع كل مثاقفة أو تلاقح ثقافي وحضاري إضافة وليس استيلاباً، إضافة لأن الحضارات التي كان لها حضوراً فعلياً في إثراء التراث الإنساني لم تغتن من تلقاء ذاتها، بل من قدرتها على استيعاب عناصر ثقافية أجنبية وإدماجها في تركيبتها، وتحويلها إلى فعل ثقافي مغاير، دون أن تتنازل عن مبادئها الثابتة.

فداخل الحضارة العربية الإسلامية نجد بصمات الثقافات اليونانية والفارسية والهندية.. وداخل الثقافات الغربية هناك حضور قوي للثقافة العربية الإسلامية.

وهذا الدور الأساسي الذي تقوم به الترجمة – كقيمة مضافة – "نراه واضحاً من خلال النظرية التي تقول إن للحضارة أطواراً ومراحل وإن لكل طور ومرحلة شعباً من الشعوب يحمل مشعل الحضارة... إذ ليس باستطاعة أي شعب أن يحمل هذا المشعل إلى الأبد... بل هو يأخذه من شعب سابق ويسلمه إلى شعب لاحق... مستفيداً من مجمل الإنجازات التي توصلت إليها الشعوب الأخرى قبله”.

هكذا يتبين أن كل وضع تثاقفي يختلف في بيئة ما وفي زمان ما عما قبله وعما بعده، بفعل التغييرات التي تحدثها الترجمة في البنيات الثقافية، فتحولها إلى تمثلات جديدة تشكل قيمة مضافة إلى التراث الإنساني.

فلا مجال إذن للحديث – أمام ثقافة الأخذ والعطاء، الإستيعاب والإضافة... التي تسهم فيها الترجمة عبر آلية المثاقفة – عن محاكاة الأصل ومطابقة ثقافة الآخر كما هي، بل المسألة تتعدى إلى عملية التمازج والانصهار في إطار الإيمان بالاختلاف والتنوع الثقافي الذي ينتج عنه فعلاً ثقافياً جديداً.

في ضوء ما سبق، نتساءل: هل الترجمة في الوقت الراهن، وأمام الاكتساح الذي تعرفه العولمة على جميع الأصعدة، لازالت تلعب دوراً طلائعياً في عملية المثاقفة؟ أم أنّ العولمة وأمام الرهان الذي تحمله والمتمثل في تقليص مجموعة من اللغات والثقافات ومحاولة صهرها داخل الثقافة العالمية الواحدة، تؤدي بذلك إلى تقليص دور الترجمة باعتبارها تمثيلاً لكل أشكال التعددية والتنوع الثقافي؟

- ثانياً: الترجمة والعولمة (من التعدد إلى الوحدة)

لعل من البداهة القول إنّ الشعوب غير متطابقة ثقافياً، ولكل شعب خصوصيته التي تمايزه عن غيره. لكن التمايز الثقافي ليس امتيازاً، والاختلاف لا يلغي وجود أواصر إنسانية مشتركة.

وإذا كان هناك اليوم توجه لقيام ثقافة عالمية، فإن دعوة كهذه قد تشكل خطراً في ظل عصر العولمة، الذي وإن كان يمتاز بسرعة هائلة على مستوى انسياب المعلومات وتدفق المعارف، فإنه مع ذلك يسهم في تكريس عدم التكافؤ التكنولوجي والإعلامي، ويوجهها في اتجاه تقليص الهوة بين الثقافات المتنوعة، وبالتالي محاولة صهرها داخل الثقافة العالمية الواحدة، هي ثقافة القطب الواحد، ثقافة الآخر الغربي الذي بدأت أسهمه ترتفع على حساب أسهم الثقافات الأخرى، ومن ضمنها الثقافة العربية

Copyright © 2009 - AL Dawaa newspaper | www.aldawaanews.net

جميع الحقوق محفوظة لجريدة الدعوة - تصدر عن حزب الدعوة الاسلامية - تنظيم العراق