|
الزمكانية وتألق مرآة الشعر
رحاب حسين الصائغ
ولد الشاعر سامي هادي عام ( 1957) في اربيل، عمل في الصحافة، له مجاميع
شعرية منها ( دين الأعشاب في ليل سماءه صافية والقمر يبث ضحكته بتألق
لا صليل فيها، تناولت كتاب ارواح في العراء، اخذت اغيب في اسطرهِ
والقصائد تتمايل بسحرها تخفف من وحشة اللحظات، للشعر اشراقة مشرعة
نوافذها للتلاحم الفكري والابداع، توقفت عند قصيدة للشاعر سامي هادي،
ص 313/ ، كانت كأرغفة الخبز الساخنة شديدة الشهية، حيث يعالج الشاعر
سامي هادي في قصيدته قضية مهمة تقض مضجع الانسان، وبشكل لامباشر، تعبق
برياحين ازهار الجبل النادرة الوجود، بتطلع جميل لحاضر ومستقبل
القضية، خالقاً من مفرداته وعباراته ألذ محدثات الشعر المعاصر، بصور
موحية رقراقة كعزف أثيريّ في فضاء مشبع بالحب، ورنة الحزن تتخللها بروح
منسجمة مع ذاتها.
قصيدة الشاعر سامي هادي، ( لا منزل هناك يشبه البحر) تحمل الكشف
المتمخض عن الزمكانية في حوار أبيض له أبعاد جمالية، بين " كمنجة ومرآة
" حيث الحلم متصل بالحقيقة التي تتعب عقل وفكر الشاعر، خصائصها تتغذى
على أساس المفهوم السائد في مجتمع استهلكته فواجع غابرة، وآنياً يعيش
مفردات لواقع أكثر تفتح وانسجام مع الحاضر والمستقبل الجميل الذي يمهد
لنظام مشع بالحرية، حيث يقول: كانت كمنجة تحادث المرآة وتبصر رقص
ترنيمة في ليل أهدأ من نافذة تحكي لشمعة ذكراها.. الشاعر سامي، ينظر
لصياغة مفرداته في محكم هذا المقطع في بداية القصيدة، "كمنجة تحادث
مرآة"، مع العلم انها توجه الحديث للشمعة، "شمعة" لا غير، يقدم صورة
جمالية رائعة.
والليل يعني الوحدة ونوع من القسوة، تخلل هذا الليل حوار جليل بين
جوامد (كمنجة ومرآة وشمعة) والثلاثة لهم وقعهم في الحياة، فعل الكمنجة،
النغم الجميل، وفعل المرآة، عكس الصورة أي الواقع، وفعل الشمعة،
الاضاءة ويعني الامل، بعيداً عن استجداء العواطف، كتب بروح شاعرية
صافية، ادخل مقومات الفرح والواقع والامل في القضية المطلوب العمل من
اجلها، يريد ان يقول ان الحياة مستمرة والابصار من جانب آخر لها وهو
التحضر والعقلانية ورفع مستوى الفرد كي يتم الامل المنشود بقوة اكثر
تأثراً ونجاحاً، لأن الفرد عندما يضحي من اجل شيء ويفهم ابعاده يكون
متأهب لكل مواجهة مهما حملت من صعوبة، يقول: تحدثت عن تحجر الزمن
والألوان المتناثرة لا تلملمها كمنجة والشاعر يقصد هنا ان الانسان
البسيط يقدر على التضحية وبرفعة رأس، ولكنه لايقدر على التأسيس لها
كمثل القادة، انه شعلة القضية، والقضية تحتاج للتخطيط الجيد والدقيق،
حتى لا يصيب الفشل سواحل العمل، ربط جميل في صيغة ابداعية ما صوره
الشاعر سامي في قصيدته الحداثوية والمعاصرة لزمن الفرد في كوردستان
العراق، ثم يقول: وترى في ضباب شوارع السحب شجرة أثمرت طفولتنا
طفولتنا.. أية أحاديث هي تخجل منها المرآة ولا تدفئها لوحة متشحة
بالسواد. سامي هادي يقدم نوع من الاستفزاز الآخر لنقيض متقن من نوافل
الحياة العصية على قوافل الالم المتداخل في ذات الفرد الكوردي ودمجه في
مجهودات ليس من السهل التغلب عليها، لكنه عندما خلق من الضباب شوارع
للسحب؛ اعطى الامل في توالد الثقة، وعندما يقول اثمرت شجرة طفولتنا،
يؤكد بتصاعد شواهد الزمن في خلق صور كانت جذورها من الطفولة اجتثت
السواد، والمرآة هي الذات التي تخاطب هذا الامل المتنامي في النفس
بالخلاص، حيث يقول: أية هجرة هي تلك التأملات التي تعرض كؤوس الغربة
فيعسر عليَّ القول على سلم الثلج لأسأل الحمائم ألم يحن أوآن العودة
بعد؟ فيض من الأمل يجوب فكر الشاعر سامي، رغم الشعور بالغربة وغواية
الهجرة في تلك التأملات، محاولاً شنق الهواجس المحيطة به عاملاً على
التخلص من القتامة العالقة في ذهنه، فارضا نوع آخر من التأمل المزهو
بالتطلع الصافي، سائلاً لا أحد غير "الحمام" وهو يعلم ان الحمام يعني
الشروع بالحرية والطيران عبر اكبر مساحة من المكان، وما يسأل عنه هو
الرغبة الجامحة داخله، ليعود للقول: سأقول لـ( ملكندي) ثمة شجرة رمان
تشبه عينها أنفاس( قه يراوا ألا تعرفينها واقول ل..( صابونكران): هذه
النافذة، تشبه( خانقا) ألا تعرفينها؟ وأخبر عصافير ابراهيم باشا أسماء
الاماكن عند الشاعر تعني وجود لحياة لها وقع في نفسه هي من اقليم
كوردستان، متشبث بها لأنها رمز لكل الاقليم، ملتصقة في خانات طفولته،
يقدمها من منظور التفاعلية بوصفها دليل للذاتية النفسية، وعنصر من
عناصر تكوين الشخصية، وتمسكه بالأماكن وتدوين اسمائها يعني التأثر
المنسجم الذي اتى حصيلة التفاعل الاجتماعي والبيئي، ما قدمه الشاعر
سامي هادي هو بلورة الفكر في الابداع الفني والقدرة على الاستمرار في
استقراء آليات البنية اللغوية في شعره، ثم يقول: أم أزمة ذرفنا عليها
الدمع ذات يوم فلم تكف عن التأمل في المطر قائلة استميحكم العذر، لا
منزل هناك يشبه البحر.
سامي هادي يعود للمرآة والكمنجة والحوار الذي دار بينهما مستغلاً الشكل
الدائري للقصيدة، وعليه طرح التساؤل في كيفية خلق ثنائية مستحدثة في
توجيه معرفي تمكن من صنعه بانتظام متناغم متألق اعتمد مراتب التجربة
بالامتثال لقواعد التغيير في الاشكالية المتأتية من فضاء الحدث المنطلق
نحو الامل المنشود، حيث لا منزل يشبه البحر، والبحر هنا يعني المكان
بعمقه وفضائه وما بينهما.
أما قصيدة( الجحيم الأكثر عطاء) الشاعر سامي هادي يخاطب تلك التموهات
التي ترافق فضاءات النفس والعقل والقلب، كونها تشتبك في حالة الوجل عند
الانسان لحظات التعمق في الخوف المصاحب للشعور بشدة الموقف، وكم هي
ملحة في الحفر بأعماق الرأس في طلب معرفة الحدود المتوازنة بما هم به
منشغلون من القضية، الخسارات كانت ولابد من انزياحها وتغيير مسارها،
لكن لم تعد باقية، وها هي تؤثث للخروج من حجيم مستشعر به تجاهها
باستئصالها، والعوائق مازالت تسري في المجتمع، بقوله: الوجل، أيها
الجحيم الأكثر توغلاً في العطاء أوقدنا على شطآن الموج المشمسة سامي
يعالج كل صدأ بنوع مغاير من أنواع العلاجات ويجد أنَّ العلاج الامثل هو
الحكمة، التي تقود للتعقل والنظر الى البعيد من اجل حصاد الخير الوفير،
ومن أجل ضمان الموقف.
الموضوعي، في النص تعبير يعتمد عوامل فنية في تخريج الصورة بعملية
معقدة لها بعدها الظلالي في الاسلوب الذي سلكه الشاعر سامي، ولنا النظر
في جزيئات القصيدة مثلاً، حيث يقول على الفيافي الطاعنة في الهدوء على
مرأى طمأنينة الرمل نخفي بنات شفاهنا من الدراما لا نقترف إثماً بلغ
أغصان المطر الشاعر يستعيد جلال الحلم واحداثياته المتنوعة بمعطيات
الواقع المنهجي في مرحلة الصراع الاولى، يستمد سامي مدلولات بلاغية في
عملية التصوير ومساحة ابعاد التحكم في موقف ليس.
محدد بل شمولي في معاصرة التجارب التي خلقها عالم متصل بالواقع، وما
يطرح من هذه العلاقات الاجتماعية تأملاته في التمييز الحاصل، دفعه لمثل
خلق هذه الصورة البلاغية الابداعية.
بقوله نتيه في عيون غيوم الرغبات الملتهبة لا نقدم على الإثم، بلغ
السراب الضرير نردد ترانيم الثلوج الهامدة على النيران سامي له اسلوبية
تتفرد عن غيرها، تشكل تركيباً ذا ميزاج تكاملي، فتأتي الصورة الشعرية
عنده بما ويتناسب الموقف، يقدم تكثيف في العبارة الشعرية ترتبط
بالمعادل الموضوعي، منسجمة خطوطها بما يفهم من حدود التعبير على تلاقح
المشاهدات الحسية فائقة الابداع، ورقة في استخدام اللغة ببلاغة ذاتية
مستعينا بالفكرة المنجزة والموافقة مع السببية النابضة بالحياة، مثل (
بلغ السراب الضرير/ ترانيم الثلوج الهامدة ) مفردة (الثلوج) تعني
التصلب، الصمت، السكون، وحتى احيانا تصل لمعنى التوقف عن الحياة،
(والترنيمة) تعني الخوض في سياق الطقوس، اذن ثلوج وترانيم تقودنا
لمعرفة قصده، ان الكلام فيما لاينفع يجب الابتعاد عنه، أما الرغبات
الملتهبة هو ما نريد، اي تحقيق الذات والحرية المستلبة، هذا هو الابداع
في ابتكار المعنى واختيار المفردة اللغوية في خلق الاسلوب الشعري
القوي، وجود مفردة (النيران) يعطي شيء من الانجذاب الى معطيات مطلوبة
لمجمل العملية، ثم يعود بنا الشاعر سامي، للقول: وما نحن إلاَّ تلك
الالوان التي لن يسمع لها صوت يعود لدائرة الجمالية المتاحة في
القصيدة، كي يمثل الواقع المر في اكثر من حالة، بل الفكرة الكلية بأقل
ما يمكن من تعابير تجيز تقلب المعاناة في قالب بلاغي غاية في الروعة
والشفافية المتلاحقة في مراعاته للفكرة، الشاعر سامي لا يقبل ان يبقى
اسير الماضي، يريد التقدم بكل قوة ممكنة واندفاع خالي من التمرد
العشوائي، حيث يقول: في آتون أحلامنا الخجول بطمأنينة أكثر مما لدى
مقبرة هادئة تلم الاوراق وتحاور الضباب هذا المقطع يسمى بالضربة
الشعرية، او كما في الشعر الياباني ( الهايكو)، لملم جوانب النقاط التي
تعتبر نقطة ضعف وسنَّ لها مادة سحب منها التوتر الذي داخلها بدقة
الجراح الذي يخرج شظية من جسد بأقل الم، مواجهة قوية قام بها الشاعر،
عندما يعلم شخص انه يملك اسباب الفشل ونوعه في داخله، يتمكن من العلاج
بصورة صح، وهذا لايعني عيب بل قوة لأنه امسك بموطن الخلل، وسيكون هو
المعالج معتمداً الاسباب حينها لحل مشاكله، في لحظة يعطينا الشاعر سامي
جمالية في عباراته اقوة من التي قبلها، تحتوي التناغم المكتنز بالهيبة
التي تليق بالقصيدة، مثل مفردة (مقبرة) حيث يصور الطمأنينة تحيط
المقبرة والهدوء، تعبير جميل يليق بمقابر الشهداء، مثل حلبجة وغيرها
حوت أجمل الزهور والورود، اضفى للمقبرة لمسة شفيفة ورسم لها لوحة
رائعة، مع انها مكان يدل على الحزن والفراق، استنطاقه مستنبط من ذاكرة
متمكنة وذهن خلاق في تميز جاد وذكي في ايحاءاته الرائعة والى آخر
القصيدة نجده على نفس المنوال وبنفس القدرة الشاعر سامي هادي له القدرة
على التكيف في استدراج لغته وتحويلها الى مادة فنية ادبية بغاية الذوق
والرقة، عندما يدخلها معمله الشعري، يقف امامها وبكل وجل واحترام
متذوقا المفردات.
قادراً على صبها في قوالب صنعته كالجوهرجي، قصائده لا تستجدي السلبي من
الحالة المعاشة بل تضيف لها الجمالية وتحولها باسلوبه المهذب الى قطع
نادرة ثمينة المعنى يقف امامها القارئ مندهشاً لروعتة تماسكها، صور
متداخلة في طرح قوي عن بلده وارض طفولته كأنها صلوات لحكيم تعلم حياء
المفردة وعذرية العبارة، معطيا مفاهيمه اسباب القبول الناضج.
اصدارات
بدور
صدرت عن دار الغربة للطباعة والنشر المجموعة القصصية (بدور) للقاص جواد
الكاتب وقد تضمنت هذه المجموعة احدى وعشرين قصة منها(امير المجانين،
انفاس متقطعة، بدور، ارث مثقوب) وكانت اقاصيص هذه المجموعة ذات مضامين
مختلفة في لغة سردية بسيطة مبتعدة عن التعقيد الذي امتاز به الفن
القصصي الحديث والذي ينشر في العديد من الصحف العراقية والعربية رغم
ذلك استفاد القاص من تقنيات السرد الحديث ومنها الابتعاد عن الحكاية
وتسجيل الواقع.
توابيت عائمة في الذاكرة
حاتم الصكر
ربما كان الشاعر عبد الوهاب البياتي أول من أذاع مصطلح "المنفى" في
الشعر العربي منذ الخمسينيات بدوافع سياسية، عاناها مباشرة في العهد
الملكي في العراق، فسمى ديواناً مبكراً له "أشعار في المنفى"، أو
تاثراً بـناظم حكمت، المنفي من وطنه(تركيا)، الذي قال فيه إن الشاعر
حين وضعوه في الجنة صاح ملتاعاً: وطني! وأطلق مقولته التي كانت عنوانا
لأحد دواوينه: "يالحياة المنفى من مهنة شاقة.
لاحقاً سيكون المنفى أكثر قسوة، فهو اختيار -لا اضطرار مثل حالة حكمت
والبياتي- يسعى إليه المنفيون بأقدامهم وتسعى بهم إلى حيث العناء
والنوستالجيا، وهذا ما يشخصه خلدون الشمعة خاتما ديوان الشاعر عبد
اللطيف اطيمش" توابيت عائمة"، الصادر مؤخرا، مضيفاً أن "معظم قصائد
الديوان... هو حصيلة ذاكرة منفية جمدتها تحديقة ميدوزا في الزمان
والمكان.
لا يخفي أطيمش تلك المزايا، بل يعلنها كعتبات لقراءة شعره، الذي ينتمي
إلى مدرسة الشعر الحر العراقية أيام صعودها الإيقاعي والصوري
والمضموني. لذا يمكننا أن نعثر على ثيمات واضحة تعزز المباشرة
والطبيعية التي يعلنها الشاعر مفتتحا لديوانه مقتبسا من «ييتس» قوله:
«شعر الشاعر ينبغي أن يكون مباشرا وطبيعيا مثل كلام محكي». ويهدي
الديوان إلى أخيه الأكاديمي والكاتب الراحل محسن أطيمش، «الذي حالت
المنافي دون لقائنا المؤجل»، فيصبح للمنفى تضاعيف وخسائر عميقة تبرر
الشكوى من مفرداته وتفاصيله، ولكنها قد لا تبرر الدعوة إلى أن يكون
الشعر مباشرا وطبيعيا كما نص المفتتح.
في اشتباك التداعيات يتناظر الماضي -لاسيما المكان (الناصرية أو بقايا
"أور" القديمة)- والحاضر، زمناً للعيش بعيداً وقصياً عن الذكرى.
ذلك يفسر احتشاد الديوان بأسماء الأصدقاء والشوارع والحارات ومحطات
القطار والمدارس والمغنين والأشعار الشعبية، وكل ما يستحضر تلك المدينة
الجنوبية وأهلها؛ ولكن في سياق فجائعي وبكاء يرتفع ليناسب مهمة الوضوح
والمباشرة التي يدافع عنها الشاعر مستعيراً المأثورات.
آه من قلة الزاد
ومن وحشة في الطريق
وطول السفر
وتوفر له هذه الأقانيم الثلاثة ملخصاً لما يعاني في أيام المنفى، خاصة
وقد أسند السفر للقلب لا الجسد، تعظيماً للوحشة.
آه من سفر القلب
ما بين منفى ومنفى
أين يمضي الزمان؟
وفي وطني
يهرم الناس قبل الأوان
ويزيد ألم الوصول إلى المنفى ما حل
بالمكان الأول، حيث صار الوطن توابيت عائمة فوق مياه نهرين كانا رمزاً
للخصب والحب والحياة.
مقابرنا سفن
فوق ماء الفراتين
تطفو التوابيت
ما بين نهرين
على صفحة الموج
لا أحد يوقف الموج
أو يوقف الموت
أو عارف أين ذاهبة
كل هذي التوابيت عائمة
فوق سطح المياه
تصطف في الديوان تفاصيل مدهشة يستعيدها الشاعر عن المكان الأول
(الناصرية) في تداعيات تؤشر إلى عمل الذاكرة بديلاً للخيال، فتنهمر
سجون وساحات وأغنيات ووجوه ورسوم وشوارع ومدارس ونساء وأصدقاء..
كان "جودي" المغني
نحيلاً
كعرجون سعف النخيل
وأسمر
مثل نواة البلح
كان يهوى الحياة
ويعشق ليل مدينته
ويهيم بواحدة من بنات المدينة
وهكذا تتشكل لوحة الوطن القصي الذي كان أيام جيل المنفى الأول جنة
مفقودة، فصار جحيما مشتهاة تغيم بعذوبة وعذاب فوق صفحة الذاكرة.
قصة قصيرة
لؤلؤة الأعماق
كمال شرف
كانت سراجه، ورائحة الورد في أيامه. هي دفء لياليه الباردة، ودواء
آهاته المتناثرة. هي حقيبة سفره، ومخدته المريحة. هي بيته الواسع. هي
روح تعيش لأجله، وهدف حياتها سعادته، لتحصل على سعادتها. لكنه دوماً
كان يحلم باللؤلؤة الكبيرة التي يسمع عنها من الرحالة المسافرين عبر
البحار. كان يشرب حلمه كل صباح لتلمع عيناه به، حتى يغوص في شوق،
شارداً عنها، فتملكه الحلم البعيد وانتزع إحساسه بها.
فخاطبته وهي تحاول تحقيق حلمه ": أنا قاربك فارتحل على ظهري إليها، إلى
لؤلؤة أحلامك المنشودة، فإني أدمن لمعة السعادة في عينيك.
رحل على قاربه الذي كان بالأمس سراجه ورائحة الورد في أيامه، حتى وصل
إلى جزيرة يقال إن لؤلؤته تسكن فيها. قفز مبتعداً عنها فرحاً مسرعاً
ليبحث عن لؤلؤته، ونسيها على الشاطئ تتلاطمها الأمواج حتى أخذتها
بعيداً عنه, وعن أحلامه.
كان مشغولاً بلمعان الرمال وألوان الأشجار، بأحجار ملونة تنتشر في كل
مكان. وحين احتاج أن يتسلق نخلة ليرى المنظر من الأعلى... بحث عنها،
ليتذكر أنه نسيها على الشاطئ. لقد تذكرها أخيراً، تذكر قاربه... سراجه
ورائحة الورد في أيامه.
فهرول إلى الشاطئ فلم يجدها، فانطفأت جزيرة أحلامه، فقد رحل سراجه!
فتسمر في مكانه، متجمداً، بارداً... أما هي فقد وصلت إلى منتصف البحر
وكانت باكية ودموعها تنزل بغزارة، ليس لأنها أضاعت طريقها، بل لأنها لم
تره سعيداً بنجاحه وهو يقطف أعظم أحلامه.
وعندما كثرت دموعها غرقت إلى أعماق البحر، وكلما هبطت إلى الأعماق
أطلقت نوراً ولمعاناً! وكان يزداد نورها ولمعانها كلما توغلت في ظلمات
البحر، وحين وصلت إلى قعر البحر أصبحت لؤلؤة عملاقة أضاءت ظلمات
الأعماق... وفي كل لحظة كانت تطلق لمعانها كالبرق، ليتفجر البحر.
نجوماً تسافر إلى السماء لتضيء ظلاماً أحاط بعينيه..
وحين كان ينظر إلى السماء كان يراها في ضوء النجوم، وعندما ينظر إلى
البحر كان يراها في كل موجة تحاول أخذه إليها.
نصوص شعرية
ستار الدراجي
طيوركِ.. تعلم الحقائب الرقص
أنهض لصوتكِ
تسقط النجوم وتنحني قبلي
قبل قليل، هضاب من الضوء
تطارد قميصك
لتتعلم الغرور
وأنا أعرف طيورك
كيف تدرب الحقائب على الرقص
والليل على الرحيل
وحتى أبعثر أنفاسي في كل الجهات
افتحي أنفاسك
لينام النهار تحت وسادة الليل
هذه الليلة
وحيداً أتابع غيابك
على جبل تهشم في الرأس
وأنتِ.. مثل ظل
يتابع أقدام المساء
في الباب.. كان الضوء ينتظر
كان ضوءك.. ضوءك وحده
نحت نجومه في قميصي
****
ســـؤال
ما الذي يجعلُكِ أكثر احتراقاً من المطر؟
ربما أصابعُكِ التي تحترقُ بالتعاقبْ
أو حذاؤكِ الحالم
ما الذي وزعَ جسدَكِ تحتَ أنوثةِ الشمس؟
ربما فحولةُ الروح
ما الذي فجرَكِ في تقاطُعي
ربما هبوطي إلى أسفل.. أو
صعودي إلى أسفل |